صفحات المستقبل

للحرية الحمراء بابا.. عمرو


عمر حرقوص

حين خرجت حافلات النقل من منطقة “بابا عمرو” باتجاه البويضة بمرافقة سيارات “الهلال الأحمر السوري”، ظن هؤلاء النازحون أن قصتهم مع المأساة انتهت لتبدأ بعدها قصة جديدة مع اللجوء وتأمين مكان للسكن، وتوفير ألبسة للأطفال وطعام يأكلونه، في تلك الحافلات كان هناك أطفال ونساء ورجال وشبان وعجزة، عائلات بكاملها خرجت من “بابا عمرو” على ما يقدر الله، فراراً من القصف المدفعي والصاروخي.

في أحد شوارع مدينة حمص وجد راكبو الحافلات أنفسهم فجأة من دون الهلال الأحمر وحدهم على حاجز لـ”الشبيحة”، هكذا من دون حماية ولا حتى من يحمل كاميرا صغيرة ينقل هذا اللقاء بين من كانوا يتظاهرون منذ عام وبين من كان يطلق عليهم الرصاص والقذائف. وجهاً لوجه بين عائلات عزل حتى من ثياب زائدة وبين جنود مدججين بالسلاح والخناجر، ويتمنون أن يسجلوا انتصاراً ما ليفرح به الرتيب والضابط والوزير والرئيس الشاب “حكيم العيون”.

قد يقال الكثير عن تفاصيل هذا اللقاء، وقد تبقى امرأة ما قادرة على اخبار تلك اللحظات التي يشكل الرعب فيها جزءاً اساسياً من حياة اللاجئين، رعب يتحرك مع التنفس، ويأكل من العمر ما استطاع إليهم سبيلاً.

ولكن بالتأكيد لن يستطيع أحد أن يروي كيف خرج 68 شاب ورجل من “الباصات” إلى الشارع، وكيف بحثوا في عيون “عسكر الشبيحة” عن واحد يقول اتركوهم، أو كيف كانو يريدون في هذه اللحظة أن يضموا أطفالهم إلى صدورهم ويشمونهم قليلاً قبل الموت، لا أحد يعرف ماذا قال الأب لابنه الشاب وهما يسيران سوياً إلى “المذبحة”، ولا ما قالته الأم لابنتها حين تم اختطافهن لمتعة الضباط الذين يقصفون “بابا عمرو”.

ثمانية وستون حياة، فجأة صارت جثثاً، وصار الأولاد يتامى، فيما تحولت النساء إلى “جواري” لدى القاتل.. كأنما قرون الجاهلية البائدة عادت على ظهر دبابة “تي 72” واسلحة حديثة، ورجال مدججون بالرشاشات التي تطلق الرصاص بدلاً من السيوف. كأنما تحرير الجولان استنفد من “الجيش” قدراته العسكرية فأتى إلى حمص ليقتل المدنيين بطعنات السكاكين أو ما يسمونه ذبحاً.

جثث ورائحة دماء، قتلى، وجنون عظمة، واستفتاء النصف زائد واحد، وشبيحة قادرون على القتل والقصف والتدمير، والعالم نائم لا يرى ولا يسمع ولا يود القول. هذه المجزرة ليست آخر الدنيا ولكنها تؤكد أن نهاية الظلم تقترب لأن من يعرف أن نهايته قاب قوسين أو أدنى يستطيع أن يتصرف وكأنه سيموت غداً.

قد يقول البعض إن الحرية نصفان، الأول هو ما يتعلمه الناس في بيوتهم مع أهلهم وفي مدارسهم، وما يؤسسونه في داخلهم. والنصف الآخر للحرية هو “بابا عمرو” وشوارع مدينة حمص، فالناس الذين يستبسلون هناك أعطوا معنى جديد لفلسفة الحرية، معنى سبق المحاصرين في بغداد أيام حصار هولاكو وضربه لها بالمنجنيق، والمحاصرين في بيروت خلال اجتياح العام 1982، وحصار رام الله في العام 2002، إنهم المقصودين بقصيدة محمود درويش “حاصر حصارك لا مفر”.

في المدن السورية الأخرى يتجول “شبيحة” النظام بهيئة الموت، يوقفون حياة جميلة في درعا ويغتالون طفلاً له حلم على قدره في حلب، يستعجلون في اتخاذ هيئة المنتصر على الناس، مع انهم منذ خمسون عاماً والعدو الإسرائيلي يدور ويحوم فوق رؤوسهم وهم يجددون القول كل مرة “لن يجروننا إلى معركة لم نحدد وقتها”.

قبل ايام استطاع أحد شباب مدينة الزبداني المحاصرة عبور الحواجز الأمنية والفرار عبر الحدود باتجاه لبنان، اسمه مارسيل وهو مطلوب من “شبيحة” النظام لأنه من المنتخبين في المجلس المحلي لمدينته بعد إخراج الشبيحة منها، روى مارسيل في إحدى الجلسات قبل عودته مجدداً إلى سوريا ليكون إلى جانب أهله في وضعهم المظلم أن مدينته الجبلية تعرضت للتدمير الممنهج مع أن المجلس المحلي اتفق مع أحد اركان النظام على تحييد الزبداني وادخال الجيش إليها، هذا الاتفاق حصل بعد حصار للمدينة دام عشرة ايام رافقه قصف متواصل بدأ من كنيسة البلدة وامتد إلى أحيائها الداخلية وتوسع إلى اطرافها.

حكى قصة الأطفال الصغار الذين كانوا ينتظرون مع كل قذيفة صاروخية الموت يسمعون هديرها وصوت صفير حاد فيعرفون أن بيتاً قربهم قتل فيه رفاق صغار لهم كانوا يذهبون سوية الى المدارس ويلعبون بالحواري معاً، في لحظات كثيرة تمنى بعض الأهل أن يموتوا قبل أن يشهدوا قتل أطفالهم أمامهم.

يقول مارسيل إن الحي المسيحي في البلدة تعرض لتدمير كبير من قصف مدفعية الأسد، فأهاليه كانوا مع كل صاروخ يخترق منازلهم يدفعون ثمن مشاركتهم في الثورة والمجلس المحلي.

في سوريا دم رخيص وحرية غالية، وسباق بين القاتل والمواطن، كل باتجاه الأول الى نصر على الناس العزل، والثاني إلى تحقيق حلم الدولة الحرة.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى