صفحات سوريةفايز ساره

هل تحقق النصر على «داعش»؟/ فايز سارة

 

 

مضت أسابيع على إعلان قوى الصراع الرئيسية في سوريا انتصارها على «داعش»، وانتظمت في قائمة الإعلانات كل من روسيا وإيران والولايات المتحدة إضافة إلى نظام الأسد، وأضاف الرئيس الروسي إلى إعلان انتصار قواته على «داعش» إعلانه عن سحب قواته، التي شاركت في تلك الحرب، وإعادتها إلى أماكن تموضعها الأساسية مع الإبقاء على القوات المخصصة للمرابطة في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، اللتين أعطاهما نظام الأسد رخصة وجودهما على الأراضي السورية، كما أعلنت واشنطن تقييد دعهما لحلفائها من قوات سوريا الديمقراطية بعد انتصارهما المشترك على «داعش».

غير أنه وبعد تلك الإعلانات، توالت على مدار الأسابيع الماضية أخبار وتقارير، عن معارك وتحشدات وتحركات قام بها «داعش» في مناطق سوريا متعددة، شملت مناطق جنوب دمشق، وريفي درعا والقنيطرة، وريف حماة، وجنوب إدلب، وأماكن عدة في شمال شرقي سوريا، الذي كان مسرحاً لأهم معارك الحرب على «داعش» من جانب الروس والإيرانيين ونظام الأسد في دير الزور، ومن جانب الولايات المتحدة وحلفائها من قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في الرقة ومحيطها. بل إن الأخبار والتقارير، سجلت تقدماً لـ«داعش» في بعض المعارك، مما يؤكد أن الحرب على «داعش» لم تحقق انتصاراً حاسماً، يتوافق مع ما تم الإعلان عنه، رغم الخسائر التي أصيب بها التنظيم نتيجة فقدان سيطرته على الرقة ودير الزور.

وطبقاً للمعطيات الميدانية، فإن الشكوك في الانتصار على «داعش»، تبدو حقيقة واقعة. ولعل الأهم فيما يدعم تلك الشكوك، لا يكمن فقط في تحركات «داعش» والمعارك التي خاضها في الأسابيع الأخيرة، إنما في أن أحداً من المنتصرين في الحرب، لم يقدم تفاصيل انتصاراته على «داعش»، بإعلان عدد من قتلوا أو تم أسرهم من التنظيم، وما تم الاستيلاء عليه من أسلحة وذخائر ومعدات، كانت تمثل ترسانة التنظيم، التي راكمها طوال السنوات الماضية، واستعملها في انتشاره والحفاظ على سيطرته ضمن رقعة واسعة من شمال وشرق سوريا، وجاء أغلبها من الصين وروسيا وأوروبا الشرقية طبقاً لتقرير بلجيكي صدر مؤخراً، كما لم يتم الإعلان عن معلومات تكشف مصير من تبقى من عناصر وقيادات «داعش» الذين تسربوا من الرقة ودير الزور في خلال فترة استعدادات الأطراف لدخول الحرب، حيث لم يقل أي من المحاربين أين ذهب قياديو التنظيم ومقاتلوه، وأسرهم التي تمثل بيئة اجتماعية وآيديولوجية لفكر التطرف والإرهاب.

إن أهم ما تسرب عن تفاصيل الحرب، يمثله إعلان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن مقتل أربعة آلاف من مقاتلي «داعش» في المعارك ضده في سوريا والعراق، وهو عدد قليل من إجمالي عناصر «داعش» الذين كانوا موجودين في سوريا وحدها، والمقدر عددهم في المناطق الشمالية الشرقية باثني عشر ألفاً حسب أقل التقديرات، وحتى لو تمت إضافة خمسة آلاف من عناصر التنظيم، قال جاويش أوغلو إنه تم ترحيلهم إلى تركيا، فإن هناك آلافاً من عناصر التنظيم ما زالوا منتشرين في وحدات مقاتلة في سوريا، وثمة آلاف أخرى تحولت إلى خلايا نائمة للتنظيم، أو هي في طور إعادة ترتيب صفوفها، واستئناف معاركها على نحو ما تبين الوقائع.

إن ما أحاط بمجريات الحرب على «داعش» والتغطية على نتائجها، يؤكدان استمرار وجود التنظيم، وتواصل عملياته التي يمكن أن تتسع لاحقاً، وإن يكن بصورة مختلفة عما كانت عليه في السنوات الماضية، وهو تحول يبدو شديد الارتباط بقوى الصراع الرئيسية ومساراتها السياسية والعسكرية في سوريا، والتي تسربت معلومات، وكشفت وقائع كثيرة عن علاقاتها مع «داعش»، واستخدام الأخير من جانبها سواء في الصراعات البينية من جهة، أو في جهودها المختلفة لتأكيد أن ما يجري في سوريا هو حرب على الإرهاب والتطرف، وليس صراعاً بين النظام ومعارضيه من أجل مستقبل سوريا والسوريين.

وتطرح وقائع ما حصل في الحرب على «داعش»، أن ما جرى لم يكن هدفه حسم الصراع مع «داعش» أو تصفيته، إنما كان هدفه تحجيم التنظيم، ودفع ما تبقى منه للقيام بدور في مواصلة الحرب السورية من الناحيتين السياسية والعسكرية؛ إذ يحافظ من خلال وجوده من الناحية السياسية على استمرارية نظرية الحرب على الإرهاب والتطرف، ويغطي عجز أو عدم رغبة أطراف الصراع في التوصل إلى حلول سياسية للقضية السورية، ويتم استخدام «داعش» من الناحية العسكرية الميدانية لرسم خرائط متبدلة للصراع في سوريا وعليها، ويلعب دوراً في حسم الأوضاع القائمة في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد خصوصاً في إدلب أو في درعا وفي محيط دمشق سواء في الغوطة المحاصرة أو في جنوب دمشق، وكلها قضايا، كانت ستتبدل، إذا جرى حسم وضع «داعش» وتم تحقيق انتصار حقيقي عليه.

إن الحرب على «داعش»، رغم أهميتها وضرورتها، لم تدخل مستوى من الجدية في سلوك أطراف الحرب طوال السنوات الأربع الماضية، والفصل الأخير، لا يمثل تحولاً نوعياً فيها، بل تبدلاً في شكلها، وهو ما جرى اعتباره انتصاراً، فيما الانتصار الحقيقي أمر يتجاوز ربح المعارك العسكرية والذهاب إلى سياسات وإجراءات من شأنها الحد من التطرف ومحاصرة الإرهاب، ولعل الأهم في هذا الدفع نحو إجراءات بينها وقف قصف المناطق المدنية، ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة وفتح الأبواب أمام تدفق المساعدات الإنسانية والطبية، وإطلاق المعتقلين والسماح بعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم باعتبارها مقدمات لحل سياسي، يستند إلى المقررات الدولية خصوصاً في موضوع الانتقال السياسي. وما لم يتم المضي في هذه الطريق، فإن بيئة توليد التشدد والتطرف مستمرة، وسوف تغذي استمرار «داعش» وغيره من المتطرفين خاصة، إذا كانت أطراف الصراع السوري الرئيسية كلها أو أكثرها ذات روابط وخيوط مباشرة مع «داعش»، وترى أن له دوراً سياسياً وعسكرياً – ميدانياً مستمراً في القضية السورية.

الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى