صفحات الثقافة

يوسّا ومرض السياسة/ محمد حجيري

 

 

ماريو فارغاس يوسا الذي يقول “هكذا هي السياسة، انها شق الطريق بين الجثث”، شارك في التظاهرة المناهضة لاستقلال كتالونيا، واعتبر الاستفتاء على استقلالها وانفصالها عن إسبانيا “هراءً سخيفاً”، وأن “هذا الاستفتاء لن يحدث، إذ لا علاقة له بواقع عصرنا، فهو لا يستند إلى أي شيء، بل على العكس سيساهم في تلاشي جنسيات داخل المنظمات العامة الكبيرة مثل الاتحاد الأوروبي، التي تعتبر من أهم ابداعات الديموقراطية”.

ووفقاً لصحيفة “إلموندو” الإسبانية، وصف يوسا، الاستقلال، بـ”المرض” الذي ينمو في كتالونيا وسيجعلها تفشل، قائلاً: “كل المؤسسات الشرعية فى العالم ترفض هذا الاستفتاء، لأنه في مجمله غير دستوري وغير قانوني، وأملي أن تكون لدى الحكومة الإسبانية القوة الكافية لمنع هذا الانقلاب”. وأكد يوسا، أمام مئات الآلاف الذين تجمعوا في برشلونة، أن أي “مؤامرة انفصالية” في هذه المنطقة لن تقضي على الديموقراطية في إسبانيا، وقال: “الديموقراطية الإسبانية هنا وستبقى هنا، وأي مؤامرة انفصالية لن تقضي عليها”، بعدما أشاد ببرشلونة “عاصمة الثقافة الإسبانية المنفتحة على العالم”. وأضاف: “نريد أن تعود كاتالونيا عاصمة إسبانيا الثقافية كما كانت عندما أتيت لأعيش هنا”، ورأى أن “الشغف قد يصبح مدمراً ومتوحشاً عندما يغذيه التعصب والعنصرية. والشغف الأسوأ هو الأكثر ضرراً في التاريخ، الشغف القومي”.

لا ندري إن كان موقف يوسا نابعاً من خلفيات أدبية، أم من رأي سياسيّ يضاف الى سلسلة مواقف اتخذها في حياته. فالروائي الحائز على نوبل للآداب 2010، عُرف بتقلباته الفكرية والسياسية، والتي تأرجح فيها بين اليسار إلى اليمين، بين الشيوعية الراديكالية والليبرالية القصوى. بدأ حياته الأدبية والسياسية، يسارياً متطرفاً، وانشغل بحركات العنف وحرب العصابات التي عمت العالم في الستينيات. وعندما كتب “المدينة والكلاب” كان أسير الفليسوف الفرنسي سارتر من جهة، وقائد الثورة الكوبية كاسترو من جهة أخرى. ويقول يوسا عن هذه الرواية، خلال مقابلة أجرتها معه الكاتبة كوليت مرشيليان: “أعتقد أن فترة الطفولة والمراهقة وكل ما يجري خلالها من تجارب قاسية أو صعبة، هي فترة حاسمة في حياة كلّ إنسان، خصوصاً في حياة الكاتب، لأنّ هذا الأخير هو في موقع قول أو كتابة أو استرجاع ما ترك أثره فيه، فتطلع عليه هذه التجارب من مرحلة المراهقة المؤثرة. لقد اكتشفتُ كل مشاكل البيرو السياسية والاجتماعية خلال إقامتي في تلك الأكاديمية العسكرية، وتأثرتُ بشدّة حين لمستُ كم أن البيرو هو في مواقف محتدمة، إن في الوضع الاقتصادي أو لناحية العنف أو الفروق الاجتماعية، وكلّ المشكلات التي تنتج عنها من نزاعات وعذابات. لقد نقلتُ هذا العالم إلى روايتي الأولى، لكن الأمر تكرّرعندي بأساليب مختلفة في روايات لاحقة”…

ولئن بدأت تعرية الديكتاتور عند يوسا مع الرواية المذكورة (أي المدينة والكلاب)، إلا أنه يبدو في أوضح صوره في “حفلة التيس”، حيث صوّر الديكتاتور الدومينيكاني رافائيل  تروخيلو، الذي اغتيل في المدينة التي أسماها باسمه العام 1961. كان تروخيلو صديقاً للولايات المتحدة وفاسداً للغاية، حتى أن “سي آي إي” أرادت التخلص منه. لكن الروائي الثائر سرعان ما “ارتد” إلى الليبرالية في العام 1984 عندما صدرت روايته “قصة مايتا”، والتي أثارت جدلاً تجاوز البيرو وأميركا اللاتينية إلى العالم كله. ويوسا الذي بدا، مع تقلباته الفكرية المفاجئة، حذراً من السياسة التي قال عنها إنها مصدر كل عنف وتعسف، سرعان ما وجد نفسه في قلبها وهو ينضم إلى “تجمع ليبرتاد” المناهض للشيوعية، واستهوته تلك اللعبة فقادته إلى الترشح في الانتخابات الرئاسية. ففي العام 1990، ترشح يوسا لمنصب رئاسة الجمهوريّة في البيرو كليبرالي، قبل أن يتفوق عليه فوجيموري مع الأحزاب اليسارية، بنسبة 56,5 في الجولة الانتخابية الثانية. ومن بعدها، أدار يوسا ظهره للسياسة ولبلاده، وقال ان الأدب والسياسة لا يلتقيان.. “فالكاتب شخص يعمل وحيداً وهو يحتاج إلى استقلال كامل وعزلة أكيدة، أما السياسي فهو شخص يعمل كتابع. إنه مستعد للقيام بكل التنازلات التي لا يمكن للكاتب أن يقوم بها أبداً”.

وسافر يوسا إلى إسبانيا، ونال جنسيتها، وهو، منذ ذلك الحين، يعيش متنقلاً بين مدريد وبرلين ولندن وباريس. عاد من جديد إلى الرواية في العام 1993 مع “ليتوما في جبال الأنديز” التي تناولت تجربته السياسية الفاشلة، إضافة إلى وقائع مجزرة جبال الأنديز في العام 1983 والتي راح ضحيتها ثمانية صحافيين. وأبعد من تقلباته بين اليمين واليسار، فالكاتب الذي اتُّهم بدعم اسرائيل، تلقت الأخيرة صدمة كبيرة ممّن كانت تتباهى بكونه صديقاً لها. قال عن إسرائيل: “أصبحت إسرائيل دولة قوية ومتعجرفة، ودور أصدقائها أن ينتقدوا سياساتها بشدة”، مؤكداً أنه يشعر بالخجل لكونه “صديقاً لها”. أيضاً، كتب  يوسارواية انتقامية من منافسه فوجيموري وعنوانها “الزوايا الخمس”، لم تلق ترحيب النقاد، وذكره بعض كتّاب البيرو برواية “المدينة والكلاب” الجديرة والتي ترجمت الى عشرات اللغات.

والحال ان يوسا، البيروفي، حامل الجنسية الاسبانية، تبدو السياسة في حياته نوعاً من “مرض” أيضاً. لم يكن مفاجئاً أن يتظاهر ضد كتالونيا. ورغم تقلباته الفكرية والسياسية، إلا أن عالمه الروائي يبدو متجانساً.

والسؤال هو: هل يمكن اعتبار مشاركة يوسا في تظاهرة ضد استقلال كاتالونيا “هراءً سخيفاً” أيضاً؟!

المدن

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى