صفحات سوريةعمر قدور

موعد واحد لانتخابات ومجزرة/ عمر قدور

 

 

لا يضيف الإنذار الروسي الأخير، للمقاتلين والمدنيين، في الشطر الشرقي من مدينة حلب جديداً. فموعد المجزرة التي تُحضّر لها القوات الروسية معلوم، ومعلوم على نطاق واسع أنه سيتزامن مع الانتخابات الأميركية، يسبقها بقليل أو يستمر بعدها بقليل، لا فرق. ومع أن استغلال الأحداث العالمية للقيام بأعمال عدوانية خلالها ليس جديداً، وفي المنطقة لدينا سابقة الاجتياح الإسرائيلي للبنان أثناء كأس العالم لكرة القدم عام 1982، إلا أن توقيت العدوان الروسي هذه المرة لا يأتي بسبب انشغال العالم بالانتخابات الأميركية، وإنما على أرضية الافتراض الشائع بأن الإدارة الأميركية ستكون مشلولة حينها.

يمكن القول بألا حساب أصلاً لرأي عام عالمي يزداد لامبالاة إزاء الحدث السوري، مثلما لا حساب لأي رد فعل تتخذه الإدارة الأميركية الحالية، وتالياً بعض الحكومات الغربية، محروم من المساندة الأميركية. كما يمكن القول بوجود تفاهم ضمني، يرقى إلى مرتبة التواطؤ، بين إدارتي أوباما وبوتين على حدوث المجزرة في هذا التوقيت. فإدارة أوباما، مع علمها بما سيحدث، لم تكن معنية باتخاذ أي إجراء للتقليل من احتمالات حدوثه. بل يجوز النظر إلى قرار الإدارة الانسحاب من التنسيق مع موسكو، بعد أشهر من الاتصالات المستمرة والحثيثة، بمثابة مساعدة لها على التنصل من أية اعتبارات دولية، مثلما هو بالنسبة الى إدارة أوباما تنصلٌ من المسؤولية، بعد تسويف ومماطلة تريدهما موسكو.

طوال أشهر، لم يستمع أوباما إلى مسؤولي البنتاغون الذين كانوا يعترضون على التنسيق مع القوات الروسية، وبلغ ذلك أوجَهُ في توقيع تفاهم مع موسكو يتضمن تبادل معلومات استخباراتية عسكرية. فقط في لحظة التنصل من التفاهم، رجّح أوباما وجهة نظر الجنرالات، غالباً لاقتناع بها بقدر ما أصبح ترجيحها مناسباً للتخلص من الملف السوري برمته، ومما يترتب على المشاركة الأميركية فيه التي لم تكن تحظى بسمعة حسنة أساساً. لعل هذا الحرد الأميركي سابقة، إذ لم تُبنَ عليه أية إجراءات عقابية تليق بالقوة الأعظم، بل بدا انتهازاً رخيصاً لفرصة التحلل من المسؤولية بعد المشاركة الفاعلة في إيصال الوضع إلى وصل إليه.

بالتأكيد، لم يكن التفاهم الأميركي الروسي جيداً للسوريين، لكنه في أحسن حالاته كان يعِد بتحجيم الوحشية الروسية ونظيرتها الخاصة بالنظام. وعلى رغم التنازلات الأميركية في التفاهم، كان يحمل التزاماً أميركياً إزاء الفصائل المصنّفة معتدلة، والأهم التزاماً إزاء مدنيي حلب الشرقية الواقعة تحت الحصار والتجويع.

هذا التهرب الأميركي من المسؤولية يصعب عزوه إلى قرب الانتخابات لسببين، أولهما أنه استكمال لسياق من الممارسات، وثانيهما عدم وجود ضغط من الحزب الديموقراطي على الإدارة لمصلحة سياسة سلبية ستنتهجها المرشحة كلينتون، فالأخيرة رغم امتداحها سياسة أوباما لم تتحاشَ التلميح إلى عزمها اتخاذ إجراءات حازمة إزاء موسكو ونظام الأسد.

في هذا السياق، لا يُستبعد أن يكون تهرب إدارة أوباما من أي التزام سوري ذا دلالة مزدوجة، فهو يستكمل سياقها الذي وصل صراحة إلى قبول بقاء الأسد ومشاركته في انتخابات رئاسية مقبلة، ويعفي الحزب الديموقراطي أثناء الحملة الانتخابية من ضغوط الحالة السورية. الكفة تميل إلى الدلالة الأولى، فترك الساحة ليستفرد بها بوتين قد يكون ضرورياً قبل نجاح مرتقب لكلينتون، الأمر الذي قد يستدعي من الإدارة الديموقراطية الحالية أخذ توجهاتها في الحسبان وإجراء تعديل في السياسة الحالية. أما في حال نجاح ترامب «الجمهوري» فشلل الإدارة مستمر تلقائياً، ومن المفارقة أن نقاط الالتقاء بين أوباما وترامب في الملف السوري قد تفوق تلك التي بينه وبين كلينتون.

مجزرة حلب المعلن عنها لا تنضم إلى سجل من المجازر المشابهة، سواءً في غروزني أو جمهوريات يوغسلافيا السابقة أو رواندا وبوروندي، ففي تلك المجازر التي حدثت في العقود الأخيرة كان هناك تقاعس دولي عن التدخل، لكن في أيٍّ منها لم تكن هناك قوات أميركية فاعلة في الميدان نفسه أو جواره اللصيق. في الحالة السورية، ينشط الطيران الأميركي في الأجواء ضد «داعش»، وينشط مستشارون عسكريون على الأرض لمساندة الميليشيات الكردية، وهي حالة فريدة من التدخل الانتقائي، معطوفاً على التنسيق الجوي اليومي مع الطيران الذي يعتزم تنفيذ المجزرة الكبرى، ويكاد يقتصر سجله اليومي على مجازر صغيرة.

فوق ذلك، تريد موسكو تصوير مجزرتها المعلنة كأنها الضربة القاضية التي ستحسم الصراع في سورية، وقد ساعدت إدارة أوباما على تعزيز هذا التصور من خلال تركيز الأشواط الأخيرة لمفاوضات لافروف-كيري على الوضع في حلب، ثم أتى الانسحاب الأميركي كأنه يخلي الساحة كي تجهز موسكو على المعارضة نهائياً. هذا نوع من الحرب المعنوية لا يتناسب مع واقع الصراع السوري، رغم المكانة التي تحتلها المدينة، فمجريات الصراع غير متوقفة حقاً على بضع كيلومترات هي المساحة المحررة من المدينة. المجزرة، وفق هذا الاعتبار المتدني أخلاقياً، هي ذات مردود متدنٍ أيضاً في الحصيلة العامة للصراع، إذا استثنينا التواطؤ على تصوير المدينة ساحة لـ «أم المعارك».

النتيجة الوحيدة التي يُمكن تحصيلها من المجزرة، ووضعها أيضاً أمام الإدارة الأميركية المقبلة، هي تصفية الفصائل المعتدلة في المدينة، والقول بعدها إن الساحة باتت تقتصر على المتطرفين الإسلاميين. لكن، يُشك في مدى فعاليتها فيما لو قررت الإدارة المقبلة إدارة الصراع بطريقة مختلفة، لأن تصنيفات التطرف والاعتدال لا تشكل ذلك المعيار المبدئي الحاسم، ولا تستطيع موسكو بوحشية قصفها المزايدة على صعيد المبادئ والأخلاق.

قد تكون الوحشية القصوى رسالة الترهيب التي يريد بوتين إيصالها إلى دول المنطقة، فيما يصور إعلامه معركة حلب الحالية فيصلاً على صعيد الوجود الروسي فيها. فأخبار الحشد العسكري الروسي بحراً وجواً وبراً لا تتناسب مع الطبيعة المحدودة للمعركة أو المجزرة، وقد تكون في جانب منها رداً استعراضياً على حشود الناتو الأخيرة المتعلقة بالملف الأوكراني، إذ يصعب تخيل وظيفة ذات جدوى إلا إذا أصبح التخلي عن المنطقة نهجاً أميركياً لا أوبامياً فحسب.

أن يُعلن عن المجزرة، وألا يشغل خبرها الاهتمام اللائق، انحطاط يغري بالقول إن ترامب ضمير العالم المستتر. لكن ليس في وسع الضحايا، أمثالنا، تمني أن ينتخب الأميركيون المجزرة.

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى