صفحات العالم

مقالات تناولت الموقف الايراني من الثورة السورية

 

 

 

لئلا تقع إيران في الخطأ السوري لا قرار لها في لبنان قبل العراق/ اميل خوري

في اعتقاد مصادر ديبلوماسية ان سبب الشغور الرئاسي ليس لبنانياً داخلياً فقط انما خارجي ايضاً، فالدول المعنية بوضع لبنان تفضل انتظار التطورات العسكرية والسياسية في المنطقة كي تبني على الشيء مقتضاه، فإما تفرض هذه التطورات رئيس تسوية للبنان، أو تفرض رئيس غالب ومغلوب وهو ما ليس بالامكان تحديد صورته الآن لئلا يتكرر الخطأ الذي وقعت في سوريا في لبنان وكادت ان تقع فيه ايران في العراق.

في الماضي أقدمت “سوريا الأسد” عند شعورها بأنها في موقع قوة على فرض استقالة حكومة “الوحدة الوطنية” التي كانت برئاسة سعد الحريري خلافاً لاتفاق الدوحة، وتم توقيت هذه الاستقالة لدى دخول الرئيس الحريري البيت الابيض لمقابلة الرئيس أوباما وبإعلان صدر من مقر العماد ميشال عون في الرابية، وتم تشكيل حكومة اللون الواحد برئاسة نجيب ميقاتي وقد عُرفت بحكومة “حزب الله” لأن هذا الحزب استطاع بعرض قوة للقمصان السود جعل كتلة النائب وليد جنبلاط تنتقل من صف قوى 14 آذار الى صف قوى 8 آذار لتأمين اصوات الاكثرية المؤيدة لتسمية ميقاتي رئيساً للحكومة في الاستشارات النيابية التي أجراها الرئيس ميشال سليمان، وهي استشارات تأجلت اسبوعاً بهدف التوصل الى توفير هذه الاكثرية.

لكن حساب حقل سوريا الاسد لم يطابق حساب البيدر، إذ ما ان تشكلت هذه الحكومة وعُدّ تشكيلها انتصاراً سياسياً لفئة على فئة حتى اندلعت ثورة شعبية في سوريا ضد نظام الرئيس بشار الأسد، وكان لا بد من أن يكون لحكومة ميقاتي موقف منها، فكان هذا الموقف هو “النأي بالنفس” عما يجري في سوريا لأن اللبنانيين منقسمون بين مؤيد للنظام في سوريا ومناهض له. وظلت سياسة النأي بالنفس موضع اختبار الى ان قرر “حزب الله” بطلب من ايران التدخل عسكرياً في سوريا الى جانب الجيش النظامي بعدما بلغ ايران ان “الجيش السوري الحر” ومن معه بات يهدد دمشق بالسقوط، وسقوطها هو سقوط النظام وتاليا مشروع ايران التوسعي في المنطقة. وقد جعل هذا التدخل المخالف لسياسة الحكومة ولاعلان بعبدا الرئيس ميقاتي يقدم استقالة حكومته لأنه لم يعد قادراً على تحمل تداعيات تدخل “حزب الله” عسكرياً في سوريا. وأخرت التجاذبات السياسية اللبنانية الداخلية والتجاذبات الاقليمية والدولية حول الوضع في لبنان والمنطقة التوصل الى اتفاق على تشكيل حكومة برئاسة تمّام سلام اكثر من عشرة أشهر بسبب هذه التجاذبات، الى ان انتهى الامر باتفاق على تشكيل حكومة “وحدة وطنية” من غالبية القوى السياسية الاساسية في البلاد سماها سلام “حكومة المصلحة الوطنية”، في حين سماها الرئيس سعد الحريري “حكومة ربط نزاع” وسماها “حزب الله” حكومة التسوية، حتى إذا ما تعذر الاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية انتقلت الى هذه الحكومة صلاحيات الرئاسة الاولى بالوكالة. وها ان الحكومة تعمل الآن وسط جزر ومد كما هي الحال في سوريا بين المعارضة والموالاة. أما ايران، التي أصبحت صاحبة الكلمة في لبنان وفي بعض دول المنطقة، فقد فضلت التريث في موضوع انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان ريثما تتوضح الصورة في العراق تجنباً للخطأ الذي وقعت فيه سوريا عندما استعجلت استقالة حكومة الرئيس الحريري ظنا منها انها تستطيع ان تعود وتحكم لبنان من خلال حكومة اللون الواحد برئاسة ميقاتي، وإذ بها تفاجأ بقيام ثورة داخلية لم تنته حتى الآن ربما لان الولايات المتحدة الاميركية، التي هي في مفاوضات حول الملف النووي مع ايران، لا تريد ان تتأثر هذه المفاوضات بما يجري في سوريا.

لذلك، فإن السؤال المطروح هو: هل بات على لبنان ان ينتظر تطورات الوضع في العراق وربما تطور المفاوضات حول الملف النووي، وهو انتظار قد يطول بحيث يفوق قدرة لبنان السياسية والامنية ولا سيما الاقتصادية على هذا الانتظار الطويل؟

حيال هذا الوضع اللبناني المرتبط بوضع المنطقة والتطورات فيها، تتساءل اوساط سياسية: أليس في الإمكان فصل الوضع في لبنان عما يجري في المنطقة وذلك باستمزاج رأي الدول المعنية في المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية في لبنان توصلاً الى اتفاق على اختيار مرشح او اكثر ويتولى مجلس النواب الاقتراع السري وإعلان فوز من ينال اكثرية الاصوات المطلوبة؟ هذا إذا كانت هذه الدول، لا سيما الولايات المتحدة الاميركية وايران والسعودية، خدمة للبنان واستقراره، يهمها فصل ازمة انتخاباته الرئاسية عن ازمات المنطقة، خصوصا بين ايران والسعودية، وإلا يكون قد كتب للبنان ان يبقى مكباً لأزمات المنطقة وساحة مفتوحة للصراعات فيها ما دام القادة فيها لم يتفقوا بعد على تحييده عنها.

النهار

 

 

 

 

تأجيل النووي وإصابة الهلال/ وليد شقير

هل سيجد العقل السياسي الإيراني (وعقل حليفه اللبناني «حزب الله») الطريق ليخرج نفسه من حال الاستنزاف التي دخلها في الأشهر الأخيرة في سورية ومعها لبنان وفي ميدانه الحيوي في العراق، أم أن إدارته السياسية لمناطق النفوذ التي تمكَّن من أن يصنعها في السنوات الماضية في هذه الدول وغيرها، بوصول أذرعه إلى اليمن وبعض دول الخليج، ستغرق في حال التخبط والحروب والانقسامات التي تحول دون قطافه المكاسب التي تؤمنها له؟

السؤال يطرح قبل ساعات من حسم طهران ودول 5+1 القرار في شأن اقتراح تمديد مهلة التفاوض من الإثنين المقبل إلى تاريخ آخر، على الملف النووي الإيراني في فيينا. والشائع أن القيادة الإيرانية عادت إلى التشدد في هذه المفاوضات، لأن من بين مواضيع الخلاف رفضها الرفع الجزئي للعقوبات، وإصرارها على الإفراج عن الجزء الأكبر من الأموال الإيرانية المجمدة في الغرب لإراحة الاقتصاد، فالتدهور الذي أصابه كان الدافع الأساس لإقدام الدهاء الإيراني عبر انتخاب حسن روحاني رئيساً، على التفاوض، بعدما أضافت العقوبات صعوبات مالية ضخمة إلى الأكلاف الباهظة للتوسع الإقليمي، على رغم أرباح هذا التوسع في الجغرافيا السياسية. والشائع أيضاً أن الخلاف في فيينا لا يقتصر على عدد أجهزة الطرد المركزي التي يحق لإيران الاحتفاظ بها لتخصيب اليورانيوم، بل على عدد بلايين الدولارات التي ستستعيدها إيران والعقوبات التي سترفع عنها، لتعوض تكاليف سياسة الاقتحام الإقليمية التي اعتمدتها في العقود الماضية. وبعض هذه العقوبات يعود سببه إلى هذه السياسة وليس إلى البرنامج النووي وحده. وإذا كانت القيادة الإيرانية أرادت من هذا الانفتاح تمكين نفسها من مواصلة التوسع الإقليمي، فإن دول الغرب أمسكت بالعقوبات وسيلة لإفقادها هذه القدرة، أو للتفاوض معها على حدود نفوذها، تشاركها في ذلك الدول العربية المتضررة من توسع نفوذ الثورة الإسلامية.

الأيام والأسابيع المقبلة ستنبئ بما إذا كان هذا التمديد للتفاوض على النووي هو لالتقاط الأنفاس من أجل الرد على الإصابة التي تلقتها إيران في العراق بخروج مناطق واسعة عن سيطرة حليفها الأول نوري المالكي، بمحاولة استعادة بعض منها، مقابل التمسك بحلفائها، أم أن توافق النواب العراقيين على انتخاب رئيس للبرلمان هو إشارة إلى تسوية ما، ولو جزئية لتقاسم جديد للسلطة في بلاد الرافدين، أو مقدمة لإعادة النظر في إدارة سياستها في المنطقة.

فواشنطن رفضت مشاركة طهران الحرب على «داعش» على رغم التلاقي في رفع شعار محاربة الإرهاب الذي أمِلت القيادة الإيرانية بأن يشكل نجاحُها وحليفها في دمشق في صناعته وتسويقه سبباً لدعم سياساتها ضد خصومها الإقليميين، فالولايات المتحدة تدرك أن ما يريده الجانب الإيراني هو تغطية سياساته الاقتحامية للمنطقة بشعار محاربة الإرهاب هذا.

تعرّض هلال النفوذ الإيراني لإصابة بالغة حين تلاقت اندفاعة «داعش» في العراق مع التمرد السنّي على تفرد طهران في حكمه وهيمنتها على قراره. وإذا كان صحيحاً أن هذا الهلال لم ينكسر، فإن الإصابة التي تعرض لها وضعت طهران في موقع تحصين مواقع نفوذها بدلاً من تحسين هذه المواقع على امتداد الإقليم. والفارق واضح بين المسألتين، خصوصاً أن لائحة اللاعبين الكبار في التنافس على بغداد تبدأ بتركيا وتمر بدول الخليج، والسعودية في مقدمتهم، ولا تنتهي بأميركا. وإذا جاءت الإصابة الأكثر حراجة في المدى الحيوي لطهران، في بلاد الرافدين، فإن استمرار انغماسها في الحريق السوري أضعف من استخدامها بلاد الشام، مع ما يعنيه ذلك من استنزاف لمواطن القوة لديها عبر توظيفها قدرات «حزب الله» في هذا الحريق. والميدان السوري يبقى معرضاً للانهيار ولانكسار الهلال. وفي لبنان، يبدو البلد معرضاً أيضاً للانتكاس، بمواصلة طهران والحزب خطة منع استكمال مؤسساته الدستورية وانتخاب رئيس الجمهورية، وتتصاعد في الطوائف المسيحية القناعة بأن الحزب يقف وراء الشغور الرئاسي ويحول دون استعادة الموارنة دورهم في التركيبة السياسية. وفي غزة التي تتعرض للحرب الإسرائيلية الشرسة، باتت طهران مطالبة بتنفيذ شعاراتها بمساندة المقاومين في وقت تغيرت خريطة الوضع الفلسطيني الداخلي بعد المصالحة بين «حماس» و «فتح» والتي ما زالت صامدة، في حين تزداد جروح «حزب الله» في سورية.

هل أن الدهاء الإيراني الذي اخترع شعار «ليونة الأبطال» عندما انطلقت مفاوضات النووي، سيجد وسيلة تعتمد الشعار نفسه في الوضع الإقليمي، أم أن الإدارة السياسية اليومية وسوء التقدير لأضرار التوسع غير المنطقي ستغلب؟

الحياة

 

 

ثمن بقاء طهران على طاولة التفاوض/ مصطفى كركوتي

مع نشر هذه السطور يفترض أن يكون أُعلِن ما إذا كانت الادارة الأميركية ستواصل الحوار مع إيران. لكن لهذا الأمر، ككل شيء في السياسة، ثمنه. وأغلب الظن، وإن كان في بعضه إِثْم، أن توافق الأطراف في مفاوضات فيينا حول «النووي» الإيراني على منح طهران فرصة جديدة لتمديد التفاوض كثمن تدفعه قوى التحالف الدولي (دول مجلس الأمن الدائمة العضوية وألمانيا)، لتبقى إيران على طاولة المفاوضات.

في المقابل، بقاؤها على الطاولة له ثمنه، وهذا هو الأصعب والأهم في سوق المقايضة الراهن في الاقليم. ظاهر الأمر هو بقاء إيران في دائرة المناقشة الدولية حول برنامجها النووي، لكن حقيقته تكمن في حاجة التحالف الماسة، على رغم تناقض المصالح المعقدة والمتشابكة، لدور طهران الوازن في المنطقة. المدة المحددة للتوصل إلى إتفاق نهائي تنتهي اليوم، إذ لا تمديد إلا باجماع الأطراف.

وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وفق مصدر بريطاني مسؤول، عقد مع نظيره الإيراني على الأقل ثلاث جلسات في مسعى للحيلولة دون استخدام صيغ «نيرانية» أو تصريحات «خلافية» تعليقاً على نتائج المفاوضات، أو الانزلاق إلى وضع مماثل لما كانت عليه الحال في بداية الدورة الحالية منها، في حال تعليقها. وكان الوزير محمد جواد ظريف أبدى في خطاب له انزعاجه من محتوى مقال نُشِر لكيري في «واشنطن بوست». وقال ظريف حينئذ إن طهران ستقاوم الضغوط «ولن ترضخ مستسلمة لقوى أجنبية».

وبدا كيري في مقاله يائساً إزاء مسار التفاوض، وقال في ما بدا تحذيراً لطهران: «المفاوضات لا يمكن أن تستمر إلى الأبد»، لكنه لمح إلى أن ثمة فرصة للتمديد: فـ «هناك ضغط لإضافة وقت جديد ولكن لا تمديد إلا بإجماع جميع الأطراف… ولن تقبل الولايات المتحدة وحلفاؤها أي تمديد لمجرد مطّ المفاوضات فحسب». فالادارة الأميركية وحلفاؤها يدركون جيداً الأهمية القصوى لدور إيران ووزنها المرحلِيَّيْن في الشرق الأوسط، في العراق وسورية والخليج فضلاً عن أفغانستان، ويدركون كذلك ضرورة التحرك بتؤدة عندما- وإذا ما- تطلب طهران التمديد.

والوضع الراهن لا يزال كما كان مذ بدأت المفاوضات قبل ثمانية أشهر: فمن جهة، تصر إيران على أن تخصيبها لليورانيوم أهدافه «سلمية» وهو تشغيل مولدات الطاقة، وتريد رفع الحظر عنها. ومن جهة أخرى، يشكك الغرب في نياتها وراء استخدام اليورانيوم إذ تهدف إلى تطوير سلاح نووي.

وخط سير المفاوضات حتى الآن هو التالي:

– في 20 كانون الثاني (يناير) 2014 سُمح لوكالة الطاقة الذرية الدولية بالتأكد من التزام طهران مقابل رفع حظر جزئي عن موجوداتها في البنوك الدولية بحدود سبعة بلايين دولار.

– في شباط (فبراير) انطلقت المفاوضات في فيينا بهدف التوصل إلى حل شامل.

– 20 تموز (يوليو) الجاري موعد نهاية المدة المحددة للتوصل إلى هذا الحل، وإلا فالحظر سيبقى قائماً في حال فشل المفاوضات ما لم يتفق جميع الأطراف على التمديد.

– تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 موعد اختتام المفاوضات وبدء تنفيذ المرحلة الثانية من الحل الشامل.مفوضة الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون ونيابة عن مجموعة (5+1)، تقود المفاوضات، وواضح أن الخلافات على مدى ما يُسمح لإيران من تخصيب استمرت قائمة منذ بداية الحوار في تشرين الثاني الماضي. ويدرك الطرفان، رغم تجنب الحديث علناً عن ذلك، أن ثمة أثماناً لا بد من دفعها بغية استمرار التفاوض، سيما أن هناك كثيراً من الأمور، إضافة إلى موضوع «النووي»، لا تزال على المحك، في مقدمها الحيلولة دون تدهور الوضع الأمني والسياسي في سورية والعراق وضرورة اتخاذ ما يلزم من إجراءات لوقف مد التفكك والحيلولة دون وصوله إلى بغداد. وهذا يعني عملياً «تلزيم» طهران مهمة الحفاظ على الاستقرار في هذه المنطقة بدلاً من الولايات المتحدة التي بدأت بالفعل تنفيذ خطة انسحابها العسكري منها.

وفي ضوء واقع الحال، أكد الرئيس باراك أوباما من دون لبس أن قوات بلاده في العراق ستغادره لا محالة في المواعيد المقررة، وأنه لا عودة لأي منها إليه. كما أن الادارة الأميركية مصرة على تنفيذ برنامج سحب قواتها من أفغانستان على دفعات، على أن يُستكمل خلال سبعة أشهر على أبعد تقدير. وبات معلوماً أن المستشارين الايرانيين بدأوا يحلّون محل من ينسحب من الخبراء الأميركيين، ويعملون جنباً إلى جنب مع مَنْ لا يزال موجوداً منهم في العراق في إطار عملية هادئة من التسلم والتسليم. ولعل هذا ما يفسر الانتعاش المفاجئ لميليشيات «داعش» بدعم مباشر من قوى إقليمية أخرى وانتشارها السريع في مناطق واسعة من العراق وسيطرتها بسهولة على مدينة الموصل. ولم يعد سراً كيف أن طيارين إيرانيين يقصفون أهداف «داعش» للحيلولة دون تقدمها نحو بغداد.

وترى واشنطـــن أن لطــــهران دوراً مهماً أيضاً في ترتيبــــ ات الأمن فـــي أفغانستان لموازنة نفوذ باكستان القوي لدى أطياف واسعـــة من القبائل الأفغانية، وذلك بهدف تأمين انسحاب قوى التحالف الغربي. وهي العملية التي تطلق عليها واشنطن عبارة «نهاية سليمة» لأكثر من عقد من الاقتتال المستمر. لكن «طالبان» تؤكد بين الحين والآخر أنها لا تزال تقف بالمرصاد لخطة واشنطن، كما تدل سلسلة التفجيرات الأخيرة في أفغانستان، والتي بدأت أثناء وجود كيري في كابول قبل أسبوع مودية بحياة عشرات المدنيين الأبرياء.

وتنظر واشنطن الى دور إيران في سورية بعين الرضا منذ ما قبل ظهور «داعش» وأخواتها على رادار العنف البشع في الإقليم، إذ أنها لم تعترض على استخدام طهران ميليشا «حزب الله» اللبنانية وتحركها الواسع في إخماد الانتفاضة الوطنية وإنقاذ حكومة الرئيس بشار الأسد في المناطق الواقعة تحت سيطرة قواته. كل ذلك يحدث تحت سمع واشنطن وبصرها، هي التي باتت منخرطة في حالة عنوانها أن «التنسيق مع طهران بات حيوياً لمصالحنا»، ما يفسر حركة المقايضة المتبادلة بين قوى الإقليم ومعها في ظل تمديد آخر لمفاوضات الملف النووي.

الحياة

 

 

عن «استراتيجية» إيران التفاوضية مع العالم!/ محمد مشموشي

عندما كتب الرئيس الايراني حسن روحاني قبل تسعة شهور (صحيفة «واشنطن بوست») قائلاً: «السياسة الدولية لم تعد لعبة ذات محصلة صفرية، بل هي الآن ساحة متعددة الأبعاد غالباً ما يحدث فيها تعاون وتنافس بين الدول في الوقت ذاته»، فإنه كان يرسم ما يمكن اعتباره «استراتيجية» بلاده و «تكتيكاتها» في المفاوضات مع واشنطن والغرب، والتي كانت حينذاك في مراحلها الأولى.

اذ لا معنى لتعبير «المحصلة الصفرية»، الذي قال انه لم يعد موجوداً في التفاوض بين الدول، الا أن أحداً لا يطلب منه أن يعطي كل شيء مقابل أن أحداً لا يطالب بأن يأخذ كل شيء. لكن روحاني لم يقف في مقاله عند هذا الحد، بل شرحه معتبراً انه على هذا الأساس «فالمتوقع من قادة العالم أن يعملوا لتحويل التهديدات (الأميركية والغربية السابقة لبلاده) إلى فرص».

والحال أن هذا ما تحاول ايران أن تفعله منذ ذلك التاريخ، إن في مفاوضاتها مع الدول الـ5 الكبرى + ألمانيا حول ملفها النووي، أو في ما تفترضه من «سيناريوات» لتفاوضٍ لم يبدأ بعد حول دورها في المنطقة ونفوذها المباشر في بعض دولها.

وإذا كان صحيحاً أن الدول الست، والولايات المتحدة تحديداً، لم تقدم شيئاً لإيران خلال فترة التفاوض السابقة، فالصحيح أيضاً أنها لم تقل إنها لن تقدم مستقبلاً. وعندما كتب وزير الخارجية الأميركي جون كيري مقالاً في الصحيفة ذاتها، رداً كما يبدو على مقال روحاني، لم يناقش تلك الفكرة («المحصلة الصفرية»)، ولا حتى حاول دحضها، بل ردد عبارة واحدة من أول المقال الى آخره، هي أن الوقت يكاد ينفد من دون التوصل الى اتفاق يؤكد «سلمية» المشروع النووي الايراني.

وفي موضوع العقوبات المالية، طهران التي رحبت بقرار واشنطن الإفراج عن مئات الملايين من الدولارات من أموالها المحتجزة لديها منذ الثورة قبل أربعين عاماً، لم تقل كلمة واحدة عن قرارها الآخر بدفع نحو بليون ونصف بليون من هذه الأموال تعويضاً لعائلات ضحايا تفجير السفارة الأميركية ومقر «المارينز» في بيروت في تلك الفترة.

للمناسبة: هل يمكن القول إن موقف طهران هذا يشكل اعترافاً بمسؤوليتها المباشرة عن التفجيرين اللذين تبنّاهما في حينه «حزب الله»، وإن باسم مختلف، أم أن الصمت الآن هو بعض «استراتيجية» التفاوض التي حددها روحاني («خذ وأعطِ») منذ البداية؟

غالب الظن أنهما الأمران معاً: الاعتراف بما كان، والاستعداد للبحث في ما سيكون. ومن وجهة نظر طهران، هما معاً مصدر قوة المـــــفاوض الايراني في المرحلة الحالية وفي ما سيليها.

في أي حال، لا حاجة للبحث عن أدلة على «استراتيجية» و «تكتيكات» التفاوض التي تنتهجها طهران، تحت راية «الاعتدال» التي رفعتها منذ انتخاب روحاني خلفاً لمحمود أحمدي نجاد قبل نحو سنة. فهي تتحدث عن نفسها، كما يتحدث عنها المفاوض الآخر، بصراحة ووضوح كاملين.

ذلك أنه من الملف النووي الذي لم يتحقق فيه تقدم، كما بدا من جولة التفاوض الأخيرة، الى ملفات الهيمنة المباشرة على سورية والعراق ودخولهما حربين أهليتين لا يُعرف متى وكــيف تنتهيان، الى ما يمكن وصفه بـ «الامساك بخناق» بلدين هـما لبنان واليمن ومنع أي حد من الاستقرار فيهما، وأخيراً الى اعادة التسلل الى قطاع غزة والامساك بحركتي «حماس» و «الجهاد الاسلامي» بعدما قطعت المصالحة بينهما وبين السلطة الفلسطينية مرحلة متقدمة، تبرز المعطيات الآتية:

أولاً، في الملف النووي: تقوم طهران بما يسمى بين الحواة «لعبة الـ3 أوراق». تكشف احداها التي تقول إن أسلحة الدمار الشامل تناقض تعاليم ومبادئ الاسلام وهي لذلك لا تسعى إلى امتلاكها، لتعلن لاحقاً على لسان مرشدها علي خامنئي أن برنامجها يحتاج الى نحو مئتي ألف من أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم. وعندما تكشف ورقة تخفيض التخصيب الى مستوى 5 في المئة، تقول ان مفاعلها العامل بالماء الثقيل في آراك ليس مشمولاً بالتخفيض، حتى اذا اعترضت الدول الست، تراجعت طهران عنه لكنها حالت دون دخول مفتشي وكالة الطاقة الذرية الدولية الى الجناح العسكري للمفاعل.

اللعبة قديمة، كما تقول الوكالة، لكن الجديد أنها كانت تتم سابقاً باسم مواجهة «المؤامرة» على ايران، بينما تجري الآن تحت عنوان «الاعتدال» السياسي من ناحية و «سلمية» المشروع النووي من ناحية أخرى.

ثانياً، على صعيد الدور: تقول ايران للدول الست (وعبرها للمجموعة العربية) إن مشكلات المنطقة هي في عمومها وقف على ما تقرره ايران في شأنها، احتراباً دائماً أو هدوءاً، وحتى تقسيماً للكيانات القائمة أو ابقاء لوحدتها، وأن على العالم أن يتعامل مع ايران ومع الأوضاع في الدول المعنية في المنطقة على هذا الأساس.

لا حل في سورية إلا بقرار إيراني، وأعلنت طهران ذلك بجلاء عشية وغداة «جنيف 2» لمجرد أن دعوة إلى حضور المؤتمر لم توجه إليها. كذلك، لا حل في العراق أو لبنان أو البحرين أو اليمن إلا ذلك الذي يمر في طهران، ولو وصلت الحال في هذه الدول الى حد الحروب الأهلية أو حتى التقسيم.

ثالثاً، أن الارهاب الذي يهدد المنطقة والعالم في هذه المرحلة («القاعدة» و «داعش» و «جبهة النصرة» تحديداً) لا علاقة له بايران ولا بأي من حلفائها في المنطقة، بل هو نتاج السياسات التي يمارسها خصوم ايران.

ولأن هذا الكلام يجد صداه في الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وحتى في روسيا التي تربطه بما يحدث في أراضيها وبرغبتها في استعادة دور لها في المنطقة والعالم، فإن طهران تضعه في رأس قائمة أولوياتها التفاوضية في شأن الملف النووي الآن… وكل ملف إقليمي سيُفتح.

… وليس السؤال هنا: أين العرب من هذه «الاستراتيجية» التي تريد ثمناً لما فعلته وتفعله الآن في المنطقة، انما أين المجتمع الدولي وشرعية الأمم المتحدة وحقوق الانسان؟

الحياة

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى