صفحات الرأي

هل تدرك الثورات العربية ما ينتظرها؟


دمشق ـ غازي دحمان

تحمل الثورات العربية، وخاصة في البلدان التي عبرت المرحلة الاولى وأسقطت رموز الانظمة الحاكمة، جملة من فرص التغيير توفرها إمكانية الإنتقال إلى مقاربة أنماط سياسية وإقتصادية أكثر رشداً وعقلانية، وبقليل من الحمولات الإيديولوجية ذات الطابع الديماغوجي، تتوافق مع القيم العصرية في المواطنة وحقوق الإنسان، وليس بوصفها آليات إندماج (براغماتية)، أو أقله إعلان إنتماء للعالم الذي تسوده قيم الغرب، بقدر ما هي محاولة للتكيف مع قيم ذات طابع إنساني شمولي اتفقت أغلب الرؤى العالمية حولها، وإن جرى الإختلاف في تطبيقاتها العملياتية.

ولكن بنفس القدر، تستبطن الثورات العربية الناجزة، لناحية إسقاط رموز الانظمة السابقة، جملة من التحديات والمخاطر، التي يمكن تقديرها بإعادة تفعيل خيط الإستبداد وتشغيل نمط إحتكار الحياة السياسية من قبل مكونات بعينها، على اعتبار أن موروث الخبرات السياسية في هذا المجال يميل إلى هذا النمط من أنماط التعاطي السياسي، وما سواه يشكل اجتراحاً وخوضاً في اللامألوف. هذا ناهيك عن مخاطر الفوضى التي قد تتأتى عن ضعف خبرة الوافدين إلى الحكم في إدارة وتصريف شؤون المجتمعات، نتيجة ظروف موضوعية وذاتية رسختها حالة احتكار السلطة المديدة التي كان من نتيجتها قمع الحياة السياسية خارج أطر السلطة الضيقة.

في الخبرة السياسية العربية، سيطرت على المزاج العربي منذ بداية الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وبداية تشكل الدولة الوطنية المستقلة، نزعة الإنقلابات العسكرية، والتي أفرزتها، حسب الإجماع السياسي العربي، الظروف الإقليمية المتمثلة في هزيمة حرب عام 1948. وقد أخذ زمام المبادرة في هذه المرحلة القوة العسكرية على اتساع الوطن العربي، ربما باعتبارها القوى الأكثر تنظيماً في تلك المرحلة، حيث بادرت إلى إنشاء أحزاب وحركات سياسية مثل حالة مصر غداة استلام عبد الناصر للسلطة وليبيا في عهد القذافي، أو العمل على امتطاء صهوة حركات وأحزاب موجودة، مثل الجزائر وبعض دول المشرق، وذلك تحت دعاوى القومية العربية وتحرير فلسطين ورفع مستوى معيشة السكان، وسوى ذلك من القضايا التي تلهب حماس الجماهير، ولا تخضع بنفس الآن إلى الفحص المؤشراتي الذي يحدد الجدوى العملية للسياسات العامة المطبقة، وبذلك تصبح السياسة قضية متعالية عن يومياتها وحيثياتها، وتتحول إلى ممارسة ميتافيزيقية مقدسة يصبح معها النقد نوعاً من الكفر!

وكان من نتيجة ذلك، نزع السياسة من فضائها المجتمعي، وإحتكار ممارستها ضمن أطر سلطوية ضيقة صممتها تلك النخب بما يتناسب وإستراتيجياتها لديمومة إستمرارها في الحكم، بما يعنيه ذلك من إعادة صياغة الواقع السياسي والمجتمعي تحت سقف هذه الأنماط السياسية، والذي سيتحول في كثير من البلدان إلى إنتكاس السياسة لمرحلة ما قبل الدولتية، عبر تكريس البنى القبلية وتعزيز المشاعر المناطقية وشرعنة الحكم من خلال توازنات قائمة على هذا الأساس، مع الحفاظ على رأس هرم السلطة بإعتباره المرجعية المقدسة والراعية لهذه التوازنات.

كما كان من أبرز نتائج هذه المرحلة، تدمير التجربة الليبرالية العربية الوليدة، والتي ظهرت تطبيقاتها الاولى في أكثر من بلد عربي بعد الإستقلال، وإن كان يؤخذ عليها ملامحها الغربية، إلا أن المراجعة التاريخية لتلك المرحلة أثبتت أنه كان بالإمكان تطوير تلك التجربة والبناء عليها لنقل المجتمعات العربية من حالة التخلف إلى حالة أكثر تنظيماً، سواء من خلال مأسسة الدولة الخارجة لتوها من عهد إستعماري مديد لمواجهة إستحقاقات التنمية بمستوياتها السياسية، والإقتصادية-التقنية، والمجتمعية، أو لجهة بناء الأطر الدستورية التي تعين بدقة مساحات السلطة وحدود تحركها مقابل فضاءات حراك ونشاط المجتمع المدني.

والحال أنه تم نقل الدينامية العربية، على إتساع مساحة العالم العربي، من الأولوية الديمقراطية التنموية المتدرجة، والتي كان من الممكن إنجازها بتقنيات وآليات يصار إلى تطويرها ذاتياً وموضوعياً، مثل كثير من التجارب العالمية بهذا الخصوص، إلى شعارات القومية العربية الداعية إلى تحرير فلسطين دون أي مضمون قد يقود إلى تحرير حتى جزء من فلسطين، ودون تطوير آليات إنجاز هذذا الهدف، إن على المستوى الفردي، كل دولة على حدى، أو على المستوى الجمعي، من خلال تطوير مؤسسات النظام الإقليمي العربي ذات الإختصاص (إتفاقية الدفاع العربي المشترك)، ما ادى إلى فقدان أجزاء من البلاد العربية، الأمر الذي ما زالت أثاره وتداعياته مستمرة إلى اليوم من خلال خسارة أجزاء جديدة من الأراضي العربية.

ولعل أكثر ما يخشاه العربي، في زمن الثورات العربية الذي يتميز بعودة نهوض الروح الوطنية، أن تضيع هذه الفرصة بممكناتها الإيجابية وما حملته وتحمله من قيم إيجابية وتطلع نحو غد سياسي أفضل، كما كانت قد ضاعت فرص كثيرة، بدءاً من الوعد بتحرير الأرض المحتلة، أو الحفاظ أقله على البقية الباقية منها، وكذا ضياع فرصة الإستفادة من الفورة النفطية لإحداث التنمية، التي كان من المؤمل ان تحدث ثورة تنموية على مساحة العالم العربي بفضل تكدس الرساميل العربية.

والآن، والعرب أمام تحديات هائلة بفعل ثورة المعلومات والفضاءات المفتوحة وسرعة الإتصالات…، ينتصب سؤال هو الاخر على شكل تحد، هل تستطيع النخب المثقفة والمسيسة تجاوز واقعها التكويني وظروف نشأتها ومن ثم قيادة شعوبها، التي كان لها الفضل في تفجير هذه الثورات، وأن تضيء لها الدرب في عملية تحول تاريخي نحو أنظمة أكثر ديمقراطية تعلو فيها قيمة المواطنة والوطن، وتنبذ معها المماهاة بين الوطن وأي مكون سياسي، سواءً كان حزباً أو رئيساً أو قائداً؟، فهل هذه النخب على مستوى هذا التحدي

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى