صفحات الثقافة

لوران غاسبار: باتموس

 

 

ترجة حسونة المصباحي

لوران غاسبار المولود عام 1926 هو واحد من أهمّ الشعراء الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين. وهو من أصل روماني لكنه حصل على الجنسية الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية. وخلال الستينات من القرن الماضي، عمل طبيبا جرّاحا في القدس، ثم انتقل إلى تونس ليقوم بنفس العمل في مستشفى “شارل نيكول» بالعاصمة ، وخلال إقامته في تونس، أسس مجلة “أليف” التي كانت تصدر باللغتين الفرنسية والعربية،وارتبط بعلاقات وطيدة مع البعض من الشعراء،خصوصا مع ختالد النجار وكاتب هذه السطور. وفي نهاية التسعينات، استقر بباريس .وبعد إصابته بالزهايمر، أصبح يقيم في مأوى للمسنين في العاصمة الفرنسية.

 

في الشارع المُبَلّط بالبحر

عجائز ثلاث ترتدين السواد

مضاءات بأبيض الجدار

تستقبلن الليل.

 

الجوْقَة القديمة تحيّيني عند العتبة

الأصوات العالية جدّا تنحرف قليلا

تحت الرماد النائم للحداد

ترتجف ذاكرة نار.

 

صيد الأسماك كان وافرا هذا العام

أتذكر الخوف في الأعماق،

المعركة الغامضة، التماعة الضوء المُسَمّرة ،

رنّة منطفئة في الموسيقى-

 

هذا لا يزال يتحرك في اللحم

ثمة ظلمات كثيرة وكثيرة لا بدّ من حفرها

على الطريق أنت لا تعلم ل لمَ

وأين تغني الإيرينيات*-

 

لحم ظلّ كمثل ثمرة مفتوحة

بالمرآة القاطعة للمياه-

 

في الهواء المُعَطّل العروق

المُلْتَمعة لطيارانات مُخْتَفية-

 

كم يُجيد السباحة النور!

خفيفا ومرنا بين أسنان

التنانين وهي تتلهّى في مغاور

صين روح لا يمكن أن تُنْسَى

مخالبها مزّقت ريشَ السحاب

آه، يا للنديفات الحارقة لنَفَسها!

 

والجناح الأسود للريشة

يلامس الريحَ التي بالكاد تُحَرّك

الخيزران على الأخرس،أخرس

ورق “شو تا”-

 

حياة احترقت حيّة

بعطش شرس –

 

الصيف سريعُ التأثر بالبرد في خرائبه

جبال وأنوار مُجَزّعة

العراء الحار للزمن

قادما من القصيّ ليسقيني

بكلّ دهشة الحب –

 

ببطء تتهجّى على الطاولة الخشنة

هذه الصور حيث يغرق الرسم

هذا ليس، هذا هو .

وكلّ ما كانت كلمتك تمتلك القوة

أن تشدّه يتفتّت، يتجزّا، وينفصل.

شيء قليل، فتات.

وحول كل ذلك تبسطُ القسوة نفوذها.

وأنت لا زلت تستثير بصوتك المُنْفعل

كل الأشياء التي ترتوي من العطش والملح-

الصفير على قُنزَعَات الضوء

ودائما حتى بعد أن ينطفئ النهار

هجرات الينابيع، هذا الجزء

المُرُتَحل للروح المُنْتَصبة في الحجر

في الحفر وفي الصّدُوع التي لا تُتَصوّر.

وهو ماء هادئ يغسل الجسد

نبيذ يوقظ المجهول في الوجه-

هذا هو.

 

فيك مركب ليالي الصيف

فجأة ينحرف

وترى على يدك

نور النجوم وقد انطفأت.

أحدهم يأخذ فمَك ليتكلم

ونفس العطش في الداخل

من نفس العطش اغْتُرفَ-

 

رياح تهبّ وتضيع-

 

هذه الزاوية على اليمين في جدراننا

تُقَسمُ عيوننا إلى ضوء وعتمة

حيث ينزلق من دون عائق الأبيض النقيّ

للملاك من دون حياء من مخاوفنا

 

وكم يُنَقّبُ النور في الطيّات والثنيّات!

وكم يقفز في الحوْمَة المظلمة

لأجساد الكلمات والألوان

في أي الأخاديد ستجد

أعضاؤه المنكسرة وجهها؟

 

القوى المجهولة لأيادينا

تلهو بحبر الليل

حبر مُتَصدّع، حبر مُتَرشّش

الأبيض الذي يطير في حرير الجدران

و”وانغ الحبر” يحبّ النبيذ

لا يتوقف عن الرسم وأبدا

لا الصنوبر ولا الأحجار

وأبدا لم يعرف أحد إسمه

ولا من أين جاء-

 

في سقوط ليل الصيف من دون طيات

شجرة زيتون تعقدُ وتحلّ عقدَ رغبتها الغامضة في النور-

 

رائحة القهوة تحت شجرة الدلّب

أزرق مُطَرز بأطياف خفيفة

لحزن نهايات العالم.

آه!هيلانة!هيلانة المجنونة!

ألق مُخُور عطر وفي الليل

الماء المُفَتّق بالنيران

حركة تمسّ للحظة الحديقة المُعْتَمَة للجسد-

 

نوافذ مغلقة

جفون مُجَعّدة

كلّها نيران مطفأة

الحرارة تنحرف

حصى لا يتحمل البرد

في الريح العطشى-

 

رحيل.

نحن نرتّبُ ألوانا

في اللون الرمادي للقعور

kalo khimona!

على حبالكم الصّارّة ،

ارقصوا،أرقصوا

الرماد على أكتافكم

الحنجرة ضاحكة

على الأعماق الكمداء

حين تنحرف النهارات

واصلوا الرقص-

 

ظلالا بيضاء

تمرون على الكلس

وأنا أفكر في أوليسيس

وفي نحيب الرجال

حين يعلن الأعمى

عن العودة الصعبة –

 

كما لو أنّ يدا مدّت للتو

الحبل الوحيد على قوس الصمت

والآخرى أشعلت أحشاء الصخرة –

كما لو أن أذنا بإمكانها أن تسمع

منفاخ الحدادة الذي يتحدث عنه لاوتزو

أو مستويات الماء تحت شواهد الزمن-

كما لو أن بإمكان الحلم أن يصمد

أمام فولاذ سكّة المحراث والسكين

كلّ يوم في الفجر وقد شُحذا جيدا

 

كما لو أن بإمكان العين أن تحلّ

ألغاز دنتيلا الماء، والبخار الذي يجري

على ضفاف أوراقنا المهجورة-

 

الشعلة المعتدلة والأخرى التي تتْلفُ

الأغصان الناعمة للوشوشة الليلية

المهد الداكن للمْس تحت الأصابع –

الضجّة السائلة التي تنسكبُ في الظلّ

ولا مرمر ولا حديد لا تحركه

اللألأة الشاحبة التي تغني وتقتل –

 

كلمة محطمة، نديْفَات صوت في الجليد

ضربات مضطربة للقلب

الفكرة المتفتّقَة في صخب البحر-

 

أنت تروح وتجيء

أنت تنتظر وأنت طافح

أنت تيأس وتسقط

كما في داخلك

في الضوء المبهر القاسي-

أنت تواصل الركض نحو الصّدْع

لتدقّقَ ، لتفهم، لتسمي،

هذه الريح،

وتمسك بشيء

نظرة تلطخك بالدم

وتحفر الألم

تحت كتلة العلب الفارغة

الأوكسيجين في الكثافة المُدخّنة

التي احترقت بطريقة سيئة.-

 

تذكرْ الكلاّب الذي من ذهب،

نارا تزداد التهابا

والماء مرتعشا في العين

المنحنية على حركة جد بسيطة

تمزق زمنا ومكانا

وحمّى ريح مشتعلة

في الأعماق الطرية للمس-

 

التبن تحت الأصابع

يتفتّتُ تحت طين

قارّة ليل-

 

منذ زمن بعيد وأنا أحاول

أن ألمس في الليل الطيّات الخفيفة التي

يحدثها الماء في الصمت-

أن ألمس في الجسد الذي لا يطيق البرد، الجسد المدعوك

نَفَسَ الله على المياه

ذاك الشء الذي يضيء صوري

وأحيانا من بعيد يمزقها

 

عيون الليل للحظة مفتوحة

تعاين ر كلّ صوت أو نبضة

لما لا مُحْتَمَل يتوجّب إسعافه-

 

 

كلّ إشعاع منتصف النهار

ملفوف في غبار الماء

الريح تعصف حين تريد

في كلماتنا في حركاتنا

مُشَوّشَة هناك، مضيئة هنا

من دون فرق بين الفرح والألم-

 

إنه الليل مرة أخرى في السماء

مع ذلك على سطح المياه تعرّي

الرياح أعماق الفكر-

 

على ضوء الأيدي وحده

يستبدّ الهلعُ

بالفم والأذن من دون ندوب-

 

وفي الصباح أيضا، بعد إنتهاء الزوبعة

لست أدري إلى أين من دون عتبة ومن دون باب –

أنت تجمع الأحجار، والخشب للنار

الفكر كله في يدك

يُنْشئ الحرارة شيئا فشيئا

في حين يهرم الليل ويشيخ

*الأيرينيّات في الميثولوجيا الإغريقية رمز للثأر والقتل ،وهن يلاحقن كل من جرح الأمهات مهما كان السبب .كما يلاحقن كل من كسر عادات احترام التسلسل العائلي.

ايلاف

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى