صفحات الثقافة

ملاحظات حول موقف أدونيس

غسان زكريا
لا بد من القول –بدايةً- إن أدونيس ليس مرتهناً، لا للنظام السوري -كما يتهمه البعض اليوم- ولا للكيان الصهيوني، كما كان المزاودون بالوطنية من المدافعين يقولون قبل بضعة عقود، إثر فصله –أي أدونيس- من اتحاد الكتاب العرب بعد دعوته لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني
أدونيس شاعر مجدِّد –اتفقنا مع مسار تجديده أم اختلفنا- وناقد أدبي عظيم، وباحث استثنائي. وليست قيمة أدونيس في الثقافة العربية موضع نقاش، إلا عند من يريد أن يزاود و”يركب رأسه” ويخلط الحابل بالنابل
عليه، لسنا نناقش هنا تاريخ أدونيس ومنجزاته الشعرية أو النقدية، بل نناقش موقفه من الثورة السورية الذي عبَّر عنه في ما كتبه وقاله عبر وسائل الإعلام خلال العام الفائت. لا يعنينا إبداء آراء شخصية، أو حتى تحليل سبب موقف أدونيس، فذلك منزلق لا يؤدي إلا إلى الغوص في الشخصنة دون الوصول إلى فكرة حقيقية أو معنى مفيد
على أية حال، يتشابه موقف أدونيس مع مواقف آخرين، ولعل مناقشة موقفه تمثل منطلقاً مناسباً للتعاطي مع الأفكار التي باتت تشكل ما يشبه تياراً أطلق عليه الناشطون –بكثير من البراعة والإبداع في النحت اللغوي- اسم “الإينعمجي” (=إي-نعم-جي. وهو الذي يقول: إي نعم نحن بحاجة إلى التغيير، ولكن ليس بهذا الأسلوب، إلخ)
في السياق نفسه، أود الإشارة أني –شخصياً- لا أنتظر مواقف مسبقة ومحددة من أحد، وليس سبب مناقشتي
لموقف أدونيس هو أنني أظن أن موقفه “يجب” أن يكون مختلفاً أو ما شابه، بل هو بهدف وضع الفكرة أمام الفكرة، والحجة أمام الحجة
– 1 –
منذ بداية الثورة السورية، تحدث أدونيس –وكتب- محتجاً على خروج المظاهرات من المساجد، وهتافها بجملة “الله أكبر” معتبراً أن ذلك دلالة على أن الثورة دينية، وكأن تلك شتيمة
ولا بد لنا من أن نسجل استغرابنا هنا من أن أدونيس لم يتنبَّه إلى أن المسجد –عبر تاريخ منطقتنا منذ دخلها الإسلام- كان ساحة المعارضة الأساسية، الدينية منها والسياسية، المؤمنة منها والملحدة، رغم اطلاعه الواسع على التراث والتاريخ. ونحن نفترض أن أدونيس يدرك جيداً أن كل محاولات التيارات السياسية العلمانية في تجذير وتأصيل التقاليد السياسية-المدنية في المجتمع العربي فشلت فشلاً ذريعاً، وبقيت هذه التقاليد موضوع تنظير وحديث متبادل بين شريحة من النخب السياسية المشلولة بعدم فهمها للشارع، وانعزالها عنه، وقراءتها الخاطئة له، وإصرارها على فرض رؤى يراها ذلك الشارع مستوردة رغم أصالتها. من ناحية أخرى، تفقد دعوة أدونيس للخروج من الساحات العامة معناها بإدراك حقيقة أن الساحة العامة، والرصيف، والشارع، والمباني، ليست للشعب –كما يُفتَرَض في الدولة التي يعتقد أدونيس أنه يتحدث عنها- بل هي تحت السيطرة المطلقة للنظام. والمسجد هو المكان الوحيد الذي لا يمكن أن يخضع لسيطرة الدولة، منذ نشأ وحتى الساعة. وفي يوم من الأيام، اضطرت الدولة السلجوقية إلى إلغاء التعليم في المساجد، وإنشاء المدارس كي تستطيع التحكم في ما يتعلمه مواطنوها، وذلك في سبيل استكمال استبدادها الذي امتد إلى الأفكار والتعليم.
ولكن، حتى إذا افترضنا أن التجمع في الساحات العامة ممكن واقعياً، وحتى إذا افترضنا أن الساحات العامة هي للشعب فعلاً، تبقى قراءة دلالات خروج الاحتجاجات من المساجد قراءة قاصرة ومبتورة من السياق التاريخي-الاجتماعي-السياسي التي ننتظرها من مفكر مثل أدونيس (وأؤكد أنني أتحدث عن القراءة، لا عن الموقف)
فالمعتزلة –الذين دافعوا عن العقل ضد النقل- تشكَّلوا ونظَّروا وبنوا أفكارهم في المسجد، ولو أنهم جربوا ذلك في مكان آخر، لسحقتهم آلة القمع الأموية منذ اللحظة الأولى. والقرامطة –أصحاب نظام العدالة الاجتماعية الأكفأ في التاريخ الإسلامي- ابتدأت نشأتهم في المسجد. والصوفية –الذين تتكامل في أقطابهم الكبار أهم جبهتين للنضال الطبقي والاجتماعي: العدالة الاجتماعية وصيانة الفقراء من جهة، وحرية الفكر والمعتقد من جهة أخرى- اتخذوا من المساجد ساحة لنضالهم وعبادتهم، مماهين بين الاثنين، معتبرين الأول شرطاً للثانية.
حتى رواد النهضة العربية الحديثة في بدايات القرن العشرين، خرج معظمهم من المساجد، وعلى رأسهم دعاة فصل الدين عن الدولة. طه حسين، وعبد الله العلايلي، وعلي عبد الرازق، جميعهم خريجو المسجد الأزهر.
إن خروج الناس من المساجد في الاحتجاجات لا يختلف عن كل ما ذكرنا في شيء، فالتاريخ متصل لا يمكن تمزيقه بحدود فاصلة. ويكفي أن ننظر إلى انتماء الناس إلى مختلف الطبقات والنظريات والمذاهب والأديان في الثورة، لندرك تلك الحقيقة. والمسجد –في هذه الحالة- لا يدل على دينية الثورة، بل هو –في الواقع- يدل على عفويتها ومدى شعبيتها، وعدم انتمائها إلى حزب أو طائفة.
إن أدونيس يخشى من هيمنة الفكر السلفي المتعصب على الدولة والمجتمع، ويشاركه هذا الخوف المشروع كثيرون. ولكننا نتساءل: إذا كان التفكير السلفي يتمثل في التمسك بمنهج فكري-سياسي سكوني لا يقبل التطور والتغيير، ولا يقبل أي فكر آخر خارج دائرته، فأين يرى أدونيس ذلك المنهج الفكري-السياسي حقاً؟ أفي المظاهرات؟ أم في مكان آخر؟

– 2 –
ذكر أدونيس في أكثر من مناسبة أنه ضد العنف من طرف “المعارضة”. ونحن نكاد نشاركه ذلك الموقف، ولكننا نرفض استخدام كلمة “معارضة” فتصوير المسألة على أنها صراع بين المعارضة والنظام على السلطة أو ما شابه –حتى وإن كان ذلك جزءً مما يحدث- هو تفريغ لهذه اللحظة التاريخية من معناها. لذلك لا نقول قول أدونيس، بل نقول إننا كنا نحبذ ألا يستخدم جزء من الشعب العنف، حرصاً على وحدة الشعب، وصيانة لبنية الدولة، وحماية لميثاق الثورة الأخلاقي –الذي يمثل العمود الأساسي لها-.
إلا أننا نقف ضد أدونيس تماماً في تحميله الشعب –أو المعارضة كما يحب أن يقول- مسؤولية ذلك العنف. فهو يتحدث عن الشعب وكأنه عقل إلكتروني، لا غضب يتفجر داخله، ولا صبر ينفد لديه. ببساطة، لا نستطيع أن نطلب من جزء من الشعب أن يموت صامتاً. لا نستطيع أن نطلب منه أن يتقبل القتل والتنكيل دون أن يغضب أو ينفد صبره أو يتخلى عن شيء من بصيرته الجمعية. وإن كان لا بد، فلا يمكننا أن نطلب ذلك إلا ونحن أمامه، في المقدمة، على استعداد للموت معه، دون انسلاخ عنه، ودون استعلاء عليه.
ينبغي ألا يُفهَم من قولنا هذا أننا نصادر على أدونيس رأيه في العنف، فذلك حقه المقدس. ونحن نناقشه فحسب من ناحية أولى، وننتقد أنه لم يُعرَض كرأي حول العنف ونتائجه، بل كانتقاد مباشر إلى قطاع كبير من الشعب الذي يرزح تحت معاناة يومية قاسية، من ناحية ثانية.
بناء على ذلك كله، تبدو مطالبة الشعب –أو الجزء المعني منه- “بإيقاف العنف” مدعاة للهزل، فلا يوقف العنف إلا المسؤول عنه.
ولا نستقرئ الاستعلاء الشديد على الشعب في ما ذكرناه أعلاه فحسب، بل في تصريح أدونيس بأن استبدال سلطة بسلطة شبيهة لا يمثل إنجازاً (وذلك صحيح تماماً بكل تأكيد) وإن المطلوب هو تغيير “عقلية المجتمع كله”.
ماذا يعني هذا حقاً؟ من الذي يغير “عقلية مجتمع”؟ هل المجتمع كتلة ساكنة تنتظر من يلقي عليها “التغيير” فتستقبله؟
إن المجتمعات تتغير من داخلها، ونتيجة ظروفها التاريخية المعقدة التي قد تمتد قروناً. وإن ما يحدث اليوم لا بد أن يكون دليلاً على وصول التراكم -الذي يؤدي إلى التغيير- إلى لحظة الفعل التاريخي، بناءً على القانون الماركسي الذي يقضي بأن التراكم الكمي يؤدي إلى تغير كيفي.
وإذا افترضنا أن التغيير منتظر من نخبة ما، فمن المسؤول عن تعطيل تلك النخبة وتقييدها؟ من المسؤول عن الحد من تأثيرها على المجتمع وفعلها داخله؟
على أية حال، يبقى المجتمع هو الأقدر على تغيير عقليته بنفسه، أي بكل تفاعلاته المعقدة، فالمجتمع لن يتغير إرضاءً لطموحات أدونيس في مجتمع علماني “متحضر” حسب رؤيته، بل للوصول إلى حالة اجتماعية أكثر عدالة ورقياً، يعرفها هذا المجتمع نفسه، لأنه من يعاني من غيابها.
– 3 –
قال أدونيس إن الثقافة في المجتمع العربي “وظيفية” لأن المجتمع العربي يرفض الثقافة وينفر منها.
ويا لهول الفاجعة التي ينطوي عليها تصريح أدونيس بذلك!
فهذا التصريح خاطئ حتماً أولاً. وهو تذاكٍ بائس يأمل منه أدونيس التنصل من مسؤوليته كمثقف ثانياً.
في نهايات القرن التاسع عشر، حين كانت الأمية تُحكِم قبضتها على المجتمعات غير التركية الخاضعة للدولة العثمانية، كان فقراء دمشق يشترون بطاقات مسرحيات أبي خليل القباني مقتطعين ثمنها من قوت يومهم. وقبل منتصف القرن العشرين، عظَّم المصريون طه حسين حين تعرض للهجوم الشرس من بعض المتعصبين بعد صدور كتابه “في الشعر الجاهلي”. وبعد منتصف القرن العشرين، أسعف أهالي حارة مصرية نجيب محفوظ بعد تعرضه للطعن على يد متعصب. ومنذ سنوات قليلة، لم يكفِ ملعب كرة قدم كامل في دمشق لاحتواء كل الجمهور الآتي لحضور أمسية محمود درويش. واليوم، يحتفظ أدونيس بمكانته على خارطة الثقافة العربية بفضل رفض السوريين لكل محاولات العزل والإقصاء التي تعرض لها نتيجة آراء سياسية في يوم من الأيام.
ولكن يبدو أن أدونيس –للأسف- لا يرى المجتمع العربي، بل يدمجه بالسلطة. وهذا ليس تجنياً، فقد أعطى مثالاً بديلاً لاحترام الثقافة من فرنسا: أشار بعض المستشارين على ديغول أن يعتقل سارتر، فرفض قائلاً: “هل تريدونني أن أعتقل فولتير؟”
احترام الثقافة عند أدونيس يأتي من السلطة إذن.
طيب! قيل لجمال عبد الناصر إن عليه أن يمنع أم كلثوم من الغناء لأنها من العهد الملكي، فأجاب: “هل تريدون أن أهدم الأهرامات؟”
أرجو أن يلاحظ أدونيس أن تشبيه جمال عبد الناصر أبلغ وأصدق بكثير من تشبيه ديغول. حتى لدى السلطة، في لحظة ما، كان تقدير أدونيس في غير محله.
على أية حال، نفي بريخت من ألمانيا بسبب نتاجه الثقافي، فهرب إلى الولايات المتحدة، وإذا به يصطدم بالمكارثية، وصمة العار في جبين احترام الغرب للثقافة. وفي باريس نفسها، حيث رفض ديغول أن يعتقل سارتر، أحرق جمهور السينما الصالة التي عرضت فيلم “الإغواء الأخير للمسيح”.
ولكن هذه أمثلة لا تعني أن المجتمعات الغربية لا تحترم الثقافة، بل تدلل على أن قدر المثقف أن يخوض المعركة دائماً، ما دام اختار أن يكون مثقفاً.
ويبقى السؤال: إلى جانب من يقف؟
– 4 –
أشار أدونيس إلى أن ثمة إجماعاً غير مسبوق من الغرب والدول العربية على المسألة السورية، وأن العالم لم يسبق أن وقف موقفاً موحداً بهذا الشكل من قبل. يعطي ذلك –حسب ما يقوله أدونيس- “انطباعاً بوجود مؤامرة” ولكنه يرفض أن يقول إن ما يجري مؤامرة بالفعل، وفي الوقت نفسه يرفض أن يقول إن ما يجري ثورة، ويرفض –بالتالي- توصيف ما يجري في سوريا (حدث ذلك بالتحديد خلال لقائه مع الإعلامية زينة يازجي على تلفزيون دبي).
وهنا ثمة تساؤل. ما يزيد من أهمية هذا التساؤل هو أن أدونيس يرفض أن يصف ما يقوله بأنه خطاب النظام نفسه، بل هو “حقائق”. والواقع أن ذلك بعيد تماماً عن الحقائق، فحتى النظام السوري لا يقول إن هناك “إجماعاً دولياً وعربياً غير مسبوق على المسألة السورية”. فهو يفاخر بالعلاقة العميقة مع الصين وروسيا (40 بالمئة من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن) التي تشكل ضمانة “لحماية سورية من مخاطر المؤامرة”، كما يفاخر بوقوف كل من لبنان والعراق والجزائر –بداية- إلى جانبه.
أين هو الإجماع العالمي؟ وإن كان ذلك الإجماع حقيقياً، فمتى نشأ؟
لم تنشأ المواقف التي يتم التصريح بها الآن إلا بعد مضي عدة أشهر على الثورة السورية. وهذه المواقف كلها لا تعدو كونها تصريحات تتأرجح في شدة لهجتها.
باختصار، ها هو النظام يلقى الدعم من عدد كبير من دول العالم: روسيا والصين وإيران وجنوب إفريقيا وكوبا وفنزويلا وغيرها. ولا يقابل الضغط الذي تمارسه بعض الدول الغربية والعربية على النظام إلا جزءً يسيراً من الدعم الآتي من الطرف المقابل. ولذلك نسأل مرة أخرى: أين هو الإجماع العالمي الذي يتحدث عنه أدونيس؟
كنا سنوافق أدونيس لو قال إن الغرب لا يضغط على النظام حرصاً على الشعب السوري وإنما سعياً وراء مصالحه، فالغرب –وضمنه كيانه الصهيوني- هو عدونا التاريخي. وتلك حقيقة لن تتغير إلى أن نحصن أنفسنا بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية والاستقلال والسيادة.
أما الحديث عن الإجماع العالمي “غير المسبوق” فهو “حديث خرافة يا أم عمرو”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى