الرئيسية / صفحات الثقافة / ملف يتناول رسالة أدونيس المفتوحة إلى بشار الأسد يتضمن مجموعة مقالات تتناول هذه الرسالة
front1.626694

ملف يتناول رسالة أدونيس المفتوحة إلى بشار الأسد يتضمن مجموعة مقالات تتناول هذه الرسالة


(رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد) الإنسان، حقوقه وحرياته، أو الهاوية

 

ادونيس

ـ 1 ـ

السيد الرئيس،

لا يصدّق العقل ولا الواقع أنّ الديموقراطية سوف تتحقق في سوريا، مباشرة بعد سقوط نظامها القائم. لكن بالمقابل، لا يصدق العقل ولا الواقع أن يظلّ النظام العنفي الأمني في سوريا قائماً. وذلك هو المأزق:

من جهة، لا تنشأ الديموقراطية في سوريا، إلا بعد نضال طويل، وإلا ضمن شروطٍ ومبادئ لا بدّ منها. لكن، لا بدّ من التأسيس لذلك، ومن البدء، الآن لا غداً.

من جهة ثانية، بغير الديموقراطية، لن يكون هناك غير التراجع وصولاً إلى الهاوية.

ـ 2 ـ

صار من النافل القول إنّ الديموقراطية، سياسيّاً، لم يعرفها العرب في تاريخهم الحديث. لم يعرفوها أيضاً في تاريخهم القديم. وهي، ثقافيّاً، من خارج التراث الثقافي العربيّ.

غير أنّ هذا لا يعني إطلاقاً استحالة العمل على التأسيس لها. وقد بُدئ هذا العمل مع بدايات الاستقلال. وكان شجاعاً وبنّاءً. وإنما يعني أنّ هذا العمل يقتضي شروطاً أساسيّة، ولن يكون مجدياً إذا لم تتحقق، بدئيّاً. وبين هذه الشروط ما حال، ماضياً، دون أن يأخذها العرب من الآخر ويمارسوها، كما أخذوا أشياء كثيرة، نظرية وعملية، ومارسوها ويمارسونها، وبرعوا فيها ويبرعون.

أول هذه الشروط هو الخروج بالمجتمع، ثقافيّاً وسياسيّاً من «زمن السماء، الجمعي والإلهيّ»، إلى «زمن الأرض، الفرديّ والإنسانيّ». أو هو، باللغة السياسية المدنية: الفصل الكامل بين ما هو دينيّ وما هو سياسيّ واجتماعيّ وثقافيّ. وقد ناضل من أجل ذلك، منذ القرون الأولى لتأسيس الدولة الإسلامية ـ العربية حتى اليوم مفكرون وشعراء عرب كثيرون، غير أنهم لم يفشلوا فقط وإنما سُفّهوا وكُفّروا وقُتلوا، تبعاً للوضع وللمرحلة التاريخية. كان الدين المؤسّسي هو الذي غلب ولا يزال يغلب. والمزج بين الدينيّ والسياسيّ لا يزال قاعدة النظر والعمل في الحياة الإسلامية ـ العربية. وهو مزجٌ شهدنا ونشهد رسوخه وآثاره المدمّرة، كلّ يوم، وفي مختلف المجالات. إنه قاعدةٌ يُقتَل فيها الإنسان شرعاً: أحياناً يُقتَل فكراً، وأحياناً يُقتَل جسداً، من أجل «النص» أو تأويلٍ معيَّن للنص.

كيف يمكن أن تنشأ الديموقراطيّة في مناخ لا يقيم وزناً لحرية الفرد وللتجربة الإنسانية، ويرفض الآخر المختلف ـ نبذاً، أو تكفيراً ، أو قتلاً، ولا يرى الحياة والثقافة والأزمنة والأمكنة والحضارات البشرية، إلا في مرآة قراءته للنصّ، وهي كما نعلم متعدّدة حتى التباين؟ خصوصاً أنّ النصّ مهما كان عظيماً يصغُر إذا قُرِئ بعقلٍ صغير، كما يحدث اليوم غالباً.

ولا ديموقراطية أساساً في الدين، بالمعنى الذي نتّفق عليه ونتداوله في إطار الثقافة اليونانية ـ الغربية. الدين بطبيعته انحياز سماويّ يُلحِق الأرضَ بالسماء، والبشرَ بنصوصه.

وهو على مستوى التعامل مع الآخر المختلف، لا يمكن أن يتخطى التسامح، في أرقى حالات انفتاحه. لكن التسامح هو نفسه نقيضٌ كذلك للديموقراطية. تتسامح هذه الجماعة مع تلك المختلفة عنها، مضمِرةً أنها الأكثر صحّةً. ويكون تسامحها نوعاً من المِنّة أو التفضّل والتــكرّم. يكون إذاً، شكلاً من أشكال احتكار الحقيقة، ومن التعالي والتفوّق والعنصرية. هو في كلّ حال ضدّ المســاواة. والإنــسان لا يريد التسامح، وإنــما يريــد المساواة. دون مساواة، لا حقوق. لا اعــتراف بالآخــر. لا ديــموقراطية. هكــذا تبدو الديموقراطية في المجتمع العربي مجـرد لفظـة نتـشدّق بهـا. مجـرّد لغـو.

ـ 3 ـ

السيّد الرئيس،

يبدأ التأسيس للديموقراطية، إذاً، بالفصل الكامل بين ما هو ديني، من جهة، وما هو سياسيّ واجتماعيّ وثقافيّ، من جهة ثانية.

وهذا ما لم يفعله حزب البعث العربي الاشتراكيّ، كما كان منتَظَراً، وهو الذي قاد البلاد، منذ حوالى نصف قرن. على العكس، لبس الثوب القديم: هيمن على حلبة «اللعب» القديم، وساس وقاد بالعقلية القديمة، متبنياً سياقها الثقافيّ ـ الاجتماعيّ. هكذا تحوّل بالممارسة إلى حزب شبه «عنصريّ»، في كلّ ما يتعلّق بالإتنيات غير العربية، وبخاصة الأكراد. وفي هذا كله أصبح حزباً «دينيّاً» أو ذا بنية دينية: كما أنّ الانتماء إلى الإسلام امتياز فكريّ ـ إنسانيّ، في النظرة السلفيّة، فإنّ الانتماء إلى حزب البعث كان امتيازاً، هو أيضاً، فكريّاً ـ وإنسانياً، على الصعيد النظريّ، وامتيازاً سياسيّاً وظيفيّاً وتجاريّاً، على الصعيد العمليّ. وهكذا أخذ الحزب يناضل لكي يُدخِل المجتمع في «دينه» هو، بدلاً من أن يناضل لكي يحرّر المجتمع من التديّن ـ المؤسَّسيّ، ويقيم مجتمع المواطنة، حيث لا فضل لأحد على الآخر بدينه أو بحزبيّته بل بعمله وكفاءته.

ـ 4 ـ

السيّد الرئيس،

يتّفق جميع المختصّين على القول إنّ التجربة الحزبية الإيديولوجية في الحياة العربية فشلت على جميع المستويات، كما فشل نموذجها الشيوعيّ. حزب البعث العربي الاشتراكيّ جزء من هذه التجربة. هو إذاً جزء من هذا الفشل. ولم ينجح في البقاء مهيمناً على سوريا بقوة الإيديولوجية وإنما نجح بقوة قبضة حديدية ـ أمنية، ساعدت ظروف كثيرة ومتنوّعة على تهيئتها وإحكامها.

وتؤكّد التجربة التاريخية أنّ هذه القبضة، التي كانت شديدة وقوية لا تقدر أن تؤمّن الهيمنة إلاّ فترة محدودة، مرهونة بالأوضاع الداخلية والخارجية، وأنها لا تقدم للشعب الذي تهيمن عليه إلاّ التفكّك والتخلّف، إضافة إلى الإذلال واستباحة الكرامة البشرية.

لا هيمنة في الأخير إلا للحرية. ولا أمن في الأخير إلا بالحرّيّة.

وتلك هي المفارقة اليوم: حزبٌ حكَمَ، باسم التقدم، باسم الخروج بالمجتمع من أحواله المتخلّفة إلى أحوال ناهضة، يجد نفسه اليوم، أنه متَّهَم ومسؤول تماماً كمثل الجماعات التي تعارضه، عن الانهيار الآخذ في التحقّق، انهيار سوريا وتشـــويه صورتها الحضارية بوحل «الطائفية» و»العشائرية» و»المذهبية» ووحل التدخل الخارجي ووحل التعذيب والقتل والتمثيل بجثث القتلى.

وإنها لَمهزلة فاجعة أسهم حزب البعث نفسه في تكوينها، أن تُكسى الأحداث السورية اليوم ـ على ألسنة الحكّام الغربيين ـ بعباءة الدفاع عن حقوق الإنسان، وأن تكون هذه العباءة واسعة تتسع للعرب جميعاً من المحيط إلى الخليج، باستثناء فئة عربية واحدة: الفلسطينيين. فهؤلاء لا حقوق لهم في نظر المدافعين الأميركيين والغربيين عن حقوق الإنسان العربي. والأكثر مأساوية هو أنّ العرب أنفسهم جميعاً من دون استثناء يشاركون، بشكلٍ أو آخر، قليلاً أو كثيراً، في تأليف هذه المهزلة الفاجعة، وفي أدائها وتمثيلها.

ـ 5 ـ

السيّد الرئيس،

أكيدٌ، وهذا ما قد توافق عليه أغلبية العاملين في الحزب، أنّ أعمال السلطات التي حكمت باسمه لم تكن في مستوى مبادئه. كانت على العكس تتناقض معها ـ خصوصاً في كلّ ما يتعلّق بالحياة المدنيّة وحقوق الإنسان وحرياته. وهذا مما يتوجّب عليه أخلاقيّاً، أن يعترف به. والحقّ أنّ الحزب لم يؤسس لأيّ شيء يمكن حسبانه جديداً وخلاّقاً، ومهمّاً، في أي حقل. بل إنّه في الممارسة، وعلى المستوى الثقافي الخالص، مثلاً، حزبٌ تقليديّ، ورجعيّ دينيّ في حالات كثيرة ـ خصوصاً في حالات التربية، والتعليم، والمدارس والجامعات. ولم يُعطِ أية مكانة للإنسان بوصفه إنساناً، في ما وراء انتماءاته، أو للحقيقة في حدّ ذاتها. ولم يبن الحزب جامعة نموذجية واحدة. ولا مؤسسة معرفية أو فنية نموذجية واحدة.

لقد كان أشبه بجمعية «دينية»: عرقل نموّ الثقافة المدنية الحرة، ودمّر أخلاق البشر، مقيماً الثقافة على الولاء له، وعلى معاداة أعدائه، وعلى الشعارات والتبشيرات التي كانت في معظمها ساذجة وسطحية.

وإنها لمأساة لهذا الحزب، مأساة داخلية في علاقته ببنية المجتمع وعقليته، أن يحاربه معارضوه، هو الوحدوي القومي العلماني… إلخ، تحت راياتٍ بينها راية «الطائفية» أو راية «جمعة العشائر» بعد هذه الفترة الطويلة من سيادته وحكمه باسم العلمانية والتقدمية.

والحقّ أنّ ما قامت به السلطات التي حكمت باسم «حزب» البعث العربي الاشتراكي»، طول هذه الفترة، يؤدي، طبيعيّاً إلى الحال التي تعيشها سوريا اليوم. فالخلل الأساس في حكم هذه السلطات أنها تبنّت السياق التقليدي القديم، وأكّدت «منطقه» وأساليبه. اندرجت في نص سياسيّ ـ دينيّ لا يمكن إلا أن يبتلع كلّ من يدخل فيه. هكذا سادت ثقافة المساومات، والترضيات، والابتزازات، والاحتكارات، والإقصاءات والتكفيرات، والتخوينات، إضافة إلى ثقافة القبليات والطائفيات والعشائريات والمذهبيات.

وقد تبنّى الحزب هذا كله كما تؤكّده الممارسة من أجل غاية واحدة: البقاء في السلطة، والحفاظ عليها. كانت السلطة بذاتها تهمّه أكثر مما يهمه تحويل المجتمع وبناؤه في اتجاه التغيّر نحو حياة جديدة، ومجتمع جديد، وثقافة جديدة، وإنسان جديد. هكذا تحوّلت سلطاته بالممارسة إلى سلطات رجعية، لا تحتاج إلى ثورة لإسقاطها، وإنما تحمل في ذاتها بذرة سقوطها. وفي ذلك حكمٌ مبرمٌ، موضوعيّاً، على حزب البعث بوصفه سلطة. لقد فشل كلّيّاً في تفكيك البنية القديمة ودفع المجتمع في اتّجاه التقدّم. وفي هذا دليلٌ عمليّ على أنّ المادة الثامنة من الدستور، يجب أن تُلغى أولاً وقبل كل شيء، ذلك أنها الرمز المباشر للطغيان وللاستهتار بالإنسان والعقل والحرية.

ما يُطلَب اليوم من قادة حزب البعث هو أن تكون لهم الجرأة الأخلاقية والتاريخية على الاعتراف بخطأ التجربة التي قادوها، وأن يعملوا على نقدها وتخطّيها، وفتح صفحة جديدة ديموقراطية لبناء سلطة جديدة تشارك فيها جميع القوى السياسية والفكرية الفاعلة، وبخاصّة النسائية والشبابية ـ تحقيقاً للخروج من السياق التقليدي القائم، في اتجاه مجتمع مدنيّ ديموقراطيّ.

ـ 6 ـ

السيّد الرئيس،

لا يشكّ أحدٌ في أنّ المطالبة بالديموقراطية لا تتضمّن بالضرورة أنّ الذين يقومون بهذه المطالبة هم ديموقراطيّون حقّاً.

لا تتحقق الديموقراطية إلا بأمرين:

1 ـ أن أنتمي، بوصفي مواطناً (رجلاً أو امرأة) إلى المجتمع بوصفه وحدة لا تتجزأ، قبل انتمائي إلى دين أو قبيلة أو طائفة أو إتنية،

2 ـ أن أعترف بالآخر المختلف (رجلاً أو امرأة) بوصفه مثلي عضواً في هذا المجتمع، وله حقوقي نفسها وحرياتي نفسها.

ومن الصحيح أنّ الفكر يوجّه أو قد يوجّه. لكنه لا يحكم. ولهذا فإنّ فكر المعارضة يجب أن يكون، هو أيضاً، واضحاً وشاملاً ودقيقاً. علماً أنّ المعارضة حق للنّاس وشرط أساسيّ للديموقراطية. وعليها أن تعلِن نقدَها إذا كانت اعتراضاتها جزئية، أو تعلن مشروعاتها وخططَها البديلة إذا كانت اعتراضاتها شاملة. وما دامت المعارضة، أو بعضها، في سوريا، تطالب بإسقاط النظام، فإنّ عليها أن تقول خططها وأهدافها لما بعد إسقاط النظام، كما أنّ عليها أن تقول إلى أيّ مدى، ووصولاً إلى أية جذور، تريد أن تصل في مشروعها التغييري.

ـ 7 ـ

لكن، مَن هذه المعارضة، اليوم؟

1ـ هناك «أصوات»: مفكرون، كتّاب، شعراء، فنانون، مثقفون، شبّان وشابّات، لهم وجهات نظر وتطلّعات نبيلة وعادلة، لكن لا تجمعهم وثيقة، ولو على مستوى الرمزية التاريخية، وثيقة تحمل أفكارهم، وتوضح أهدافهم لما بعد النظام القائم. فالصوت، إذا لم يتجسد، يظلّ صوتاً. لكنه لا يدخل بالضرورة، في شبكة الواقع العملي. يظلّ في ما دونها. أو في ما فوقها.

2 ـ وهناك «أعمال»: تظاهرات، اصطدامات، محرّضون، رافعو رايات وشعارات، قتلى، مقاتلون.

وهؤلاء تجمع في ما بينهم، مواقف مثالية أخلاقية أو وطنية مخلصة لمبادئ ومثُل.

لكن تبدو لدى بعضهم «لحمة» ضدّية عنفية، تغلب عليها نبرة: «التهييج»، و»الثأرية» والدينية «الطائفية» أو «السلفية».

الأرجح، تبعاً للتجربة التاريخية أنّ الغلبة، في مثل هذه التمردات ذات الطابع الثوري تكون للأكثر تنظيماً بين هؤلاء، والأكثر عدّةً وعدداً. ومعنى ذلك أنّ «العمل» هو الذي يقود، وينتصر. وسيكون مستوى العمل في مستوى الفكر الذي وجّهه.

هكذا لا تكفي دعوة النظام معارضيه إلى الحوار.

لا بدّ من طرح مفهوم الحكم، وآليات الوصول إلى الحكم وتداول السلطة، والآليات التي تسوّغ للمحكوم أن يقول رأيه في السلطة وأدائها، واعتبار السلطة في متناول كلّ مؤهَّل يختاره الشعب.

لا بدّ من الدعوة إلى مشروعات واضحة ـ في السياسة، في التربية، في التعليم، في الاقتصاد، في الثقافة والفنون، في الحياة المدنيّة، وبخاصّة في كلّ ما يتعلّق بالمرأة وحقوقها وحرياتها.

ـ 8 ـ

السيد الرئيس،

التحدي الذي يواجهك مزدوج: هو أولاً أن تمارس نشاطك اليوم، لا بوصفك رئيس حزب، بل بوصفك قبل كل شيء رئيس بلاد وشعب. ولا بدّ، بوصفك خصوصاً رئيساً منتَخَباً من أن تمهّد لتداول السلطة بموجب اقتراع حرّ بلا شروط مسبقة. لأنّ آلية التداول الحر هي ما يؤكّد شرعية الحكم.

وما دام الشعب مصدر السلطات، فلا حزب ولا زعيم يختزل الشعب وإرادته ويحتكر الكلام والفعل نيابة عنه، إلا عبر تفويض محدد.

وهو ثانياً النظر إلى الوضع السوري نظرةً تتجاوز حدود الأمن والحكم وترى أن بقاء القيادة الحزبية، وفقاً للمادة الثامنة، لم يعد يرضي الأغلبية الساحقة من السوريين، ولم يعد للتشبث بهذه المادة أي مرتكز إلا العنف. وهو عنفٌ لا يمكن أن يدوم، لا يمكن لأية قوة عسكرية مهما كانت مدججة أن تتغلّب على شعب، مهما يكن أعزل.

وعلى قادة الحزب أن يعترفوا هم أنفسهم، بشجاعة وموضوعية، أنّ علاقة الشعب بالحزب اليوم، إذا استثنينا علاقات المصلحة والانتهاز، تراجعت كثيراً عمّا كانت عليه سابقاً، وهي اليوم في مستوياتها الدنيا.

هكذا لم تعد المسألة أن ينقذ النظام نفسه. المسألة هي إنقاذ سوريا: شعباً وأرضاً. دون ذلك، سيكون الحزب مشاركاً أول، لا في تهديم نفسه وحدها، وإنما كذلك في تهديم سوريا كلّها.

ـ 9 ـ

السيد الرئيس،

لا يمكن أحداً يعرف التجارب السياسية الكبرى، إلاّ أن يتّعظ بفشل التجربة التي يمثلها حزب البعث العربي الاشتراكي، نظراً وعملاً، ثقافةً وسياسة. إنها الجزء الأكثر بروزاً ودلالة في فشل التجربة الحزبية الإيديولوجية برمتها في العالم العربي. فهذه الإيديولوجية لم تخنق الفكر وحده، وإنما كادت أن تخنق حركية الإنسان وحركية المجتمع.

هكذا يبدو أنّ قدرَك هو أن تفتدي أخطاء هذه التجربة. أن تعيد الكلمة والقرار إلى الشعب. وأن تمحو صورة الرئاسات السابقة في سوريا، خصوصاً تلك التي وصلت في قطار الانقلابات العسكرية.

أكيدٌ أنّ أعداءك أنفسهم، إلى جانب اصدقائك، سيقولون عنك، آنذاك، إنك أسست لمرحلة سياسية جديدة في تاريخ سوريا، وربما في تاريخ المنطقة العربية كلها.

ـ 10 ـ

السيد الرئيس،

تحتاج سوريا، اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن تبتكر للعرب أبجدية سياسية، استكمالاً لما ابتكرته سابقاً في ميادين كثيرة. تقوم هذه الأبجدية على نبذ المماهاة بين الوطن والحزب وبين القائد والشعب. لا يقوم بهذه المماهاة إلا الطغاة. لا الخليفة عمر مارسها، ولا الإمام عليّ ـ إن كان لا بدّ من الأمثلة التاريخية، ولكي لا نسمّي إلا رمزين تاريخيين.

وأنت الآن مدعوّ، تاريخياً، لكي تفكّ هذه المماهاة بين سوريا وحزب البعث العربي الاشتراكي. فسوريا أرحب، وأغنى، وأكبر من أن تُختَزَل في هذا الحزب، أو أي حزب سواه. أنت مدعوٌّ، إذاً، إنسانيّاً وحضاريّاً، أن تكون إلى جانب سوريا، لا إلى جانب الحزب. أو أن تكون معه بقدر ما يندرج هو في سياق حركيتها، وبقدر ما يعمل على السموّ بها، مع غيره من أبنائها. ـ خصوصاً أنّ الحزب أُعطي فرصة طويلة ونادرة لكي يندرج في هذه الحركية الخلاّقة، عاملاً على السموّ بهذه البلاد الفريدة. غير أنّ التجربة تؤكّد فشله الكامل. لا تنفع المكابرة في ذلك، ولن تجدي القوة أو العنف في إثبات العكس. تتسع السجون للأفراد، لكنها لا تتسع للشعوب. يستحيل سجن الشعب. ولا تشير السجون السياسية إلا إلى الفشل. ولا تجدي القوة، مهما كانت، في قمع هذه الحقيقة أو طمسها.

بل إنّ الحزب في ممارسته السلطة طول هذه الفترة، أساء كثيراً إلى الهوية الثقافية السورية. قدّم على عروبة الانتماء للغة والثقافة عروبةَ الانتماء إلى «العرق» و»الدين»، مؤسِّساً لثقافة ذات بعد واحد، ينتجها مجتمع ببعد واحد. ثقافة ضيقة، اجتراريّة، تنهض حصراً على الضدية: «تكفير» المختلف وتخوينه أو نبذه أو تهميشه. عروبة حلّت محلّ اللاهوت.

فُكِّك المجتمع وأُعيد بناؤه: الحزب ـ القائد ـ السلطة، من جهة، والشعب من جهة. وإمعاناً في هذا التفكيك لم يكن يُقَرَّب إلا المناصرون. وكان يُنبَذ المعارضون، ويُشَرَّد الرافضون.

هكذا أنتج الحزب، طول أربعين سنة من حكم سوريا، المتنوّعة المتعدّدة، ثقافة أحادية مغلقة وقَمْعية: نعم نعم، لا لا.

هكذا تحوّلت الثقافة في سوريا، باستثناءات محدودة، إلى تبشير وإلى إعلام ودعاية بارتباط كامل مع الأمن وسياساته. وحوصرت الثقافة السورية بين عقليتين مغلقتين: السلفية، باسم الدين والتراث والماضي، والحزبية البعثية، باسم عروبة قامعة للحريات وتتناقض مع أبسط حقوق الإنسان. تتناقض خصوصاً مع التعددية التي هي قوام الشخصية السورية.

أعرف ويعرف كثيرون غيري أنّ الغرب وبخاصّة الأميركيّ، لا يدافع عن الشعب السوري ولا عن حقوق الإنسان في سوريا، وأنه يدافع عن استراتيجياته ومصالحه. لكنه «موفَّقٌ» في «الحجّة» التي تقدمها له سوريا، وفي «التسويغ» الذي يتيح له أن يقنّع استعماره الجديد بالدفاع عن الإنسان وحقوقه. هارباً من المعركة الحقيقية: معركة الإنسان وحقوقه في فلسطين.

السيّد الرئيس،

لا بدّ من إعادة النظر الجذرية. حتى لو استطاع حزب البعث أن يوقف الثورة عليه. دون ذلك، سيكون هو نفسه عاملاً أساسيّاً في الانهيار الكامل: في دفع سوريا إلى حرب أهلية طويلة الأمد، قد تكون أشدّ خطورةً مما حدث في العراق، لأنها ستكون تمزيقاً لهذه الأرض الجميلة الفريدة التي اسمها سوريا. وستكون، إلى ذلك، دفعاً لجميع سكانها، خلاّقي الأبجدية، إلى التشرّد في أنحاء أرضٍ لا تعِدُ إلاّ بأحصنة الملائكة التي تطير بأجنحة السماوات السبع.

لسوريا وشعبها ولك، أيها السيد الرئيس، تمنّياتي الصادقة.

السفير

 

أدونيس إن حكى!

محمد الحجيري

قبل مدة، كتبت الروائية مها الحسن مقالة بعنوان «فرصة أدونيس» انطلاقاً من جملة سجّلها الروائي المصري ياسر حافظ في صفحته «الفايسبوكية»، مازجاً الرجاء بالرغبة، في أن يقول أدونيس كلمته حول ما يحدث في سورية اليوم.

كان «أهل الثقافة» (من بينهم الشاعر عباس بيضون) ينتظرون موقف أدونيس من الأحداث في سورية، وهو كان يكتب عنها بشكل موارب، فتارة يتحدّث عن «الجامع والكنيسة» وطوراً عن «التمرّد»، كأن الأمور غير واضحة أمامه.

تأخّر أدونيس في إطلاق موقف صريح من أحداث سورية، بل بدا قلقاً من صورة بلاده الغامضة. فلم يكن بمنأى من «النقد الصارم»، وهو إذ كتب رسالة مفتوحة الى الرئيس السوري بشار الأسد في جريدة «السفير» اللبنانية، لاحظنا كثرة تعليقات المثقفين عليها في موقع التواصل الاجتماعي الـ{فايسبوك»، وأن يكون منبر الكتابة هو الـ{فايسبوك» فسيكون لوقع الكلام معنى آخر، أو ستكون للكاتب الحرية القصوى في التعبير عن موقفه.

عندما ألقى أدونيس محاضرة عن بيروت، تهافت عشرات المثقفين في الردّ عليه، وتراوحت كتاباتهم بين الشتم وبين النقاش والثأر، وحين صرّح أدونيس في حواره في كردستان بتدهور الثقافة والحضارة العربيّتين، قامت الدنيا عليه آنذاك. اليوم، يبدو النقاش في قضية الاحتجاجات السورية أكثر حساسية، خصوصاً بالنسبة إلى أدونيس الذي طالما ابتعد عن مواجهة نظامه بشكل مباشر، وطالما كان «ملتبس الهوية». فهو بحسب الكتاب السوريين الذين ينتقدونه، يعرّف عن نفسه في أوروبا والغرب بأنه لبناني وهو يحمل الجنسيتين اللبنانية والسورية، وهو في رأي خصومه مثل العراقي عبد القادر الجنابي يخشى من أن انتصار الشعب السوري على النظام قد يهدم المتحف الذي يعمل على بنائه منذ سنوات ليضمّ كتبه وصوره. ويستعين الجنابي بعبارة لمستشرق ياباني يقول عن أدونيس بأنه «ربما هو شاعر كبير، لكنه، بكل تأكيد، إنسان صغير»! السؤال، إذا كان أدونيس يغضب المثقفين كثيراً ويكتبون ضده على هذا النحو، فلماذا يناقشون كتاباته بهذه الضراوة؟ أمر يحيّر المتأمّل والعارف في الأمور الثقافية. لماذا لم يناقش عبد القادر الجنابي مواقف الشاعر اللبناني أنسي الحاج، بل لماذا لا تثير مقالات أنسي الحاج الجدل السائد؟ بالطبع، لأدونيس و{وقع آخر» في الحياة الثقافية العربية كأنه «ماركة مسجلة»، هذا ما تقوله الوقائع سواء كنا معه أو ضده، وللقضية في الموقف من الاحتجاجات في سورية وقع أشدّ وطأة.

في مناقشته رسالة أدونيس الى الرئيس السوري، كتب الباحث اللبناني أحمد بيضون على صفحته في الـ{فايسبوك» خاطرة بعنوان «بساطة أدونيس ومرجعية السيد الرئيس»، وهي تُعتبر الأطول من ضمن تعليقات على الرسالة الأدونيسية الهلامية، ويبدو بيضون الأكثر تمعناً وسوسيولوجية في قراءة أدونيس وتشريح موقفه من دون أن يذهب في لعبة «ضد» أو «مع» كما فعل بعض المعلّقين. يقول بيضون في النص: «لا يملك أدونيس أن يسمي مدينة أو قرية مشّطتها المدافع أو ديس أهلها بالنعال. لا يملك أن يقول: درعا، بانياس، حماه، جسر الشغور، إلخ. لا يجد سبيلاً إلى ذكر ضحية بالإسم أو تعيين حادثة جرت في الأشهر الثلاثة المنصرمة، وهي عمر الحركة الديمقراطية الجارية في سورية، ولا في الأعوام الأربعين الماضية وهي عمر استبداد آل الأسد ورهطهم بالبلاد والعباد… ليس في هذه الرسالة غير الإسم النظيف الأنيق لما يجري: «الحل الأمني» وليس فيها فاعلون غير الحزب والعشائر والدين… وهذه كلّها مثل أفلاطونية تنتهي إلى الاندراج في جهة واحدة. في الجهة الأخرى، يظهر مثقفون وشبان وشابات وتُسمع «أصوات» تستحقّ ثناء أدونيس لتمثيلها «المواطنة» ولكن هذه الجماعة ضعيفة الحول، موعودة بالسحق على أيدي العتاة المنظمين…

منطق

يبقى «السيد الرئيس» الذي يبدو وكأنه جهة ثالثة يسعها الخروج من الجهة الأولى وعليها، وتسعها الاستجابة الحرّة لمطالب الجهة الأخرى: لا لأن في هذه الجهة تصميماً أو عزماً يملي الاستجابة ولكن لأن «السيد الرئيس» معني (من تلقاء ضميره، على ما يتراءى من منطق الرسالة) بمصير البلاد ولا يهون عليه أن يراها تتمزّق. الرئيس، على ما يبدو، هو القادر على تحييد ما يبدو أن أدونيس يخشاه في الحركة الشعبية: أي غلبة المتدينين والطائفيين والعشائر. والرئيس قادر على ذلك بعد أن ينحّي الحزب الذي فات أوان إصلاحه وبعد أن يسمو فوق العشائر والطوائف التي يبدو هذا الرئيس، عند أدونيس، بريئاً منها جميعاً. يصبح الرئيس كلّي القدرة إذن حالما يتخفّف من كل ما جعله رئيساً وأدامه وأدام أباه قبله في دست الحكم. وهو يصبح فارس الديمقراطية ينشرها على سورية من هذه السماء السابعة وفي مواجهة لغليان في البلاد كنا قد علمنا من أدونيس أن الظلاميين والطائفيين والعشائر أقوى أطرافه وأوثقها إمساكاً بزمام المستقبل.

ينكر أدونيس أن تكون للحركة الجارية مطالب متوافق عليها. وحجته أن الحركة لم تنشر وثيقة وقّعها جميع أطرافها. لا صحّة لهذا فالحركة قالت الكلام السياسي نفسه، من حيث الأساس، بمائة لسان. وأدونيس لا يعدو أن يكرّر هذا الكلام نفسه تقريباً، بلغته المعلومة، حالما يصل من رسالته إلى باب الاقتراحات. هذه واحدة. الثانية أن أدونيس يغلق الأفق كلياً، في واقع أمره، أمام فرسيه المدلّلين: المواطنة المقرونة بالفردية والديمقراطية المتولّدة منها أو المبنيّة عليها. هو يغلق هذا الباب لا في وجه السوريين وحدهم بل في وجه العرب والمسلمين أجمعين، على الظاهر. يغلق هذا الباب حين يأبى أن يرى في الحركة الجارية، على اتساعها، طوراً مفتوحاً على الاحتمال الديمقراطي، أي على احتمال الالتحاق بالعالم المعاصر، لا أكثر ولا أقل. وهذا التحاق لا حظ له في التحقق إلا في مساق متعدّد الأطراف ومتناقض: مساق لا يملك أدونيس ولا غيره أن يجزم بمصيره بجرة قلم. ولا كان المثال الديمقراطي يجيز لأدونيس أن يستجير من حركة شعبية لها هذه السعة وهذا البأس برئيس كامل المسؤولية، لا عن القمع الجاري اليوم وحسب، بل عن كل ما نهضت هذه الحركة في وجهه، أصلاً. بل أيضاً عن جانب من عورات هذه الحركة نفسها أي عن بعض عشائريتها السياسية وعن بعض طائفيتها السياسية أيضاً.

ملامح

في المنطق العميق لرسالة أدونيس أنه كان على الحركة الجارية أن تقودها جهة واحدة تقول كلاماً واحداً: تقوله وتفرضه حالما تقوله. فلا يكون طمس لملامح الديمقراطية (وهي المفترضة جلية سلفاً) في لغو الأفرقاء المتداخل. ولا يكون رهن للديمقراطية بصراع ومخاض يستغرقان زمناً ويحتملان التردد والتقدّم والنكوص. وذاك أن أدونيس لا يقرّ بأهمّية الزمن إلا بعد أن يفترض للثقافة حدوداً مغلقة، غير مميّز في ذلك بين حال وحال ولا بين زمن وزمن. وهو لا يبقي للتغيير من مناط يعتدّ به، من بعد، غير القبول والرضى من جانب «السيد الرئيس»: الرئيس الذي يزيد طينه وطين السوريين قبله بلة أنه «رئيس منتخب».

الطوائف والعشائر غالبة في المجتمع، والدين والعصبية مستوليان على العقول ولا أمل والحالة هذه في حركة أية كانت. إذ كيف ترانا نخرج، وبفعل أية استحالة داروينية من هذه الاستحالة التاريخية؟ أم ترانا، بخلاف ذلك، محتاجين إلى قرون من التربية الديمقراطية ونحن من لم تنفع في تربيتنا قرون تصرّمت؟ ومن يدخلنا في الزمن الجديد ومن يربي لنا من يجب عليهم تربيتنا ومن يجزم في يوم مشهود أننا بلغنا من التطور المنشود الغاية؟ وما دام أدونيس لم يفلح في ذلك ولا أفلح أضرابه من أضرابنا أفيبقى من يعوّل عليه، في هذه الأمة المنكودة الطالع، غير «سيد رئيس» ما؟

تحتاج الديمقراطية إلى تجريد. تحتاج إلى حديث الفرد المواطن وهذا كائن مجرّد وإلى حديث «سلطة الشعب» و{الفضاء العامّ» و{المصلحة العامّة»، إلخ. وهذه كلها مجرّدات. تحتاج الديمقراطية إلى ما سمّيناه، قبل سنين: «عمل التجريد السياسي». ولكن هذا العمل الذي يمنح النظرية الديمقراطية لغتها، يفتح على الفور أفقاً مقابلاً له يتّسع للأسماء الشخصية ولأشياء العالم ولتفاصيل الحياة وعلاقاتها ولوجوه السلوك بما فيها تلك الحسيّة والمفردة للغاية. عليه، كان العالم الديمقراطي هو العالم الذي تزدهر فيه، لا النظرية السياسية وحدها، بل الرواية أيضاً وخصوصاً. أو أن هذه الأخيرة تبشر بولادته وتسهم في حدوثها إن هي لم تجده قائماً لتزدهر فيه.

بساطة

ليس أدونيس روائياً. هو، من حيث الأساس، شاعر العناصر الأربعة. قدرته على توليد الشعر من أسماء هذه العناصر قدرة معجزة. ولكن عالمه مردود، في مبدأ مطافه ومنتهاه، إلى بساطة مبالغ فيها جدّاً. والمبالغة هذه (وهي قد تكون لازمته من مصادر شبابه الفكرية) تظهر حين يخوض في حديث السياسة، شأنه في رسالته اليوم إلى «السيد الرئيس». ولأن هذه البساطة لا ترى المجتمع أهلاً لتولّي أموره وللسير في مجرى تاريخه وتاريخ العالم المعاصر بإسهام مختلف المشارب والمجالي من سائر مكوّناته وقواه، فهي ليست، على ما تزيّن لنا قراءتنا لـ{سياسة» أدونيس، بساطة ديمقراطية».

ننشر خاطرة بيضون الطويلة كاملة لأهميّتها في النقاش حول الأحداث في سورية، واللافت أن بيضون على رغم أنه كتبها على الـ{فايسبوك» بقي على نمطه الكتابي، أي أنه ما زال محافظاً على أسلوبه الخاص الذي نعرفه من خلال كتبه، وله جملته وطريقته في تدوين كل حرف، ولم يؤثر وهج الـ{فاست فود الفايسبوكي» على وهج الكتابة لديه.

فلنتأمّل قليلاً بعض تعليقات المثقفين حول الرسالة نفسها. قال الكاتب حسام عيتاني إن رسالة أدونيس المفتوحة «يجب أن تطوى»، أما الشاعر يوسف بزي فكتب: «قرأت رسالة أدونيس إلى الرئيس السوري… وطوال الوقت، اجتاحتني الريبة من كل عبارة فيها. ما السبب؟»… سؤال «ما السبب» في الـ{فايسبوك» يصبح مفتاحاً لتعليقات كثيرة حول الشاعر السوري، خصوصاً أن يوسف بزي أحد الأشخاص الذي لا يحبون كتاباته ويقول إنه يتجاهله أحياناً.

رئيس منتخب

جاء بعض المواقف الـ{فايسبوكية» «شرساً» في الردّ على الرسالة الأدونيسية، لعل أبرزها موقف الكاتب السوري ياسين الحاج صالح الذي تطرّق الى «هفوة أدونيسية» قائلاً: «مذهل كم التزييف في مقالة أدونيس في «السفير». لكن أن يصف «سيده الرئيس» بأنه منتخب، فهذا يتجاوز التزييف إلى الكذب القراح. مقدّمات أدونيس الثقافوية المعلوكة كثيراً تجعل «السيد الرئيس» ضحية لشيء أكبر منه، هو «النص» أو… حزب البعث. يقول «الرجل الصغير» شيئاً ليتجنّب أشياء كثيرة: كل ما هو مهم».

الكاتبة اللبنانية دلال البزري تجاوزت الرسالة إلى الحديث عن أدونيس نفسه وكتبت: «نحن نعطي لأدونيس قيمة أكثر مما يستحقّ… شاعر كبير؟ كان ربما… أشدّد كثيراً على «ربما» أما الأكيد فهو أنه عبقري علاقات عامة»… ما كتبته البزري يقوله كثر من أهل الثقافة، يلمّحون الى ظاهرة العلاقات العامة في الوسط الثقافي، هذا جزء من «النظام العربي الثقافي» الذي لم يدع أحد إلى إسقاطه، وأن تكون صاحب علاقات عامة في الوسط الثقافي، يعني أن تتلقى دعوات الى المهرجانات وتسافر وتنشر كتبك في كل مكان وتدعو الناس إلى توقيعها، وتكتب في المجلات كافة… وهلمّ جرّا.

شاعر منفعل

يبدو الكاتب السوري الجريء حكم البابا، الذي يعيش في دبي منذ سنوات، ناشطاً في مواقفه على الـ{فايسبوك»، ونلحظ ذلك من خلال تعليقات على مواقفه من أمور الثقافة والمثقفين وأحوال سورية اليوم. كتب عن أدونيس: «تأخر أدونيس كثيراً في الكتابة عمَّا يحدث في سورية، وفضّل في البداية تقديم ملاحظات حول المكان الذي تخرج منه التظاهرات، صامّاً أذنيه عن هتافها بالحرية، ولن أحاكمه على النوايا فأقول إنه انتظر انتهاء التظاهرات مللاً من أصحابها أو قمعاً من مناهضيها فلم تنتهِ.

لكنه كتب أخيراً من دون أن يغادر نقطة الخوف من المقدس الديني الذي يقف خلف التظاهرات، ومن دون أن يحاول تجاوز الهاجس الساكن الذي يتملّكه والموقف الثابت الذي يتمترس فيه، وبإمكان المتفائلين أن يروا في كتابته خطوة إيجابية كونه يتوجه بدبلوماسية مهذبة يقتضيها المقام إلى رئيس الجمهورية ليغيّر قبل أن يقوم الناس أنفسهم بالتغيير، كما أن بإمكان المتشائمين أن يروا في خطابه حبل إنقاذ على شكل نصيحة يمدّه للنظام، وموقفاً يسجّله لنفسه قبل أن يفوت الأوان، لكني شخصياً أقف في ضفة ثالثة غير ضفة هؤلاء المتفائلين والمتشائمين، وآخذ على أدونيس أنه لم يتوجّه الى الدم الغالي المسفوك بوحشية في سورية، كونه الأرفع مقاماً اليوم، وأن هتاف الحرية لم يصل إليه حاراً لدرجة لم يرتفع فيها منسوب الأدرينالين في دمه ليتخلى عن برودة المفكّر المحايد لصالح الشاعر المنفعل».

هذا غيض من فيض لأبرز التعليقات حول الرسالة الأدونيسية إلى الرئيس السوري، ونحسب أنها ستثير الجدل على صدر الصفحات الثقافية.

الجريدة

 

أدونيس يدعو النظام السوري للنزول من السماء

أفراح الهندال

كانت الثورات في البلدان العربية، والتي أشعلها البوعزيزي في تونس وانتشرت كالهشيم، لتسقط الأنظمة المستبدة واحدا تلو الآخر، هي الاختبار الحقيقي لمواقف الأدباء والمثقفين والمفكرين والمنظرين وأولئك الذين يعرفون بأنفسهم بتلك الصفات مجموعة كلها! بل أصبحت الفرصة المناسبة كي تنكشف المواقف ويدخل ضمنها من يريد الاصطياد في الماء الصافي والعكر معا، ولتتجه الأعين مترصدة مواقف أهم الأسماء العربية التي برزت معلنة رأيها في أنظمة أخرى، وظلت صامتة في ظل نطاق بلدانها، ومن هؤلاء الشاعر السوري الأصل “أدونيس”، الذي غادر سوريا قبل 30 سنة متنازلا عن جنسيته السورية، من دون أن يعلن موقفا واضحا ضد النظام، خاصة مع عنف الأحداث أخيرا في سوريا.

استفزاز غوته

ورغم حصول أدونيس على جوائز عالمية عدة، منها: جائزة جان مارليو للآداب الأجنبية بفرنسا 1993، جائزة فيرونيا سيتا دي فيامو روما بإيطاليا 1994، جائزة ناظم حكمت بإسطنبول 1995، جائزة البحر المتوسط للأدب الأجنبي بباريس، جائزة المنتدى الثقافي اللبناني بباريس، 1997، جائزة التاج الذهبي للشعر بمقدونيا 1998، جائزة نونينو للشعر بإيطاليا 1998، وجائزة ليريسي بيا بإيطاليا 2000، فإن إعلان حصوله على جائزة “غوته” أخيرا وفي الوقت الذي تشهد فيه سوريا الأحداث المؤلمة زاد من حالة الترصد وضرورة إعلان رأيه قبل أن يسقط كرمز فكري أشار كثيرا لضرورة الثورات وهاجم الطغاة في شعره في صور عدة.

جبال من الرؤوس

ففي ظل الزعزعة النظامية وتظاهرات الناس في سوريا وسقوط الرؤوس التي تشبه وصفه للمقابر الجماعية العراقية بقوله: “لكن، ما يكون قائد يتسلق الخطط التي يرسمها على جبل من رؤوس البشر؟”؛ ساد صمت طويل أثار الأدباء فنشروا خطاباتهم الاستفزازية والمتهكمة في الصحف والإنترنت، مطالبين بموقف واضح لأدونيس، حتى كتب رسالته إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد التي نشرت في “السفير” أمس الأول، والتي دعا فيها الرئيس السوري لأن “يعيد الكلمة والقرار إلى الشعب” في رسالة طويلة من المتوقع أن تنال التعقيبات والردود عليها، حيث جاءت الرسالة خطابا مباشرا إلى الرئيس في لغة أدبية تفكك الحالة وتشرح المشهد وتدعو إلى إنهائه بلغة “هادئة” لم تخل من المفاهيم والمصطلحات النخبوية.

ودعا أدونيس إلى إنشاء معنى عميق للديمقراطية، مؤكدا فيه دور الشعب بالنضال، قائلا: “لا تنشأ الديمقراطية في سوريا، إلا بعد نضال طويل، وإلا ضمن شروط ومبادئ لابد منها. لكن، لابد من التأسيس لذلك، ومن البدء، الآن لا غدا”، مشيرا إلى أنه “بغير الديمقراطية، لن يكون هناك غير التراجع وصولا إلى الهاوية”.

من السماء.. إلى الأرض

وفي دعوة واضحة تتلاقى مع الفكر العلماني المؤسس للمجتمعات المدنية، أكد أدونيس ضرورة “الخروج بالمجتمع، ثقافيا وسياسيا من “زمن السماء، الجمعي والإلهي”، إلى “زمن الأرض، الفردي والإنساني”. أو هو، باللغة السياسية المدنية: الفصل الكامل بين ما هو ديني وما هو سياسي واجتماعي وثقافي”. وعلى الرغم من أن خطابا كهذا يمكن قوله في غير هذه الظروف التي تتهاوى فيها الأجساد المدماة بانتظار حالة انفتاح أخرى، تتعلق بحرية الإنسان وانتمائه وحقوقه المواطنية؛ فإن أدونيس استرسل فيها من دون إغفال تطعيم رسالته بضرورات تلك الحرية التي جاءت ببعض التواري اللغوي، مسددا لومه للنصوص الدينية بعيدا عن العقلية النظامية لرئاسة الحكم في سوريا.

البعث في صومعة الدين

قال أدونيس في رسالته: “كيف يمكن أن تنشأ الديمقراطية في مناخ لا يقيم وزنا لحرية الفرد وللتجربة الإنسانية، ويرفض الآخر المختلف ـ نبذا، أو تكفيرا، أو قتلا، ولا يرى الحياة والثقافة والأزمنة والأمكنة والحضارات البشرية، إلا في مرآة قراءته للنص، وهي كما نعلم متعددة حتى التباين؟ خصوصا أن النص مهما كان عظيما يصغر إذا قرئ بعقل صغير، كما يحدث اليوم غالبا”.

ليدخل حزب البعث في صومعة تفسير النص الديني، ومنه أسباب الخلل: “لقد كان أشبه بجمعية «دينية»: عرقل نمو الثقافة المدنية الحرة، ودمر أخلاق البشر، مقيما الثقافة على الولاء له، وعلى معاداة أعدائه، وعلى الشعارات والتبشيرات التي كانت في معظمها ساذجة وسطحية”.

وأشار أدونيس في كلمة موازنا بين أطراف المعارضة: “المفكرون والمثقفون والأدباء” ممن لهم وجهات نظر وتطلعات نبيلة وعادلة، لكن لا تجمعهم وثيقة، مبينا أن أصواتهم لا تدخل في شبكة الواقع العملي. والطرف الآخر ممن له مواقف أخلاقية وطنية مثالية من رافعي الشعارات، وآخرين ممن تبدو عليهم «لحمة» ضدية عنفية، تغلب عليها نبرة: «التهييج»، و”الثأرية» والدينية «الطائفية» أو «السلفية»، وبكل هذا الجمع لن تكفي لغة الحوار كما يشير أدونيس.

ليبين ضرورة تعزيز “مفهوم الحكم، وآليات الوصول إلى الحكم وتداول السلطة، والآليات التي تسوغ للمحكوم أن يقول رأيه في السلطة وأدائها، واعتبار السلطة في متناول كل مؤهل يختاره الشعب”.

شراسة وتمرد

وكما ذكرت وكالة الأخبار الفرنسية؛ أن أدونيس حذر في شهر أبريل الماضي، من أن “بوادر التمرد” في بلاده قد تؤدي إلى حرب أهلية، الأمر الذي وصفه في حديث لقناة “العربية” بأنه “الأكثر خطرا”. وأن “التمرد في سوريا أكثر صعوبة من أي بلد آخر، وأن النظام سيكون أكثر شراسة في مواجهة التمرد”، إضافة إلى قوله “الأوطان ليست شركات استثمار”، وربما لو جاءت رسالته بتصريحات شبيهة كما قال في هذا الحوار لكان أكثر تأثيرا وعمقا بإيجازه من تلك المطولة الخطابية في الرسالة، ولكن الرسالة جاءت في الوقت المناسب كي تحول تساؤلات الأدباء والمثقفين وآرائهم من موقف أدونيس الملتبس برأيهم إلى حالة تفكيك وتعقيب عليها.

وترجع هذه التساؤلات وحالة الترصد لمواقف أدونيس لمكانته كشاعر  تولى زمام الحداثة بالكتابة الأدبية الشعرية والنقدية، إضافة إلى مشروعه الفكري الذي تجاوز الأدب ليدخل في البنية الفكرية للمجتمعات العربية عبر إصداراته الكثيرة التي خلخلت موازين الكتابة التقليدية وتجاوزت أسوار اللغة والعقل والهويات الضيقة.

 

لا رسائل للسفاح بشار الاسد

مكارم ابراهيم

قرأت نهارأمس مقالة للشاعر السوري أدونيس بعنوان : “رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد – الإنسان، حقوقه وحرياته، أو الهاوية”. وأود أن أسجل رأيٌي بهذه الرسالة وأعترف مسبقاٌ بان رأيٌي لن يكون موضوعياٌ على الاطلاق لانه إختلطت فيه مشاعر الإستياء بمجرد أني قرأت عنوان المقالة التي يقر فيه الشاعر أدونيس بان بشار الاسد مازال السيد الرئيس رغم كل المآىسي التي صٌبها فوق رؤوس شعبه الحٌرالأبي منذ إندلاع الاحتجاجات في مدينة درعا . وأتساءل هنا ألم تسقط شرعية بشار كرئيس ولايعدو الان سوى سفاحاٌ لانه سمح لقوات الامن والجيش بقتل المتظاهرين المسٌالمين في الشوارع , وعزل القرى عن العالم بقطع الماء والكهرباء عنها .

لقد ازداد المشهد السوري عنفا ودما يوماٌ بعد يوم . ففي البداية اقتصرقمع نظام بشارعلى توجيه الرصاص الحي للمتظاهرين . اما اليوم فقوات الامن لم تعد كافية لهذه المهمة الباسلة بل لقد وكل رئيسك بشار المهمة للجيش بتدمير القرى باهاليها وقتل حتى الحيوانات كالبقر كما يحدث حاليا في الشمال الغربي لسوريا . وكأننا نشاهد افلام كارتون او فيلم اكشن من هوليوود لايمكن ان يكون حقيقة ولكن هذا مايحدث تماما في مدينة جسر الشغور20 كيلومتر من الحدود التركية وهو ماصرح به احد شهود العيان الى قناة البي بي سي .فالجيش يدخل القرى ويدمرها عن بكرة أبيها . ورئيسك هذا لم ينجح فقط في تهجٌير شعبه من اراضيه الى القرى التركية واللبنانية بل نجح في تهجير شعبه الى اسرائيل نفسها . فبوركت جهود رئيسك الوطنية والانسانية هذه .

وحسب مؤسسة الاخبار التركية اناتوليا فقد وصل الى الحدود التركية 8500 لاجئ سوري ومنهم 5000 طفل والباقي حسب منظمة الامم المتحدة هرب الى لبنان الى جانب الآلاف من ضحايا بشار الاسد ونظامه يتواجد حاليا في العراء قرب الحدود التركية بدون ماء او طعام او دواء.

لاتقول بانه ليس مسؤولا عما يحدث بل أخيه ماهرهو المسؤول عن كل المجازر والتهجير والتعذيب , كلا فمازال بشارهو المسؤول عن كل مايحدث من جرائم بحق الشعب السوري طالما انه لم يخرج للملأ ويعلن انسحابه من منصبه واذا لم يستطع فعل ذلك بسبب ضغوطاٌ تمارس عليه من قبل اخيه او اخرين ,فاعتقد انه كان عليك ان تنصحه بالانتحار بدل ان تحاول اقناعه بالاصلاح اذا كان ضميره مازال حيا ويحمل ذرة من الكرامة والوطنية تجاه ابناء شعبه كما ترى حضرتك.

إن اكثر ما أثار غيضي في رسالة الشاعر أدونيس الى جانب تلقيب بشار بالسيد الرئيس هو المقدمة المطولة التي يحاول فيها ادونيس شرح علاقة الشعب العربي بالديمقراطية وفشلهم في تحقيقها وكأنه يقول بان الخطا في الشعب السوري وليس في نظام بشار ويطول في شرح سلبيات الشعب وليس في سلبيات نظام بشارالجرذ.

مالم استطيع ان استيعابه هو كيف يحاول الشاعر ادونيس برسالته المطولة وبكل سذاجة اقناع رئيسه بشار بالاصلاح والتغيير وهو يذبح ويقطع شعبه في الشوارع وكأنهم قطعان غنم ودون تمييز بين رجل او امراة او طفل.

لوكان بشار يريد الاصلاح والتغيٌر هل تتصور بانه لم يكون قادرا على فعله سابقا وبدون ان تقدم له نصائحك الثمينة هذه وهل يوجد امرء عاقل بحاجة الى نصيحة كي يختار بين قتل شعبه وبين الاصلاح.

على اي حال ينهي الشاعر السوري ادونيس رسالته بالفقرة التالية :”السيّد الرئيس، لا بدّ من إعادة النظر الجذرية. حتى لو استطاع حزب البعث أن يوقف الثورة عليه. دون ذلك، سيكون هو نفسه عاملاً أساسيّاً في الانهيار الكامل: في دفع سوريا إلى حرب أهلية طويلة الأمد، قد تكون أشدّ خطورةً مما حدث في العراق، لأنها ستكون تمزيقاً لهذه الأرض الجميلة الفريدة التي اسمها سوريا. وستكون، إلى ذلك، دفعاً لجميع سكانها، خلاّقي الأبجدية، إلى التشرّد في أنحاء أرضٍ لا تعِدُ إلاّ بأحصنة الملائكة التي تطير بأجنحة السماوات السبع.

لسوريا وشعبها ولك، أيها السيد الرئيس، تمنّياتي الصادقة”.

وهكذا وللمرة الاخيرة ينصح الشاعر ادونيس رئيسه بشار باعادة النظر والتفكير جدياٌ بمخاطر الاحداث قبل ان ينهار كل شئ وكأنه مازال هناك شيئا لم ينهار ومازال صامدا . لا عزيزي ادونيس فالواقع المؤلم يقول بان كل شئ إنهار حتى رئيسك سقط في مزبلة التاريخ وسقطت معه شرعيته دون رجعة . وختاما ينصح ادونيس بشار بانه اذا استمر الوضع على حاله فان هناك خطر نشوب الحرب الاهلية , ياللكارثة ! الشعب السوري يذبٌح بايدي النظام وهو يحذر رئيسه بانه اذا استمر الوضع هكذا فهناك خطر بان الشعب سوف يذبٌح بعضه بعضاٌ هل توجد مصيبة اكثر من هذه المصيبة. وكان الشاعر ادونيس هنا يهدد الشعب السوري اذا استمرار غضبه على النظام ولا يهدد نظام رئيسه بشارإذا استمر غضبه على شعبه.

ختاما يرسل الشاعر السوري ادونيس اصدق التمنيات لرئيسه السفاح بشار أما أنا فارسل للشاعر أدونيس تعازي بموت رئيسه بشار.

مكارم ابراهيم

هوامش

مقالة الشاعر السوري ادونيس

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?ecom=1&aid=263205#248143

الصحيفة اليومية الدنماركية ميترو اكسبريس عدد107

 

سوريا تحت الاحتلال: ملاحظتان سريعتان على رسالة علي احمد سعيد (أدونيس) إلى “السيد الرئيس“!!!

كمال الصوفي

ملاحظات سريعة على رسالة علي احمد سعيد (أدونيس) إلى “السيد الرئيس”.

كتب الشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس) ونشر في السفير اللبنانية” تحت عنوان “رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد الإنسان، حقوقه وحرياته، أو الهاوية”. وهي رسالة مهذبة وورعة، تخاطب راس النظام القمعي بتهذيب يليق بالمنافقين، لا بالشعراء المتمردين. فكل فقرة من فقراتها تبدأ بـ(سيدي الرئيس).

والرسالة من اولها الى آخرها تساوي بين الضحية والجلاد، وتتستر على القتلة الحقيقيين، وتثير الحنق والسخرية بمسعاها التضليلي المكشوف، وسأكتفي هنا بنقطتين، فادونيس يستبدل باسم (العائلة الحاكمة) اسم (حزب البعث). وبدلا من ان يدين العائلة ويطالبها برفع اليد عن السلطة، نراه يدين الحزب، وبدلا من ان يسائل الرئيس وهو اعلى سلطة في البلاد وبيدها كل السلطات التي أدت الى القمع والجرائم، نراه يدين حزب البعث.

وبالتالي فإن رسالة الشاعر (ادونيس) إلى “السيد الرئيس” بشار الاسد، تفتقر إلى الشجاعة الاخلاقية، فضلا عن أنها تحتوي على جملة من الأضاليل والمغالطات الصادمة المخلوطة بشكل متعمد مع الحقائق.

فهو يخاطب الرئيس برقة كما لو انه ولده، ويدعوه الى موقف تاريخي ينقذ سوريا (سوريا أم النظام؟!) عن طريق التخلص من حزب البعث بوصفه حزبا فاشلا وفاسدا ورجعيا عفا عليه الزمن. من دون اي استنكار من جانب صاحب الرسالة لأعمل القتل والقمع والمروعة التي ارتكبها النظام على مدار ثلاثة شهور بحق السوريين المنادين بالحرية سلميا؛ نساء ورجالا واطفالا، وضج بها ضمير الإنسانية.

ومن دون أي إشارة إلى أن النظام الحاكم في سوريا ليس لحزب البعث فيه اي دور حقيقي فهو نظام ينهض، منذ الانقلاب العسكري الذي قاده الأسد الأب، على تشكيل عائلي وأذرع امنية وفرق عسكرية خاصة لحماية النظام /العائلة موازية للجيش السوري الذي يلعب دور القناع لهذه الفرق الأمنية والخاصة.

وبالتالي فإن الرسالة، وفي لعب مكشوف ومواربة بائسة تطالب الرئيس في شيء واحد هو: أن يلعب دورا تاريخيا تختصره جملتان مخاتلتان في الرسالة:

(إن بقاء القيادة الحزبية، وفقاً للمادة الثامنة، لم يعد يرضي الأغلبية الساحقة من السوريين، ولم يعد للتشبث بهذه المادة أي مرتكز إلا العنف)(…. )(وأنت الآن مدعوّ، تاريخياً، لكي تفكّ هذه المماهاة بين سوريا وحزب البعث العربي الاشتراكي. فسوريا أرحب، وأغنى، وأكبر من أن تُختَزَل في هذا الحزب، أو أي حزب سواه. أنت مدعوٌّ، إذاً، إنسانيّاً وحضاريّاً، أن تكون إلى جانب سوريا، لا إلى جانب الحزب. ).

إذن المطلوب هو تخلي الحزب (الذي لا يحكم أبدا) عن الحكم، وليس تخلي  (العائلة الحاكمة) التي أذلت الشعب ومعه حزب البعث عن الحكم. وهو ما تطالب به جماهير المظاهرين وشعاراتهم التي ملأت سوريا وسافرت في الصور حول العالم.

هذه هي كبرى الاضاليل التي بنى عليها ادونيس رسالته المخاتلة. فهو يعرف اكثر من غيره، (وله في ذلك اقوال ماثورة في المجالس) ان ليس في سوريا شيء اسمه حزب البعث، أللهم إلا ذلك الجيش من الخدم والخزمتجية الذين يشتغلون عند عائلات النظام ولا يمونون على شيء، والعائلات هي: الاسد، مخلوف، شاليش. وهذه العائلات الثلاث هي الحاكم المطلق لسوريا عن طريق تراتبية هرمية من طراز ما فيوي. وما من أحد يجهل هذا في سوريا وخارجها.

وكل سوري يعرف (بمن في ذلك بسطاء الناس والأميين منهم) أن الهواء فقط في سوريا لم يصبح بعد ملكا لهذه العائلات الثلاث التي تنتمي حصريا للطائفة العلوية الكريمة.

وحتى لا يرمي أحد ومنهم أدونيس صاحب هذا الرد بتهمة الطائفية (على اعتبار ان كل من يقترب من تسمية هذه العائلات يرمى بهذه التهمة المقيتة).. أقول إن سوريا المؤسسة على طوائف ومكونات شتى متعايشة في ما بينها، لا علاقة من وجهة نظرنا لواحدة من طوائفها وهي الطائفة العلوية الكريمة بجرائم النظام بحق السوريين، بل إن غالبية أبناء هذه الطائفة هي من السوريين المسحوقين والمتضررين من سياسات النظام.

ملاحظة اخيرة

لن نناقش اي أضاليل اخرى في الرسالة وهي مليئة بها. وما سلف مجرد إشارات الى بعض مغازي الرسالة  التي اراد صاحبها  تحقيق هدفين رئيسيين منها، هما:

اولا: تبرئة الذمة الشخصية أمام المثقفين العرب والاوروبيين الذين كتب بعضهم خلال الأحداث تعليقات كثيرة على صمت المثقفين السوريين، وصمت أدونيس بصورة خاصة، عن اعمال القتل والتنكيل التي يقوم بها النظام، وهي محاولة  فاشلة من الشاعر لإنقاذ سمعته كمثقف ديمقراطي.

ثانيا: محاولة إلقاء طوق نجاة للعائلة الحاكمة التي تنتمي إلى طائفة باتت أكثر فاكثر خائفة من الآثار المدمرة لسقوط هذه العائلة الطاغية المسيطرة على مجمل مفاصل الحياة في سوريا لأكثر من 40 سنة. وهو ما يكشف عن بؤس تفكير ادونيس، وموت الحس التاريخي عنده. ناهيك عن موت أخلاق الشاعر الذي استكثر على ضحايا الحرية من ابناء شعبه ان يسميهم في رسالته، ناهيك عن ان يتضامن معهم، كما لو انه شريك في القتل.

 

أدونيسات النظام السوري

خلف علىي الخلف

مجموعة من الادونيسات نمت وترعرعت في ظروف بيئية ومناحية متباينة

على غرار شبيحة النظام وأبواق النظام وأيتام النظام السوري (قريبا) أقترح مصطلحا جديدا هو”أدونيسات النظام”  وهو ينطبق على مجموعة بشرية بدأت بالتكاثر مؤخراً!

و “أدونيسات النظام” هم أولئك الذين “صرعونا” طويلا وكثيرا؛ بتنظيراتهم عن الحرية والحداثة والعلمانية والمدنية والمواطنة.. وناصروا الثورات بما فيها ثورة الخميني إلا أنهم عندما خرج السوريون يطالبون بالحرية تأتأو وتلعثموا..

ولأن “أدونيسات النظام” لا يستطيعون الإعلان بشكل مباشر وسافر أن علاقتهم مع النظام متماكسة ومستقرة وتربطهم به وشائج قربى أو مصلحة  أو انتفاع أو طائفة أو خوف من الآخر.. أو شيء آخر لا نعلمه.. وفاء لسجلاتهم الكتابية والشفهية والحداثوية… يلجأون إلى رطانات من نوع أن البعث هو سبب مصائب سوريا؛ أو أن الاجهزة الأمنية هي سبب خراب البلاد والعباد..

ويمكن لـ “أدونيسات النظام”  أن يتحدثوا عن الفساد  لكنهم يحيلونه إلى أشباح لا إلى رامي مخلوف وأعوانه والذي هو جابي بيت مال العائلة..

وقد يشرب أحد ” أدونيسات النظام” حليب السباع و يرفع السقف قليلا ويتحدث عن “الحل الأمني” (كأدونيس نفسه) دون أن يحدد أن أوامر القتل في سوريا لا يمكن أن تصدر إلا بإذن من الرئيس أو أخيه أو أخته (وصهره بالمعية) أو أمه أو حتى ابنه الصغير.. رغم أنه  يمكن لأبناء عمومة الرئيس وأقربائه من الدرجة الأولى والثانية أن يقتلوا لكن بشكل فردي، لا جماعي كما يحدث الآن!

و أدونيسات النظام (حذفنا القابستين بعد أن استقر المصطلح) لا يعادون مطالب المحتجين “المحقة” بشكل مباشر؛  لكنهم يتحدثون عن أن هذه المظاهرات لا تمثلهم (أي الأدونيسات) لأنها تخرج من المساجد فهم علمانيون مخلصون؛ وقد يقوم أحدهم بوصمها بالتطرف لأن النساء في هذه  المظاهرات محجبات بالعموم

وقد يزيد أحد أدونيسات النظام قولا على هذا بأن ” احتجاجات (الأدونيسات لا يسمونها ثورة ولا انتفاضة) يحركها الشيخ العرور ستفكك النسيج السوري (الجميل) وهي رجعية …الخ” ومن الطبيعي أن لا يناصرها هذا الأدونيسي لأنه تقدمي..

ومن أدونيسات النظام من يستذكر فجأة أنه كان يساريا فيستحضر عداءه للإمبريالية والصهيونية، ويخترع من عنده أنهما ( أي الامبريالية والصهيونية) يناصران هذه “الاحتجاجات” وبالتالي فهي تحمل تساؤلات جدية عن وجود أصابع خارجية…

ويرجى عدم الخلط في هذه النقطة بين أدونيسات النظام  وأبواقه؛ فالبوق يردد أنها مؤامرة  كونية واضحة تستهدف سوريا أرضا وشعبا ويتحدث عن عصابات مسلحة ويطالب بقتل المحتجين ويعتبره أولى من قتال إسرائيل… إلخ

و أدونيسات النظام ليست حالة سورية خاصة فقد تكاثروا في مستنقعات الثورات السابقة ؛ إذ كان هناك أدونيسات لكل الأنظمة الساقطة كـ أدونيسات النظام المصري و أدونيسات النظام التونسي؛ كما أنه ما زال هناك أدونيسات للنظام اليمني رغم أنه أشرف على السقوط… و أكثر الأدونيسات حرجا وتأتأة و”بربرة” هم أدونيسات القذافي لأنه بلا نظام

 

بعض ” التعفيس” في رسالة أدونيس إلى الرئيس

حسان محمد محمود

قرأت من أدونيس إلى الرئيس رسالة، قرأتها مرتين، مرةً بلهفةٍ عجالة، ومرةً بتأنٍ وإطالة، و أردت من خلال هذه الإطلالة، تسجيل بعض النقاط ذات الدلالة:

أولاً: في توصيفه لدور الدين في السياسة وذعره (الأزلي) من أصولية الجماهير يقع أدونيس في مطبٍّ لطالما وقع فيه النخبيون، هو العجز عن الانتقال و الربط بين المجرد الذي يتقنون التحليق في فضاءاته و الملموس الذي ينأون بأنفسهم عن الخوض و التوغل في متاهاته.

يمكنني تشبيه ذلك بعالمٍ في مجال الهندسة الميكانيكية الذي ربما يملك القدرة على فتح آفاق معرفيةٍ ونظريةٍ جديدة في مجاله دون أن يمتلك ذات القدرة على إصلاح سيارته إن تعطلت.

الانتقال من العام إلى الخاص، من المجرد إلى الملموس، من التصورات و الانطباعات وحركة المفاهيم في الدماغ إلى الحقائق وحركتها في الواقع تحتاج مراناً وتدريباً على تقنيات تفصيلية و اتباع دورات تأهيلية لدى ورشة تصليح سيارات بالنسبة لعالم الهندسة المذكور ولدى السياسيين بالنسبة لأدونيس.

ثمة تطرف ومبالغة لدى أدونيس في تناول طرق و آليات حضور (المعرفي ـ الثقافي ـ الحضاري ـ الديني) في كلٍ من المشروع و السلوك السياسيين. ولن أتوغل أكثر في هذه النقطة المنهجية لأنني لا أريد أن يجرني أدونيس إلى المساحة التي يريد، أي مساحة النقاش في المجردات في لحظة تحتاج أكثر ما تحتاج إلى حوار بخصوص التقنيات العيانية الملموسة المباشرة الميدانية.

ثانياً: ينهي أدونيس رسالته بالتحذير من حربٍ أهليةٍ في سوريا، وأرى أن سبب اعتقاده بإمكانية حصول هذه الحرب يعود إلى افتقاده المهارات في التقنيات السياسية التي تحدثت عنها آنفاً، لن أطيل، وأقول بهذا الصدد:

تندلع الحرب الأهلية في أي بلد وتستمر (أركز: وتستمر) إن اجتمع نوعان من العوامل، الأول: داخلي لجهة توافر (المتقاتلين)، و الثاني: خارجي لجهة إمداد المتقاتلين بالغطاء السياسي و الدعم المادي اللازمين لاستمرار الحرب الأهلية.

وعلى فرض توافر ونضوج العوامل الداخلية لحرب أهلية في سوريا (و أشك في ذلك) فإنني أعتقد أن ذلك غير متوافر إقليمياً ودولياً، إذ ليس من مصلحة تركيا أن يكون أهم جارٍ لها على الإطلاق في حالة عدم استقرار (طول الحدود ـ ما يمكن أن يشكله عدم الاستقرار في سوريا من بيئة خصبة لتنامي مشكلاتها الداخلية مع بعض الأقليات فيها..).

كذلك الأمر بالنسبة للعدو الصهيوني، إذ برغم أنه يرغب على المستوى الإيديولوجي بتشكيل دول طائفية ودينية في المنطقة تعطيه المبرر التاريخي ليكون كياناً دينياً “يهودياً” إلا أنه من جهة أخرى (سياسية وليست إيديولوجية) لا يرغب بجوار مضطرب تترعرع فيه حركات أصولية، حتى لو تقاتلت فيما بينها ومع غيرها ستكون موحدة بتوجيه قدراتها العسكرية إلى (إسرائيل) للقيام بعمليات ضدها، كما تبين التجربة أنه حيث تكون الحكومة المركزية ضعيفة تزدهر حركات المقاومة الشعبية التي آلمت (إسرائيل) أكثر من الجيوش النظامية، و لا أظن أن من مصلحة إسرائيل ذلك.

ومصر كذلك، بل إن جوهر التغير الذي سوف يصيب السياسة الخارجية المصرية هو إعادة الاعتبار لبلاد الشام باعتبارها امتداداً لأمنها الوطني، بدليل ما تقدم عليه الآن من محاولات حذرة وخجولة لتطوير وتصحيح علاقتها مع جوارها الشامي (برغم أنها تمر في مرحلة انتقالية ولم تتبلور سياستها الخارجية جراء ذلك).

أيضاً مصالح اللاعبين الدوليين الحالية تتطلب (على الأقل الآن) وبسبب غموض الاتجاه الذي تسير فيه المنطقة بعد الثورات التي حصلت فيها إلى ضمان حدٍّ أدنى من الاستقرار الداخلي في كل بلدٍ من بلدانها ريثما ينقشع غبار هذه الثورات.

أكرر: الآن….وهذا لاينفي أن تتغير أولويات ومصالح اللاعبين الدوليين، خاصةً إذا كان اتجاه الحكومات التي تتمخض عنها الثورات في غير الاتجاه الذي يلبي مصالحها.

أخيراً: كل العرض الموجز السابق يستند إلى فرضية أن الشعب السوري معدوم الحيلة و الذكاء و الفعل و القوة الكفيلين بعدم الانزلاق إلى هاوية الحرب الأهلية، وعلى ما أعرف لم تنشب أي حرب أهلية في سوريا طيلة تاريخها الحديث بالرغم من توافر العديد من عوامل اندلاعها وفي أكثر من مفصل أو محطة.

هذا برأيي ” بعض ” التعفيس الذي ورد في رسالة أدونيس.

موقع جدار

 

أدونيس لا يمكن أن يكون برهان غليون

فادي عزام

لم أر في ادونيس ما’ يستحق كل هذا السخط. فهو أدونيس ولا يمكن أن يصبح فجأة برهان غليون كما يطالبه الكثيرون. وإذا كان السخط وليس ‘النقد”الموجه إليه لأنه يكشف ‘علويته’ فطيبة الوعي ‘العلوي’ ربما كان يحتاج هذه الرسالة أن يرسلها إلى (السيد الرئيس) قبل الحتمية السورية القادمة.

اليوم يطرح الإخوان مغازلة لهذا الوعي العلوي نفسه (بجمعة صالح العلي) إذا كان الأمر من هذا الجانب فهذه حقيقة لنسمها باسمها ونكف عن إنكارها وبما أن النظام سقط أخلاقيا وإعلاميا، وفي طريقه إلى السقوط سياسيا. ومن ثم حتمية انهياره بحكم المنطق ‘عاجلا أم آجلا.

ولكنه حتى هذه اللحظة، النظام شرعي وقائم. ولم تصدر عن كل القوى الإنسانية غير السورية سوى بضعة أصوات شحيحة بلا شرعيته.

من جانب آخر إذا كان التهجم ومقاله في السفير لم تكن نقدا أو حتى لم تقرأ جيدا الراهن بل قرأت الافتراضي أو الرغبة. بمعنى كان يتوجب على ادونيس أن ينكر الواقع وينتقل لنقد الأسرة الحاكمة وتصفيتها أخلاقيا و ثقافيا حتى يصبح له صفحة على الفيسبوك مثل صفحة أصالة نصري مبنية على معادلة أنه ‘لم يستخدم اللغة السائدة التي باتت ‘المعارضة’ تستعملها . لا يعني أبدا أنه لا يحق له القول ما يراه، وما يريده دون أن نكون جاهزين له، بالقطعية واتهامه بخيانته لمطالب شعبه، فوقيته الثقافية، وإنكاره لدم الشهداء.

‘وطبعا شخصيا أنا مستاء من كل ذلك. وكدت أبدأ بوضع عبارة الخذلان والسخط’ نفسها التي وضعها الكثير من أصدقائي’غير أني تذكرت كيف تمت محاكمة أدونيس ونحره سابقا، عبر سلسلة متواصلة من المواقف الإشكالية التي يفجرها، ابتداء بالترويج لدعمه للخميني، وانتهاء بنعي العروبة في كردستان، مرورا بإنكاره الرواية كفن صغير يحتقره، او سخط اللبنانيين الذين ظلوا طوال عقود يتبجحون بلبنانيته، حتى كتب عن بيروت بأنها مشهد وليست مدينة، فأصبح علويا ريفيا سورياً ناكرا للجميل.”

وأتذكر السخط اليساري عليه منذ سنوات حين طُلب منه ان يوقع على عريضة إطلاق سراح الشاعر فرج بيرقدار، فقال جملة جلبت له سخط الكثيرين وانا منهم حينها: ‘لا أعرف شاعرا اسمه فرج بيرقدار’ ورفض التوقيع.

‘لاحقا بعد إطلاق سراح المناضل فرج بيرقدار، اكتشفت أن أدونيس كان على حق. لماذا الوثيقة يتم توقيعها بصفة المعتقل فرج بيرقدار وليس بحقيقته كمناضل يساري سوري أممي دون الحاجة لإصباغ لقب الشعر عليه؟ وخاصة أن فرج بيرقدار لم يسجن لأنه شاعر

واكتشفت أن هذا السلوك من أدونيس نوع من الصدق مع الذات وأيضا مرسلة ثقافية هامة وصريحة وتحسب له ‘وليس عليه.

فلا يجب الخلط في لحظة الحماسة الثورية بين قضايا تتموه بسجف بعضها ربما تشكل مرسلة مواربة. فالشعر يتراجع ويدان أصحابه في اللحظة الثورية إذا لم يتحول إلى حمّال دم وثورة. وكم عانى درويش من لقب شاعر الثورة واضطر لهدر الكثير من الشعر ليوصل فكرة بسيطة تقول الغناء للحب هو نفسه الغناء لفلسطين . ولكنها حقيقة ثابتة. تتغير الثورات، تفشل أو تنجح تُسرق أو تُنهب تموت أو تنتحر ولكن ‘الشعر يبقى.

في تخوف ادونيس غير المبرر من الجامع، في مقالته الأولى، امر آخر هام وهو’تخوف أدونيس من الجامع’ تخوفه من الإسلام السياسي كشخص علماني وديمقراطي مشروع ويشاطره به الكثيرون ممن لا يصرحون. فخلال الأسبوع الماضي كان لتسمية العشائر وقع جعل مخاوف معظمنا تنطلق تحفظا أو علانية، واليوم تثبت إدارة موقع الثورة أنها ليست بريئة باختيارها اسم جمعة إشكالية أخرى تهدر الطاقة وتثير الاختلاف على البديهيات. وتدعي إنها المحرك والمسيّر الأكبر والأكثر شرعية للقيادة. فإذا كان بداخل كل منا تساؤلات حول هذا. فأدونيس لديه أيضا ولكن بطريقته وأسلوبيته. ‘

‘دعونا نختلف مع ادونيس، قبلناه أم رفضناه، فهو شاعر كبير ‘حتما’ وإشكالي بامتياز ونحن في سورية بدأنا نتعرف على سوريتنا من جديد. على أنفسنا ومواقفنا نكتشف بواطن أرواحنا وثقافتنا. إننا نصحو معا. وننتظر قدوم فجر سوري يليق بنا، لأننا جميعا نعتقد بسورية التي تليق بنا. من هنا أكاد أجزم أن المادة القادمة لأدونيس ستكون مختلفة وحاسمة. ولا يمكن أن يصل لها’من دون هذه الرسالة فعبر أربع ‘مقالات تبدو هذه الرسالة مستفزة لأنه استخدم فيها عبارة ‘السيد الرئيس’، فهذه العبارة اليوم سقطت عند الكثيرين، وهو يعرف ذلك فأن تنعت أي أحد بالسيد أو بالمجرم لا يغير بكونه سيدا أو مجرما.

وأيضا جر عليه عصفا كبيرا باعتماده الدعوة لإصلاح البعث. فهذا الحزب البائس في سورية يتلقى دائما كل الرذائل وتهمل وتنسى أحزاب الجبهة التقدمية. وهو اليوم يمثل الملطشة للجميع. فقد تم تفريغه لصالح الجيش، ولاحقا تم تفريغ قيمة الجيش لصالح الامن. فالبعثيون وهم ستة ملايين سوري يرى بعضنا أن يكون.. ويشنقهم في ساحة المرجة. بالمناسبة في اللحظة الغضب والقهر أنا من هذه الـ ‘بعضنا’. أعتقد أن رسالة أدونيس هي للأدوات التي بيد سيده الرئيس. وهي واقعية بمفهوم خطاب النظام وليس بمفهوم خطاب ‘الآخر. المعارض والمعارضة يعني به نَفَساً عقلاني من النوع البارد الذي لا يتناغم مع حرارة المرحلة ومن هنا السخط على أدونيس.

‘ورغم كل ما دونته هنا كانطباع شخصي لم ترضني رسالته، ولكن السؤال هل يجب البحث دائما عما يرضيني’ويشبهني ؟ وماذا عمّـا لا يشبهني؟ أليس له الحق بالقول والخطاب؟ ما دام لا يقتلني ولا يسحقني ولا يتوعدني ولا يقصيني .. إذن إنها ثقافة الاختلاف التي بات علينا كسوريين’ومن في حكمهم أن نبدأ بالتدرب على استيعابها.. ما لا يتوافق معي ما دام سلميا مثلي لا يستحق أن أسقطه، أخوّنه، أنزع عنه الشرعية وأحيله دريئة لرفضي. ما يحصل اليوم أنه تدريب على ما هو آت برسم الجميع.

‘أدونيس طالب بإعادة الكلمة للشعب لم ينكر ذلك ولم يتحايل بل تكلم بلغة تخص المرسل فحتى أهالي الشهداء الذين زاروه خاطبوه بـ (السيد الرئيس) حين وجهوا الكلام اليه.

‘وهو يعرف تماما كما يعرف الكثيرون أنه في اللحظة التي تعود الشرعية فيها للشعب يسقط النظام. يعني بالنتيجة هو يلتقي مع خطاب الشارع الثائر دون أن يستخدم ‘نفس اللغة.

وفي الآخر أعتقد أننا كسوريين، ليس مهما من يحكمنا بل كيف يحكمنا..

فلا قتل الناطور يعنينا، إنما عنب سورية الذي يمكن أن يكون زبيبا للمؤمنين، ونبيذا للملحدين ودبسا للجميع.

كاتب من سورية ‘

 

أدونيس الذي لم نكن نعرفه

فراس قصاص

في رسالة مفتوحة وجهها إلى الرئيس السوري بشار الأسد، من خلال جريدة السفير بتاريخ 14/06/2011، سجل الشاعر السوري أدونيس موقفه من التظاهرات السورية التي انطلقت في الخامس عشر من اذار الماضي على نحو أوضح مما فعله في مناسبات سابقة، ومن المؤسف أن وضوحها حددها بما لم يرق إلى ما هو منتظر من أدونيس، الرائد الحداثي والعاشق النهم للحرية في كل تجلياتها وأبعادها. الصيغة الانسب لحل الازمة في سوريا، التي شكلها ودافع عنها أدونيس في رسالته لم تنزع عن الرئيس السوري شرعيته رغم القمع والقتل الذي وصل حد المجازر، كما لم تدعم المتظاهرين على النحو الحاسم والمطلوب رغم السمة السلمية الغالبة على مطالبهم بالحرية وإنهاء الاستبداد، لقد وصل ما أثاره ذلك، إضافة إلى مغالطات وتوصيفات خاطئة متعلقة بالشأن السوري والازمة الحاصلة في البلاد، بالبعض درجة تشكك إما في مستوى صلته وكفاءة مقاربته للواقع السوري، أو في صلابة وعي أدونيس بالحرية، قضيته وقضية بلاده الاساسية.

بالعودة إلى رسالة أدونيس المفتوحة التي وجهها إلى الرئيس السوري واتفاقا في ما ذهب إليه فيها، لا أحد يشك بأن الطريق الى الديموقراطية طويل وصعب، وأن مجرد هزيمة الاستبداد وسقوط النظام السوري لا تعني تحقيق الديموقراطية، خصوصا لو كانت ديموقراطية بالمعنى الواسع، وليست مجرد كونها انتخابات وصناديق اقتراع، لكن في خلاف بين معه (حين علق الآمال على الرئيس السوري للقيام بإصلاحات ديموقراطية)، رحلة الوصول إلى الديموقراطية العقلانية لا تبدأ إلا حين ينهزم الاستبداد، بوجود الديكتاتور وبقائه فاعلا يظل المسار المنتج لها مسدوداً ومقطوعاً. يبقى الديكتاتور، بتعطيله السياسة والحراك المدني والنقاشات العامة، معطلا لجدلية صراع الافكار الاجتماعي الذي يضمن سيرورة المجتمع وأفكاره وقيمه نحو الامام، لم يشهد التاريخ ديكتاتوراً، استطاع أن يقود مسيرة نحو الحرية وتحقيق الديموقراطية لشعبه، هذا ممتنع تماما. وإذا كان أمر يشير الى بعض التناقض أن من ينادي بالديموقراطية من المعارضة والمتظاهرين وهو غير ديموقراطي، كما يقرر أدونيس في الرسالة، فأن يقود التحول الى الديموقراطية ويدشن الطريق اليها كما أراد في ذات الرسالة من الرئيس بشار الأسد، وهو شخص غير ديموقراطي، ويحتل في الواقع غير الديموقراطي مكانة المستبد المتحكم بمفاصل الحياة والامور، فذلك أمر يدلل على تناقض أكبر بما لا يقاس مع التناقض الاول، فإذا كان الاول ينادي بالديموقراطية ويلوذ بها لأجل تغيير واقعه ومن أجل أن ترفع عنه أعباء الاستبداد والقهر وله في ذلك مصلحة كبيرة تجعله يعمل من أجل تحقيقها وبذل أغلى ما لديه، لا يملك الآخر أي مبرر يدعوه الى قيادة الطريق الى الديموقراطية والنجاح في ذلك.

المعارضة السورية التي تناولها أدونيس في رسالته، كانت موضوعاً برز فيه انقطاعه عن معرفة السياسي في مجتمعه وابتعاده عنه، وعن الحراك المعارض الذي أقر بضرورته، والذي استمر بصعوبة ومثابرة وعناد رغم كل الحرب التي شنتها أجهزة الأمن السورية عليه في العقود السابقة، حراك لم يكتفِ بكونه أصواتاً أبداً، لقد أنتجت المعارضة السورية برامج واضحة ووثائق سياسية لسوريا المستقبل، للديموقراطية والاعتراف بالآخر السياسي والثقافي والديني والاثني، أعلت فيها من شأن الحريات العامة وحمايتها، وأقرت فيها مبدأ التداول السلمي للسلطة وفصل السلطات، منها على سبيل المثال لا الحصر وثيقة اعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي التي وقع عليها طيف واسع من المعارضة السورية.

لكن الانقطاع لأدونيس عما يمور بمجتمعه، خصوصاً في وجهه السياسي، بدا جلياً أكثر حين تحدث عن الازمة السياسية الحاصلة في بلاده وأرجع جلها سياسياً إلى حزب البعث الحاكم.

يبدو أن غربة أدونيس الجسدية عن سوريا وموقفه الجوهري من استعصاء الواقع السياسي عبر قراءته له في جذره الثقافي حالا دونه وتحليل المشهد السياسي السوري في مستواه المباشر، فامتنعت عليه حقيقة تقدم نفسها من دون قناع، أن حزب البعث منذ أوائل الثمانينيات بات مجرد ديكور غير متقن لاستحواذ الرئيس الراحل حافظ الأسد بشكل مطلق على السلطة وبعدها لإحكام عائلة بعينها على الحكم في البلاد من دون الحزب وأجهزته ومن دون الشعب بكل تأكيد. حزب البعث العربي الاشتراكي ليس أكثر فعلا في شؤون إدارة البلاد والتأثير فيها من مجلس الشـعب الهزيل، إضافة إلى الجبهة الوطنية التقدمية، تكتمل العدة التجميلية والتمويهية لصفة المؤسساتية والتعددية التي يدّعيها نظام الرئيس بشار الأسد لنفسه في سوريا.

أما النقطة الحاسمة التي ذهبت برسالة أدونيس التي وجهها إلى الرئيس السوري بشار الأسد إلى حد التهافت المدهش، فهي في مخاطبته إياه بوصفه رئيساً منتخباً!، لقد وصلت درجة غيابه عن سوريا والشأن السوري هذا الحد الذي لا يعرف فيه أن يميز بين شروط الانتخابات الديموقراطية وبين الآلية الانتخابية الشكلية التي تحدث في سوريا ويجري من خلالها تعيين رئيس للجمهورية وتفتقد الحد الأدنى من السمة الديموقراطية، إذ لا آلية يتيحها الدستور الذي وضعه الرئيس الراحل حافظ الأسد تسمح بانتخابات رئاسية تضم أكثر من مرشح، القيادة القطرية لحزب البعث، التي يستولي على قرارها الرئيس بشار الأسد ومتنفذون أساسيون من عائلته يشكلون معه دائرة صنع قرار أولى في سوريا، هي التي ترشح الرئيس وتقترحه على مجلس الشعب الخاضع بدوره إلى سيطرة النظام والمنتقى بعناية على قاعدة الولاء له، ثم بعد ذلك يتم الاستفتاء الشكلي غير الخاضع الى رقابة جهات مستقلة ويتم تحت سطوة الأمن وترويعه، وذلك بالتأكيد ليس من الانتخابات الديموقراطية في شيء.

لقد كان من الاولى بمستنير كبير من طراز أدونيس أن يدعم ومن دون تحفظ التمرد السوري ذا الطابع الثوري على الاستبداد في سوريا لا أن يشكك به.

لعل الشاعر السوري الكبير الذي انتهك المألوف في اللغة وصنع عالماً شعرياً جديداً في لغتنا العربية وحارب من أجل الحرية بالمعنى العميق والفلسفي طويلاً لم يكن موفقاً، رغم نبوغه الشعري والفكري، في استجلاء الموقف المناسب من قضية الحرية في بلاده، بل لعله جانب الصواب وابتعد عنه، كأننا لسنا أمام أدونيس الذي كنا نظن، أو كأننا لم نكن نعرفه.

([) كاتب وناشط سوري ـ برلين

 

تفكيك أدونيس ومن هم على شاكلته

سلمان مصالحة

أوّلاً لا بدّ من الاعتراف:

في الماضي، وعلى وجه التحديد في سنة 1995 كتبت مدافعًا عن أدونيس. لقد حدث ذلك عندما اجتمع ما يسمّى بـ“الاتحاد العام للأدباء العرب“، الّذي حوّل نفسه محكمة تأديبيّة، وأقدم على طرد أدونيس من بين صفوفه. ولقد عبّرت عن موقفي ذلك منشورًا في العدد الأوّل من مجلّة ”مشارف“ الحيفاوية.

أبدأ بهذا الكلام الآن لكي لا أُتّهم بأنّي أكنّ سوءًا لأدونيس لغرض في نفس سلمان. ولا بدّ من التأكيد هنا أنّي لست نادمًا على موقفي في ذلك الأوان. أقول ذلك، لأنّ ما يسمّى باتحادات كتّاب عرب، هنا أو هناك، لم يكن لديها همٌّ في يوم من الأيّام سوى التقرّب من الحكّام والفوز ببعض فتات سلطات العربان المستبدّة.

ولكن، ومن جهة أخرى،

وبعد مرور عشر سنوات، وعلى أثر التوريث البعثي للسلطة في سورية، وما أعقبه بعدئذ من زجّ بمفكّرين ومثقّفين في غياهب السجون السوريّة بتهم باطلة لا يستطيع من يمتلك ذرّة من بصر أو بصيرة قبولها، فقد نوّهت بالصمت الّذي يلفّ بعض المفكّرين السوريّين إزاء ما يحدث في السام.  وقد نوّهت وأشرت إلى الغياب المدوّي لأدونيس إزاء ما يحدث في بلده.

وأقتبس هنا من تلك المقالة ما يلي: ”ولمّا كان أحد تلك الأصوات الغائبة عن السّاحة ناقدًا تراثيًّا ومفكّكًا لغويًّا إضافة إلى كونه شاعرًا لا بأس به، فهو مطالب الآن وعلى الملأ بأن يشرح لمواطنيه السّوريّين المغلوب على أمرهم معنى مصطلح “إضعاف الشّعور القومي”، أو معنى كلام الاتّهام الّذي يقول: “نشر أنباء… من شأنها أن توهن نفسيّة الأمّة”.

وها أنا أتذكّر الآن تلك الحادثة

الّتي حصلت في اليمن قبل سنوات، لما فيها من علامات تشهد على هذا الصنف من الكتّاب العرب الذين يتقرّبون من السلاطين ويتملّقونهم. لقد حدث ذلك في اليمن ”التعيس“ برئيسه وبنظامه.

فها هو الكاتب فخري صالح، في مقالة نشرت أخيرًا، يستعيد ذكريات ذلك اللقاء: ”كانت المناسبة حوارًا ثقافيا عربيا ألمانيا. دعا اليمنيون الروائي والشاعر الألماني غونتر غراس… وكتابا من ألمانيا وناطقين بالألمانية من النمسا وسويسرا. كما دعوا في المقابل مثقفين وكتابًا عربًا أتذكر منهم: محمود درويش، وأدونيس، وعباس بيضون، وصبحي حديدي، وعبده وازن، وأمل الجبوري، وكاتب هذه السطور…“

ويواصل فخري صالح سرد تلك الحادثة: ”لا أدري من من المقربين من الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أقنعه أن يدعو المشاركين إلى بيته… كأنّ الرئيس أراد أن يرد على ما دار داخل القاعة من حديث عن قمع الحريات في العالم العربي، واضططهاد الكتاب والصحفيين في اليمن. أجلس الرئيس غونتر غراس عن يمينه ومحمود درويش عن يساره، وبعد كلمة قصيرة ركيكة قال الرئيس إنه يريد أن يمنح وسام الاستحقاق اليمني للأديب الألماني غونتر غراس. لكن غراس وقف وقال: إنه لا يستطيع قبول الوسام ما لم يعلن الرئيس عن توقف ملاحقة الكاتب اليمني الشاب وجدي الأهدل… طالب غراس بإبطال الحكم الذي ينتهك حرية التعبير وإلا فإنه يعتذر عن قبول الوسام.“

ويمضي فخري صالح في فضح الحادثة: ”فوجئ الرئيس الذي لا يتوقع أن يرفض له أحد طلبًا وقال: إن وجدي الأهدل حكم عليه بالسجن لأنه كتب أشياء تنتهك الأعراف. غضب غراس واستوقف الرئيس قائلا: إن هذا الكلام يؤذيه شخصيًّا لأنه سبق واتّهم بهذه التهمة قبل حوالي خمسين عامًا في ألمانيا، وهو يصر على رفض الوسام. تلعثم الرئيس، مستجديًا الكاتب الأجنبي أن يقبل الوسام …“.

وهكذا نرى كيف قام غونتر غراس،

هذا الكاتب القادم من ألمانيا، بتقزيم كلّ هؤلاء الكتّاب والشعراء العرب في هذا المشهد. فقد كان الأولى بكلّ هؤلاء الكتّاب العرب، وبهم بالذات، أن يقفوا ويرفعوا صوتهم أمام الرئيس اليمني في هذه القضيّة. غير أنّهم لاذوا بالصّمت كما عوّدونا دائمًا، متملّقين في  سلوكيّاتهم سلاطين وحكّام العربان.

لا يشذّ أدونيس عن هذه القاعدة،

وعلى ما يبدو فهذه هي حقيقته التي لا يستطيع إخفاءها مهما حاول الاختباء وراء كلام فضفاض يحتمل التأويل على وجوه كثيرة. فها هو ينشر أخيرًا كلامًا أقلّ ما يقال عنه إنّه كلام استجداء للطاغية، طاغية الشام في هذا الأوان.

لا يستطيع القارئ أن يعثر في رسالة أدونيس الاستجدائيّة هذه على أيّ صيغة تشفع له أمام هول ما يجري في الشّام. كما ليس في رسالته أيّ موقف أخلاقي ممّا تعرضه الشاشات، وما يتسرّب إلى اليوتيوب من صور المجازر التي يرتكبها هذا النّظام البعثي الفاشي.

ليشاهد أدونيس في هذا الأوان صور التمثيل بأجساد الأطفال السوريّين. ليشاهد أدونيس صور جنود البعث يرقصون فوق أجساد المواطنين، فربّما يكون لديه ما يقول في هذه المشاهد التي هي خير دليل على طبيعة هذا النّظام.  والنّظام في هذا البلد يبدأ بالرأس، وليس من مكان آخر. كذا كان منذ البدء، ولا يمكن أن يكون رأس النّظام إلاّ غارقًا في كلّ هذه المشاهد. ولهذا فإنّ كلام أدونيس الاستجدائي الذي نشره أخيرًا هو كلام باهت يفضح أدونيس نفسه، وربّما كان الأولى به أن يصمت بدل أن يكتب رسالة ذليلة كهذه.

في الحقيقة، لقد صمت أدونيس

على كلّ هذه المآسي من زمان، مثلما صمت غيره ممّن كان المفترض أن يرفعوا أصواتهم في هذا الفضاء العربي الاستبدادي. ولقد نوّهت في الماضي إلى صمت أدونيس، بما يلي: ”إنّ صمته إزاء الجرائم الّتي يرتكبها النّظام القبلي القمعي في وطنه الأمّ كافٍ لكي يتمّ شطب اسمه من قائمة المرشّحين لهذه الجائزة أصلاً. إذ أنّه، وبصمته الصّارخ هذا، يندرج في عداد جوقة الهاربين من المواجهات الأخلاقيّة، ويندرج في عداد المندسّين في بطانات المطبّلين المزمّرين للسّلاطين.“

هذه هي حقيقة أدونيس ومن هم على شاكلته، وليست أيّ شيء آخر.

والعقل ولي التوفيق!

ايلاف

 

خوف أدونيس

ساطع نور الدين

سقط ادونيس في الفخ. رسالته المنشورة في «السفير» الثلاثاء الماضي، والموجهة الى الرئيس السوري بشار الاسد، الذي أكد الشاعر والمفكر الكبير في مجلس خاص انه لا يعرفه ولم يلتقه يوما في حياته، جعلت هذا اللقاء ممكنا، بل حققته بالقول لا بالفعل.. برغم انه ليس مقصودا ولا مرغوبا من الرجلين، لأنه بات متأخرا جدا عليهما معا، ولم يعد يجدي نفعا في إزالة حاجز متوهم هو الحزب البعثي، ولا في استعادة عصبية وطنية سورية تبحث اليوم عن هويتها.

في التاريخ العربي ثابت رئيسي لا يمكن أيَّ شاعر أو مثقف بمنزلة ادونيس أن يجهله، وهو ان أي تقرب من الحاكم أو تقارب معه، هو سقوط في المبتدأ قبل أن يكون سقوطا في الجوهر. فالسلطة، مستبدة كانت ام عادلة، قاتلة لكل الناس ومدمرة لكل النفوس، لكنها كانت وستبقى نقيض الشعر والفكر الذي يخسر صفته وقيمته عندما ينضم الى قوافل المغنين والراقصين في سهرات البلاط.

ولكي لا يساء الفهم، فإن ادونيس ليس طالب سلطة أو نفوذ، ولم يبق من العمر ما يسمح بغير سلطان الفكرة، وهي كانت وستظل حاضرة مهما تقلب الشاعر في التعبير عن وجع وطني لا يمكن ان يختصر برسالة الى الرئيس، لم يسبق لها مثيل في تاريخه الشخصي الذي وضعه في مصاف النخبة العالمية المتميزة، ورشحه أكثر من مرة لينال التكريم الادبي والانساني الارفع بينهم. خان ادونيس نفسه، وذاك الرصيد، عندما كتب الى حاكم يشك كثيرون في انه يقرأ له ويمكن أن يستمع اليه..

لم يكن ادونيس يطلب شيئا لنفسه. ولم يكتب الى الرئيس وحده. سبق ان كتب في الزميلة «الحياة» الكثير من الرسائل المتحفظة الى الجمهور السوري الذي يتحرك اليوم ضد النظام. قال له بصريح العبارة انه ليس معه ولن يكون مع أي ثورة تخرج من الجامع، وترفع شعارا دينيا.. مع ان الوقائع والشهادات والصور، لا تقيم أي رابط بين صلاة الجمعة والتظاهرات التي تعقبها، سوى الحاجة الى مكان التقاء، بعدما أقفل الحزب والنادي والجمعية وحتى الصالون، ولم يبق سوى المساجد التي كانت العامة تفترض أنها تتمتع بحصانة معنوية فإذا هي بلا أي سقف أو جدار، وحتى بلا أي شيخ يقود المتظاهرين ويرفع الشعار القاتل، بأن الاسلام هو الحل.

الكتابة الى الرئيس بالذات، كانت هدرا مهدورا. لا يحق لأدونيس ان ينزل فجأة، وبدافع الخوف الشخصي، من علياء الشعر والفكر لكي ينخرط في السياسة على هذا النحو البائس، وينجرف بالموجة التي تفترض أن الاصلاح ممكن من داخل النظام، وان التضحية بالحزب لا تزال صالحة، أو جائزة. وهو ما ينكره الواقع، قبل أن ينفيه النظام نفسه، وتهزأ به العامة التي تحرق اليوم مقارّه ورموزه وتحطم أصنامه.

لم تكن الرسالة أفضل إبداعات ادونيس. ولن تضاف الى أعماله الكاملة.

السفير

 

تحذيرات أدونيسية

اسكندر حبش

لا تصدقوا الأمثال دوماً، على الرغم ممّا قيل لنا بأنها تعبّر عن خبرة حيوات عديدة وأزمنة كثيرة. تعرفون جميعاً، المثل الفرنسي القائل «أن يأتي متأخراً خير من لا يأتي أبداً»، بيد أني أجد، في هذه اللحظة بالذات، بأن من «الخير أن لا يأتي بتاتاً في العديد من الأحيان». لا تصدقوا الأمثال لأنها ليست دائماً على صواب، إذ ثمة فكرة بسيطة، راودتني وأنا اقرأ رسالة الشاعر أدونيس إلى الرئيس السوري، التي نشرت في «السفير»، إذ أنها على الأقل تأخرت لعقود شتى عن موعدها الفعلي، وكان من المفيد تجنبها، وعدم كتابتها أصلاً، لأنها – في واقع الأمر – تأتي من سياق، لا علاقة له أبداً، بما يحصل، لا في سوريا ولا في العديد من الشوارع العربية الأخرى.

لن أجادل في هذه الزاوية قيمة أدونيس ولا تاريخ حياته وفكره وأعماله، ولكن أسأل فعلاً، عن هذه الثقافة، حين تشطّ في قراءتها لتبتعد عن قراءة الواقع الفعلي، ولتحاول أن تقنعنا بأن الأزمة الكبرى التي نعرفها ليست سوى في الدين، متناسية كلّ التواريخ والأحداث الأخرى، ولتحاول إخافتنا بهذا «الوحش» الإسلامي الذي يتربّص بنا.

لست «إسلامياً» ولا «أصولياً»، وبالتأكيد لن أتعايش مع أيّ نظام «سلفي»، ولست متديناً إن أحببتم، لكن أن نحمّل هذه الفئة جميع مشكلات مجتمعاتنا، ففي الأمر تجنّ واضح، لا على الدين، بل على الثقافة. لماذا نتناسى، أن مشكلة الشارع العربي اليوم هي مع أنظمة ادعت الوحدة والاشتراكية و«علمانية» ما، (أي بالمعنى غير الضيق للكلمة)، وأن كلّ هذه الأنظمة «الوطنية» و«القومية» لم تقدنا سوى إلى التخلف على جميع الأصعدة، وإن كانت هناك اليوم حركات إسلامية تنوي قلب النظم، فهي لم تأت من فراغ، لأنها ليست سوى نتيجة لهذا «العصف التقدمي» الذي اجتاحنا منذ الخمسينيات، أيّ منذ نشوء حركات التحرر الوطني.

بهذا المعنى – أو بهذا التحذير الذي بشرنا به أدونيس بأن «الدين» المتطرف هو الذي سيسود – أين تختلف تحذيرات أدونيس عن تحذيرات العقيد معمر؟ أين تختلف، حين تصبح مثلها مثل أي حديث عادي، على الرغم من أنها مكتوبة بلغة شاعر؟

من هنا، ليست سوى رسالة متأخرة عن موعدها، أي كان من المفترض به تحذير الحزب الحاكم مما حذره منه، منذ عقود، وبخاصة حين كان الشاعر «الرائي» والمثقف «الثائر» والمختلف. ولا بأس من طرح سؤال عابر: «أين الاختلاف والثورة، عنده، حين لم نجده في أي يوم، يسمي اسم رئيس واحد، قبل هذه الرسالة».

أجمل ما في الثقافة أنها قابلة للسقوط أيضاً. هي ثقافة كاملة تسقط اليوم، بينما تسيل الدماء في الشوارع. ومن يدفع بها لأن تصبح أنهاراً، ليس الدين، بل جزء من هذه الثقافة العربية «التقدمية» بكونها صادرة عن أحزاب اشتراكية وعربية.

السفير

 

تعقيباً على خطاب أدونيس المفتوح إلى الأسد

بقلم سامر أبو هواش

السيد المثقف مخاطباً السيد الرئيس

لوحة لأمين الباشا. بين المآخذ الكثيرة على الرئيس بشار الأسد، حينما أطلّ للمرة الأولى في مجلس الشعب السوري، ليعلّق على الأحداث الدموية التي كانت لا تزال رقعتها محصورة بدرعا، قبل أن تمتد إلى باقي الجغرافيا السورية، ابتسامته العريضة التي عدّها كثيرون جزءاً من الخطاب نفسه. فقد أرادت هذه الابتسامة أن توصل رسائل لا تقلّ دلالة عن الرسائل الأخرى التي تضمّنها الخطاب نفسه، ومنها “الثقة بالنفس”، “الارتياح”، “التحكم”، والأهم من ذلك كلّه أن ما جرى ويجري لم يؤثّر في معنويات “الحكم” والنظام. بذلك، فإن هذه الابتسامة نفت بصورة آلية ما جهد كثيراً الخطاب ليعترف به مواربةً، وهو وجود أزمة حقيقية تستوجب القلق والتفكّر إن لم نقل الحزن والغضب الشديدين، إذا أخذنا في الاعتبار الثمن البشري الباهظ لهذه الأزمة.  الشكل مهمّ إذاً، وليس محض تفصيل عابر.

شكلاً، تشبه رسالة أدونيس (“السفير”، 14/ 6/ 2011) المفتوحة إلى “السيد الرئيس” ابتسامة السيد الرئيس نفسه. فهي، شأن ابتسامته وخطابه، باردة، متعالية، متثاقفة، والأهم من ذلك كله متأخرة جداً. لا أعرف حقاً لماذا اختار أدونيس، إذ قرّر أن يتكلم ويعلّق، أن يوجّه خطابه إلى السيد الرئيس، متعالياً في ذلك على الشعب السوري نفسه، وقافزاً بكل بساطة فوق الواقع والزمن والأحداث، وكأن هذه الرسالة كُتبت عشية الانتفاضة السورية أو حتى قبل انطلاقها، لا بعد أشهر من انطلاقتها، شهدت سقوط مئات الضحايا من المدنيين، الذين كانوا يستحقون كلمة تعاطف واحدة من “السيد المثقف”، ولو ارتدى خطابه رداء العقلانية والحكمة واتخذ طابع وضع “خريطة الطريق”، التي لا أحسب أن السيد الرئيس كان مفتقداً لها ومتشوقاً إليها ولا مناوئيه كذلك.

أجل، يتوقع المرء من أحد كبار المثقفين العرب أن يتخذ موقفاً واضحاً، لا أن يتخذ لنفسه موقعاً زعاماتياً، مخاطباً بوعي أو من دون وعي، إنما بنرجسية مطلقة، مَن يحسب أنه يساويه شأناً وقامة، أي السيد الرئيس، ومَن في يده الحل والربط والقرار. فإذا صدق ظنّ أدونيس وكان السيد الرئيس هو صاحب القرار حقاً، أفلا يُسأل، بوضوح ودونما مواربة، عن الألف وثلاثمئة ضحية، والعشرة آلاف معتقل سياسي، والسبعة آلاف مهجّر، قبل مناشدته بأن يقود بنفسه الإصلاح والتغيير؟ كأن أدونيس في رسالته هذه قد حوّل نفسه من مثقف وشاعر إلى سفير لإحدى الدول الكبرى، عليه مراعاة كلماته، وسكبها في جرعات محسوبة، لأن الصورة – صورة الخاسر والرابح في المعركة الحالية – غير واضحة المعالم بعد. أو ربما كان يتصرف كزعيم سياسي يدرك أن كل كلمة يقولها سيكون لها أثرها في الشارع. تالياً، وتجنباً للعواقب المريرة التي تترتّب على كلماته، فإنه يحرص على اختيار هذه الكلمات جيداً. ولا أعني بالكلمات المفردات فحسب، بل إيقاع الخطاب ونَفَسه ومؤداه.

يدعو أدونيس في “أطروحته” إلى الفصل الكامل بين ما هو ديني وما هو سياسي واجتماعي وثقافي، منطلقاً في دعواه هذه من أن النظام قد تحول شبه مؤسسة دينية، تالياً لن يكون وصول إلى الديموقراطية من دون هذا الفصل، وهي الديموقراطية التي يذكّرنا أدونيس بأن العرب لم يعرفوها لا في ماضيهم ولا حاضرهم (نسأل هنا متى عرف الكثير من البلدان الغربية الديموقراطية كنظام سياسي فاعل، وهل هذه الديموقراطية متجذرة حقاً في التاريخ الأوروبي السياسي؟)، وبأن سوريا بعد سقوط النظام لن تصبح ديموقراطية بصورة فورية. ألا يستدعي مثل هذا الفصل، أن يتخلى أدونيس نفسه عن مخاطبة السيد الرئيس على أنه ولّي الأمر الذي، كما قلنا، في يده الحل والربط، والذي يكفي أن يتخذ قراراً شجاعاً وأخلاقياً “خصوصاً بوصفك رئيساً منتخباً”، حتى تجد سوريا الخلاص وتضع قدميها على أول طريق الديموقراطية. لا، أيها السيد المثقف، الحلّ لم يكن يوماً ولن يكون في يد من بات – لا كشخص فحسب بل أيضاً بما يمثله وبالمصالح التي يقف على رأسها – جزءاً أساسياً من المشكلة.

يقسم “السيد المثقف” المحتجين أو “المعارضة” قسمين: “الأصوات” (وهم الكتاب والفنانون ومن شابههم) وهؤلاء لا تأثير لهم في الأحداث الجارية على الأرض، و”الأعمال” مصنّفاً إياها كالآتي: “تظاهرات، اصطدامات، محرّضون، رافعو رايات وشعارات، قتلى، ومقاتلون”. لكنه في ذلك كله لا يقول مَن هم هؤلاء حقاً. لا يقول ببساطة إنهم الشعب السوري نفسه أو على الأقل قطاعات مهمة من هذا الشعب، بل يكاد يوحي بما يوحي به النظام نفسه بأن ثمة مواجهة بين طرفين، وبأن الطرف الآخر المعارض “يقاتل” الطرف الأول، أي النظام، ولا يتظاهر سلمياً، ويقتل بكل دم بارد، فاستحق إذاً القتال. يشعر المرء بأن الكلمة التي تردّدت على طرف لسان أدونيس هي “الغوغاء”، لكنه لم يستخدمها حياءً ربما، وربما حذراً، مغفلاً أن من بين المحتجين مثقفين وأدباء علمانيين وناشطين حقوقيين من الجنسين يدفعون ثمن احتجاجاتهم غالياً، وعدد كبير منهم لا يزال قابعاً في سجون السلطة بسبب المواقف التي أبداها منذ اللحظات الأولى للصراع، وأحياناً قبلها بكثير.

لا خلاف على الكثير من الأفكار التي يطرحها أدونيس حول سوريا والعلاقة بين الحزب والمجتمع وبين الديني والدنيوي والمساواة والديموقراطية… إلخ، لكن هذه الأفكار تبقى عامة، تنطبق على معظم المجتمعات والنظم العربية، أو العالم ثالثية. وينطبق على هذه الرسالة ما ينطبق على خطاب السيد الرئيس نفسه: لو أنه قيل قبل سنوات أو حتى قبل أشهر من وقوع الأحداث، لكان له معنى وتأثير، أما اليوم وبعدما سال الدم في الشوارع، وفي جوّ وخطاب سياسي ودعائي لا يوحي إلا بالمزيد من الفوضى والدماء، فإن المطلوب – ما دام المثقف لا يغيّر في واقع الأمر شيئاً – ما يطلبه أدونيس من “قادة حزب البعث” من “أن تكون لهم الجرأة الأخلاقية والتاريخية”، وتسمية القتلة، كما المقتولين، بأسمائهم، لا الوقوف على شرفة شاهقة العلو والقيام بالتوصيفات وإبداء النصح وإسداء “التمنيات الصادقة… لسوريا وشعبها، ولك أيها السيد الرئيس…”.

السفير

الأدونيسية 1

يحيى جابر

الأدونيسية هي أن تكون مهذّبا ومتواضعا كرجل أمن يقدم لك سيجارة بعد التعذيب

الأدونيسية أن تتقنع خلف إسم خرافي وتغض الطرف عن شعب إسطوري يواجه الخنازير أعزلا ووحيدا والبلاد كلها شقائق نعمان .

الأدونيسية أن تمدح صعاليك التراث وتهجو صعاليك الحاضر في القصيدة والحياة ..ولاتنتبه لشباب يمنحون أعمارهم كأرزاق يهبون أرواحهم ضد قطاع الطرق بالدبابات..

الأدونيسية أن تشتم العروبة وتمدح برج العرب كلسان العرب الجديد ..وتسكت عن الألسن الممنوعة والمقطوعة

الأدوتيسية التقافية كما السياسية ..حداثة القنابل الصوتية والدخانية كعلمانية بلا ديموقرطية حيث الإستبداد الشعريك كما السياسي   لايعترف بتعدد الأصوات ولا بالخارجين عن النظام الشعري الفاسد إنها البلطجة المقنعة والتشبيح بالمفاهيم والتلاعب بالمفردات كأنها إصلاحات وهمية.

الأدونيسية أن تمدح فلسطين مثلا  وتشتم شاعرها كمحمود درويش بعد موته طبعا ..ولاتجروء على الوضوح في حياته لإنك شبق بالغموض الغامض كالأشباح والشبيحة ..

والأدونيسية الثقاقية كما السياسية تأنف من رائحة كريهة كالأصولية والسلفية ..ولاتنتبه أن هذه الروائح تنبعث من عفونتكم  كأنظمة في اللغة الشعرية والسياسية ضربها الإهتراء ويتم تجديدها بالتهذيب الثعلبي.

 

 

تعقيب على رسالة أدونيس.. «عن أمل لا شفاء منه»

عباس بيضون

كان ينبغي أن تكون لأدونيس كلمة. انه أكبر مثقف سوري حي وعليه واجب الشهادة على الأقل فيما بلاده تغرق وتتداعى. لكن شهادة أدونيس، ولنسمها وساطته تأخرت كثيراً عن الأحداث حتى باتت متخلفة عنها وتأخرت بوجه خاص عن مراسَلِها الرئيس السوري الذي منذ ذلك الحين اختار الطريق الذي لا عودة عنه. لقد صار وسط النهر ولم يعد أمامه إلا ان يتقدم فيه إلى الامام. وليست مناشدته الرجوع او التحول سوى ضرب من التنكر للواقع والغياب عنه. وساطة أدونيس إذا في غير وقتها. غير ان التأخر ليس مجرد خطأ في الحساب. انه تقريباً موقف. إذ ان أمل أدونيس في الرئيس وفي النظام ليس مرهوناً بوقت ولا بظرف ولا بمرحلة، انه أمل دائم، فأدونيس لا يزال ينتظر الحل من الرئيس ونظامه، ومهما كان مسار الأحداث وتطوراتها فإنه لا يتوب عن هذا الأمل. وإذا كان جواب النظام على رسالة أدونيس قائما في سلسلة أحداث لا تدحض فإن أدونيس المرتاع يزداد إصراراً على ان ينتظر ويزيده الهول اصراراً. الجواب بالنسبة له من فوق وكلما اشتدت الضائقة وأزداد إلحاح الظرف كلما استعجل صدوره من فوق وكلما زاده ذلك ايماناً بأن لا حل إلا من هنا، لا يثنيه عن ذلك ان النظام اختار وانه سار قدما في اختياره. اختار ما سماه أدونيس الطريق «العنفي الأمني» وسار شوطاً فيه.

أمل أدونيس في النظام مأزقي. ليس من ثقة في النظام ولا هو تزكية له، فرسالة أدونيس إلى الرئيس ان انتظمها شيء فهو هذه الخيبة في النظام «القومي العلماني» الذي تنكر لمبادئه ولأسسه واستحال «رجعياً ودينياً» وحمل بالتالي «بذرة سقوطه». يمنح أدونيس النظام والرئيس املا مجانياً لا يجتهد ليجد حجة واحدة على إمكانه. غير ان منطق رسالة أدونيس هو ان «الأمل» في النظام غير المبرر هو الجواب البديهي عن اليأس من المعارضة. إذا اتهم أدونيس حزب البعث بأنه استحال رجعياً ودينياً فلأنه، بحسب أدونيس، تدهور إلى حالة معارضيه. لا يشك أدونيس ولو انه يضمن ذلك ثنايا السطور في أن معارضة النظام سلفية دينية عشائرية طائفية، فمأساة الحزب هي في ان خصومه يحاربونه «هو الوحدوي العلماني في الأصل» تحت رايات بينها راية الطائفية او جمعة العشائر…». لا يشك أدونيس في ان الحزب في أسوأ ما يتردى إليه يغدو شبيهاً بمعارضيه، ذلك يعني أن المعارضة ليست فقط من جنس خصمها وليست فقط شبيهة به تشاركه في «انهيار سوريا وتشويه صورتها الحضارية بوحل «الطائفية» و«العشائرية» و«المذهبية» ووحل التدخل الخارجي ووحل التعذيب والقتل والتمثيل بجثث القتلى»، أما الشبه البعيد بين الحزب ومعارضته فناتج عن ان الحزب انقلب على نفسه وتنكر لمبادئه، أما المعارضة فلم تنقلب على نفسها ولم تتنكر لمبادئها. انها هكذا في الأصل وهذه هي مبادؤها. وهذه هي، لا تملك المعارضة وعياً شقيا ولا أزمة ضميرية كما يملك النظام وحزبه. فهذا هو وعيها وهذا هو ضميرها. أمل أدونيس في الرئيس وفي النظام ليس من لا شيء. ان له مرجعاً في ماضي الحزب وأصله وضميره الداخلي. وليس للمعارضة بالطبع شيء من ذلك فلا أمل فيها البتة. انها تنسجم مع نفسها حين تكون عشائرية طائفية. ألسنا نشعر هنا بأن أدونيس يلقي بتبعة تردي الحزب على عاتق المعارضة. ألسنا نرى ان انحرافه إلى الرجعية والدين والعشائرية وربما القتل كان تحت ضغط المعارضة التي اضطرته إلى محاكاتها. المعارضة نعم، فخطأ السلطات اليوم كما يقرر أدونيس انها «تبنت السياق التقليدي القديم وأكدت منطقه وأساليبه». اما هذا السياق التقليدي القديم، أي السابق على البعث، فهو بدون شك حال المجتمع ما قبل البعث، المجتمع الذي تتمرغ فيه المعارضة اليوم. المعارضة إذن هي ناتج العلاقات التقليدية التي تردى إليها الحزب الحاكم، يمكن القول إذن إن للنظام (وأدونيس في رسالته يفضل ان يتهم الحزب) أفضليه على المعارضة فهو ليس مثلها ناتج العلاقات التقليدية لكنه تردى إليها تحت ضغط ظروف قاهرة، أما المعارضة فهي بنت ووريثة هذه العلاقات وليس لها في هذا المجال سابقة اختلاف تتذكرها ولا أصل آخر تعود إليه ولا ماض يضغط على ضميرها وعلى وعيها. للحزب، بحسب أدونيس، بدون شك سابقة من هذا النوع يجوز تذكيره بها ومناشدته العودة إليها. هذا بالتأكيد ما يبرر وساطة أدونيس او رسالته إلى الرئيس التي لم تكن لولا انه يعوّل على الرئيس ويأمل فيه. هذا ما يفسر عودة أدونيس إلى طفولة الحزب و«براءته» الاولى رغم ان بينه وبين هذه البداية أكثر من نصف قرن حافل بالتقلبات والانقلابات على النفس وعلى الأصل وعلى البدايات. انه نصف قرن لا ينفع التذكير به في اعادة الروح إلى الحزب او النظام لكنه يقيم فاصلاً خيالياً بين النظام والمعارضة لمصلحة النظام وقيادته. أي ان الفارق هنا هو بين نسب النظام ونسب المعارضة، فنسب النظام خير من نسب المعارضة ولنا أمل في هذا النسب في حين ان نسب المعارضة صريح في تخلفه وفي تقليديته وفي رجعيته وفي سلفيته. انه حكم مبرم على المعارضة ليس له ما يماثله في الحكم على النظام الذي يبرر الأمل فيه براءته الأولى وماضيه «الخيالي». ماضيه الخيالي، اقول، لأن كل عودة إلى الماضي خيالية ولأن ماضي النظام الراهن ليس بهذه البراءة الأولى ولا ماضي الحزب الذي يتموه به. لكن أدونيس لا يفتأ يدفع الصراع الحالي إلى ثنائيات بسيطة. انه ليس فقط صراع العلمانيين المنقلبين على أنفسهم مع الطائفيين بالولادة. بل صراع عقليتين مغلقتين «السلفية الدينية والحزبية البعثية»، بين ثقافتين أحاديتين ومتدينتين. لكن الصراع في حقيقته وواقعه ليس ثقافياً، انه صراع أداته القتل، القتل الذي يرد في مقالة أدونيس مرة واحدة وما عداها يبدو صراعاً عقلياً وفكرياً وثقافياً، ما جرى في درعا وحماه وحمص وجسر الشغور لم يكن بحال حرب أفكار، بل حرب إزهاق الأرواح والقتل بدم بارد، والقتل الأعمى مادتها ووسائلها. الدم في الشوارع كان نيرودا يقول وليس معقولاً ان نجد مكان الدم أفكاراً ومكان الجثث تجريدات. ان حق الحياة هو ما ينبغي ان نعيره التفاتنا عندئذ والدفاع عن هذا الحق ضد إغراقه في الدم هو ما يجب ان نقف عنده. ليس الصراع الفكري هو ما يستفزنا ولكن خنقه بالاغتيال والإعدام والتعذيب. ليس الفكر المنغلق عدونا الرئيس ولكن تحوله إلى سلاح تصفية جسدية واستحلاله لنفسه إبادة الآخر وإلغاءه جسدياً.

ثم ماذا يعني هذا الإلحاح على اتهام حزب البعث وجلده، وكلنا نعلم ان الحزب تحول من عقود إلى سلطان وإلى ملك عضوض وإلى حكم. أليس يعني ذلك اتهام الثوب والعفو عن الرجل، ألا يعني اتهام القناع بدلاً من تعرية الوجه. ألا يعني تقريباً أمثلة الخصم وسحقه فكرياً فيما يبقى الخصم الحقيقي، بعيداً عن السمع، مستريحاً على رأس جهازه الأمني والبوليسي وعلى سلاحه الفعلي.

إن تبسيط الصراع بين سلفية وبعثية يغيب الصراع نفسه ويجعله بلا قضية، فيما ان الديموقراطية والحرية ليستا غائبتين عنه. إن الحراك العربي الحالي يطرح الحرية كقضية ولأول مرة في عصرنا الحديث، فيما انقضى الوقت السابق في مديح القوة حتى الاستبداد وحتى الهيمنة العسكرية. إن ما جرى في مصر مثل رائع على تبلور هذه القضية وما لحق مصر وتونس من انتفاضات ليس بعيداً عنها. لا يكفي القول ان الديموقراطية من خارج التراث الثقافي العربي فالأدب الحديث هو أيضاً كذلك ولا يعني هذا براءتنا منه، لا شك في ان الحرية هي قضية المتظاهرين العرب الأولى الآن، لا يعيب ذلك ان الإسلاميين جزء من هذا الحراك، فالاستبداد الذي خنق كل حراك مسؤول عن ذلك وبدلاً من ان نعينه عليهم علينا ان نتمسك بالقضاء الديموقراطي كساحة للجميع وكحد للجميع.

نص أدونيس عامر بنقد الحزب والنظام، لكن ما جرى وما يجري يومياً تجاوز ذلك بكثير. تجاوزت الأحداث أمل أدونيس وأكثر ما نخشاه ان لا يشفى منه.

السفير

 

استعادة قديم، بمناسبة رسالة أدونيس المفتوحة إلى بشار الأسد

صبحي حديدي

-1-

أدونيس والوهابية، عود على بدء

كتب أدونيس، في صحيفة “الحياة” اللندنية السعودية، يردّ على افتتاحية الدكتور سماح إدريس في شهرية “الآداب” اللبنانية، والتي تننقد موقف أدونيس من أفكار الإمام محمد بن عبد الوهاب. وفي الردّ اعتبر أدونيس

أنّ إدريس يفعل “كما فعل من قبل أصدقاؤه الثوريون، بروحٍ سلفيّة، والسلفيون بعباءةٍ ثورية”، دون أن يذكر أيّ اسم، ممّا دعا إدريس (محقاً، في تقديري) إلى أن يبادر فيسعف القارىء بتسمية اثنين من أفراد هذه الفئة الباغية: الدكتور صبري حافظ، وكاتب هذه السطور.

وسأل إدريس، مخاطباً أدونيس: “لماذا لم تُجِبْ إلى هذه اللحظة عن الأسئلة التي طرحها عليك في “الآداب”، قبل 12 عاماً، منتقداك الدكتوران صبري حافظ وصبحي حديدي (الذي تخاله، من دون أن تسميه، صديقي مع أنّني لم أره ولم أتحدَّثْ إليه يومًا)؟ إنْ كنتَ قد نسيتها فسأختصرُها لك هنا: كيف تُدْرج، يا عزيزي، الإمام بن عبد الوهاب ضمن “فكر النهضة” وهو الذي حرّم أنواعاً من الموسيقى، وسوّغ الحجاب، وأفتى بما لا يحصى من الممارسات الرجعية… إلاّ إذا كانت الرجعية مرادفةً للنهضة؟”…

وسواء أكان أدونيس يضعني حقاً في تلك الفئة، وهذا ما أرجّحه بقوّة، ، أو يقصد سواي، فإنّ الإتيان على اسمي يحتّم عليّ العودة إلى بعض تفاصيل ذلك الملفّ المحزن، أدونيس والوهابية، الذي كنت أظنّ أنّ الشاعر الكبير قد طواه بعد 12 سنة. وأبدأ بالقول إنني كنت، في حدود ما أعلم، أوّل مَن اثار حكاية قيام أدونيس وخالدة سعيد باختيار وتقديم نصوص من محمد بن عبد الوهاب، وذلك في هذه الزاوية من صحيفة “القدس العربي”، أواخر العام 1994. وكانت المختارات قد صدرت في بيروت سنة 1983، عن دار العلم للملايين، ضمن مشروع بعنوان “ديوان النهضة” ضمّ مختارات من معروف الرصافي وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا وجميل صدقي الزهاوي. وقد تساءلت يومذاك عن أمرين:

ـ كيف يبرّر أدونيس إدراج العقيدة الوهابية في فكر النهضة؟

ـ لماذا رفض ـ ويرفض حتى اليوم في الواقع ـ إدراج الكتاب ضمن لائحة أعماله وترجماته ومختاراته؟

ثمّ شهدت مجلة “الآداب”، صيف 1995، سجالاً حول الأمر بدأ من أدونيس، وشارك فيه تحرير المجلة والدكتور صبري حافظ وكاتب هذه السطور. وقد أوضح أدونيس أنّ مقدّمته تلك ليست إلا فصلاً من كتاب “الثابت والمتحوّل”، وإذا كانت قد صدرت في سلسلة النهضة فإنه “أوّل من نقد تلك التسمية، ودعا إلى تغييرها”، مضيفاً: “قدّمت الوهابية بموضوعية كاملة (…) وقد طرحت عليها، بعد عرضها، أسئلة تُظهر مدى الخلل فيها ومدى انفصالها عن الواقع المعيشي الحيّ”.

والحقّ أنّ أدونيس، كما ساجلت يومذاك، لم يكن يضيف جديداً بقدر ما يزوّدنا بمادّة لتساؤلات إضافية:

1 ـ أن تكون مقدّمته فصلاً من “الثابت والمتحوّل” (وهي كذلك بالفعل، ولكنها اُضيفت إلى الطبعة الرابعة من الكتاب، 1994!)، أمر لا يغيّر من حقيقة أنها نُشرت قبل 11 سنة في سلسلة النهضة، ثمّ أدخل عليها أدونيس جملة تعديلات تناسب المقام. لقد أوضحتُ بعض هذه التعديلات في حينه، ولن أعود إليها مجدداً، إلا في مثال واحد: في الكتاب يقول أدونيس إنّ “التقدّم في الإسلام، على الصعيد اللاهوتي، ليس أفقياً بل عمودي”، وفي المقدّمة يقول إنّ “التقدّم في الإسلام، على الصعيد اللاهوتي، ليس أفقياً أو عمودياً، بل دائري”! كيف، في غضون زمن قصير قياسي، كان التقدّم الإسلامي عمودياً، فانقلب إلى دائري؟

2 ـ أين، في المقدّمة، نعثر على أسئلة أدونيس التي “تُظهر مدى الخلل” في النظرية الوهابية، و”مدى انفصالها عن الواقع المعيشي الحيّ”؟ أقصى ما تنطوي عليه تلك “الأسئلة” هو غمغمة غامضة حول التاريخ والتقدّم ووثنية المال والواحد السياسي، وليس فيها أيّ موقف نقدي ملموس، وهي لا تشير قطعاً إلى خلل أو انفصال عن الواقع. وفي جميع الأحوال، ليس ثمة التباس في العبارة التصالحية الأخيرة التي تختتم المقدّمة: “هذه تساؤلات [ليست "أسئلة"، إذاً؟] لا تقلل في شيء أهمية التصانيف التي تركها الإمام محمد بن عبد الوهاب. وليس هذا مما تهدف إليه”.

3 ـ أين، في المقدّمة أو في أيّ مقام آخر، نقرأ نقد أدونيس لتسمية النهضة أو اعتراضه (الذي يتوجب، والحال هذه، أن يكون واضحاً، صريحاً، بلا غمغمة) على إدراج العقيدة الوهابية في أيّ فكر نهضوي؟ ولماذا لم يُسجّل هذا النقد في المكان الأبرز اللائق به، أي في المقدّمة ذاتها؟

4 ـ في المقابل، ولضرب مثال واحد جوهري، هل من النقد أو الاعتراض، أم هو تبرير وتجميل وتهذيب، أن يساجل أدونيس بأنّ وراء تحريم الإمام للصورة “رؤيا دينية ـ ميتافيزيقية، وأنّ هذه المسألة ليست محصورة في حدود الشرع، كما يذهب بعضهم، وليست مسألة تفسير متزّمت أو ضيّق للدين، كما يرى البعض الآخر”؟ أليس عجيباً أن ينفي عن تحريم الصورة أيّ تزمت أو تفسير ضيّق للدين؟ أليس مدهشاً أن يرى في التحريم “رؤيا”… هكذا، ليس أقلّ؟ بل يذهب أبعد، إلى حيث لم يتجاسر أيّ من أنصار الإمام أنفسهم، فيحدّد معنى الجمال والقيمة الجمالية في الإسلام كما يلي، ويشدّد على الكلمات بالحرف الأسود: “الجميل في الإسلام هو ما لا يمكن تصويره. هو ما يفلت من الحسّية، وما يتخطّى الإدراك الحسّي. الجميل متعالٍ سامٍ، لا يمكن احتواؤه في أيّ شكل محسوس، ولا يمكن أن يخضع لمعيارية الحواسّ”؟

وأمّا ذروة هذه السفسطة في تأويل أفكار الإمام، فهي ختام الفقرة: “وهذا يعني، فنّياً، أنّ القيمة الجمالية ليست في “الصورة” أو “الشكل”، وإنما هي في “المعنى”، وأنّ الجمالية هي في اللانهائية التي لا تُصوَّر، أو هي في ما “لا يتشكّل”. ويعني، تقويمياً، أنّ الجميل هو ما يقول الشرع إنه جميل”!

لله درّ إمام الحداثة المعاصرة!

ما الذي أبقاه لنا، نحن معشر الثوريين بروحٍ سلفيّة، والسلفيين بعباءةٍ ثورية؟

“القدس العربي”، 27/6/2007

-2-

أدونيس في سورية

قبل أيام معدودات، وضمن إطار “الحوار الثقافي السوري ـ الأوروبي” الذي تنظمه بعثة المفوضية الأوروبية في سورية، كان الجمهور السوري في مدينتَيْ دمشق وحلب على موعد مع أدونيس، لعلّه الأوّل من نوعه منذ سنوات طويلة، إذا لم يكن الأوّل في نوعيّته على الإطلاق. أمسية شعرية في قصر العظم؛ وأخرى شعرية أيضاً بعنوان “قراءات متقاطعة” في المركز الثقافي الفرنسي، صحبة الشاعر الفرنسي ألان جوفروا؛ وندوة نقدية ـ فكرية عن الشاعر ومعه، بعنوان “أدونيس: الشاعر والمفكر”، في مكتبة الأسد؛ وأخيراً، أمسية شعرية ـ موسيقية في حلب، بعنوان “جاز وشعر”.

وهذه الزيارة تستدعي عدداً من الملاحظات ذات الطابع النقدي والفكري والسياسي، ولكنها في البدء تثير شجناً من نوع خاصّ… وعتيق عتيق يتّصل بقاعدة كرامة النبيّ في أهله! أليس من المحزن حقاً أن تجري هذه الأنشطة، النوعية مرّة أخرى في قناعتي، بمبادرة من جهة أجنبية وليس من جهة سورية؟ وإذا كانت المفوضية الثقافية الأوروبية قد اتبعت الأصول واختارت سورية (وليس ألمانيا أو فرنسا) مكاناً لهذه الأنشطة، فما الذي منع اتحاد الكتّاب العرب من طيّ الألاعيب الصغيرة مؤقتاً، والمشاركة في تكريم رجل هو ــ في أوّل الأمر وليس في آخره ــ شاعر كبير ومواطن سوري بارز تماماً علي الصعيد الدولي؟ أليس من المخجل أن لا تنشر صحيفة الإتحاد الرسمية، “الأسبوع الأدبي”، أية تغطية لهذه الأنشطة؟

وأمّا الملاحظة الأولى، السياسية، فهي أنّ الشاعر الكبير تحاشى الخوض في مسائل حقوق الإنسان، وكان في وسعه أن يفعل ذلك دونما عواقب وخيمة، ودونما أية عواقب نهائياً ربما. إنه لم يكن ممنوعاً من دخول بلاده، وهو اليوم يزورها بصورة طبيعية تماماً، أي ليس تحت راية أوروبية؛ وهو ليس مع النظام (مبدئياً، إذْ لا يمكن لشاعر في قامة أدونيس أن يقف مع حكم استبدادي ـ وراثي)، ولكنه في الآن ذاته ليس في صفوف المعارضة (وليس من الصواب أن يطالبه أحدٌ بهذا). ولكنه كان في عداد المثقفين السوريين الذين وقّعوا عريضة الـ 99 الشهيرة، ومن واجبه ــ بمعني أضعف الإيمان كما أري ــ أن يعلن من دمشق تضامنه مع مثقف آخر زميل له في التوقيع علي العريضة، هو الدكتور عارف دليلة، الذي يقبع في سجون النظام إثر محاكمة صورية أشبه بالمسخرة القضائية. وبالطبع، أثير هذه الملاحظة استناداً إلى ما أملك من معلومات حول تصريحات أدونيس في سورية، راجياً والله يعلم أن يأتي مَن يكذّبني ويقول: كلاّ، لقد تضامن الشاعر الكبير مع زملائه السوريين المعتقلين، وقال كذا وكذا.

الملاحظة الثانية، الفكرية، هي أنّ ندوة مكتبة الأسد النقدية شهدت عدداً من تعليقات أدونيس الهامة والجديرة بالمناقشة، مثل هذا مثلاً (وأقتبس علي ذمّة راشد عيسي في السفير اللبنانية): “التأويل اليقيني في الفكر العربي انتقل إلي بنية النظام السياسي، الذي أصبح هو الآخر ذا صفة مطلقة ويقينية، وألغيت فكرة الوطن الذي ينتمي إليه الفرد، وهذا تطوّر لم يحدث ما يشبهه في تاريخ العالم إلا عند العرب. ألغيت فكرة الوطن وحلت فكرة النظام، وهكذا نشأ نظام عربي واحد وبتسميات عديدة (ديكتاتورية جمهورية ديمقراطية) يقصي الإنسان بوصفه كائناً حرّاً يطرح أسئلة على نفسه والوجود والعالم”.

والحال أنّ إقصاء الوطن لصالح النظام ليس اختراعاً عربياً، بل استورده طغاة العرب من الخارج، وحدث ما يشبهه في تاريخ العالم، مراراً وتكراراً وكلّما صعد دكتاتور علي جثث الشعب وأشلاء الوطن. وشهد الغرب، قبل الشرق، عشرات الأمثلة على أنظمة استبداد ألغت مباديء المواطنة لصالح عبادة القائد الفرد، وحوّلت الشعب إلى قطيع، وبينها النظام السوري الذي تناساه أدونيس. وللحقّ والإنصاف، كان المفكّر السوري الكبير أنطون مقدسي قد ذكّر بالفارق بين الشعب والقطيع، في رسالة مفتوحة إلى الرئيس السوري بشار الأسد!

الملاحظة الثالثة، النقدية، هي أنّ أدونيس اكتشف أنّ الناس أتوا بأعداد كبيرة إلى أمسياته وندواته، وعن هذه النقطة يقول، نقلاً عن علي الراعي في “تشرين” السورية: “أنا سعيد جداً بقدر ما أنا متفاجيء، ومتفاجيء جداً بقدر ما أنا سعيد بهذا الجمهور، لا سيما وأنني لم أكن في حياتي شاعر جمهور، وإنما كنت شاعر قرّاء أفراد”. ومن جانبي، كمواطن سوريّ ودارس شعر، أقول إنني سعيد جداً بإقبال الجمهور السوري على أدونيس، ولكني لست متفاجئاً به البتة. وأعترف أنّ بعض بهجتي يعود إلى أسباب شخصية، لأنّ أدونيس يكمل فيقول: “أعتقد إذا كانت هناك أزمة فيما يتعلّق بالشعر العربي فهي ليست أزمة كتابة، بل هي أزمة قراءة. وبتقديري فإنّ الكتابة الجديدة مقصّرة حتى الآن في خلق قرّائها”؛ وهذا تفصيل نقدي وسوسيولوجي شديد الأهمية، عزيز عليّ تماماً، أناقشه وأكتب فيه منذ سنوات.

ولست أرتاب، أخيراً، في أنّ ذكاء أدونيس وعمق استبصاره للأمور والظواهر، سوف يتيحان له أن يفهم الكثير من الدلالات النبيلة الأخرى وراء احتفاء السوريين به، وأن يردّ لهم التحية كما يليق بقامة كبيرة.

“القدس العربي”  7/7/2003

-3-

متى سيخون أدونيس وطنه؟

في عددها للأسبوع الماضي نشرت أسبوعية “الوسط” حواراً مطوّلاً مع أدونيس احتوى، في ما احتوى، على مواقف مدهشة ـ نقضية ومتناقضة، في آن معاً ـ تجاه مسألتين: تصويب “سهامه النقدية نحو الشعر الوطني”، والإستعارة ليست من عندنا بل استخدمها محرّر “الوسط” في العمود الذي يعرض لموادّ العدد؛ وإعمال الفأس (والإستعارة من عندنا هذه المرّة) في مختلف اتجاهات الفكر العربي، الذي يرى أنه “أصولي لأنه ينطلق من حقائق نهائية”. وليس في آراء أدونيس أيّ جديد لم يقله من قبل، في الصحافة الفرنسية تحديداً، وإنْ كانت صياغاته للآراء المكرورة تلك تكتسب في هذا الحوار نبرة غلواء دراماتيكية لافتة، كما تنهض على تناقض بين القول وما يسري بعدئذ على القائل، وبين المقال وما يكشف عنه المقام الذي يضع القائل نفسه فيه، بنفسه.

حول المسألة الأولى يبدي أدونيس الحزن لأنّ “الشعر عندنا، حتى في وعي معظم شعرائنا لا يزال ‘ربابة’ و’طنبوراً’ من أجل إطراب ‘الشعب’ وتمجيد ‘الوطن’. والحقّ أنّ الشاعر لا يكون وطنياً أو غير وطني بالشعر”. ولكن، هل يصحّ التصريح ـ هكذا، بنبرة التعميم شبه التامّ، التي اعتاد عليها أدونيس ـ أنّ الشعر في وعي “معظم” شعرائنا لا يزال ربابة وطنبوراً؟ معظم شعرائنا، حقّاً؟ وإذا صحّ أنّ الشاعر لا يكون وطنياً بالشعر، فهل يصحّ القول تالياً إنّ “الشاعر الذي يوصف شعره بأنه ‘وطني’ لا يمكن أن يكون إلا شاعراً رديئاً”، كما يعمّم أدونيس هنا أيضاً؟ ليس صحيحاً بالطبع، حتى إذا قصد أدونيس الحديث عن الشاعر المرتبط بالسلطان. وإذا كان التاريخ قد حفظ لهذا النوع من الشعر تسمية أخرى أكثر وضوحاً هي “التكسّب”، فإنّ التاريخ ذاته يعلّمنا أنّ هذا الشعر بالذات لم يكن رديئاً على الدوام، وأنّ الحكم الأخلاقي على نماذجه لا يلغي خصائصها الفنّية التي قد تكون رفيعة، شاء المرء أم أبى.

“جميع الشعراء الكبار كانوا خونة لأوطانهم”، يقول أدونيس في المانشيت، ويقتبس شعراء “خونة” من أمثال بودلير، رامبو، مالارميه، باوند، إليوت، دانتي، المعرّي، المتنبي، أبي نواس. كيف خانوا أوطانهم؟ لا يشرح أدونيس، وإنْ كان يوحي بأن خيانتهم تلك تتمثّل أساساً في أنهم لم يكونوا “شعراء وطنيين”. ولكن إذا كان أدونيس شاعراً كبيراً (وهو كذلك دون ريب)؛ وإذا لم يكن شاعراً متكسباً (وهو ليس كذلك، إذا حذفنا قصيدته في مديح الرئيس السوري شكري القوتلي أيّام الصبا المبكّر، وأخرجنا مدائحه للزعيم السياسي أنطون سعادة من باب التكسب، واعتبرنا رثاءه للإمام الخميني واجب علاقات عامّة)؛ ولا يريد أن يكون شاعراً وطنياً (إذا سرنا مع منطقه، فاستبعدنا أن تكون قصيدته في رثاء جمال عبد الناصر شعراً وطنياً)… فكيف خان أدونيس وطنه، إذاً؟ وإذا لم يكن قد فعل حتى الآن، فمتى سيخون؟ وماذا ينتظر؟

ذلك يقودنا إلى المسألة الثانية في الحوار. “الفكر العربي في مختلف اتجاهاته، فكر أصولي، سواء تناول قضايا المجتمع الراهنة أو قضايا الحضارة”، يقول أدونيس بعد أن يذهب مباشرة إلى التعميم هنا أيضاً: “في مختلف اتجاهاته”، بلا استثناء كما يبدو. وهو يتابع: “العمل الأوّل للفكر هو نقد أصله وأصوله، هو نقد المسلمات، لا نقدها وحسب، وإنما الخروج منها كذلك، كلّ شيء يجب أن يخضع للسؤال والبحث. عندما يمارس الفكر العربي هذه الحرية، يمكن القول عنه آنذاك إنه فكر خرج من الأصولية”.

كلام جميل ولا اعتراض عليه، لولا أنّ أدونيس نفسه يعفّ (وعَفّ مراراً في الواقع) عن ممارسة الحرّية هذه. وحين يروي لمحاوِرته أنه لم يحاول حتى الآن كتابة اليوميات لسبب ذاتي، فإنه يضيف السبب الثاني “الموضوعي”… الذي لا نحتاج إلا إلى ثلاثة سطور تالية لكي نكتشف أنه سبب ذاتي بدوره، بل شخصي وعائلي أيضاً! يقول أدونيس: “كتابة اليوميات بالمعنى الذي تقولينه [وهو، كما يسير نصّ السؤال، ليس أكثر من معنى انفصال وتأمّل ضمير المتكلم الذي وُضع على الورق] ترتّب على الكاتب مسؤولية لا يتحملها وحده ـ وتلك هي الكارثة ـ وانما يتحملها أفراد العائلة التي ينتمي إليها وبخاصة أخوته وأخواته وأهله الأقرباء”!

ماذا يعني ذلك؟ هل كان في وسعنا أن نشهد أيّ انشقاق ضد أيّة سلطة جائرة (أيّاً كان محتوى سلطتها السياسية أو الإيديولوجية) إذا راجع المنشقّ نفسه مسبقاً، وتذكّر أخوته وأخواته وأهله الأقرباء؟ وكيف ستمارَس الحرية، بوصفها شرط خروج الفكر من الأصولية، إذا قرّر الموشك على الإنشقاق أنّ الوازرة تزر الوازرة الأخرى دائماً، و… “تلك هي الكارثة”؟ وماذا كان سيفعل أمثال محمد شكري وعبده وازن وليلى العثمان وعالية شعيب (الذين يقتبسهم أدونيس كضحايا للسيرة الذاتية)، لو أنهم أقتفوا دربه وتبصّروا في عواقب “الكارثة”؟

ثمّ ألا يقول أدونيس نفسه، في الحوار إياه، إنّ “الشعر تحديداً انشقاق. أو لأكرر ما يراه نيتشه، بعبارة أخرى يكون الشعر مضاداً أو لا يكون”؟ ألا يقول، بوضوح تامّ، إنّ كتابه القادم سوف يكون “نوعاً من سيرة ذاتية، لكن بقدر ما تسمح الأوضاع التي أشرت إليها ـ وإن كنت سأحاول خرق هذه الأوضاع”؟ أيّ “أوضاع” هذه؟ وكيف سيلتزم بما تسمح به “الأوضاع”، وسيحاول خرقها، في آن؟ وكيف سينشقّ حقّاً إذا راعى “الأوضاع”؟

ومتى… متى سيخون الشاعر الكبير وطنه، والحال هذه؟

“القدس العربي”، 7/11/1999

 

بساطة أدونيس ومرجعية “السيد الرئيس

احمد بيضون

لا يملك أدونيس أن يسمي مدينة أو قرية مشّطتها المدافع أو ديس أهلها بالنعال. لا يملك أن يقول: درعا، بانياس، حماه، جسر الشغور، إلخ. لا يجد سبيلاً إلى ذكر ضحية بالاسم أو تعيين حادثة جرت في الشهور الثلاثة المنصرمة، وهي عمر الحركة الديمقراطية الجارية في سوريا، ولا في الأعوام الأربعين الماضية وهي عمر استبداد آل الأسد ورهطهم بالبلاد والعباد… ليس في هذه الرسالة غير الاسم النظيف الأنيق لما يجري: “الحل الأمني” وليس فيها فاعلون غير الحزب والعشائر والدين… وهذه كلها مثل أفلاطونية تنتهي إلى الاندراج في جهة واحدة. في الجهة الأخرى، يظهر مثقفون وشبان وشابات وتسمع “أصوات” تستحق ثناء أدونيس لتمثيلها “المواطنة” ولكن هذه الجماعة ضعيفة الحول، موعودة بالسحق على أيدي العتاة المنظمين…

يبقى “السيد الرئيس” الذي يبدو وكأنه جهة ثالثة يسعها الخروج من الجهة الأولى وعليها، وتسعها الاستجابة الحرّة لمطالب الجهة الأخرى: لا لأن في هذه الجهة تصميماً أو عزماً يملي الاستجابة ولكن لأن “السيد الرئيس” معني (من تلقاء ضميره، على ما يتراءى من منطق الرسالة) بمصير البلاد ولا يهون عليه أن يراها تتمزّق. الرئيس، على ما يبدو، هو القادر على تحييد ما يبدو أن أدونيس يخشاه في الحركة الشعبية: أي غلبة المتدينين والطائفيين والعشائر. والرئيس قادر على ذلك بعد أن ينحّي الحزب الذي فات أوان إصلاحه وبعد أن يسمو فوق العشائر والطوائف التي يبدو هذا الرئيس، عند أدونيس، بريئاً منها جميعاً. يصبح الرئيس كلي القدرة إذن حالما يتخفف من كل ما جعله رئيساً وأدامه وأدام أباه قبله في دست الحكم. وهو يصبح فارس الديمقراطية ينشرها على سوريا من هذه السماء السابعة وفي مواجهة لغليان في البلاد كنا قد علمنا من أدونيس أن الظلاميين والطائفيين والعشائر أقوى أطرافه وأوثقها إمساكاً بزمام المستقبل.ا

ينكر أدونيس أن تكون للحركة الجارية مطالب متوافق عليها. وحجته أن الحركة لم تنشر وثيقة وقّعها جميع أطرافها. لا صحّة لهذا فالحركة قالت الكلام السياسي نفسه، من حيث الأساس، بمائة لسان. وأدونيس لا يعدو أن يكرر هذا الكلام نفسه تقريبا، بلغته المعلومة، حالما يصل من رسالته إلى باب الاقتراحات. هذه واحدة. الثانية أن أدونيس يغلق الأفق كليا، في واقع أمره، أمام فرسيه المدللين: المواطنة المقرونة بالفردية والديمقراطية المتولدة منها أو المبنية عليها. هو يغلق هذا الباب لا في وجه السوريين وحدهم بل في وجه العرب والمسلمين أجمعين، على الظاهر. يغلق هذا الباب حين يأبى أن يرى في الحركة الجارية، على اتساعها، طورا مفتوحا على الاحتمال الديمقراطي، أي على احتمال الالتحاق بالعالم المعاصر، لا أكثر ولا أقل. وهذا التحاق لا حظ له في التحقق إلا في مساق متعدد الأطراف ومتناقض: مساق لا يملك أدونيس ولا غيره أن يجزم بمصيره بجرة قلم. ولا كان المثال الديمقراطي يجيز لأدونيس أن يستجير من حركة شعبية لها هذه السعة وهذا البأس برئيس كامل المسؤولية، لا عن القمع الجاري اليوم وحسب، بل عن كل ما نهضت هذه الحركة في وجهه، أصلاً. بل أيضاً عن جانب من عورات هذه الحركة نفسها أي عن بعض عشائريتها السياسية وعن بعض طائفيتها السياسية أيضاً

في المنطق العميق لرسالة أدونيس أنه كان على الحركة الجارية أن تقودها جهة واحدة تقول كلاماً واحداً: تقوله وتفرضه حالما تقوله. فلا يكون طمس لملامح الديمقراطية (وهي المفترضة جلية سلفاً) في لغو الأفرقاء المتداخل. ولا يكون رهن للديمقراطية بصراع ومخاض يستغرقان زمناً ويحتملان التردد والتقدّم والنكوص. وذاك أن أدونيس لا يقرّ بأهمّية الزمن إلا بعد أن يفترض للثقافة حدوداً مغلقة، غير مميّز في ذلك بين حال وحال ولا بين زمن وزمن. وهو لا يبقي للتغيير من مناط يعتدّ به، من بعد، غير القبول والرضى من جانب “السيد الرئيس”: الرئيس الذي يزيد طينه وطين السوريين قبله بلة أنه “رئيس منتخب”.

الطوائف والعشائر غالبة في المجتمع، والدين والعصبية مستوليان على العقول ولا أمل والحالة هذه في حركة أية كانت. إذ كيف ترانا نخرج، وبفعل أية استحالة داروينية من هذه الاستحالة التاريخية؟ أم ترانا، بخلاف ذلك، محتاجين إلى قرون من التربية الديمقراطية ونحن من لم تنفع في تربيتنا قرون تصرّمت؟ ومن يدخلنا في الزمن الجديد ومن يربي لنا من يجب عليهم تربيتنا ومن يجزم في يوم مشهود أننا بلغنا من التطور المنشود الغاية؟ وما دام أدونيس لم يفلح في ذلك ولا أفلح أضرابه من أضرابنا أفيبقى من يعوّل عليه، في هذه الأمة المنكودة الطالع، غير “سيد رئيس” ما؟

تحتاج الديمقراطية إلى تجريد. تحتاج إلى حديث الفرد المواطن وهذا كائن مجرّد وإلى حديث “سلطة الشعب” و”الفضاء العامّ” و”المصلحة العامّة”، إلخ. وهذه كلها مجرّدات. تحتاج الديمقراطية إلى ما سمّيناه، قبل سنين: “عمل التجريد السياسي”. ولكن هذا العمل الذي يمنح النظرية الديمقراطية لغتها، يفتح على الفور أفقا مقابلاً له يتسع للأسماء الشخصية ولأشياء العالم ولتفاصيل الحياة وعلاقاتها ولوجوه السلوك بما فيها تلك الحسيّة والمفردة للغاية. عليه كان العالم الديمقراطي هو العالم الذي تزدهر فيه، لا النظرية السياسية وحدها، بل الرواية أيضاً وخصوصاً. أو أن هذه الأخيرة تبشر بولادته وتسهم في حدوثها إن هي لم تجده قائماً لتزدهر فيه.

ليس أدونيس روائياً. هو، من حيث الأساس، شاعر العناصر الأربعة. قدرته على توليد الشعر من أسماء هذه العناصر قدرة معجزة. ولكن عالمه مردود، في مبدإ مطافه ومنتهاه، إلى بساطة مبالغ فيها جدّاً. والمبالغة هذه (وهي قد تكون لازمته من مصادر شبابه الفكرية ) تظهر حين يخوض في حديث السياسة، شأنه في رسالته اليوم إلى “السيد الرئيس”. ولأن هذه البساطة لا ترى المجتمع أهلاً لتولي أموره وللسير في مجرى تاريخه وتاريخ العالم المعاصر بإسهامٍ مختلف المشارب والمجالي من سائر مكوّناته وقواه، فهي ليست، على ما تزين لنا قراءتنا لـ”سياسة” أدونيس، بساطة ديمقراطية.ا

(رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد) الإنسان، حقوقه وحرياته، أو الهاوية

السفير

 

عن The Editor