صفحات الثقافة

مشّاء نيويورك/ تشارلز سيميك *

 

 

ترجمة جولان حاجي

 

«أنا؟ أنا ألاحِقُ صورةً، لا أكثر».

(جيرار دو نرفال)

 

الآنسة دولفين

 

هناك، في الشوارع التي جابها كورنيل منذ أربعين عاماً، كان باعةُ ديدان العلَق الطبية لا يزالون، ومستوردو لحومِ المدرَّع وبيوضِ النعام. كان هناك أناس مثل الآنسة دولفين بينغر التي تجمعُ تراقي الدجاج والإوز والديوك الرومية لتغلي هذه العظام وتلمّعها ومن ثم تزيّنها بالشرائط والتعاويذ. كانت ترسلها إلى الرؤساء ونجومِ السينما والساسةِ المشاهير مثلما كان كورنيل يرسل هدايا من قصاصاتٍ ورقية وأشياء غريبة إلى راقصاتِ الباليه اللواتي أحبَّهن.

 

الرجل على ركام النفايات

 

(العنوان مأخوذ عن قصيدة لوالاس ستيفنز)

بدا كما أتخيل بارتلبي، في رواية ملفيل، يوم تخلّى عن عمله ليحدّقَ بالحائط الأصم خارج نافذة المكتب.

هناك دائماً مثل هؤلاء الرجال في المدن. متجوّلون وحيدون يرتدون معاطف عفا على طرازها الزمن، يجلسون في مطاعم متواضعة ومقاهي الشوارع الفرعية يأكلون قطعة طرية من الكاتو.

 

إنهم شاحبون كالموتى، بعيونٍ متعبة، وتلابيبهم مغطّاة بالفتات. لقد كانوا فيما مضى شيئاً آخر، وهم الآن يعملون كسُعاة مكاتب. متأبّطين مغلفاً أصفر ضخماً، يصعدون الأدراج إلى الطابق العاشر عندما يكون المصعد معطلاً. يُبقون أيديهم في جيوبهم وإن كان الوقت صيفاً. قد يكون أيٌّ منهم هو كورنيل.

كان كورنيل سليل عائلة هولندية نيويوركية عريقة أصابها الفقر بعد موت أبيه المبكر. عاش مع أمه وأخيه المُعاق في منزل خشبي صغير في يوتوبيا باركواي، كوينز، وبكسلٍ بادٍ تسكّعَ في شوارع مانهاتن. كعالِمٍ مسيحيّ مخلِص كان ناسكاً وغريب أطوار معجباً بكتابات الشعراء الرومانسيين والرمزيين الفرنسيين. كان بطله العظيم هو جيرار دو نرفال المشهور بتنزّهه في شوارع باريس مع جرادةِ بحر حيّة مربوطةٍ بلجام.

 

الحركة الرومانسية

 

لإدغار ألان بو قصة تُدعى «رجل الزحام»، وفيها مريضٌ قد غادر المستشفى للتو يجلسُ في مقهى في لندن، مستمتعاً بحرّيته، ومتفرّجاً على زحامِ المساء، وعندما يلحظ عجوزاً طاعناً في السن مظهره وسلوكه غير عاديين يقرّر أن يتبَعه. يبدو الرجل في البداية مستعجلاً إلى غاية يقصدها. يجتاز المدينة ويُعيد اجتيازها، إلى أن يتبيّن مُلاحقه، في نهاية مطافهما، أنه يسير هائماً على وجهه. إنه يمشي طوال الليل عبر الشوارع، المقفرة الآن، ومواصلاً مشيه عند طلوع الفجر. يتتّبعه ملاحقه طوال النهار التالي، ولا يتركه إلا حين يُرخي المساءُ الثاني ظلاله. وقبل أن يكفّ عن ملاحقة الغريب يواجهه، محدقاً في عينيه، لكنّ الغريب لا يتعرّف إليه ويستأنفُ المشي.

قصةُ بو هي أحد الأناشيد الكبرى المرفوعة إلى لُغز المدينة. مَن مِنّا لم يكن ذات مرة ذاك المتعقّبَ أو ذاك الغريب؟ كان كورنيل يلاحق فتياتِ المحلات والنادلات والطالبات اليافعات «اللواتي تبدو عليهنّ البراءة». أنا نفسي أتذكر رجلاً فارعاً وسامته غير معهودة، كان يتمشّى في جادة ماديسون بعينين محكمتي الإغلاق كأنه يستمعُ إلى الموسيقى. كان يرتطم بالناس الذين لم يتضايقوا، على ما يبدو، لأنه كان أنيقاً.

«أية قصةٍ ضاريةٍ مكتوبةٌ داخل ذلك الصدر»، يقول الراوي في قصة بو. سرعان ما يغدو المرءُ متلصّصاً في شارع مزدحم. داخل جوّ من الخطر، الإيروتيكية والعزلة الساحقة تلعبان الغميضة في الزحام. يسودُ هناك ما يتعذّر تحديده، اللامتوقعُ واللاملموسُ والعابرُ سريعُ التلاشي. المدينة هي المكانُ الذي تتلاقى فيه أشدُّ المتناقضات تباعداً، المكانُ الذي تترابطُ فيه موقّتاً حدوساتنا المنفصلة. تستمرُّ هنا أسطورة ثيسيوس والمينوتور وأريادنه وخيطها. المدينة متاهةُ المقارنات، الغابةُ الرمزية للخفايا (كما لدى بودلير).

مثل الرجل العنكبوت في كتاب مصوَّر، يتسلّقُ المتلصصُ الوحيد شبكةَ القوى الخفية.

 

بالدهشةِ نفهمُ

 

ويتمان كذلك رأى الشعر في كلِّ مكان. عام 1912 تحدث أبولينير عن منبعٍ جديد للإلهام: «المنشورات الدعائية، الكاتالوغات، الملصقات، الإعلانات بكلِّ أصنافها» التي تتّسعُ لشعر عصرنا.

تاريخ تلك الفكرة معروف، وكذلك أبطالها، ولنسمِّ فقط بضعةً منهم: بيكاسو، آرب، دو شان، شفيترز، إرنست. أنت لا تصنعُ الفن، بل تعثرُ عليه، وأنت تتقبّلُ كلَّ شيء بوصفهِ مادةً للفنّ. جمع شفيترز قصاصات من الحوارات والمواد الصحافية لأجل قصائده. كولاجٌ هي «الأرض اليباب» لإليوت، وكذلك «أناشيد» عزرا باوند.

تقنية الكولاج، ذاك الفن المعتمد على إعادة تجميع أجزاء من صورٍ موجودة مسبقاً بحيث تبدو كأنها تشكّل صورة جديدة، هي الابتكارُ الأهمّ في فنِّ القرن العشرين. اللُقى، ابتداعات الصدفة، الأشياء الجاهزة (الموادُّ المنتَجة بكمياتٍ ضخمة المروَّجة كأشياء فنية) تمحو الفاصل بين الفن والحياة. العاديُّ معجزٌ إذا شُوهد بطريقةٍ صحيحة، إذا تمَّ إدراكه.

«ليس السؤالُ ما تنظرُ إليه، بل ما تراه»، يكتب ثورو في مفكّرته. يتكلم كورنيل عن «الانغماس في عالمٍ كليِّ السعادة تصبحُ فيه كلُّ ترّهةٍ مفعمةً بدلالةٍ ما…»

يكتب جورجيو دي شيريكو الذي كان إعجابُ كورنيل به عظيماً: «القفاز الضخم زنك مطليّ، بأظافره الذهبية الرهيبة، متأرجحاً فوق باب الدكان في الريح الحزينة التي تهبّ على المدينة بعد الظهر، كشف لي بسبّابته التي تشير إلى حجارة الرصيف، العلاماتِ الدفينةَ للكآبة الجديدة».

 

أخبرني العجوز

 

هنا، ذات يوم، كانت دار سينما. تعرضُ أفلاماً صامتة، أشبهَ بالتفرُّجِ على العالم عبر نظاراتٍ سوداء في مساء ممطر. ذات ليلة، اختفى عازف البيانو بطريقة غامضة. تركنا مع البحر العاصف الذي لا يُصدر صوتاً، وامرأة جميلة على شاطئ طويل مقفر، دموعها تسيل على خديها في صمتٍ وهي تتفرّج عليّ أنامُ بين ذراعي أمي.

 

شعرية المنمنمة

 

لعل الطريقة المثالية في النظر إلى صناديق كورنيل هي وضعها على الأرض والاستلقاءُ بجانبها.

ليس مفاجئاً أن تحدق وجوه أطفال من داخل الصناديق وأنّ لهم السحنة الحالمة لأطفالٍ يلعبون. عزلتهم هي العزلة السعيدة لزمنٍ يخلو من الساعات عندما يكون الأطفال سادة عالمهم. صناديق كورنيل هي خزائن تلك الأيام عندما سادتِ المخيلة. إنها، بالطبع، تدعونا إلى ابتداء أحلام طفولتنا مرة أخرى.

 

حقيقة الشعر

 

الدمية مصيدةٌ للحالمين. الدمية الحقيقية موضوعٌ شعري.

ثمة منحوتة لجياكوميتي في بداياته تُسمّى «القصر في الرابعة فجراً» (1932)، تتألف من بضعة عيدان لا أكثر جُمّعت على هيئة سقالة بناء مقتصدة، يجعلها العنوان الغامض بليغةَ الأثر لا تُنسى. قال جياكوميتي إن هذا القصر، بالنسبة إليه وإلى المرأة التي كان يحبّها، كان بيت الأحلام. هذه أحلام قد يعرفها طفل. أحلام تُعاد فيها تسمية الأشياء ويُفوَّضُ إليها بحيواتٍ خيالية. تصبح حصاةٌ إنساناً. عودان يتّكآن أحدُهما إلى الآخر يصنعان بيتاً. يلعبُ المرء في ذلك العالم لعبةَ أن يكون شخصاً آخر. هذا ما يسعى إليه كورنيل أيضاً. كيف ستُشيّد من حلم اليقظة مَرْكباً، غرَضاً سيُثري مخيلةَ الناظر ويؤنسه بالصحبة إلى الأبد.

 

سيجارٌ تعضُّه أسنانهم

 

قرأتُ أن غوته وهانز كريستيان أندرسن ولويس كارول كانوا مدراء مسارحهم المنمنمة الخاصة. لا بد أن هناك في العالم الكثير من دور مسرح أخرى مماثلة. إننا ندرس تاريخ تلك الحقبة وأدبها، ولكننا لا نعرف شيئاً عن هذه المسرحيات التي كانت تُعرض أمام جمهورٍ من شخص واحد.

 

ما رآه موتزارت في شارع مالبري

 

إذا كنت تحبُّ التفرُّج على الأفلام بدءاً من منتصفها فمُخرجك هو كورنيل. إنه يلتقط تلك اللحظات الأولى من فيلم مجهول بدأ للتوّ، بصوره الغامضة كلَّ الغموض ونثارٍ من الحوار، قبل أن يتوضح مكانُ الحدث أو حتى أوهى تلميح إلى الحبكة.

قام كورنيل بتركيبِ صورٍ ومقاطع من أفلامٍ هوليودية موجودة من قبل كان قد عثر عليها في دكاكين الخردة. لقد صنع كولاجات سينمائية لا يقوده فيها غير شعر الصور. كلُّ شيء فيها متعلقٌ بالمحذوفات. الممثلون يتحدثون، لكننا لا ندري إلى مَن. المشاهد متقطّعة. الصور هي ما يتذكّره المرء. كما صنع فيلماً من وجهة نظر تمثال نصفي لموتزارت في نافذة مخزن. هنا أيضاً تُوظَّف الصُّدفة. الناس يعبرون في الشارع وبعضهم يتوقف لينظر إلى النافذة. مارسيل دو شان وجون كيج يستخدمان عملية الصُّدفة ليتخلّصا من ذاتية الفنان. بالنسبة إلى كورنيل الحالة معاكسة. فالاستسلام للصدفة يكشفُ الذات ووساوسها. وبهذا المعنى ليس كورنيل دادائياً أو سريالياً. إنه يؤمن بالرُّقى والحظّ الطيب.

 

التحديقة التي عرفناها في طفولتنا

 

«أولئك الذين يبحثون عن المعنى الرمزي يفشلون في القبض على الشعر الكامن في الصُّور ولغزها»، يكتب رونيه ماغريت. أوافق تماماً على ما قال. ومع ذلك يقتضي هذا الاقتباس بعض الإيضاح. هناك في الواقع ثلاثة أنواع من الصور. أولاً، هناك الصور التي تُرى بعيون مفتوحة على منوال الواقعيين في الفن والأدب كليهما. ثم هناك صورٌ نراها بعيون مغمضة، يعرفها الشعراء الرومانسيون والسرياليون والتعبيريون والحالمون اليوميون. غير أن الصور لدى كورنيل في صناديقه هي من النوع الثالث. إنها تنهل من الواقع والحلم كليهما، ومِن شيء آخر ليس له اسم. إنها تُغوي الُمشاهِد في اتجاهين متعاكسين. أحدهما هو النظر والإعجاب بأناقةِ التكوين ومزاياه البصرية الأخرى، والاتجاه الآخر هو تأليف المرء قصصاً حول ما يراه. في فنِّ كورنيل، تتعارض مقاصد العين واللسان. لا يكفي أيٌّ منهما وحده. إنه امتزاجهما ذاك ما يؤلّفُ الصورة الثالثة.

 

إيميلي ديكنسون

 

كورنيل وديكنسون كلاهما، في النهاية، غير قابلين للمعرفة. إنهما يعيشان داخل الأحجية، كما كانت ديكنسون ستقول. لا توضح سيرتاهما شيئاً. إنهما بلا أسلاف، غريبا الأطوار، أصيلان، وبالمعنى الواسع أميركيان. إذا كانت قصائدها كصناديقه، مكاناً تُصان فيه الأسرار، فإن صناديقه كقصائدها، هي المكان الذي تتلاقى فيه أشياء مستبعدة الحدوث.

كان كلاهما مهمومين بخلاصِ روحيهما. كلٌّ منهما مترحّل عزلاته ومُستكشفها، فيجعلانها شاسعة، كونية. إنهما فنانان دينيّان في عالمٍ شهد أفولَ الميتافيزيقا والأفكار الجمالية. بقراءة قصائدها، والنظر إلى صناديقه، تبدأ طريقةٌ جديدة في التفكير حول الفن والأدب الأميركيين.

 

* كتب الشاعر الراحل مارك ستراند إن الصور في قصائد صديقه تشارلز سيميك تسبق الكلمات والأشياء، وقد ألّف هذان الشاعران (اللذان بدأ كل منهما حياته الفنية بالرسم) كتباً ونصوصاً عن عدد من الفنانين الأميركيين. شغف سيميك طويلاً بأعمال جوزف كورنيل، صناديقه وأفلامه وكولاجاته، وانتهى في تسعينيات القرن العشرين إلى تأليف كتاب صغير ترجمنا مقتطفاتٍ منه هنا تحاكي فقراته وشذراته أعمال كورنيل وأساليبه البعيدة عن التنظيرات كافة المتعلقة بالجمال وعلومه. أمضى سيميك طفولته وصباه في بلغراد حيث ولد عام 1938، قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة ليعيش هناك، ولا يزال، كاتباً قصائده ومقالاته باللغة الإنكليزية ومترجماً إليها العديد من شعراء يوغوسلافيا السابقة.

ملحق كلمات –الأخبار-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى