صفحات الثقافة

وصفة “مانغويل” لكي تحب كتابك وتقرأه/ مريم عادل

 

 

في أواخر ظهيرة أحد الأيام سنة 1964 في العاصمة “بوينس آيرس” كان الكاتب الأرجنتيني (خوري لويس بورخيس 1899-1986) في طريقه من المكتبة الوطنية التي كان يعمل مديرا لها، إلى مكتبة (بغماليون) الأنجلو ألمانية التي كان زبونا دائما لها، حيث يلتقي المهتمون بالأدب. اختار بورخيس عنوانين من الكتب ثم دنى من شاب يعمل في المكتبة وعرض عليه أن يأتي ليقرأ له بصوت مرتفع في المساء كعمل بدوام جزئي إن لم يكن لديه عمل آخر، إذ أن والدته بلغت التسعين وأصبح التعب ينال منها بسهولة، مما يضطره للبقاء بجانبها.(1)

كان هذا الشاب هو (ألبرتو مانغويل) الذي ألف فيما بعد مجموعة من أشهر الكتب التي تعتبر قصائد مدح في محبة القراءة والكتب والمكتبات. استمر ألبرتو في القراءة لبورخيس أربع سنوات، كان يزوره ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع في الشقة الصغيرة التي كان يعيش بها مع امه والخادمة فاني. فيما بعد علم ألبرتو مانغويل أن بورخيس منذ أن بدأ يفقد بصره وهو يتوجه بسؤاله ذاك للجميع: للطلبة والصحافيين الذين قدموا لإجراء مقابلة معه، وكذلك للكتاب. يقول مانغويل: “لسنوات عديدة، كنت محظوظا حد الكفاية بأن أكون من بين العديدين الذين يقرأون لخوري لويس بورخيس”، سجل مانغويل هذه التجربة المؤسسة التي قادته إلى لذة النص في كتابه “مع بورخيس”.(2)

لقد كان بورخيس يعتبر الكون مكتبة، وقد اعترف انه تخيل الفردوس أيضا على شكل مكتبة، كان يعتبر نفسه قبل كل شيء (قارئ) في المقام الأول، لم يكن يقرأ سوى للمتعة، ولم يجد نفسه أبدا مرغما على قراءة كتاب حتى الصفحة الأخيرة، يقول: “أنا قارئ ينشد المتعة: لم أشأ أن يكون للشعور بالواجب يد في شأن شخصي كشراء الكتب”، لقد كان يؤمن بأن “واجبنا الأخلاقي يتمثّل في أن نكون سعداء، وآمن بأنه يمكن العثور على السعادة في الكتب، ومع ذلك لم يتسنّ له أن يُفسّر لماذا كان الأمر هكذا”. إلى أي مدى تأثر ألبرتو مانغويل بولع بورخيس بالقراءة والكتب؟ ربما تعطينا كتبه التي ألفها فيما بعد بعض الإجابات.(3)

تاريخ القراءة: قصة الحب بين الإنسان والكتب

يعد كتاب “تاريخ القراءة” تجربة فريدة لألبرتو مانغويل، استغرق الكتاب سبع سنوات لكتابته، وبضع سنوات أخرى للإعداد والبحث، لقد انتقى مانغويل كلماته بحذر شديد، إذ تلقى أثناء كتابته دعم مالي من عدة مؤسسات في كندا. لدى مانغويل اهتمام كبير باللوحات والفن، فهو يبدأ تاريخ القراءة بمجموعة من اللوحات التي تصور (أصدقاء القراءة في كل العصور) وهم يمارسونها، يكتب عن كل لوحة وصورة في الصفحات التالية ثم يقول: ” كل هؤلاء قراء، كل إيحاءاتهم وقدراتهم ومسراتهم ومسئولياتهم، والطاقات التي تقدمها لهم القراءة معروفة لدى تماما”. يجمع مانغويل في هذا الكتاب الكثير من الحكايات والنوادر والطرائف والغرائب عن القراءة عبر التاريخ. يعتبر هذا الكتاب لمحبي القراءة بمثابة سيرة عن المحبوب.(4)

إن كتاب “تاريخ القراءة” هو بحث أو إجابة عن سؤال الأسباب التي دفعت الإنسان إلى حب الكتب والقراءة منذ أقدم العصور، من خلال كتابات أشهر الأدباء والفلاسفة الذين عرفوا بحبهم للقراءة والكتب، ومن خلال تجربته الشخصية أيضا، ينقسم الكتاب إلى جزئين هما: فعل القراءة وسلطان القاريء، “يجتاز مانغويل كل الأسئلة التي تطرح عن القراءة، وتلك التي لم يخطر على البال طرحها”(5)، مثلا ما هو الوقت المناسب للقراءة؟ هل هناك فرق بين الأدب الجاد والأدب الترفيهي؟ هل حُصرت المرأة عبر التاريخ في عصور الظلام في قراءات معينة؟ كيف كانت طقوس القراءة على مر الزمان؟ لماذا نرتبط عاطفيا بالقراءة؟ ما علاقة الترجمة بالنص؟ كيف نقلت لنا الكتب المزاج الثقافي في كل حقبة تاريخية؟ كيف اختلفت القراءة بين طبقات المجتمع؟ وما الفرق بين قراءة المحترف وقراءة المبتديء؟. نقلت دار الساقي هذا الكتاب للعربية بترجمة سامي شمعون.(6)

المكتبة في الليل

تحتوي مكتبة ألبرتو مانغويل على أكثر من 40 ألف كتاب، إنها عالم بحد ذاتها، وعندما قرر الكتابة عن مكتبته لم يكن يرغب في تصنيف تاريخ آخر للمكتبات، وإضافة مجلد آخر في المجموعة الواسعة بشكل مرعب في علم المكتبات، بل كي يسجل فقط وقائع دهشته، فهو يرى أنه أمر ملهم ومثير للمشاعر حين لا يتوقف عرقنا عن بذل الجهود في حقل يعد فيه النجاح معدوم، يقول: “كانت المكتبات، مكتبتي الخاصة أو تلك العامة التي أشارك فيها جموع القراء، تبدو لي دائما أمكنة مجنونة على نحو ممتع، وعلى نحو ما تسعفني الذاكرة كنت مفتونا بمنطقها الشائك، الذي يفيد بأن العقل، إن لم يكن الفن يحكم الترتيب المتنافر للكتب”.(7)

لعلنا نفكر لماذا “المكتبة في الليل”؟ يكتب لنا: “في الليل حين توقد مصابيح المكتبة، يختفي العالم الخارجي، ولا يبقى في الوجود سوى فضاء الكتب.. في الظلام والنوافذ مضاءة، وصفوف الكتب تتألق، تبدو المكتبة فضاءا مغلقا، كونا من قواعد متزمتة، تحل محل أو تترجم تلك القواعد السارية في الكون الآخر عديم الشكل… في الليل.. الأصوات تمسي مكتومة والأفكار يعلو صوتها.. الوقت يبدو أقرب إلى تلك اللحظة في منتصف الطريق بين اليقظة والنوم… بِرَك الضوء التي تتسرّب من المصابيح تشعرني بالدفء. وفي رائحة الرفوف الخشبية وعطر المسك المنبعث من الأغلفة الجلدية ما يكفي لتهدئة الأعصاب وإعداد الإنسان نفسه للنوم”.(8)

يكتب مانغويل عن المكتبة كأنها مدينة ساحرة تزداد ليلا جمالا وغواية؛ وهو ينحاز بوضوح للمكتبة الورقية، ولا يرى أن المكتبات والكتب الالكترونية قادرة على أن تعوض وجود المكتبة، فهو يرى أن الشبكة العنكبوتية مجرد أداة تساعد على الحصول على المعلومات السريعة والموجزة لكنها غير قادرة على مساعدتنا في اكتساب المعرفة العميقة، يكتب: “ليس لنا أن نلومها على الانشغال السطحي بالعالم الذي نعيش فيه. وهي تظلّ قاصرة عن أن تزودنا بالمركّز والعميق”، “المكتبة في الليل” دراسة حميمة في إمكانات القراءة “كتجربة وفعل وشكل ومعنى ورمز، يعكس فيه الكاتب فلسفته الخاصة حول مفهوم «المكتبة» كمكان وشكل وهويّة وسلطة وخيال”.(9)

يوميات القراءة

بدأت فكرة كتاب “يوميات القراءة: تأملات قاريء شغوف في عالم القراءة”، قبل بلوغ مانغويل الثالثة والخمسين، عندما قرر أن يعيد قراءة بعض كتبه القديمة المفضلة يقول: “وقد دهشت أن ألاحظ كيف تبدو هذه العوالم المتراكمة المعقدة من الماضي، انعكاسا للفوضى السوداوية التي يحياها عالمنا الحاضر. قد يلقي مقطعا في رواية الضوء فجأة على مقالة في صحيفة يومية، ومشهد معين يمكنه أن يستعيد حادثة شبه منسية، وكلمات قليلة يمكن أن تكون باعثا لتأملات طويلة، لذا قررت أن أسجل مثل هذه الانطباعات”.(10)

خلال سنة أعاد مانغويل قراءة كتاب من كتبه القديمة كل شهر، وكان يعمل على أن يكون الكتاب هجين من المذكرات الشخصية والكتاب العادي: “مؤلف يشتمل على ملاحظات وتأملات وأدب رحلات، وصور وصفية لأصدقاء ولأحداث عامة، وشخصية مستلهمة كلها من قراءاته”، اختار مانغويل قائمة متنوعة من الكتب، وكان يكتب بدون ترتيب الأفكار التي تمر برأسه، فهو ينتقل عبر صفحات الكتاب من مكان إلى مكان، والمكان المقبل دائما مفاجأة للقارئ.(11)

فن القراءة

يجمع كتابه “فن القراءة” مجموعة من المقالات والمحاضرات التي كتبت وألقيت في أزمنة متفاوتة، كل مقال يتحدث عن فكرة مرتبطة بفعل القراءة، ويجمع بين كل هذه الفصول رواية آليس في بلاد العجائب، ففي بداية كل فصل جديد يوجد اقتباس من الرواية يضع بوصلة أمام القارئ عن مسار الذي سوف يتخذه المقال. يحب مانغويل هذه الرواية كثيرا وفي لقاء له يقول: “قرأت الكتاب كسيرة ذاتية لي، وجدت أن جميع تجارب حياتي قد صورت بسخرية وذكاء، وشعرت أن “أليس” هي أختي الروحية”.(15)

يعود مانغويل في مقاله الأخير (نهاية القراءة) لمناقشة المكتبة والكتب الإلكترونية مرة أخرى، يكتب: “شيدنا بفضل مهاراتنا التقنية مكتبات افتراضية يقترب المكان من أجلها من اللانهائية، لكن حتى هذه الأفلاك الإلكترونية لا تستطيع إنقاذ أشكال معينة من النص للأجيال القادمة، في هذه المكتبات الشبحية لا يكون للنص المادي والكلمة المجسدة وجود”. أثناء كتابة هذا الكتاب عام 2010 كان مازال هناك جدل واسع حول مشروع جوجل (المكتبة العالمية الرقمية)، الذي قدمت جوجل به نفسها للعالم ككيان خير لا كمستثمر لارثنا الفكري، كان مانغويل يرى أنه بالرغم من أهمية الأمر إلا أنه ومع وجود مثل هذه المكتبة الاستثنائية، ستظل المكتبات الورقية أساسية.(12)

ألبرتو مانغويل.. القراءة من أجل القراءة

لقد كانت كل موضوعات كتب ألبرتو مانغويل تدور عن القراءة. إن اهتمام مانغويل بالقراءة والكتب والمكتبات يشبه الهوس؛ معظم الناس يقرأون للمتعة أو للمعرفة أو لاهتمامهم بموضوع معين، ويستمتع معظمنا بأشياء أخرى إلى جانب القراءة حتى لو كانت القراءة هي طقس يومي لدينا ولا يمكننا الاستغناء عنه؛ لكن الأمر لدى مانغويل يبدو مختلفا، لقد شيد الرجل عالما مختلفا حدوده جدران مكتبته الهائلة، ونحن نقرأ مانغويل ربما يراودنا شعور بأنه لا يقوم بأي فعل آخر غير القراءة. يضفي مانغويل على كل تعامل له مع الكتب والمكتبة مسحة حسية تحمل عواطف مكثفة، يكتب:

“عرفت أنه حالما تجد الكتب مكانها سأجد مكاني، لا يسعني تذكر زمن لم أكن أمتلك فيه مكتبة من أي نوع. المكتبة الحالية هي نوع من سيرة ذاتية متعددة الطبقات، كل كتاب يحتفظ باللحظة التي قرأته فيها أول مرة. الخربشات على الهوامش، الموعد العرضي على الورقة الأولى البيضاء، تذكرة الحافلة الباهتة تؤشر إلى صفحة لسبب يبدو لي اليوم غامضاً، كلها تحاول أن تذكرني بمن كنت حينذاك. في كل مكان استقر فيه، كانت تبدأ مكتبة بالنمو مستقلة بنفسها تقريباً. في باريس وفي لندن، في الحرارة الرطبة لتاهيتي، في تورنتو وفي كالغاري… بيت محتل من الكتب.. في ما بعد في بيتي في تورنتو، وضعت رفوفاً للكتب في كل مكان، في غرفة النوم والمطبخ، في الممرات والحمام. حتى الشرفة المسقفة كان لها رفوفها، إلى حد أن أطفالي كانوا يتندرون قائلين إنهم بحاجة إلى بطاقة مكتبة للدخول إلى بيتهم الخاص”.(13)

عندما سئل إذا كان على وعي بأنه ينتج نوعا جديدا من الأدب أو طريقة أخرى في قراءة ونقد الكتب، أجاب: “لم أكن على دراية حينها بأنه كان نوعاً جديداً؛ إن تعريفات النوع الأدبي تتعلق بقيود لا أقبلها، وكل كاتب (ما لم يكن لديه أو لديها عقل بيروقراطي) يمزج ويناسب بين ما نتفق أو نختلف على تسميته «النوع». فلقد مزج براوننغ القصائد الشعرية مع المناجاة المسرحية، وجمع ابن بطوطة بين قصص الرحلات والسير الذاتية، وكتب بورخيس القصص الخيالية التي بدت مثل دراسات، كما أن أبو العلاء المعري نسج الكتابة اللاهوتية في الكوميديا الشعرية. ولأن القراءة بالنسبة لي هي الوسيلة الطبيعية لتجربة العالم، فإن تعليقاتي على ما أقرأ هي نوع من أنواع السير الذاتية والنقد والأبحاث التاريخية، وفي بعض الأحيان مقتطفات من قصص مختلفة”.(14)

ولد مانغويل في بيونس آيرس عام 1948 لأسرة يهودية، وهو أرجنتيني المولد كندي الجنسية، عاش في إسرائيل مع عائلته سبع سنوات، وعندما سئل عن ما الذي يعنيه له كونه يهودي، قال: “لا شيء مطلقًا. حقيقةً لم أكتشف بعد أن عِشتُ بإسرائيل سبع سنوات لم أكتشف أني كنتُ يهوديًّا إلي قرب العاشرة من العمر”.(16) يعتقد مانغويل أن الأدب الجيد لا يجب أن يكون ذا عقيدة دينية أو سياسية. عندما سئل مانغويل عن وضع الأدب العربي الآن على خارطة الأدب العالمي، أجاب بأن الأدب العربي له أهمية استثنائية لكن من لا يقرأ العربية لن يمكنه الوصول إلى ما يكفي منه في إشارة لقلة الترجمات العربية ورداءتها، ومن خلال قراءاته أشاد بأعمال كل من رشيد بوجدرة، ومحمد البساطي وسنان أنطون، واعتبر (محمود درويش) أحد أعظم شعراء القرن العشرين. ترجمت دار الساقي ودار المدى معظم أعماله في طبعات متعددة.(17)

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى