مراجعات كتب

“مذكّرات مالته..” لريلكه: متاهة السرد وشعريته/ عمر شبانة

 

 

ابتداءً، وبعيدًا عن “التجنيس الأدبيّ” الحادّ، فإنّ قارئ هذا النصّ/ النصوص “مذكّرات مالته لوريدز بريغه” (دار الشروق، عمّان- رام الله 2017)، للشاعر الألماني الأشهر ربّما راينر ماريا ريلكه (1885- 1926)، يستطيع اعتبارها نصوصًا سرديّة، ملفّعة بروح شعريّة، أو قصائد نثر مسرودة على هيئة رواية، أو سيرة روائية ذات نفَس شعريّ، أو مذكّرات شاعر، أو سيرته التي أرادها بهذه الروح الانطباعية، ذات الشاعرية العالية، خصوصًا أنها تنتهي بعبارة “انتهت المذكّرات”، بل إن كلمة “مذكّرات” حاضرة في العنوان أيضًا.

لكنّ المترجم إبراهيم أبو هشهش، وهو أوّل من يُقْدم على ترجمتها، ومن الألمانية مباشرة، ويفصح عن مصاعب هذه الترجمة، وبروح الناقد، اعتبرها “واحدة من أهم الروايات الانطباعية في القرن العشرين، فقد مثّلت انقطاعا عن التقاليد الروائية الألمانية الواقعية في القرن التاسع عشر، ومارست تأثيرًا كبيرًا على الرواية الأوروبية الحديثة”. لكنّه سيرى لاحقًا أن “الكتاب” يتكوّن من “واحد وسبعين مقطعًا، يمكن قراءتها منفصلة على أنّها قصائد نثر قائمة بذاتها”. بل هو يقرّ بأنّ ريلكه “لم يطلق على عمله هذا اسم رواية في أيّ مرّة ذكره فيها في حواراته أو رسائله، بل كان يسميه  دائما “كتاب النثر” أو “كتابي النثري”…”. هذا فضلًا عن أن “بعض هذه المقاطع- كما يوضح المترجم- كان صدى لكثير من قصائده وخاصة في “كتاب الساعات”  و”كتاب الصور” و”كتاب الفقر والموت” و”قصائد جديدة”، أو لرسائله إلى زوجته كلارا ريلكه فيستهوف، أو إلى صديقته لو أندرياس سالومي، وسواهما”.

وعمومًا، فنحن حيال “عمل” صعب، متشابك العناصر، يتوزّع، كما يؤكد أبو هشهش، على ثلاثة أقسام رئيسية تتداخل معًا، ففي القسم الأوّل ثمّة انطباعات بطلها “مالته” عن الحياة في باريس، والثاني ذكرياته عن طفولته وحياته في أسرة أرستقراطية في الريف الدنماركي، والقسم الثالث معالجات ريلكه لقراءاته عن شخصيات وأحداث تاريخية وأسطورية من العصور القديمة والوسيطة. وعلى صعوبة هذا العمل، فإنّ شِعريّة لغة المترجم، ودقّة عبارته، وثراء قاموسه، جعلت من قراءته عملا ممتعًا وثريّا، خصوصًا بلجوئه إلى الهوامش الشارحة (123 هامشًا توضيحيّا، للتعريف بالغامض والمجهول في هذه النصوص).

وكما يرى المترجم، في مقدّمته الشاملة، وهو الناقد والأكاديميّ، وصاحب تجربة شعريّة قبل ذلك وبعده، فقد اعتبر أنّ “أبرز سمة تميّز هذه الرواية، وتجعلها من الروايات الأولى التي مهّدت الطريق للرواية الحديثة، هي غياب الحدث المركزيّ بوصفه نقطة الارتكاز الأساسية للسرد، واعتمادها بشكل واضح على تقنية المونولوغ  وتيار الوعي التي بلغتْ ذروتها، لاحقًا، على يدي مارسيل بروست وجيمس جويس، وانتهاجها الأسلوب المونتاجي الذي ميّز، على نحو خاص، القسم الثالث من الرواية، وأصبح من المبادئ التكوينية الأساسية التي منحت السرد شخصيته الخاصة”.

لكنّ غياب الحدث المركزيّ عن هذه “الرواية”، لا يمنع قارئها من إمكانية متابعة مركزيّة أخرى، هي الشخصيّة “الساردة”، أو السارد الأوّل بين عدد من الرواة، المتمثّلة في شخص “مالته”، الذي هو بمثابة “بطل” و”راوٍ أول” في آن واحد، البطل الفقير، شديد الخوف، حيال العالم الذي يتحرّك فيه، بدءًا من أحد أحياء مدينة باريس، ومرورًا بذاكرة تحتشد بالأمكنة، عبر تداخل مذهل للأزمة والحوادث والشخصيّات التي يوردها في نصوصه، شخصيّات تتوزّع بين عالم الأدب والفنّ والسياسة، مثلما تنتمي إلى عوالم مختلفة، بعضها واقعيّ، والآخر من عالم المخيّلة. والرابط الوحيد بينها هو ريلكة- أو السارد “مالته”- ومشاعره، ومشاهداته وانطباعاته وقراءاته، ثمّ تأمّلاته “الهذيانيّة” في بعض مقاطع النصّ.

في متاهات السرد

في عمله هذا، يستخدم ريلكة تقنيات سردية وتوليفية متعددة، فيكتب بصيغة المذكّرات حينا، والرسائل حينا آخر، والقراءة الفنية لبعض الفنّانين التشكيليّين العالميّين من معاصرين وقدماء، حينًا ثالثًا. وعلى مستوى الرواة، يترك بطلَه “مالته” يتحدّث عن باريس، فتلتقي رؤية البطل للمدينة مع رؤية ريلكة، ونقرأ البطل يتحدث عن باريس التي عاش فيها ريلكة، هذه المدينة التي “تعاني من الفوارق الطبقية الفادحة بين الثراء الفاحش والفقر المدقع، يفقد فيها الإنسان ملامحه، ويشعر بالخوف والضياع، ويعاني العزلة والفاقة والبؤس والمرض: إنه يفقد قدرته على أن يعيش حياة خاصة تميزه، وبالتالي القدرة على أن يموت موته الخاص. إن يعاني في هذه المدينة من الخوف والضياع ومن مشاعر وسواسية اضطهادية، فقد جاء إلى باريس بعد الوفاة المبكرة لوالديه الأرستقراطيين، وهو لا يملك سوى حقيبة ملابسه وصندوق كتبه، لكي يستجمع شتات نفسه، ويتأمل، ويجمع التجارب، ويصير شاعرا.. الخ”.

وتحتشد كتابة ريلكة، هنا، بأسماء شعراء وفنّانين، بل ملوك وجنرالات أيضًا. وربّما كان الأبرز حضورًا هو بودلير وفريدريك شيلر ووالتر سكوت وسافو وفيرلين وهنريك إبسن، والفنّان بيتر بروغل، حيث يحضرون عبر نصوص وقصائد شهيرة، فقد ظهر أثر بودلير في اقتباس ريلكه لجزء من قصيدتة النثرية “سأم باريس”، وفي حديثه عن قصيدته “جيفة”، التي وصفها في رسالة إلى زوجته كلارا بالقصيدة الخارقة، وكذلك أيضا في بعض المشاهد الوصفية لمشاهداته وانطباعاته في باريس، حيث بدا تأثره ببودلير واضحا.

الهواجس والمخاوف التي تسكن روح ريلكه ، ضمن انطباعاته أثناء إقامته في باريس، يبدو أنها هي نفسها التي كانت تنتاب البطل “مالته”، فهو يورد على لسان بطله عبارة تربط الكتابة بالخوف، بل إنّه يحارب الخوف بالكتابة، يقول مالته “لقد فعلت شيئا ضد الخوف، جلست الليلة بطولها وكتبت”. وذلك لأنّ الكتابة “هي نقيض الخوف هنا، لأنّ الحياة تتضمن الخوف في ذاتها، بما أنّها تحتوي ضمنيًا على الموت، مثلما تحتوي الثمرة على البذرة، وكل شيء يغدو مصدرًا للرعب الذي يحتل كل جزيء من جزيئات الهواء، ويصبح مدبّبًا بأطراف حادّة صلبة تحتل كامل الفراغ النفسي”، كما يرى أبو هشهش.

وإلى هذه المشاعر المضطربة، شكّل الحبّ ثيمة مهمّة في هذا العمل الإشكاليّ، لكنّ الحبّ يأتي هنا “بوصفه برهة وجودية متسامية، يمكن للإنسان أن يتعلّمها ويتدرب عليها”، فمن الواضح كما يرى المترجم أن “ريلكة لم يكن واثقًا من قدرة الرجل على الحبّ، بل كان يرى أن الأوان قد آن  لكي يشرع في تعلّمه والتدرّب عليه، فالحب في نظره فضيلة كبرى امتازت بها المرأة على الرجل، ولذلك ذكر عددا كبيرا من كبار المُحبّات في التاريخ، ابتداء من الشاعرة سافو، التي تركت مئات قصائد الحبّ، مرورا بالراهبة البرتغالية ماريانا الكوفورادو، التي ترجم ريلكه رسائلها الملتاعة، وغاسبارا ستامبا التي تركت مئتي سونيتة حبّ تعبر فيها عن ألمها، وقد أشار إليها ريلكه في المرثية الأولى من “مراثي دوينو”، والعاشقة هيلويز التي أصبحت راهبة..الخ”.

وعن ترجمته لهذا العمل، والمشقّة التي تكبّدها فيها، يوضح أبو هشهش “نقلُ هذه الرواية إلى العربية راودني مرات عدّة، منذ قرأتها أول مرّة، قبل نيف وعشرين عامًا، غير أنني لم أجرؤ على ذلك، وبقيت متردّدا بين إقدام وإحجام؛ فقد كان الإعجاب الشديد بها يدفعني إلى ترجمتها، ولكنّ صعوبتها البالغة تجعلني مترددا؛ فغموضها، ولغتها الشعرية، وكثافتها النَصّية، وغزارة إحالاتها الأدبية والتاريخية، واستبطانها لنصوص كثيرة غائبة، كلّ ذلك يجعل محاولة نقلها إلى لغة أخرى من ثقافة مختلفة، مثل العربية، أمرًا غاية في الصعوبة، ومحفوفا بالمخاطر”.

مشهد من الرواية

“كنت أستلقي هنا، مثقلا بنفسي، منتظرًا اللحظة التي أتلقّى فيها الأمر بأن أتناول هذه الأدوية جميعًا، بدقّة وحسب الترتيب الصحيح. لقد بدأت، غير أنه نما فيّ تحت اليدين، استمر في المقاومة، كان كثيرا جدا، ثم أخذني الغضب، فألقيت بكل الأشياء، مكدّسا إيّاها في داخلي، وضغطتها معا، إلا أنني لم أستطع إقفال نفسي عليها ثانية، ثم صرخت نصف مفتوح مثلما كنت، صرخت وصرخت، ولمّا أخذت أنظر خارج نفسي، كانوا يقفون هنا حول سريري منذ مدة طويلة ممسكين بيدي، وكانت هناك شمعة، وكانت ظلالهم الطويلة تتراقص خلفهم، وكان أبي يأمرني أن أقول ما الذي حصل، كان أمرا لطيفا خفيضا، ولكنه كان أمرا في كل الأحوال، ثم عيل صبره حين لم أجب”.

ضفة ثالثة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى