صفحات الثقافةمحمد حيان السمان

محكيّات الباب العالي… أنماطٌ سرديّة في التراثِ العربيّ

 

محمد حيان السمان

في غضون القرنين الثالث والرابع للهجرة، انتشر نمط من الحكايات العربية القصيرة، تقوم في بنيتها الفنية والدلالية على هدف مركزيّ يتمثل في ترتيب لقاء / مواجهة بين الشخصية الرئيسية في الحكاية وبين الخليفة، وما يستتبعه ذلك من حوار بين الطرفين، و وقائع تحدث خلال اللقاء الذي غالباً ما يكون سريعاً مكثفا، وينتهي بقفلةٍ صاخبة من التهكّم والضحك اللذين يسخران من السلطة ورموزها جميعاً، أو ينتهي بزجرٍ و وعيدٍ شديدين للخليفة وأعوانه الكبار.

أعتقد أن المحدّدات التاريخية- الثقافية التي ساهمت في ظهور وانتشار هذا النمط الحكائيّ، تتعلق بشكل مباشر بمسألة (الحجابة) في العصر العباسي الأول تحديداً-، وهالة القداسة والغموض التي أحاطت بالخلفاء العباسيين، على خلفية نزوع استعلائي – استبدادي واضح، وبالترافق مع تراتبية صارمة أفضت إلى مزيد من التعقيد في إجراءات التواصل بين الخليفة والجمهور، بما فيه كبار موظفيه وخاصته.

لم يكن الأمر كذلك في الأوان الأمويّ، حيث بقيت التمثلات والتعبيرات السياسية والإدارية للدولة الأموية بما في ذلك مسألة الحجابة وإجراءات الدخول على الخليفة- مسكونةً حتى النهاية بالنمط القبَلي العشائري، و باشتراطات البداوة التي نوّه بها ابن خلدون مراراً. وقد أشار بروكلمان إلى ذلك في سياق مقارنة طريفة بين دمشق الأموية و بغداد العباسية – :

‘ كانت روح- العاصمة الجديدة بغداد تختلف منذ البدء، اختلافاً كلياً عن روح- دمشق. فعلى الرغم من أن العرب ظلوا يتوافدون على بلاط المنصور أيضاً، فالواقع أنه لم يعد في ميسورهم أن يقربوا الخليفة كما كانوا يفعلون زمن عبد الملك … فخليفة بغداد لم يكن، بأية حال، شيخاً من شيوخ القبائل، بل خلف لملوك الفرس الكبار’.

لقد غادر الخلفاء العباسيون منذ وقت مبكرٍ أحوالَ شيخ القبيلة نهائياً إلى مقامات الإمبراطور المستبد. وإن بناءِ بغداد بالشكل الذي حدث، لجهة هندستها وتوزيع معالمها المورفولوجية، يعكس ذلك التحول في سيرورة احتجاب السلطان عن الرعية في الاجتماع العربي- الإسلامي. فالخليفة يقبع في مركز المدينة المدورة، ويحاط بدوائر متتالية من الفراغ والضبْط الأمني، التي تبعده عن جمهور المدينة وتعزله داخل قداسة غامضة. وقد أفضى هذا الوضع تدريجياً إلى نشوء جهاز إداري أمني هائل القدرات والصلاحيات يسهر على تسييج وعزل ذلك التموضع الغامض المقدس لخليفة بغداد، عبر طقوس إدارية محكمة، ورسوم بالغة التعقيد والدقة.

في هذا السياق التاريخي الثقافي والإداري- ، ظهرت تلك الحكايات التي تستحضر لقاءً سهلاً مفتوحاً وحُرّاً بين متكلم ما (بطل الحكاية) وبين الخليفة نفسه، بحيث يسعى التسريد إلى إدانة ذلك التحول وفضح الممارسات والتداعيات المرتبطة به. وتستلهم الحكايات في صوغ حبكتها و تنظيم بنيتها السردية، المعهودَ القارّ في ضمير الجماعة وذاكرتها الحية، عندما كانت السبلُ سالكة بين الرعية وراعيها، وأبواب ولاة الأمر مشرعة من دون حاجب فظ أو بواب كالح الوجه.

* *

تتجسّد الشخصية المحورية في هذه الحكايات من خلال عدة نماذج أبرزها : مدّعي النبوة، والمجنون، والعابد الزاهد غريب الأطوار والكلام. تؤدي هذه النماذج في المستوى الدلالي والسردي للحكايات، ما يمكن اعتباره دوراً ثيمياً يتردد باستمرار، ويسعى إلى تحقيق هدف/ حلم مركزي: إلغاء سلطة الحاجب، وإسقاط هيبة المحجوب. وهو هدف/ حلم مشترك للسرد وأنساقه الوظيفية داخل النص، ولمتلقي الحكايات ومتداوليها داخل التاريخ، في فضاء ثقافي اجتماعي يعيش حالة توتر فظيع بين قيم الدعوة الدينية والبداوة من جهة، و نداءات الوعد الإمبراطوري الفتّان من جهة أخرى.

إن كلامَ البطل في هذه الحكايات، كما هو الحال في الواقع التاريخي، يثير الفضول ويستفز المخيلة والتوقع، وذلك بسبب غرابته وخرقه للمألوف السائد، وجرأته على التصريح أمام الملأ بما لا يجرؤ الآخرون على الهمس به. تستثمر الحكايات هذه الخصائص في كلام أبطال الحكايات، وما تكرسه من فضول ودهشة لدى سامعيه، لتطلق الحكيَ وتنظم مسار السرد الذي يتوفر على عمليات تحويل متنوعة لصور وأفعال السلطة وممثليها (الخليفة خاصة) وأجهزتها الإدارية (الحجابة).

ما إن يظهر مدعي النبوة أو المجنون أو العابد الزاهد على مسرح الحكي حتى يتشوّق الجميع بمن فيهم الخليفة وأعوانه- إلى لقائه و إقامة حوار معه (إستجلاب مخاطبته على حد تعبير المبرّد). هذا التشوق هو محرك الحكي، ومنظم ملفوظات الحالة والفعل في مجمل المسار السردي.

ينقلنا السرد إلى لحظة اللقاء مع المتكلم الغريب من خلال صيغ مختلفة. فقد يسوق الأعوانُ بطلَ الحكاية مباشرة إلى مجلس الخليفة ليسمع بنفسه كلامَه (مدّعي النبوة خاصة). أو يأمر الخليفة بإحضار المتكلم الغريب على وجه السرعة، بعد أن تناهى إليه خبره، مع تعليمات صارمة بتبجيله والاهتمام به أثناء إحضاره (على أحسن صفة غير مروّع)، والسماح بدخوله فوراً إلى مجلس الخليفة (كما هو الحال بالنسبة لنموذج المجنون والعابد غريب الأطوار). وقد يدفع الفضول بالخليفة والأعوان إلى المبادرة سريعاً في الذهاب بأنفسهم إلى (المتكلم الغريب) بحثاً عن فرصة تتيح التقاط كلامه مباشرة، والحوارَ معه.

في جميع هذه الصيغ، تبدو الكلمة الغريبة الجريئة حاملة الحقيقة المسكوت عنها، التي يطلقها بطل الحكاية في لحظة نادرة من حرية التفكير والتعبير؛ بمثابه سلطة قوية تنهار أمامها سلطة الحجابة وإجراءاتها المعقدة المملة المزروعة بين حديّ المنع والإذن. فبطل الحكاية، وفي جميع الصيغ المقترَحة في المسار السردي لتأمين اللقاء مع الخليفة؛ لا يخضع لرسوم الحجابة وصرامة الحجّاب وتعاليات السلطة الغامضة. إن سلطة الحاجب معطلة في الحكايات، وخطته بكاملها منحّاة جانباً.

كل الإجراءات والرسوم التي ظهرت خلال العصر العباسي، فيما يخصّ الحصول على إذن بلقاء الخليفة في مجلسه، وقواعد الدخول والتكلم والجلوس والمغادرة…الخ (انظر: رسوم دار الخلافة للصابئ)؛ يتم تجاوزها سريعاً في هذه الحكايات، عبر تعبير مقطّر وجملٍ سريعة : أُتيَ به أي بطل الحكاية- إلى الخليفة. أُدخِلَ عليه… حُمِلَ إليه… مثُل بين يديه…الخ. وغالباً ما يأتي الفعل الدال على حصول اللقاء/ المواجهة بين الخليفة و مدعي النبوة، بصيغة المبني للمجهول : حُمِلَ…أُدخِلَ…أُتِيَ…الخ. كأن الحكي بتجاهله فضاء الباب السلطاني والقائمين بشأنه وما يشتمل عليه من ترتيبات، إنما يريد التعبير عن حلم كبير وعام بإلغاء دور الحاجب نهائياً، وإهمال شأن الباب السلطانيّ ورسومه الصارمة.

ويلامس السرد موضوع الحجابة ونقدها بشكل مباشر في عدد من الحكايات. إن الوظيفة المركزية لشخصية العابد غريب الكلام في حكاية (حاج يعظ المنصور) مكرسة كلياً لنقد احتجاب الخليفة عن رعيته، وبيان تداعيات هذا الأمر في علاقة الحاكم بمحكوميه، على شكل فسادٍ يعم البطانة، وظلم يلحق الرعية. لقد ألحّ خطابُ الآداب السلطانية في التراث العربي على الفكرة القائلة بأن احتجاب السلطان عن رعيته مصدر وأسّ كل الشرور والمفاسد في علاقة السلطة بالمجتمع. وقد بقيت هذه الفكرة تتردد بقوة حتى وقت متأخر في مؤلفات السياسة الشرعية والآداب السلطانية، حتى أن (محمد بن عبد الكريم المغيلي) المتوفى سنة 909هـ، لا يمل في كتابه (تاج الدين فيما يجب على الملوك والسلاطين) من ترداد هذه اللازمة : رأس كل بلية احتجاب السلطان عن الرعية.

في اللقاء بين المنصور والحاج الطائف، يقول هذا الأخير موجهاً كلامه إلى الخليفة مباشرة:

‘ اتخذتَ بينك وبين رعيتك حجاباً من الجبس والآجر وحَجَبة معهم السلاح وأمَرت أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، نفر استخلصتهم لنفسك وأمّرتهم على رعيتك، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الجائع ولا العاري، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق…’. وفي صيغة أخرى للحكاية أن الرجل يقول للمنصور ‘أنت محصور في قصرك والناس وراء بابك يُقتَلونَ و يُؤكَلون..! ‘. وينتهي اللقاء ببكاء المنصور ولجوئه للعابد الغريب يطلب مشورته، فلا يتردد هذا الأخير في القول ‘افتحِ الباب وسهّل الحجاب وانتصرْ للمظلوم وخذِ المال مما حلّ وطاب، واقسمْه بالحق والعدل’.

وتوسّع الحكايات مجال الإدانة المتعلقة بالحجابة، لتشمل الولاة وكبار الموظفين في الدولة، المتخذين حجاباً يفصل بين أعيانهم وبقية الناس. ففي حكاية (ماني الموسوس) وصاحب الشرطة، أن هذا الأخير يعاتب الموسوس على قلة مجيئه إليه، فيقول له الشاعر المجنون: ‘أصلح الله الأمير، الشوق شديد والمزار بعيد والودّ عنيد، والحجاب صعب والبواب فظ، ولو سهل لنا الإذن لسهلت علينا الزيارة’.

يستعذب الأمير هذا الكلام، ويعتبره عاملاً يساعد عبر بلاغته وجماله- على تسهيل الإذن !. ولكن في موازاة بلاغة الشاعر المجنون، تذهب بلاغة الحكايات إلى إدانة هذه الخطة بقوة، وتطمح إلى خلخلة تماسكها الصارم…و ربما إسقاطها جملة.

* * *

تستدعي آليات وترتيبات الحجابة صورة واقعية معينة تؤكدها المسارد التاريخية، ويبدو فيها المحجوب ثابتاً راسخاً فوق سرير شرعيته، يدير بصمت و وقار فضاء الانتظار على بابه، من خلال الحاجب، الذي يبدو هنا بمثابة الذراع المتحركة النشطة والخبيرة للسلطة المحتجبة. وبينما يتحقق المحجوب في علياء رسوخه وصمته، من فاعلية التدبير المهيب، يتحرك الحاجب كساهر كبير على إنجاح مهرجان الرضوخ والامتثال.

لكن الحكايات تُجري تحويلاً جوهرياً على هذه الصورة التاريخية للحاجب والمحجوب معاً ، فتصوغ حبكة السرد وتوجه مساره بما يتلاءم مع الهدف المتوخى من إنتاج الحكايات وتداولها، وهو تمثيل خلخلة هذه المهابة وازدرائها، لا الخضوع لها والتصاغر أمام سلطتها، كما كان عليه الحال تاريخياً.

فكلام بطل الحكاية، بخصائصه التي ذكرتها قبل، يجبر المحجوب على مغادرة الفضاء المسوّر بالغموض والرهبة، إلى فضاءات مفتوحة متاحة للجميع، يبدو فيها الخليفة مضطراً لإخفاء هويته، وأحياناً يضطر – هو هذه المرة- إلى أخذ الإذن عندما يهم بالدخول على بطل الحكاية. ‘ يُحكى أنه تنبأ رجل في أيام المأمون، فقل ليحيى بن أكثم القاضي: يا يحيى امضِ بنا مستترَيْن حتى ننظر إلى هذا المتنبي وإلى دعواه…الخ’.

لقد عرض صاحب (الفخري في الآداب السلطانية) صورة تاريخية مهيبة متجهمة للخليفة المنصور: ‘كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزراء، وكانوا لا يزالون على وجل منه وخوف، فلا تظهر لهم أبّهة ولا رونق’. بينما تختلف الصورة تماماً في حكاية المنصور مع الحاج الطائف. إن المسار السردي في الحكاية يجري تحويلاً أساسياً على هذه الصورة، فيظهر الخليفة في سياق الحكي مهرولاً في مشيته ليلحق بالحاج الطائف، ويملأ سمعه من كلامه الغريب الذي كان يشكو فيه من ظهور الجور وانتشار الفساد. وعندما يستدعي المنصور هذا الحاج للمثول بين يديه، يرفض الحاج التوجه للقاء الخليفة حتى يُتم طوافه. ولما أتم طوافه قال له الرسول: أجب الآن الخليفة- فقد فرغت من طوافك. قال: حتى أصلي ركعتين !.

إن تلكؤ الحاج في إجابة طلب الخليفة المنصور، والاستخفاف بميزة الدخول عليه، تحويل سردي واضح للصورة التاريخية لتهافت النخب على أبواب الخلفاء والوقوف هناك انتظاراً للإذن. وهو تهافت قديم صوّره (الحُضين بن المنذر) أحد سادات تميم في البصرة، عندما قال واصفاً النخب على باب (معاوية بن أبي سفيان):

وكلّ خفيف الشأن يسعى مشمّراً إذا فتـــحَ البـــوّابُ بابـَـك إصبعا

إن الرسوم المقررة (قواعد الإتيكيت) في الدخول إلى مجلس الخليفة وطريقة السلام عليه ومخاطبته والوقوف بين يديه…الخ، وهي بمجملها بمثابة التعبير الإداري الطقوسيّ عن نزعة تقديس الخليفة وتعاليات السلطة في العصر العباسي؛ لا تعني هذه الرسوم- أبطالَ الحكايات في شيء، حيث يتم تجاهلها من قبلهم، بل العمل بعكس مقتضياتها. وهذا تحويل آخر في ملفوظات الأفعال داخل الحكايات التي تسعى إلى خلخلة هيبة المحجوب وإدانة احتجابه عن الناس.

في (حكاية سعدون والمتوكل) أن الخليفة كتب إلى عامله بالبصرة : بلغني أن قبلك رجلاً أديباً ظريفاً ذا حكمة، فوجّه به إليّ على أحسن حال غير مروع. فلما ورد الباب قال الحاجب له: سلّم على الخليفة سلام الخلفاء.

إن التفاتة السرد إلى الحاجب نادرة في الحكايات، حيث يجري تجاهله تماماً في الطريق نحو ترتيب اللقاء بين البطل والخليفة. لكن استحضاره السريع هنا مع تعليماته التي تمثل جزءاً من شبكة الضبط والامتثال على باب السلطان وداخل مجلسه، تبدو مقدمة للتحويل الذي يوشك سعدون على تشخيصه في مسار السرد، حيث ستبدو المهابة التاريخية وقواعد ترسيخها في التمثلات والممارسات العامة، موضوعاً للازدراء والإدانة المباشرة المدوية في الحكاية.

يدخل سعدون إلى مجلس الخليفة ويبادره بالسؤال الذي يجمع بين صيغتي الاستفهام والاستنكار: أنت المتوكل..؟ قال نعم. قال : فلم تسميتَ بالمتوكل ولم تتسمّ بالمتواضع..؟.

و يتابع سعدون كلامه مخاطباً المتوكل، على خلفية تعليمات الحاجب بخصوص طريقة السلام على الخليفة،: ‘السلام عليك أيها الشارب بكأس التجبّر والمتكئ على نمارق البلوى، السلام عليك يا من استوى على أسرة الفناء وتقمّص بقميص الخيانة متبعاً للهوى. كأني بكَ و قد أتاك فظ غليظ فجذبك عن سرير بهائك، وأخرجك عن مقاصير علائك، فلم يستأذن عليك حاجباً و لا قهرماناً، حتى أخرجك إلى ضيق اللحد وفراق الأهل والولد…’.

وتستثمر الحكايات، (روحَ الجدل) الذي ساد في القرنين الثالث والرابع، من أجل تحقيق الهدف المركزي للمسار السردي، وتمثيلاته الدلالية الهادفة إلى نقض أسس ومعالم المشهدية الباذخة في فضاء الباب السلطاني، و داخل مجلسه المهيب أيضاً. تقوم الحبكة السردية في (حكاية المأمون ومدعي النبوة) على ملفوظات أفعال متتابعة تتضمن تبادل أدوار، حيث الخليفة يستأذن للدخول على مدعي النبوة، وحيث فضاء اللقاء منزلُ المتنبئ ببابه المستور بثوب. أما سرير الملْك وأبهته فيتمثلان في الحكاية، بمدعي النبوة جالساً في الوسط، وعلى يمينه المأمون، وعلى يساره القاضي (يحيى بن أكثم). بهذا الشكل ينقلنا السياق إلى تمثيل المحاورة بين الخليفة ومدعي النبوة، التي تشكل هنا بؤرة السرد في الحكاية:

‘قال المأمون: إلى من بُعثت؟ قال: إلى الناس كافة. قال: أفيوحى إليك، أم ترى في المنام، أم يُنفث في قلبك؟ قال: بل أناجى وأكلم. قال: ومن يأتيك؟ قال: جبريل. قال: فمتى كان عندك؟ قال: الساعة قبل أن تأتياني بساعة. قال: فما أوحى إليك؟ قال: أوحى إليّ أنه سيدخل عليك رجلان فيجلس أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك، والذي يجلس عن يسارك ألوط خلق الله تعالى. فقال له المأمون: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله’ ..! .

في حكايات مدعي النبوة غالباً ما يفضي مسار السرد إلى نهاية مترَعة بضحك الخليفة نفسه، الذي يضطر بسبب استغراقه في الضحك – إلى تغطية وجهه بيده أو فحص الأرض برجليه، على الرغم من ظهوره خلال المواجهة الحوارية كموضوع للإدانة والتهكم من قبل المتنبئ. وبذلك ينغلق المشهد مكتملاً على تحويل أخير يبدو فيه الخليفة مستغرقاًً بضحك عريض يشارك فيه بجسده كاملاً، عوضاً عن صورة المتجهم الصارم المغلف بالقداسة والغموض. بينما يبدو بطل الحكاية راسخاً جاداً هادئاً، يطلق الصوت على آخره، مدوياً في تعرية فساد السلطة، وإنذارها بمآل وخيم.

في نهاية حوار صاخب بين المهدي ومتنبئ، يتضمن تنديداً بأبرز قواد الخليفة وموظفيه، يقول المتنبئ مخاطباً المهدي:

‘لا تطعني ولا تؤذني، ودعني أذهب إلى الضعفاء والمساكين فإنهم أتباع الأنبياء، وأدع الملوك والجبابرة فإنهم حطب جهنم. فضحك المهدي وخلى سبيله’.

* كاتب من سوريا

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى