صفحات العالم

هل دعمت السعودية حقاً إسقاط الأسد أم خدعت السوريين؟

 

 

لندن – الخليج أونلاين (خاص)

لطالما وقفت الأنظمة الملكية في وجه حركات التحرّر الشعبية خشية من أن تصل عدواها إلى شعبها، والملكيات العربية ليست استثناء.

فالكاتب السعودي جمال خاشقجي، عبّر قبل أيام عن خيبة أمله من عداء السعودية لثورات الربيع العربي، مؤكداً أنه كان يتمنّى “أن تحتضن السعودية الربيع العربي، وتتعامل معه كظاهرة حقيقية وليس كمؤامرة”، إذ اعتبر أن “مواجهة ذلك التحوّل هو سبب الفوضى التي تشهدها المنطقة حالياً”.

اللافت أن المملكة العربية السعودية، على الرغم من عدائها الواضح للثورة المصرية ودعمها الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي، ليس على نظام محمد مرسي فقط، بل على النظام الديمقراطي المصري الوليد برمته، كان لها موقف مغاير في سوريا.

فقد دشن العاهل السعودي الراحل، عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، في عام 2011، القطيعة مع نظام بشار الأسد؛ لقمعه المظاهرات المناهضة له، وأغلق السفارة السعودية في دمشق، وكذلك طرد السفير السوري.

وفي العام 2012، قامت المملكة العربية السعودية بدعم الجيش السوري الحر وفصائله، حيث أكدت صحيفة “فايننشال تايمز”، في مايو 2013، أن المملكة العربية السعودية أصبحت أكبر مزوّد أسلحة للمعارضة السورية.

كما تعاونت مع الولايات المتحدة على إطلاق برنامج “تيمبر سيكامور”، وهو برنامج سري بين الاستخبارات العامة السعودية ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية لتسليح المعارضة السورية وتدريبهم.

ويقول مسؤولون في الإدارة الأمريكية إن الاستخبارات العامة السعودية أمّنت السلاح والمال، وفي المقابل قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بتأمين تدريب المسلحين السوريين على استخدام الأسلحة الخفيفة والصواريخ المضادة للدروع.

– بسبب إيران لا لأجل الثورة

لكن ورغم هذه المعطيات، فإن هناك من يجادل أن الدور السعودي كان سلبياً على الثورة السورية، وأنه شهد بداية انتكاسة سياسية تلتها عسكرية، وأن منبع العداء للنظام السوري يكمن في قربه من إيران وليس تعاطفاً مع الشعب السوري الثائر.

إذ يقول الصحفي السعودي، أحمد عدنان، في سلسلة تغريدات له عن العلاقات السعودية – السورية، في أغسطس الماضي، إنه في الأيام الأولى للثورة قدمت المملكة دعماً عاجلاً لبشار يقدّر بـ 150 مليون دولار.

كما ذكر المعارض السوري، سلامة الكيالي، في مقابلة له مع موقع “مدى مصر”، في العام 2016، أنه “في أغسطس من العام 2011، وضعت الرياض 4 مليارات دولار بالبنك المركزي السوري لمساعدته على وأد الثورة، وترى أنها خطر سوف ينتقل إليها”.

وما يعزز هذا الجدال حديث الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، في يونيو الماضي، بكلمة له في طهران، أن الجانب الروسي توسّط من أجل أن تتم المفاوضات بين السعوديين والنظام السوري، وهو ما تمّ.

ويتحدث سليماني عن تفاصيل اللقاء قائلاً: “السيد محمد بن سلمان هذا عندما حضر في الجلسة، وكأنه ليس هناك أي شيء، فسأل عن أحوال السيد بشار الأسد، كيف حاله؟ كيف أحوال عائلته؟”.

ونقل سليماني عن ممثل النظام السوري، وهو رئيس مكتب الأمن القومي، علي مملوك، قوله: “رأيت أن الأجواء إيجابية للغاية فقلت تعالوا لكي نتّحد معاً ونحارب داعش الذي يشكّل خطراً مشتركاً عليناً جميعاً، فردّ محمد بن سلمان بالقول إن هذه المسألة ليست موضوعاً هاماً، نحن نستطيع القضاء على داعش وجبهة النصرة في يوم واحد لا تقلقوا! لديكم مشكلة واحدة؛ مشكلتكم هي العلاقة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، بمجرد قطعكم لهذه العلاقة واتخاذكم موقفاً معادياً لهم سينتهي كل هذا”.

https://youtu.be/6IDy0fKRRvA

– أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض

ويرى خبراء أنه مع تطوّر الأحداث في سوريا واشتداد عود الثورة السورية، باتت الرياض أمام معضلة حقيقية تجاه ما يجري، فهي من جهة تعادي الربيع العربي، كما في الحالة المصرية، لكن من جهة أخرى ترى في الثورة السورية فرصة للتخلّص من الأسد أو معاقبته على أقل تقدير؛ لتقرّبه من طهران، كما كان التواجد الإيراني العسكري مصدر قلق واضح على مصالح السعودية داخل سوريا.

ويرى مراقبون أن السعودية بسياساتها في سوريا قد تعاونت مع نظام الأسد في مهمته التي سعى إليها منذ بداية الثورة، المتمثلة في تحويلها أمام أعين العالم إلى ثورة “طائفية وإرهابية”، حيث أدت دوراً في دعم الفصائل “المتطرّفة السلفية” بعيداً عن مؤسسات المعارضة الثورية السياسية والعسكرية والمتجانسة حينها، ما شكّل حالة فصام في الثورة وتحويلها من ثورة منظّمة إلى حراك فوضوي يغلب عليه “التطرّف”.

وفي هذا الصدد يكشف المعارض السوري، ميشيل كيلو، في تسجيل صوتي له على “يوتيوب”، يعود إلى سبتمبر 2016، أن “الأمير بندر بن سلطان آل سعود، الذي كان مسؤولاً عن الملف السوري عام 2012، كشف عن اجتماعات تمت مع الحكومة السورية قبل الثورة من أجل محاربة جماعة المجتمع المدني في سوريا”، موضحاً أن “وزير الخارجية الأمريكي السابق، جون كيري، اتهم بن سلطان بتبديد الجهود الأمريكية لإسقاط النظام السوري”.

ويرى كيلو أن “السعوديين وإسرائيل يكرهون الديمقراطية”، مشيراً إلى أنهم “منذ اليوم الأول للثورة لا يريدون بلداً محكوماً ديمقراطياً أو إسلامياً، بل يريدون بلد فوضى، وما زالوا حتى اليوم يديرون هذه الفوضى”، موضحاً أن “الفوضى ستنتهي بتدميرهم حجراً حجراً”.

وتابع بأن “السعودية ليس لها حيل أو خطة أو قيادة، رغم أننا قلنا لهم بأن كل سوري يسقط هو بالنيابة عن خمسة سعوديين يسقطون بالحرب القادمة مع إيران، التي لا تُخفي أنها تريد التوجه إلى مكة”، لكن- وفق رأيه- فإن “السعوديين لم يقدّروا أن سقوط سوريا هو سقوطهم”.

واليوم يُجمع الخبراء المتابعون لتطوّر الأحداث في سوريا على أن السعودية خسرت كل نقطة تأثير هناك، بعد التغوّل الإيراني والروسي على حسابها فيها، فهل ينطبق على السياسة السعودية السالفة الذكر في سوريا مقولة: “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض؟”.

ولعل الحدث الأبرز الذي يحمل العديد من الدلالات هو إعلان رياض حجاب، رئيس الهيئة العليا للمفاوضات السورية، وكبير المفاوضين، محمد صبرا، والمعارضة سهير الأتاسي، استقالتهم من مناصبهم في الهيئة، قُبيل مؤتمر الرياض للمعارضة السورية، المزمع عقده في الـ 22 من الشهر الجاري، في حين أُعلن عن استقالة سبعة آخرين.

وقال حجاب في خطاب استقالته المقتضب، إنه يجد نفسه مضطراً إلى الاستقالة من منصبه “بعد عامين من العمل الدؤوب للمحافظة على ثوابت الثورة السورية”.

وجاء في البيان أيضاً: “منذ تولّي أعباء مهمة المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات، في ديسمبر 2015؛ أخذنا على عاتقنا مسؤولية تمثيل القضية العادلة للشعب السوري، ملتزمين بمبادئ الثورة التي نصّت على المحافظة على وحدة الأراضي السورية”.

وتستضيف العاصمة السعودية الرياض اجتماعاً موسّعاً للمعارضة السورية، بين الـ 22 والـ 24 من نوفمبر الجاري، بحسب ما أعلنته وكالة الأنباء السعودية الرسمية، الأسبوع الماضي.

وحجاب هو رئيس الوزراء السوري السابق، انشقّ عن النظام قبل سنوات، وذلك بعد بدء الأزمة في البلاد، عام 2011، وشغل قبل انشقاقه مناصب عديدة، منها وزير الزراعة.

يُذكر أنه في أغسطس الماضي، نقلت وسائل إعلام عن مصدر بالمعارضة السورية أن وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أبلغ حجاب بأن على المعارضة القبول ببقاء بشار الأسد، والخروج برؤية جديدة، “وإلا فستبحث الدول عن حلٍّ لسوريا دون المعارضة”.

وتابع المصدر، نقلاً عن الجبير، أنه لم يعد ممكناً خروج الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، “وأننا يجب أن نبحث مدة بقائه في المرحلة الانتقالية وصلاحياته في تلك المرحلة”، مؤكداً حينها أن مؤتمر الرياض -الذي سيعقد بعد يومين- سيعلن نهاية دور حجاب، الذي تولى منصبه في العام 2015، علماً أن الخارجية السعودية نفت لاحقاً صحة هذه الأنباء.

وترى مصادر سياسية متطابقة في المعارضة السورية، تابعها “الخليج أونلاين”، أن مؤتمر الرياض لن يكون فيه أي دور مؤثر للسوريين، وسيكون بوابة عبور لنقل الملف السوري بشكل كامل إلى روسيا، التي تتجهز لمؤتمر سوتشي، لقلب توازنات المعارضة السورية، بحيث تصبح الكتلة الكبرى للمعارضة الظاهرة دولياً هي الكتلة التي لم تعد ترى برحيل الأسد شرطاً أساسياً في سوريا، خاصة مع وجود منصتي القاهرة وموسكو، المحسوبتين على النظام السوري.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى