صفحات العالم

مملكة الصمت الرهيب: عسكري وعمامة وتاجر/ ماجد كيالي

 

 

ربما ما كان أحد في العالم سيسمع بقرية اسمها كفر عويد، ذلك أنها قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها على الـ15 ألفاً، تقع في أقصى الشمال السوري، في منطقة جبل الزاوية، مع ذلك فهذه القرية دفعت ثمناً باهظاً في الثورة السورية، خلال الأعوام الأربعة الماضية، إذ قام النظام بارتكاب مذبحة مروعة فيها (20/12/2011)، ذهب ضحيتها العشرات، وقبل أيام تعرضت لقصف وحشي أودى بحياة 14 شهيدا فيها (16/5).

ليست كفر عويد وحدها التي بات اسمها يتردد في الفضائيات فهذا ينطبق على عشرات البلدات والقرى، التي كانت منسية ومهمشة على امتداد الخريطة السورية، من الشمال الى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، التي لا يعرف حتى معظم السوريين مكانها، وربما لا يعرفون عنها مطلقا.

هذا ينطبق على بلدات وقرى دفعت عدة مئات من الشهداء، مثل نوى وطفس وانخل وداعل والحارة والنعيمة وتسيل في درعا، والحولة ومهين والزارة والغنطو وكفر عايا والدار الكبيرة والحصوية في حمص، وعندان ومنبج ومارع والأتارب ومنغ وديرحافر ورتيان وتادف وبيانون في حلب، وحلفايا وكفر زيتا وصوران والتريمسة ومورك وكرناز وطيبة الإمام وكفر نبودة في حماة، وبنش وسرمين وكفرومة وتفتناز وكنصفرة واحسم والهبيط وايلين والمسطومة في ادلب، والميادين والشحيل والموحسن والقورية والبوعمر والبوليل والعشارة في دير الزور والشدادي وتل براك في الحسكة، والحفة في اللاذقية وراس النبع في طرطوس وبيت سحم ودير العصافير ورنكوس والعتيبة والرحيبة وحرة وزبدين وجديدة الفضل وحران العواميد وكناكر ومديرا وحوش عرب في دمشق.

لم يتعرف السوريون، في مأساتهم، فقط على بلداتهم وقراهم المنسية بثمن مئات الشهداء، وعبر خريطة القصف الجوي، وإنما هم تعرفوا عليها أيضاً من خلال هذه الشبكة المهولة من القواعد العسكرية التي اكتشفوا انها تملأ البلد من أقصاه إلى أقصاه. فقد تبين في غضون الأعوام الماضية أن نظام الأسد لم يكتف باحتلال حياة السوريين بأجهزة المخابرات الاخطبوطية، والهيمنة على مواردهم مباشرة، أو عبر الشركات المافيوية، وإنما هو احتل البلد من خلال نشره تلك القواعد في كل بقعة وحول المدن والبلدات السورية، في الشرق والغرب والشمال والجنوب، في مناطق محرومة من التنمية والتعليم والصحة والحد الأدنى من الخدمات. ومعلوم أن الأسلوب ذاته تم اتباعه داخل المدن الكبيرة، وضمنها حمص وحلب ودمشق، حيث لا يوجد حي لا يتواجد فيه شكل من اشكال الثكنات العسكرية، من البرامكة إلى المزة وركن الدين والميدان وبرزة، في دمشق مثلا، وهذا ينطبق على مكاتب أجهزة المخابرات، طبعا، ناهيك عن مكاتب حزب البعث، والمنظمات الشعبية، التي تضطلع بأدوار وظيفية، أمنية وسياسية أيضاً في كثير من الأحوال.

وربما البراميل المتفجرة هي أكثر ما يلفت الانتباه، في هذا السياق، ذلك أن اعتماد هذا الأسلوب الوحشي في قتل السوريين، وتدمير عمرانهم، ينم عن كراهية مطلقة، تصدر عن روح استئصالية، وعن شعور مبطن عند النظام بغربته عن أغلبية السوريين، وعدا عن ذلك فإن هذا العدد المهول من البراميل يوحي وكأن انتاجها كان الشغل الشاغل للنظام منذ قيامه.

والحال فإن الطبيعة العسكرية للنظام تفيد بأنه، طوال العقود الأربعة التي سبقت الثورة، كان يحضر لهذا المصير بالذات، ما يفسر امساكه بكل مفاصل البلد، سيما أن عنف النظام، وتهميشه السوريين، لم يقتصر على استخدام الوسائل العسكرية والاقتصادية والإعلامية، والتحكم بالتعليم، من المرحلة الابتدائية الى الجامعية، فقط، إذ أن ذلك شمل التحكم في المجال الديني، أيضا.

وكما تبين فإن النظام اشتغل على إنتاج بيئة دينية منتظمة في إطار سلطته، وخاضعة، لها، والحديث هنا ليس فقط عن ترسيخه النعرة الطائفية، فقط، وإنما عن محاولته صناعة «إسلام سني» موال له. هكذا، فإن النظام مع قسوته الفائقة على «الإخوان المسلمين»، الذين أرهب بهم غيرهم، فإنه قام في الوقت نفسه بإغراء جماعات دينية «سنية» أخرى بفسح المجال لها للعمل، واعطائها هامشا معينا من الحركة. هكذا ازدهرت في دمشق، في الفترة الأخيرة، المعاهد الاسلامية، كمجمع أبو النور ومعهد الفتح، والمعهد العالي للدراسات الدينية، ومعهد الشام، التي كان يقصدها، أيضا، مئات الطلاب من الدول الإسلامية الأجنبية الاخرى. وقد ترافق ذلك مع ظهور جماعات دينية منظمة أو شبه منظمة تتمحور حول مشايخ من مثل محمد سعيد البوطي وأحمد كفتارو والمفتي محمد بدر حسون وغيرهم، إضافة إلى وجود تنظيم نسائي كبير وناشط معروف باسم «القبيسيات»، نسبة للشيخة منيرة القبيسي.

القصد أن النظام عبر هذا الأسلوب، القائم على الترهيب والترغيب، استطاع استمالة قطاع واسع من الجماعات الإسلامية «السنية»، وهذه استطاعت بدورها ان تمحضه بعض الشرعية، وان تساعده على إظهار بعض التماسك، والإيحاء بالاستقرار في بعض المدن السورية، بخاصة في حلب (سابقا) وفي دمشق العاصمة، حتى الآن.

طبعا لا يمكن فهم كل ما يجري بمعزل عن تشخيص الوضع الاقتصادي، وبخاصة تمسك النظام بالقطاع العام، مع كثير من اللغو بالاشتراكية، في سبيل التلاعب والتورية، في حين انه انتهج سياسة «ليبرالية متوحشة»، منفلتة من كل الضوابط القانونية والاجتماعية والأخلاقية. وتفسير ذلك أن القطاع العام هو الذي يسمح له بالسيطرة على القطاع الأوسع، والأكثر نشاطية، في المجتمع السوري. علما أننا نتحدث عن مجموع موظفين في السلكين المدني والعسكري، النظامي وشبه النظامي، يقدر بمليونين، ضمنهم حوالى مليون ومئتي ألف في أجهزة الدولة المدنية. ويمكن أن نضيف لهم عشرات ألوف الموظفين من حملة الشهادات، العاملين في الشركات المختلفة التي أنشأها رجالات النظام، في مختلف المجالات الخدمية والانتاجية. وكانت راجت بين السوريين، في المرحلة الماضية، النوادر التي تتحدث عن افلاس شركات القطاع العام، الانتاجية والتجارية، في حين ان الشركات الخاصة التي ينشئها المدراء أنفسهم تكسب وتزداد اتساعا. هكذا مثلا كان مجمع الزبلطاني التجاري، وغيره من المتاجر، التابعة للمؤسسة العامة الاستهلاكية تخسر، في حين أن «مولات» مخلوف وغيره من رجالات النظام تنجح، كما كان لافتا للانتباه تدهور التعليم وضمنه التعليم الجامعي، وازدهار المدارس والجامعات الخاصة، مع سياسة تعليمية نابذة لغير المقتدرين، أو للفئات الضعيفة؛ وهكذا وصلنا إلى هنا.

المستقبل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى