مراجعات كتب

”بانوراما الموت والوحشة” للسورية رشا عمران: الشاعرية المتشظية كالحرب/ هاشم شفيق

 

 

يشي عنوان المجموعة الشعرية الجديدة للشاعرة السورية رشا عمران « بانوراما الموت والوحشة « بما يقع الآن في سوريا، بلدها الجميل والرقيق الذي دُمّر وحُطّم مثل تحفة من الكريستال، لتتشظى سوريا قطعاً ومزقاً وأوصالا، بعد الهبّة الثورية التي نادى بها الشباب السوري الثوري الغاضب، الحالم بتغيير المسار في بلاده الى مسار حرّ وجديد ومختلف .

تأتي هذه المجموعة، الصادرة عن دار « نون « في رأس الخيمة، وهي الخامسة للشاعرة رشا عمران، بعد صدور أربع مجموعات شعرية لها، آخرها كان « معطف أحمر فارغ «. لاحظ العنوان القديم السابق لهذه المجموعة وقارن بعنوان مجموعتها الجديدة، الحافلة بأجواء الحرب والموت والخراب والتراجيديا البشرية التي عصفت ببلد رقيق وأنيس وغير قادر على تحمل خدش صغير، فكيف به أن يتحمل كل هذا الدمار الذي أحاطه من كل حدب وصوب، فتكالبت عليه القوى الإقليمية والعالمية لتدير آلة الموت والمحو والقتل في ربوعه الندية والآسرة .

شيّدتْ رشا عمران بنى تعبيرية آسرة حقاً في مجموعة « معطف أحمر فارغ «، فيها نداءات حبيّة، وتصورات شبه إيروتيكية، ملغزة، حالمة ، لفتاة عاشقة، أو شاعرة متولهة بالحب والجمال والفن، وإذا بها في هذه المجموعة تحيطنا بنذر العزلات والوحدة والوحشة. إنه لون الواقع الجديد الذي تعيشه رشا عمران، وهو هكذا واقع ذئبي، عالم تتآكل فيه الأخوّة. ولقد أشار الى ذلك باكراً الشاعر القدير ممدوح عدوان في روايته « الأخوة الأعداء « مستوحيا رواية لديستويفسكي بعنوان « الأخوة كرامازوف « .

حقاً هذه الحرب التي بدأت على شكل تظاهرة سلمية، تحولت الى جحيم أين منها جحيم دانتي الأيغيري، جحيم وقودها الناس والحجارة والطبيعة السورية النادرة في جمالها وتنوع ذلك الجمال الى طبقات من الجنات الصغيرة الوديعة .

أية وداعة نرى الآن، لقد أمحا ذلك السرّ الفاتن لسوريا، وحلّت مكانه جزر الرماد والدم وتقطيع الجمال وذبحه بساطور الجزار والمستبد والطائفي الكريه والحاكم الجاهل الذي أودى بالجمال ومصنّفاته الكثيرة ونسخه الرائعة والمثيرة على مرّ التاريخ الى متاريس وعوازل وكانتونات تعيث فيها الميليشيات المسلحة من المرتزقة، خراباً ودماراً، وتهجيراً وتسفيراً وقتلاً وانتهكات للحريات والحرمات وللجسد الآمن الذي كان يرتدي معطفه الأحمر ويحلم بالحرية .

ربما لم تتدرك رشا عمران انها ستواجه ذلك اليوم وهي في قريتها الأنيقة « الملاّجة « في الساحل السوري، أن تكتب ديواناً ممتلئاً بانورامياً بصور ودلالات واستعارات للموت والقتل والدم، الذي غدا يملأ الشوارع، على حد تعبير شاعر شيلي العظيم بابلو نيرودا الذي كتب : « تعالوا وانظروا الدم في الشوارع « بعد الانقلاب الفاشي على حكومة صديقه اليساري البارز سلفادور الليندي، الذي جاء الى سُدّة الحكم عقب انتخابات ديمقراطية. لكن القتلة من الحكام لا يؤمنون بالديمقراطية، ولا بمشتقاتها من جماليات إنسانية، فيصرّون على البقاء الى أبد الأبدين « سوريا الأسد الى الأبد « وإنْ أجروا انتخابات فلسوف تأتي النتيجة تسعة وتسعين في المئة، لا بل وصل الأمر بصدام حسين الى مئة بالمئة، ولسان الحاكم المبلول بالدم يقول» ليس هناك من معارضة غيري»، فالديموقراطية بالنسبة للبعض منهم هي» مثل شخص يأكل الملوخية وآخر يأكل البامياء» كما قال حسني مبارك في إحدى خطبه البلهاء مرة، والأنكى من الأول الثاني القذافي الذي قذفنا بفكرته اللوذعية، الغبية، بأن الديمقراطية وهي مفردة لاتينية « ديموكراسي « تعني بالنسبة له» ديمومة الجلوس على الكراسي « .

إنها حقا ً» بانوراما الموت والوحشة « ونحن نخوض غمار هذه الأجواء التي أبعدتنا قليلاً عن الفن الشعري، الذي جاء مختلفاً تماماً عما سبقه من اشعار لرشا عمران، فهي في هذا المنحى تكرّس مشاهد حقيقية للدم والجثث المقطعة وللثورة التي أهدر نورها على مذبح الفاشية المعتم، وكونها شاعرة « متيقنة من الحدث» كما قالت في المقطع الأخير من « بانوراما الموت والوحشة « ستراقب ما كانت تراه بدقة شاعرية، وهذا حقاً ما رأته وكما وصفته وسطرته في مقالات لها، لتكتب بصدق جارح وموجع ومؤلم عما رأت وشاهدت ولمست عن كثب. فهل هذا هو نشيد الدم الذي تسطّره رشا عمران وتُشهره ليكون وثيقة شعرية دامغة أمام القتلة ؟ إنه الدم الذي ينبثق فعلاً ؟ : « من القاتل يحفر كل لحظة مجارٍ جديدة للدم/ من مجارٍ لدم سائل لا يتخثر/ من دم لا يتبخر / دم من المدن البعيدة / دم من المدن القريبة / دم لا لون واحد له / ولا زمرة واحدة ؟ دم يلطخ الشاشات الكبيرة والصغيرة / دم يلطخ سماعة الهاتف/ دم معارض / دم موالٍ « دم في الاجتماعات الطارئة في الغرف السرية / دم في الحلوق / دم في المفردات / دم في الضحكات المباغتة / دم في السهر / دم في الجنس / دم بديل عن الدمع / دم في الهواء / دم في الغبار / دم في السجائر / دم في المشروب الرخيص / دم في الليل / في الستائر/ على الكنبة على السرير / دم على الأصابع/ دم في الوحشة / وفي الحنين والانفصال عن المكان / دم في النعاس في النوم في الكوابيس / دم في محاولات التاقلم / دم في البيت الغريب / في الشوارع الغريبة ، دم لم أتنفسه يوماً / دم في كل شيء / دم يتركه القاتل / يطلقه القتلة / القتلة الذين ما زالوا هناك».

لكن ليس غير الدم والخراب والضياع والهجرات والترحال هو ما يسود مجموعة « بانوراما الموت والوحشة «، بل هنالك ايضاً لحظات صفاء وتأمل في الحب وما قد يمنحه هذا التأمل والسرحان فيه من نسمات سحرية، تسعى من خلالها رشا عمران الى تطرية يومها وهي تعيش غربتها الأولى، في بلد عربي، يحاول أن ينسيها مصائب بلدها، ويعوّضها عن غياب أهلها، دون شك، فمصر هي أمّ الجميع .

وما دمنا في سيرة الأهل والمدينة التي تحبّها، دمشق، وقريتها الطاعنة في الجمال والفتنة، في الساحل السوري» الملاجة « قرية الشعر والطبيعة المؤثرة والنادرة، وقرية الهدوء والسكينة، تُرى أثمة هدوء وسكينة، بعد مدافع الحرب والبراميل الساقطة من السماء في كل حدب وصوب، ماسحة الأرض السورية ببارود الهمجية؟

٭ كاتب عراقي

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى