صفحات العالم

«مقاتل السوريين» في «سفر الجريمة»


عبد الله بن بجاد العتيبي

كانت الحقب الأكبر من تاريخ البشرية مليئةً بالوحشية والدماء، وكانت الحقب الأقل وادعةً مسالمةً، والتاريخ العربي أو الإسلامي ليس بدعاً من ذلك التاريخ فقد اشتمل بدوره على الكثير من الوحشية.

جاء عنوان المقال من كتاب أبي الفرج الأصفهاني «مقاتل الطالبيين» وهو كتابٌ جمع فيه مقاتل آل البيت في العهدين الأموي والعبّاسي، ومن هنا لم يجد كاتب هذه السطور بعد رصدٍ لتاريخ آل الأسد في سوريا من حافظ لبشّار تسميةً أبلغ لهذه المرحلة الدموية في تاريخ سوريا إلا «مقاتل السوريين».

بين مجازر دمويةٍ ومذابح إنسانية تستمر «مقاتل السوريين» في «سفر الجريمة» الذي خطّه الأسد الأبّ ولا يريد الأسد الإبن سوى استمراره وتضخّمه، فمن مجزرة حماة مروراً بمجزرة تدمر وصولاً لمجزرة حمص كان تعداد القتلى يفوق في معناه وحجمه ورقمه حجم التنمية وأرقام الاقتصاد. من يقرأ في التاريخ العربي أو الإسلامي يجد الكثير من الأهوال، سواءً في كتب التاريخ العام حيث الحروب المتبادلة بين دولٍ وكياناتٍ سياسيةٍ أم تلك المختصة بالمحن والنكبات والعذابات داخل كيانٍ سياسيٍ واحدٍ، ومن آخرها كتاب «موسوعة العذاب» الذي ألّفه البحّاثة العراقي عبّود الشالجي وكان يجمع مادّته من خلال تحقيقاته التراثية الواسعة، وهو كتابٌ مؤثرٌ بألمٍ على قارئه السويّ لحجم ما احتواه من صنوف الظلم والعذاب والقتل، غير أنّه في مجمله لا يصل لما وصل إليه النظام الأسدي من بشاعةٍ وآلة قتلٍ منظمةٍ يقودها نظامٌ ضد شعبه.

ولئن لم تسعفنا كتب التاريخ العربي والإسلامي المتخصصة بمثل هذا الحجم من الدمويّة المنظّمة التي تمارس عنف الدولة ضد مواطنيها فإنّ كتب التاريخ الحديث تمنحنا النماذج الواضحة لنظامٍ سياسيٍ يقتل شعبه، وأوضحها نازية هتلر في ألمانيا التي غطّت عليها شيوعية ستالين كأبرز الأمثلة التي حصدت ملايين الأرواح، ومثلها مجازر ماو تسي تونغ في الصين، والقرن العشرين يمنحنا أمثلة أخرى وإن كانت أصغر فإنها تصبّ في ذات السياق الدامي.

إنّ الذاكرة الروسية التي يدعم قادتها النظام الأسدي في سوريا متخمةٌ في هذا السياق بارتكاب المجازر أو الدفاع عنها، أما ارتكابها فتاريخ الشيوعية السوفيتية خير شاهدٍ، وأما الدفاع عنها فليس ببعيدٍ موقفها من الدفاع عن مجازر الصرب بعد تفكك دولة يوغوسلافيا، وربما كان في استحضار هذا التاريخ ما يمنح إجابةً لمن يتساءل: كيف تستطيع روسيا تحمّل كل هذه الجرائم وكيف تمتلك القدرة على الدفاع عنها؟ وذاكرة الصين الحديثة تمتلك نفس الاستطاعة وذات القدرة.

من الفوارق المهمة التي تغيّرت بين مجازر الأب ومجازر الإبن ضمن متغيراتٍ كثيرةٍ هو الإعلام وسلطته وقوّته، ففي عهد الأب لم تكن وسائل الإعلام تملك من القدرة والانتشار ما تملكه وسائل الإعلام المعاصرة، وقد أمدّها التطوّر التقني بكل ما تحتاجه من صورٍ ومقاطع فيديو وإرسالٍ مباشرٍ من مواقع الأحداث، فقد جاءت مجازر حمص والنظام يعلم أنّ كل حمصيٍ بإمكانه أن يكون مراسلاً إعلامياً فهاتفه المتنقل يستطيع من خلاله التقاط الصور والمقاطع وإرسالها للعالم في ثوانٍ، ومن هنا سعى لقطع كل وسائل الاتصال عن المدينة.

حين تعيا الكلمات عن شرح الألم وحين تعجز الألفاظ عن نقل المعاناة يلجأ الكثيرون لإبداعات الأدباء الإنسانية، ولذلك نرى كم تضخّم التوظيف السياسي والإنساني لقصائد الشاميّ نزار قبّاني من النخب ومن الناس، وذلك لعجز مفردات اللغة البسيطة عن وصف الأحداث.

في مجالات التعبير الأدبي التي تتناول أوجاع البشر فإن للشعر قوته وبقاؤه، وتميّزه وأثره، وللرواية قوّةٌ أخرى وتأثيرٌ آخر، وربما تبادلا التأثير بينهما بين بيتٍ خالدٍ وروايةٍ مبدعةٍ وهما يخلّدان الوجع والألم ويحفظان الجرائم حاضرةً لا يمحوها التقادم، ويمكن هنا أن نتذكّر ما كتبته الروائية الصينية يونغ تشانغ عن تاريخ الصين الحديثة الداعمة للأسد في روايتها المهمّة «بجعاتٌ بريةٌ»، وما كتبه عربياً عبدالرحمن منيف في روايته «شرق المتوسط« وروايته الأخرى «الآن هنا: أو شرق المتوسط مرةً أخرى»، حيث تفاصيل مؤلمةٌ تحكي عن دول الانقلابات العربية العسكرية والآيديولوجية في منتصف القرن العشرين وهو وإن لم يحدّد البلد فقد كان يحكي كما هو الأقرب عن سوريا أو العراق أي عن حكم حزب البعث العربي الإشتراكي.

لست مطلعاً بما يكفي على الأدب الروسي لأستحضر روايةً تخدم هذا السياق وتروي جرائم الحقبة الشيوعية، ولكنني متأكدٌ أنّ من أتو بعد تولستوي وديستوفسكي قادرون على إبداع الكثير حول مجازر ستالين.

من هنا فإنّه حين «تزعم قلةٌ أن تاريخ القرن العشرين –والفكر السياسي فيه- هو قصة نجاحٍ أو تقدّمٍ، بينما العكس هو الصحيح، لقد كان القرن العشرين زمناً للفوران والاضطراب والحركات الجماهيرية والقتل الجماعي» (الفكر السياسي في القرن العشرين: 1/15)، يصبح من الأجدر إعادة القراءة المتأنية والصبورة لاكتشاف منحىً جديدٍ أو رؤيةٍ مختلفةٍ لإدراك ورواية ما يجري، ذلك أنّ التاريخ يأخذ منعرجاته صعوداً وهبوطاً بناء على عوامل متعددةٍ ومعطياتٍ شتّى، وهو بالتأكيد لا يسير نحو الأفضل دائماً كما يعتقد البعض، ولن يسير نحو الماضي مستقبلاً كما يؤمل بعض آخر على رأسهم بشار الأسد.

تسعى الدول العربية وعلى رأسها دول الخليج مع تركيا والدول الغربية لبناء تحالفٍ دوليٍ لأصدقاء سوريا، يضمن استمرار الضغط على نظام الأسد ديبلوماسياً من خلال الأمم المتحدة أو من خلال العودة لمجلس الأمن كرةً أخرى، وسياسياً من خلال تصعيد العقوبات وفرض مزيدٍ من العزلة على النظام وحبذا لو اتخذت تلك الدول نفس الخطوة الخليجية وطردت ممثلي النظام، كما باستطاعتها دعم تركيا دولة الجوار السوري الوحيدة القادرة على فرض منطقةٍ عازلةٍ لحماية المدنيين السوريين، وقد حان أوان الاعتراف بالمجلس الوطني السوري ممثلاً للشعب السوري. سلوك النظام بعد الفيتو الروسي- الصيني المزدوج آخذّ بالتصعيد في العنف، فأرقام القتلى اليومية صعدت للضعف، وأصبح النظام لا يكتفي بالشبيحة والعسكر بل يستخدم المعدّات الثقيلة فيرجم المنازل والأحياء بقذائف الدبابات والصواريخ، ويخلق نموذجاً صادماً في حمص يرهب به المواطنين الآخرين لمجرد اقتراب آلياته منها تماماً كما فعل والده في حماة.

يسعى نظام الأسد بكل قوّته لأن يعيد التاريخ نفسه في سوريا، ولكنّه يغفل أنّ منطق التاريخ أقوى من قوّته ونظامه، وأنّ سفر الجريمة الذي يسعى لجعل صفحاته مفتوحةً ليضيف إليها فصولاً كلّما شاء سيغلقه الشعب السوري.

الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى