صفحات العالم

مناصرو بشار الأسد في العراق.. كيف يفكّرون؟


بغداد ـ شاكر الأنباري

بعد ما يقرب السنتين من عمر الثورة السورية، وما عاشته من منعطفات وتحولات، سواء في الداخل أو على الصعيد الاقليمي والعالمي، صار خطاب المدافعين عن النظام السوري، أكثر وضوحا، وشفافية، بعد ان اكتسب لغة تبدو متماسكة، ونحت لنفسه رموزاً، وإشارات، ومقولات، لا تتطلب ذكاء شديداً لفهمها. لوبي النظام ذاك لا نقع عليه في العراق وحسب، بل هو منتشر بين المناصرين في أكثر من بلد، ايران ولبنان على سبيل المثال، اضافة الى حاشية النظام السوري ذاته، وكذلك داعمه الأهم، دولياً، نظام روسيا المافيوي. مع تغييرات طفيفة في ذلك الخطاب، إلا انه وطوال عمر الثورة ظل الجوهر واحداً تقريباً، دعم بقاء الأسد أولاً، والتشكيك دائما بدوافع الثورة، والبحث عن العيوب والنواقص فيها، وتسفيهها لتبرير ما يرتكبه النظام من قصف، ومجازر، وتعذيب، وتهجير.

خطاب اللوبي العراقي المناصر، كان في البداية متردداً في التعبير عن دعمه للأسد، فوصف المظاهرات السلمية في الأشهر الأولى بكونها تقتصر على فئة واحدة، وأماكن محدودة، بخاصة وان المدن الكبرى كدمشق وحلب واللاذقية والسويداء، وبعض المدن الأخرى لم تشترك بفعالية في الثورة. وهذا ما كان يستدعي مقولة ان الأغلبية تقف الى جانب النظام. روّج لذلك بشكل واسع في الشارع، وفي وسائل الاعلام. ومنذ التظاهرات الأولى، التي خرجت من الجوامع، وصمت تلك التظاهرات والاحتجاجات بأنها تقاد من قبل أصوليين، رغم ان الشعارات المرفوعة، والأغاني الشعبية، والهتافات، عادة ما كانت تؤكد على أن الثورة للجميع، وأن الشعب السوري واحد، وأن الغاية هي اقامة نظام عادل لكل السوريين، وركزت على تداول سلمي للسلطة بروح ديموقراطية، وازالة حكم الحزب الواحد والتوريث. لكن منذ الاحتجاجات السلمية تلك تصاعد الخوف لدى أحزاب الاسلام السياسي، ومن يدور في فلكهم من عامة الناس، واحتد التوجس من انتصار الثورة. تطور ذلك التوجس الى كابوس، وكانت آراء المناصرين للنظام السوري بدأت تعبئ الشارع العراقي بمقولة ان الثورة هي ثورة سنية، وانتصارها سيكون تهديدا مباشرا لنظام الحكم في العراق، خصوصاً وان امتداد العراق الغربي ديموغرافيا يوصف على انه مجتمع سني، ما يضيف قوة، حسب تصور المناصرين، إلى رصيد السنة، ليربك المخططات الطائفية في حكم العراق بلون واحد.

وكان الترقب السائد بين تلك القوى وأملها المستتر، مع انها تقول بحق الشعب السوري في اختيار نظامه، هو انتظار ومتابعة خطوات النظام في اسكات تلك الثورة، لا الحماس للجماهير الثائرة وانتظار وصولها الى الهدف، أي اسقاط نظام بشار الأسد. هنا جاء التركيز على الاصلاحات، وعلى مشاريع النظام في ذلك، لتقع حجة في الأيدي من اجل التشكيك بأهداف الثورة، وجدواها، ما دام النظام وافق على تبني الإصلاح شعاراً للمرحلة القادمة. وفي هذا الوقت ايضاً، تم الترويج بكثافة لقراءة دوافع الثورة، وتم التركيز على ان الثورة هي نتاج لدعم خارجي، سعودي، قطري، أميركي، ولاحقا تركي، وليس حاجة داخلية للسوريين. الهدف من الحراك هو تدمير سورية بمواجهة اسرائيل. لم يتظاهرون وقد وعدهم الرئيس بالاصلاح؟ وألغى المادة سبعة القائلة باحتكار حزب البعث للسلطة؟ لم يرفعون السلاح والبلد مقاوم لاسرائيل، والجولان محتلة؟ كيف يقاتلون الجيش المقاوم المتصدي للاحتلال؟ وباعتبار ان الأغلبية المذهبية في سورية هي سنية، لذلك فسر الدعم القطري والسعودي والتركي على انه دعم لمشروع طائفي سني في المنطقة. وهذا أعطى المبرر مرة أخرى لمباركة الدعم الايراني واللبناني والعراقي لنظام بشار الأسد. وهذا الدعم في تصورهم، ما هو الا رد فعل على المشروع الطائفي السني الذي يحاك حسب قولهم، الهامس أو المباشر، في الأروقة المظلمة ودهاليز الدبلوماسية، الخليجية تحديدا.

بصمة الرؤية الرسمية السورية للأحداث واضحة هنا، فالنظام السوري عادة ما يتهم الآخر بالسلوك، والفعل، والنوايا التي يقوم بها هو ذاته، استباقا للأمور أولاً، وخلطا للأوراق ثانياً، وقطع الطريق على أي اعتراض على الدعم للنظام على أساس مذهبي ثالثا، والمعترض هنا سيكون هو الطائفي.

اما تحول الثورة من مسيرتها السلمية الى العسكرية فأعطى دفقا جديداً للمناصرين. الوجوه الملثمة للثوار، وبعض الشعارات ذات الصبغة الاسلامية، والعناصر الملتحية، التي كانت تظهر في الفيديوات المسربة، كلها حسب رأيهم توحي بوجود المتطرفين والوهابيين والقاعدة. وتسويق خطاب وجود القاعدة والأصوليين في الثورة تسويق مؤثر على الشارع العراقي، الشارع الشيعي خصوصاً، اثر الويلات التي سببتها القاعدة للعراق بعد سقوط النظام والاحتلال. هل يقبل عاقل بتأييد ثورة تقودها القاعدة؟، كان هذا هو السؤال الأثير لدى المناصرين. طبعا يتم عادة توجيه الحوار والنقاش الى هذا الجانب الضيق من الثورة، ويتم تجاهل مئات آلاف المتظاهرين المنادين باسقاط النظام، وتجاهل مئات الآلاف المعتقلين، وتهديم المدن بالطائرات، والقصف المدفعي، والقناصة، وقطعان الشبيحة التي تستبيح المدن والأحياء. تنسب تلك المآسي، بعض الأحيان، إلى الارهابيين لا الى جيش النظام.

ويتم ايضا تجاهل المعارضة الخارجية وخطابها السياسي، وكل المعارضين المدنيين والمستقلين، بينما ينحصر التركيز فقط على الجانب المسلح من الثورة. مورس التجاهل حتى للوسائل الاعلامية التي واكبت الثورة ونقلت أخبارها، وتم التشكيك المبرمج بمصداقية الأخبار المبثوثة، فالعربية سعودية وتتبنى الخطاب السعودي، والجزيرة تتبنى الخطاب القطري، وهكذا ايضا للقنوات الأخرى كفرانس 24 والبي. بي. سي. والسي أن أن وغيرها، فيما تحظى فضائية (روسيا اليوم) بمصداقية عالية بين المناصرين. اما رأي الميليشيات في حقيقة مناصرتهم الميدانية للنظام فعادة ما تفسر بشكل طائفي، فقسم كبير منهم يتطوعون بالذهاب الى سورية لا لمناصرة الأسد، كما يقولون، بل لحماية المقدسات الشيعية كمرقد السيدة زينب، ورقية، وغيرهما، حمايتها من الهجوم الوهابي المحتمل على تلك المراقد.

في العراق لم تستخدم حجة الوقوف مع النظام على أساس أنه نظام مقاوم، ربما لأن النخبة السياسية العراقية لم تعد تعنيها هذه القضية، خصوصاً وانها جاءت عقب اسقاط نظام قمعي على يد القوات الأميركية والقوى المتحالفة معها، لذلك استبعدت هذه الحجة من قاموس المناصرين العراقيين، في حين نجدها فاقعة، وتعطى أولوية في الخطاب المناصر في كل من ايران ولبنان ونظام المافيا الروسي.

كان النظام السياسي في العراق يبعد عن نفسه شبهة تزعمه للمقاومة كما في لبنان حزب الله، او تزعمه لمحور العداء للامبريالية الأميركية والغرب عموما كما يطرح نظام ايران ذلك، ولا يرغب في ان يحسب على المحور الروسي الذي يبحث عن دور منافس للغرب وأميركا في السياسة الدولية وتقاسم النفوذ والمنافع الاقتصادية. لقد ظل قابعا في النفق الطائفي فقط، لكنه، ولحسابات داخلية واقليمية ودولية، يحاول التغطية حتى على هذه الحقيقة. انه يريد رحيل الأسد لكن سلميا، ويريد رحيل الأسد لكن لا يتوفر البديل المقنع، ويدعم الحراك الثوري فيها لكن ليس النمط الذي نراه على الشاشات، أي الملتحين ومرتادي الجوامع والأعلام السود واللافتات الاسلاموية ذات النكهة السنية. يرغب في ايجاد بديل غير ان المعارضة مشتتة، ولم تتفق على رؤية ناضجة لما بعد الأسد، وهكذا، ليستنتج المراقب من هذه الأوراق المختلطة، والحجج المتناقضة، والتسويغات الشاحبة، ان المناصرين في الحقيقة، لا يرغبون في رحيل الأسد.

هم ينادون بقطع الدعم الخارجي للثورة، ويستنكرون امدادات السلاح الى الثوار، لكنهم في الوقت ذاته يغضون الطرف عن الجسور الجوية والبرية للأسلحة والمقاتلين من ايران وروسيا والعراق ولبنان. ويغضون الطرف عن حقيقة ان ما يجري هو مذبحة بكل ما تعنيه الكلمة، وكأن القراءة السرية لذلك الخطاب تقول نمنع الشعب من الدفاع عن نفسه ونسمح للنظام بتسخير كل امكانياته العسكرية لدك المدن ومسحها عن الأرض وذبح المدنيين، فسورية دولة مستقلة، ويحق لها ابتياع الأسلحة من أي مكان شاءت، كما يحق لها استقدام أي مساعدات بشرية وعسكرية واقتصادية. ما يحق للنظام لا يحق للشعب.

في بداية الثورة كان رأي المناصرين، وعلى أعلى المستويات السياسية، ان سقوط بشار الأسد يعني وصول المعركة الى أسوار بغداد، ثم ليتطور ذلك التصور لاحقا ليصبح، ومن المصدر المناصر ذاته، ان سقوط نظام بشار سينقل المعركة لا الى أسوار بغداد هذه المرة، بل الى داخلها. فجبهة النصرة، وهي أسوأ من القاعدة كما قال ذلك المناصر هي من تقود الثورة السورية اليوم، وهي ترتكب المجازر وتذبح الأطفال وتستخدم السيارات المفخخة وتختطف الأبرياء. اما قيادات الجيش الحر الأخرى، والتشكيلات المختلفة، والمجالس العسكرية في المدن، والمنشقون من جيش النظام الذين تصدوا للقتال في حلب وادلب وحمص ودرعا، فما هم سوى فبركات اعلامية تخفي الواقع المر وهو ان القاعدة هي وراء الثورة بدعم من قطر والسعودية وتركيا.

والحقيقة اننا امام موقف مصمت، لا يناقش، موجه بطريق واحد فقط، يقترب كثيرا من الخطاب الاعلامي للنظام السوري، ويتطابق معه. وهو بالمحصلة منطق غير عقلاني، لا يريد رؤية الواقع، ويمتلك أجندة مغايرة، لا يتورع عن حرق البلد، والمنطقة، من اجل ادامتها وبقائها. هذا الخطاب المصمت لا تعنيه معانات المدنيين وهجراتهم الى دول الجوار، ولا تهمه المدن التي تحولت الى خرائب، ولا الجثث في الشوارع، والحرائق في السهول والوديان والجبال، فكل ذلك من صنع المتطرفين الملتحين. وما يرتكبه النظام هو ردة فعل على الارهاب ذاك. المناصرون ايضا، ومنذ انطلاقة الثورة سلميا، وعسكريا لاحقا، يرددون مقولة بثينة شعبان: خلصت. رددوها قبل اكثر من سنة ورددوها بعد ذلك، ويرددونها اليوم وغدا، فالوضع يقترب من النهاية، ولم يبق سوى فترة وجيزة ويسيطر الجيش السوري على الأرض، وتزول غمامة حقبة الارهاب تلك. وسيكون هناك عهد جديد من الاعمار والاصلاح والحرية، وستعود سورية بقيادة بشار الأسد الى دورها المقاوم ضد اسرائيل والصهيونية العالمية بالتحالف مع حزب الله وايران وروسيا وفينزويلا، وكأن شيئا لم يكن. وكأن أربعين الف قتيل سوري، وملايين المشردين في دول الجوار وفي عراء الداخل، ومئات آلاف المعتقلين، وعشرات المدن الممسوحة عن وجه الأرض، كل ذلك لا يعدو أن يكون حلم ليلة صيف. حلم زال ورحل ولم يعد له وجود لا في تاريخ سورية ولا في تاريخ المنطقة. سيناريو الثورة السورية المشتغل على مدار سنتين الا قليلا كان فبركات اعلامية لا أساس لها في الواقع.

هنا، الا يحق لنا القول ان المناصرين بحاجة، اذن، الى حجر صحي في مستشفى أمراض عصبية، بدلا من تبوّؤ بعضهم مناصب في الدولة العراقية الخارجة حديثا من معطف صدام حسين؟!

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى