مراجعات كتب

سوريا ولبنان: مفاعيل الانفصال/ أحمد بيضون

 

 

لعل «التردد» أو «امتناع القطع» أو «اللايقين» هي الألفاظ الدالّة، مجتمعة أو منفردة، على ما تراه اليزابيث بيكار، في الكتاب الذي كرّسته للعلاقة السورية اللبنانية، سمةً عامة لهذه الأخيرة بما هي مسارٌ تواصَل منذ انهيار الدولة العثمانية وأيلولة البلادين معاً، بعد مرحلةٍ من السعي المحموم هنا والمقاومة هناك، إلى حجر الانتداب الفرنسي.

فقد ظلّ التوق إلى وحدة بلاد الشام وإلى تحصيل نوع من الاستقلال لها من جهة، والسعي إلى نوع من الانفصال اللبناني من الجهة الأخرى، يتجاذبان مواقف الجماعات في الردح الأخير من القرن التاسع عشر، وفي العقدين الأوّلين من القرن العشرين. في مرحلةٍ شهدت أيضاً «اختراع الأمة العربية» على أيدي مثقفين وسياسيين وتشابك هذا المنطلق مع الخيارين الآخرين على نحو أدخل على الساحة نسبة مضافة من اللبس والتردد، فبدا القرار الفرنسي الذي باشر رسم الخرائط الجديدة، بعد ميسلون، ترجيحاً لوجهةٍ على أخرى، ترجيحاً كان التنبّؤ به قد ظلّ إلى عهدٍ غير بعيد مطبوعاً بالمجازفة.

لم يكن القرار الفرنسي، حين اتّخذ، يعوزه المؤيّدون بين كتل الأهالي. وهو ما كانت أشارت إلى شيء منه (وإلى شيء من خلافه أيضاً) بعثة كينغ كرين الأمريكية في سنة 1919. ولكن القرار، أيّ قرار، لم يكن له أن يفرض على التاريخ الجديد وجهة وحيدة متخلصة من ميراث العهد السابق ومن وَقْع ما كان محمولاً عليه من بنىً ونوازع وحدةٍ وانقسام. يحمل هذا الحدّ المرسوم لفاعلية القرار الذي اتّخذته قوّةٌ أجنبية محتلّة مؤلّفة الكتاب على استدعاء تصوّر «العثمانية». وهي توضح أن ما تريده بـ»العثمانية» مفهومها الأنثروبولوجي لا مفهومها التاريخي ولا مفهومها الأيديولوجي، أي أن عثمانيّتها ليست استعادة لمساقٍ طويل المدّة، متقلّب الوجوه والمفاعيل، ولا هي دعوة ذات عبارة سياسية، وإنما هي جملة أعراف تنتظم علاقات التضامن والتنازع في مجتمعات تؤلّف العشيرة والعائلة والطائفة وحداتها الرئيسة وتمثّل العصبية «صَرْفها ونحوها» الإجماليان.

لم تجهل الدولتان الناشئتان أهمّية العصبيّات. ولكن الصورة المستخلصة من جملة تاريخهما المعاصر تفيد بأن الدولة اللبنانية اعتمدت العصبيات قاعدة صريحة، وإن لبثت موضوع شكوى، لنظامها فيما نَحَت الدولة السورية نحو الجمع ما بين إنكارها، في المبدأ وتسخيرها في الواقع، لحماية السلطة القائمة. ههنا تنبّه بيكار إلى بُعد هذا التشخيص عن المنزع الثقافوي الذي يعوّل على فاعلية ثابتة لما يسمّيه «البنى التقليدية». فتشدّد على أن هذه البنى إنما تفعل بتوسّط التمثّلات المتغيرة التي تتّخذها مرجعاً. وهي قد بقيت ذات امتياز فعليّ، من هذا الباب، يعاد النظر في دلالاتها وأدوارها ولكنها تفلح في استيعاب المصالح الاقتصادية والمطامح الفردية، مثلاً، حائلة بينها وبين الاستقلال والاستقرار.

وإذا كانت الطائفة هي التي بدت متصدّرة بين الجماعات العصبية حين طرح موضوع النظام السياسي في نطاق الدولة، فإنها بدت أيضاً في وضع منافسة وخلخلة لهذا النظام. هي من جهة سور حماية للأفراد المنتمين إليها، وخصوصاً للفئات الدنيا منهم، وهي بابُ تراكُمٍ للسلك المذهبي وللأعيان، على اختلاف المنابت الفئوية، حيث يفلح هؤلاء في فرض توسّطهم ما بين الطائفة والدولة. ولكن الطائفة، حيث تتخذ قيافة «الجماعة المتراصّة»، على الخصوص، تميل بأتباعها إلى تجاهل الحدود بين الدولتين. وإنما يحدّ من هذا الميل أو يطوّعه، في الحالة التي نعرض لها، وجود استقطاب طائفي أيضاً ما بين الساحل والداخل منح لبنان، في معظم تاريخه المعاصر، مُسْكة مسيحية واجهت المسكة الإسلامية الغالبة على سورية، بل إن التضامن الطائفي نفسه يمكن أن يتراخى – في ما ترى بيكار – بفعل تباين المواقع التي تتوزّع كتل الطائفة في الجغرافيا الإقليمية وتنابذ الزعامات في كلّ طائفة.

في المساق نفسه، لا بدّ من الالتفات إلى عصبية العشيرة أيضاً. وهو ما يملي ملاحظة التآكل الذي أصاب البداوة الشامية في قرن من الزمان بأثر من الحدود السياسية الجديدة ومن تقدّم النقل الذي أتاح جلب العلف إلى الماشية عوض الرحيل بها إليه. على أن ما بقي يخبو وينبعث من عصبية العشيرة زكّى مقاومة بعيدة الغور لسلطة القانون الحديث وبيرقراطية الدولة أساسها اعتياد سلطة الشيخ والعرف. وهو ما تَمثّل في إباء التشكّلات العصبية أن تعتمد في تحرّكاتها المنطق الطبقي أو المصلحة القطاعية وأن تتقبّل إرساء التراتب في مؤسّسات الدولة والمجتمع على مبدأ الكفاءة الذي تعتمده البيرقراطية الحديثة.

مع هذا تبقى إليزابيت بيكار بعيدة عن الاستهانة بالقطع الذي مثّله إنشاء الدولتين. هي ترى أن نظام الدولة الجديد هذا لم يبطل القديم بمثلّثه العصبي. تداخل النظامان وبقي تنافرهما دون عتبة التنافي، إذ لم يكن لهما أن يتنافيا. وقد أورثت هذه الحال نوعاً من اللايقين ذكرناه بقي مخالطاً صفات الدولة حين يدور الحديث على سوريا ولبنان، بعد قرن تقريباً مضى على تقسيم الدولة العثمانية. ومع أن العصبيات أعادت تأويل نفسها في ضوء نظام الدولة الجديدة، فإن موقف هذه الأخيرة منها بقي غير مستقرّ. مثلاً، ظلّت الدولـــة تترجّح بين الاعتراف بهذه العصبية أو تلك وبين منازعتها تمثيل المنتمين إليها.. لداعٍ قد يكون أيديولوجيّاً وقد يتعلّق بتقدير كلفة الاعتراف.

من الجهة اللبنانية تتابعت، من غير أن تنسخ كلّ منها الأخريين، ثلاث روايات لتاريخ البلاد كان لكلّ منها وقع خاصّ بها على تمثّل العلاقة اللبنانية السورية. فإن تصوّر «الوطن المسيحي في الشرق الإسلامي» كان يرسم موقعاً من سوريا غير ذاك الذي رسمه التوازن الميثاقي اللاحق بين التطلّعات المتعارضة للجماعتين المسيحية والإسلامية. وكان تصوّر النظام التعدّدي القائم على الطائفية السياسية (وهو الأخير) يفتح بدوره منافذ أخرى مغايرة للتفاعل وللتغالب بين النظامين.

ومن الجهة السورية، تواكب في العقود الأخيرة حماسٌ سوري لاجتثاث الطائفية في لبنان ودأبٌ سوريّ أيضاً لتطييف ممارسة السلطة في سورية. وكان مسار العلاقة اللبنانية السورية في أثناء حرب لبنان وفي غدواتها دليلاً على تقصير الميثاق اللبناني عن احتواء تحرّكاتٍ وهويّات بدا لها من التعقيد ما لا تتسع له الثنائية المسيحية الإسلامية. فكان أن تمخّضت التعدّدية الطائفية عن تهميش للرابط الوطني الوليد لمصلحة رابط عمودي يشدّ كلّاً من الكتل الطائفية إلى سيّد وحيد هو النظام السوري. في نطاق أعمّ، كان الخطاب الوحدوي العربي – بين ما كان – تشريعاً للتدخّل السوري في لبنان. وفي ما يتعدّى الفشل الذي لازم تجارب الوحدة العــربية، بقيت وحدة بلاد الشام أفقاً يتطلّع إليه أصحاب السلطة في دمشق ويسهم في رســم استراتيجيتهم وإملاء ممارستهم السياسية.

تلك هي اللوحة التي اندرج فيها سعي حافظ الأسد، ابتداء من سنة 1970، من جهة أولى إلى تكوين شبكات علوية يسعه التعويل عليها لحماية سلطته وإلى تمكين مواقع لأقاربه وأتباعه تتيح لهم تحكّماً في قطاعات نامية من الاقتصاد السوري، ومن جهةٍ أخرى إلى الاستحواذ على ما بات يسمّى «الورقتين» اللبنانية والفلسطينية. وإذا كان الاحتلال المباشر هو ما أمّن لدمشق سيطرة حاسمة على لبنان إذ جعل معظم مناطقه ومرافقه في متناول قوّاتها وأجهزتها، فإن الولوج إلى دواخل المجتمع اللبناني لم يحصل إلا بتوسط «نُخَب» لبنانية من وسط الأعمال خصوصاً نسّقت أنشطتها مع سلسلة الإمرة العابرة للحدود. وبخلاف ما قد يُظن، ترى إليزابيت بيكار أن هذه المنظومة التي اشتملت على البلادين لم يكن لها مفعولٌ توحيدي هنا أو هناك. لم يمارس حافظ الأسد سلطته على «شعب واحد في دولتين»، بل توسّط التفــتيت الاجتماعي والتنافس بين الشبكات الجزئية فأصبح لبنان وسوريا، في ظلّ هذه السلطة «السلطانية»، قطرين «متشظّيين».

وراء هذا التردّد بين حدّي التوحيد والتجزئة دونما لزوم للحدود الدولية في الحالتين، ترى بيكار نوعاً من الاستمرار لما تسمّيه بالاصطلاح الغرامشي «كتلة تاريخية» اجتازت عهدي الانتداب والاستقلال إلى اليوم بما شهداه من تحوّلات لا تجوز الغفلة عنها. كانت السلطة الانتدابية التي أرست كياني الدولتين الجديدتين، بعد مخاض، قد حفظت الوحدة الاقتصادية بينهما واستبقت في يد أجهزتها صلاحيّات حاسمة في كثير من الحقول، بل إنها استبقت ما سمّته «موازنة عامّة» لسورية ولبنان بجانب الموازنة الخاصّة بكلّ من الدولتين، غير أن هذا كلّه لم يثمر مفاعيل توحيدية إذ بقيت مصالح الدولة المنتدبة، لا مصالح الكتلة المؤلّفة من الدولتين هي الموجِّهة والمتغلّبة.

وحين سلّمت «الكتلة الوطنية» السورية في سنة 1936 باستقلال لبنان في حدوده القائمة شرطاً فرنسياً لإبرام معاهدة سورية فرنسية تضع حدّاً للاستقلال، جاء أركانها إلى لبنان لإقناع شركاء لهم فيه بهذا الخيار. وقد وجد الشركاء المذكورون تعويضاً عن هذه التضحية في المناداة مذ ذاك بـ»عروبة لبنان» بما هي داع إلى استمرار الحضور السوري في صفّهم بين ظهراني دولتهم. وهو ما مثّل لاحقاً، في صعوده وهبوطه، تعبيراً عن وجود تلك الكتلة التاريخية المزاحمة للدولتين والهازئة، بمعنى ما، بسيادتهما. هذا الاستهزاء لم يكن له أن يدوم من غير عقاب. وكان العقاب هو الحرب بما هي مهندس أكبر لم يلبث أن فرض نفسه من لبنان أوّلاً للعلاقة اللبنانية السورية. لأطوار هذه الهندسة الجديدة وتقلّباتها، تكرّس بيكار القسم الثاني من كتابها. وهو ما نعرض له في عجالتنا المقبلة.

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى