مراجعات كتب

لماذا تكره الأنظمة الاستبدادية التحليل النفسي؟/ جمال شحيّد

 

 

عثرت في زاوية من زوايا مكتبتي على كتاب يضيء على الراهن وهو “إشكاليات المجتمع العربي. قراءة من منظور التحليل النفسي” (المركز الثقافي العربي، 2008)، قدّم له أدونيس. والكتاب مقابلات أجراها المحلل النفسي اللبناني عدنان حب الله مع مصطفى صفوان (المولود عام 1921 في الإسكندرية). وهذا المفكر والمحلل النفسي المصري هرب من مصر عام 1958 ولجأ إلى فرنسا حيث لمع في انتمائه إلى الحركة البنيوية والانضواء إلى المدرسة اللاكانية (جاك لاكان؛ وكان صفوان أحد تلاميذه وأصدقائه). لمصطفى صفوان 15 كتاباً مؤلفاً و3 كتب مترجمة من الفرنسية والإنكليزية. ومن بين مؤلفاته لا بدّ من ذكر “البنيوية في التحليل النفسي” (1973)، “دراسات حول الأوديب: مقدمة لنظرية الفرد” (1974)، “اللاوعي وكاتبه” (1982)، “الكلام أو الموت” (1996، 2010)، “لاكانيانا أو محاضرات جاك لاكان 1953-1963” (2001)، “لماذا لا ينعم العالم العربي بالحرية: سياسة الكتابة والإرهاب الديني” (2008)، “نظرة إلى الحضارة الأوديبية: الرغبة والتنائي” (2015).

في كتاب “إشكاليات العالم العربي”، يتكلم مصطفى صفوان عن اللغة والكلام في التحليل النفسي، وعن البنيوية في هذا التحليل، وعن التحليل النفسي في المجتمع العربي، وعن الأسئلة المنسية في فلسفتنا السياسية. ليس مصطفى صفوان رجل سياسة أو منظِّراً سياسياً، ولكن التحليل النفسي ليس علماً مقطوعاً من شجرة، ولا يهتمّ بالفرد المعزول عن بيئته، بل ينظر في علاقة هذا الفرد بالمجتمع الذي يعيش فيه وبالوضع المعيشي واللغوي والثقافي والسياسي المحيط به وبالسلطة التي يعيش الفرد في ظلّها.

يتوقف صفوان، في مسألة الزواج والقرابة، عند دور الأب والأم والمحرمات الأوديبية، ويركّز على صورة الأب المثالي الموهومة، لأن هذا الأب غير موجود، لا بل هو مهزوم في معركة الحياة. وهنا يقفز صفوان من مقولة الأب البيولوجي إلى الأب السياسي: “كان أنور السادات عندما يتحدّث إلى المصريين، يقول لهم: يا أبنائي”. وينظر ملياً في علاقة الحاكم [الأب السياسي] بالمحكوم [المواطن] فيقول: “إما أن يكون هناك نظام يكون فيه الحاكم نفسه مسؤولاً أمام المحكوم… فيكون هذا النظام عندئذ ديموقراطياً، مثل النظام الذي كان معمولاً به في أثينا”، في عهد بيريكليس، وإما أنه غير مسؤول أمام المحكوم، فيطغى ويجور. “الدكتاتور لا يُحاسَب على أخطائه! زعيم مصر وحده سينقذ مصر! وأي مخالفة لرأيه خيانة! وهو بنفسه لا يتعلّم من هزائمه ولا توجد معه نهاية سوى الكارثة” [والمقصود بالكارثة هي هزيمة 1967، وقد فتحت الباب على مصراعيه لكل أنواع الأصولية الدينية، كما يقول]. ويتوقف صفوان عند تقلص دور الأب في الحضارة الغربية وازدياد دور الأم، في حين دوره بارز دائماً في الحضارة الشرقية؛ ويرى أن الأب في أوروبا إذا صفع ابنه، يحق لهذا الأخير أن يقدّم شكوى ضدّه ويربحها. الأب هنا يمثّل السلطة والقانون، ولكن هذا الأب أو هذا الحاكم مهزوم. ولأن المجتمعات العربية مجتمعات طائفية وقبلية فإنها تركت الباب مفتوحاً، كما يقول صفوان “أمام الحاكم ليمارس طغيانه من دون رادع”. وبعد أن ينزل الناس إلى الشارع، كما يضيف، ويعودون إلى بيتهم، “تستفرد بهم السلطة وتمسكهم واحداً تلو الواحد وتضعهم في السجن”.

ولذا “لا يستطيع التحليل النفسي أن ينمو ويتكوّن إلا في مناخ ديموقراطي”. ويرى أن المحلَّل نفسياً يتمتع أمام المحلِّل بمطلق الحرية في أن يقول ما يشاء – “ينتقد الأهل، المجتمع، الذات – وحتى يطال المحلل انتقادات قد تكون لاذعة، ولكنّ المحلِّل عليه أن يحترم حرية تفكير المحلَّل. والمعروف أن صفوان اضطر إلى ترك مصر عام 1958، وأنه نجا من الاعتقال “بفضل ساعات كانت الباخرة قد أقلّته فيها خارج المياه الإقليمية”. ويردّ صفوان قائلاً: “من غير المعقول أن تبقى محللاً نفسانياً وفي نفس الوقت تتملق لواحد دكتاتور. غير ممكن أن تبقى محللاً نفسانياً وتبقى متوحداً مع ذلك التافه الزعيم الذي يقود الجماعة القائمة على الالتفاف حول هذا الزعيم/الطوطم”.

ويتدخّل د. حب الله قائلاً: “المجتمع العربي أشبه باليتيم منذ نهاية العصر العباسي على أيدي التتار 1258 – وبصورة خاصة منذ احتلال العثمانيين بقيادة سليم الأول 1416- وهذا المجتمع يتلهف لبروز القائد العربي المنقذ”. ويضيف أن معظم القادة العرب أرادوا أن يحلّوا محل عبد الناصر كقائد أوحد يتماهى به أو يتفوق عليه. ويعلّق صفوان قائلاً: “في بداية التاريخ كان الفراعنة بناة إمبراطوريات. أما القادة الفراعنة في زمننا الحاضر فأصبحوا عملاء”. وعلى السؤال التالي: “ما هي توصياتك لنشر التحليل [النفسي] في العالم العربي؟” يجيب: “تمنياتي! أحب أن يكون مجتمعاً يُسمح للأفراد فيه بالتجمع ليس لخدمة السلطان ولبناء القصور والمعابد والتماثيل، ولكن ليُسمح للناس فيه بالتجمع لخدمة مصالحهم الخاصة. ما دام تجمّعهم مبنياً ليس بقوة السلاح وإنما على أساس نشاط سلمي مدني؛ وأتمنى أن تتعدد مراكز القوى في العالم العربي، دون أن يحصل استفراد بالحكم”.

وعلى السؤال القائل: “لماذا يخاف المجتمع العربي من التحليل النفسي هل لأنه يعتبر اللاوعي شيئاً مخيفاً؟” يجيب صفوان: “الشعوب العربية خارجة عن التحليل النفسي خروجها عن الزمن. وإذا تكلمتَ عن الحكومات العربية، هذه الدول لا تتبع إلا النهج التضليلي وأهم شيء عندها هو الاستمرار في نشر الجهل. وأنا أرى أن الدعوة السلفية التي نشأت في بعض بلدان الخليج هي أكبر نكبة ألمّت بالعالم الإسلامي، وهي أخطر من الاحتلال الإسرائيلي، ولا يهمها إلا الاحتفاظ بالسلطة والقوة ونجحت في فرض الجهل. يكفي أن تمرّ بالقاهرة بعد اتفاق السادات مع هذه الدول الداعمة للسلفية حتى ترى كمية الكتب المضللة الموجودة في السوق والتي تتحدث عن الجن والشعوذة، من هنا يتضح مدى عدائهم للتحليل النفسي وللعلم ولكل شيء يشكّل خطراً على نفوذهم”. وحول غياب الحكم المدني عن المجتمعات العربية يقول: “ما دام هناك تفرّد في الحكم، فبالضرورة الحكم قائم على الفساد. وبنية الأنظمة العربية مركبة على التغييب المتعمد لآليات نشر الديموقراطية. والتعاقب على السلطة يرتكز على التوريث السياسي، وهذا الأمر أدى إلى قتل المعارضة الحقيقية، وقد جرى تربية الناس على الخوف من الرأي الآخر المخالف للنظام”. ويرى صفوان أن النقد بالنسبة للعقل العربي المقولب دينياً وسياسياً واجتماعياً غير موجود وهو مرتبط بعدة عوامل أهمها القمع السياسي الذي تمارسه السلطة على الناس والذي أدى إلى إقصاء الجمهور عن المشاركة في الحياة السياسية”. ويعتبر صفوان أن التعصب الديني “هو نتاج فشل الدولة في سياساتها الإنمائية وليس الدين نفسه الذي يسبب التعصب أو فشل مشروعات الدولة” وأن “عودة الناس إلى الدين هو بسبب فشل الدولة”.

وحول التحليل النفسي في مصر، يقول صفوان إنه كان موجوداً في الأربعينات؛ وهو ظاهرة مدينية وليست ريفية، ذلك أن المرأة الريفية “إذا أصيبت بحالة هستيريا سافرة يقولون لها. اعملي زار، ولا يفكرون أن يأتوا بها إلى المدينة لمعاينتها من محلل نفساني”. ولاحظ أن الذين اختصوا في أوروبا إبان الأربعينات والخمسينات عادوا إلى مصر قبيل ثورة 23 يونيو وبعيدها، وسرعان ما لاحظوا أن مصر التي رجعوا إليها غير مصر التي عرفوها في السابق، فأصبح “كل واحد يفكر في الرحيل والهجرة”. وهذا ما حصل لمصطفى صفوان نفسه ولعشرات المحللين. ذلك أن “الدكتاتورية ليست بحاجة إلى التحليل النفسي ولا التحليل النفسي يمكن أن يترعرع في مناخ الدكتاتورية”.

وحول نجاح الغرب في فصل الدين عن الدولة، دون أن يتحقق ذلك في الشرق، يردّ صفوان أن “أوروبا فصلت بين سيف الدين وسيف الدولة” معتمدة على عبارة المسيح الشهيرة “أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، وعلى ازدهار العلوم الحديثة التي تغلبت على الخرافات والتخريفات. ولكن المشكلة في المجتمعات الإسلامية، كما يقول صفوان، هي “أن الحاكم يدّعي امتلاكه للحقيقة بل يدّعي أنه هو الحقيقة. وهو نتيجة النرجسية وسيادة الطابع الفرعوني بمعنى أن الشخص الواحد وحده الذي يمتلك الحقيقة المطلقة. في مصر الكل يعتقد أن المشكلة في الحكّام […]. عند الشعوب الأخرى لا يُسامح الحاكم على تقصيره في حماية الحدود السياسية وفي تأمين الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية […]. لا توجد ثقافة مساءلة، لا توجد ثقافة تضامن ولا توجد فعالية للدفاع عن المصالح، لأن المصالح هي التي يصدرها الحاكم فقط، وما على العبد إلا الطاعة”. “الحاكم غير مسؤول إلا أمام الله وأمام ضميره. وبإخفاء مسؤولية الحاكم أمام الشعب يختفي تقيّد الدولة بالقانون ويختفي بالتالي كل ضمان لحقوق الأفراد ويختفي كل حضور مدني لهم”.

وتحتل المسألة الثقافية حيزاً مهماً في تفكير مصطفى صفوان. ويعزو تقدّم الولايات المتحدة الأميركية إلى كون “الآباء المؤسسين” [مثل جيمس ماديسون وجون آدامز وتوماس جيفرسون وجيمس ويلسون] كانوا متشرّبين بأنضج الأدبيات السياسية في القرن الثامن عشر [جون لوك، مونتسكيو، فولتير، روسو، ديدرو، آدم سميث]. ويعلّق على ذلك قائلاً: “هل ممكن أن تتصور أن فرنسا مثلاً كان ممكناً أن تكون فرنسا من غير رابليه ومونتين وشعراء البلياد، ومن غير مسرح القرن السابع عشر، ومن غير كتّاب عصر التنوير؟ أقصد بذلك أن الكتّاب ليسوا فقط صنّاع الأمم الأوروبية بل هم الغذاء الروحي الذي من غيره تفقد الأمة حضورها لنفسها وللعالم، وتفقد حتى شعورها بذاتها. الفرنساوي مثلاً، سواء كان عاملاً أم مدير بنك أو أستاذ جامعة، قطعاً يشوف نفسه في فيكتور هوجو أكثر مما يشوفها في نابوليون”.

في هذا الحوار الممتع والمباشر [الذي بدأ فيه المحلل النفسي كارهاً للمناورة والمداورة وألاعيب اللغة الدبلوماسية]، يتبدى أن مصطفى صفوان الذي يعتزّ العربُ بتفوقه في أوروبا وعلمه ما زال ينظر إلى أجهزة المخابرات الناصرية على أنها العش الأول الذي فرّخ شتى أجهزة المخابرات في العالم العربي وأطلق يدها العليا فصارت أشبه بدولة داخل الدولة. ومنها هرب صفوان عام 1958 ولجأ إلى أوروبا التي أثبت فيها جدارته وعبقريته.

ضفة ثالثة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى