الرئيسية / صفحات العالم / 17 باحثاً يفكّرون في مصير لبنان

17 باحثاً يفكّرون في مصير لبنان

“الملحق”

وصل لبنان الدولة والمجتمع والسياسة إلى الحائط المسدود. وقد ارتأينا في “ملحق النهار” أن نخصّص العدد السنوي لإثارة هذا المأزق المصيري، بهدف بلورة الأفكار التي تساهم في إنقاذ لبنان.

أما لماذا وصلت بلادنا إلى الطريق المسدود، فهذا شأنٌ لا نتردّد في تعيين مسبِّباته ومسبِّبيه، أياً كانوا. لقد وصل الخروج على معايير العقد الوطني، والاستعلاء على مفهوم الدولة، ودستورها، وقوانينها، وقيمها، وعلى الشعب اللبناني، بالنهب والسلاح، كما وصل تخريب الإدارة والمجتمع، وتجويفهما من الداخل، حدّاً لم يسبق له مثيل منذ تأسيس الجمهورية اللبنانية.

في غمرة التحضير لهذا العدد، أبدى زملاء وأصدقاء لنا من الخلّص، استغرابهم لطرح موضوع يتعلّق بالكيان والدستور في غمرة الوضع الداخلي والإقليمي الراهن. وسألوا بشيء من الاستهجان: كيف تدعون إلى مناقشة مسألة دقيقة تتصل بمصير لبنان، وبتغيير دستوره ونظامه السياسي، في حين أن كلّ ما تشهده البلاد، لا يسمح بمثل هذه المناقشة الديموقراطية “المترفة”، ابتداءً بمصادرة الحياة الوطنية العامة، مروراً بتفكيك مؤسسات الدولة، ونهب مواردها، وتعميق الشرخ والاختلال في الموازين والمعادلات، وصولاً إلى انعدام مناخات التفكّر الموضوعي الهادئ، بسبب تسعير الخطاب الديني، المذهبي والطائفي، وهيمنة السلاح ووجوده في يد طرفٍ لبناني خارج على الأمرة العسكرية للدولة؟

كنا، آنذاك، قد توجهنا إلى عدد من الباحثين والمفكرين اللبنانيين، بالفرضية الآتية:

في اعتقاد الكثيرين أن النظام السياسي اللبناني وصل إلى طريق مسدود، وباءت بالفشل الذريع، جميع المحاولات الهادفة إلى ترميمه منذ اتفاق الطائف حتى اللحظة السياسية الراهنة، مما ينبئ بالاحتمالات والمصائر القاتمة، وخصوصاً في المفترقات الحاسمة التي تعيشها حالياً المنطقة العربية.

في رأيك، هل من تصوّر بنيوي، دستوري، أو دولتي، ممكن، من شأنه إخراج لبنان من عنق الزجاجة، والوصول به الى صوغ دستور ديناميكي جديد، ضمن حدوده الدولية المعترف بها، وإتاحة حياة سياسية سليمة، ديموقراطية، متنوعة، حرّة، قابلة للعيش والديمومة بين جماعاته ومكوّناته؟

عندما فكّرنا في التحضير لهذا العدد السنوي، كنا نستشرف الجوانب السلبية المتمثلة في “مبدأ” طرح هذه الإشكالية، في ظرفٍ كهذا، تنعدم فيه أبسط مقوّمات سلامة الفكر، وكنا نستشفّ مطبّات هذه الإشكالية، وأخطارها، وفخاخها، وفي مقدّمها ارتباط هذا أو ذاك من الأطراف اللبنانيين بعرّابه الإقليمي، الإيراني – السوري أو السعودي – الخليجي، وإحساسُ مََن يملك السلاح، ويستقوي بالقوة الإقليمية، بأن مجرد طرح سؤالٍ من هذا النوع، يشكل “انتصاراً” موضوعياً له، وإحساسُ الطرف الثاني بأن ذلك ينطوي ضمناً على الاعتراف بغلبة فريق السلاح على الفريق الآخر، الذي لا بدّ أنه يشعر بأنه مغلوبٌ على أمره. فهل هذا صحيح؟ وهل صحيحٌ أن ارتباط الأطراف اللبنانيين بعرّابيهم الإقليميين، وأن المستأثر بالسلاح، والفارض هيمنته العابرة على مقدّرات البلاد، والمتحكم بسلطاتها، يستطيعان أن يفرضا على منابر الرأي، وعلى الباحثين والمفكرين، معادلاتهما الفكرية، والدستورية، والكيانية، تحت وطأة الواقع التبعي للخارج، أو الأمني الترهيبي القائم على الأرض؟

نحن في “ملحق النهار” نردّ جازمين: لا!

لكننا نذهب إلى أبعد من ذلك، فنزعم، من دون ادعاء، أن ربما لا أحد يملك الآن، الشجاعة الأدبية، السياسية والفكرية والكيانية، من أهل الطبقة السياسية والطائفية والمذهبية في لبنان، فـ”يجرؤ” على مواجهة الخلل الكياني الخطير فكرياً، والتصدّي لسؤال المصير هذا، بطريقة جذرية وحكيمة.

فليتجاسر، مثلاً، أيٌّ من المكوّنات اللبنانية، على “قوننة” إشهار تواضعه أمام الدولة، وعلى الاعتراف العملاني بـ”أدوات” سلطتها وأمومتها المطلقة، والرضوخ “التقني” لمرجعيتها، أياً تكن المعادلات القائمة أو المحتملة، في الداخل والخارج!

إذ يفتح “الملحق” النقاش حول هذا الموضوع، ويثيره، فإن غايته تتمثل أولاً في كشف هذه الفضيحة الكارثية التي تلفّ مجمل الطبقة السياسية اللبنانية، و”نقّادها” و”مفكّريها” و”المنظّرين” للمراوحة في مستنقعها الراكد منذ نحوٍ من عقدين. فهذه الطبقة، تمعن منذ اتفاق الطائف في لعق الأكذوبة، أكذوبة الوفاق الوطني. بل تكشف التجارب المرّة، أن أطراف هذه الطبقة، يستطيع أيٌّ منهم (ولا مجاملة!)، أن يقبل بأيّ شيء، بأيّ مساومة، بأيّ تواطؤ، وبأيّ “عظْمة”، لقاء تحقيق بعض المكاسب السياسية و/أو الطائفية التافهة والعابرة.

يفتح “الملحق” هذا النقاش، لأنه لا يستطيع أن يكون شاهد زور. إنه يحمل في عنقه، وزر جميع الذين آمنوا بأن لبنان أرضٌ للمواطنة والديموقراطية والحرية والتنوّع الخلاّق والحداثة والعقل والنقد والسؤال والتمرّد والحقّ والقانون والعدالة والمدنية والعلمنة والعروبة، في دولة غير مارقة، وغير فاشلة، بل كاملة السيادة والكرامة. ويحمل في عنقه أيضاً وزر جميع الذين استشهدوا في سبيل هذه القضية.

أقلّ الإيمان أن يرفض “الملحق” أن يكون شاهد زور، صامتاً، متفرّجاً، أو متغافلاً عما يمكن أن يؤول إليه استمرار هذا الواقع، في ضوء المتغيرات الجوهرية التي تعصف بالمنطقة العربية، وخصوصاً في سوريا، بعد اندلاع الثورة ضد نظامها الاستبدادي.

ففي رأي “الملحق”، أنه لم يعد يجوز السكوت أو خفض الصوت. بل يجب إعلان الفضيحة، بطريقة مدوّية. هذه هي غايتنا الأولى: أن نفضح المؤامرة المستشرية، التي تُخِلّ بجوهر الميثاق الوطني، وتضرب أسسه، وركائزه، وتجوّف الدولة والمجتمع، وتجعل لبنان سائراً إلى إعادة تركيبه تحت وطأة السلاح والهيمنات والمعادلات الإقليمية. غايتنا أن نُحدِث صدمةً في الفكر البحثي، وإن من طريق “الاستفزاز”.

يؤمن “الملحق” بأن لا بدّ من تحريك هذا المستنقع الذي يكاد يُغرق العقل الوطني في فضيحة الدولة المارقة والفاشلة والفاسدة. وهو يؤمن بأن لا بدّ من تحرير العقل من هذا المستنقع، لئلاّ يجمّده، ويربكه، و”يملي” عليه تبعات استمرار هذا الأمر الواقع.

يرفض “الملحق” الرضوخ لمعادلة التبعيات الإقليمية التي يغرق في مستنقعها جميع الأطراف اللبنانيين، من مكوّنات سياسية ومجتمعية وطوائف ومذاهب، ويخطئ من يظنّ أنه، بطرحه هذه المسألة، الآن، إنما يقع تحت وطأة هذا الأمر الواقع، أو تحت وطأة الترهيب الفكري، وترويض العقل الوطني في اتجاه القبول بأفكار، من مثل التقسيم والمثالثة وغيرهما. هذا أيضاً موقف الذين يوسّعون على صفحات “الملحق” الأسبوعية هامش البحث النقدي، وأفق الحرية المفتقدة، في لبنان والعالم العربي، ويتناقشون في مسألة المصير.

أما غاية “الملحق” الثانية من هذا الطرح فهي الآتية: أن تكون أفكار البحّاثة، وآراؤهم في هذا الشأن، مادة خصبةً للتداول والتأمل والتفكير والمناقشة، عندما يحين الوقت الموضوعي لذلك. وهو وقتٌ يمكننا أن لا نجعله بعيداً، أو مستحيل المنال، إذا تضافرت جهود الأحرار والمكافحين في سبيل المحافظة على الجمهورية.

يشارك في هذا العدد كلٌّ من الباحثات والباحثين: أحمد بيضون، بول سالم، سمير فرنجية، وسام سعادة، منى فياض، دلال البزري، زياد بارود، محمد حسين شمس الدين، أنطوان قربان، سليمان تقي الدين، حازم صاغية، كمال حمدان، توفيق هندي، أنطوان مسرّة، مسعود ضاهر، علي حرب، وخالد غزال. ويزيّنه برسومه كلٌّ من ندى صحناوي، يوسف عون، حسن جوني، فيصل سلطان، محمد شرف، مارون الحكيم، جميل ملاعب، زينة عاصي، نبيل نحاس، وديزي أبي جابر.

سيناريوات التغيير وآفاق الإصلاح/ بول سالم

يُعزى حيِّز من مشكلات لبنان إلى صعوبة البيئة الجيوستراتيجية المحيطة به؛ وينجم جزء آخر من مشكلاته عن نقاط الضعف والخلل في نظامه السياسي. طبعاً، هذه المشكلات مترابطة في ما بينها، ذلك أنّ الضغوط الخارجية تستغلّ الضعف في الداخل وتفاقمه، كما يستدرج الضعفُ الداخلي تدخّل الخارج وبسط نفوذه.

في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، واجه لبنان الضغط الخارجي المتمثّل في الصراع العربي- الإسرائيلي وتسلّح الفلسطينيين في لبنان؛ على صعيد النظام الداخلي، عانى العواقب المزدوجة الناجمة عن انعدام التوازن الطائفي لجهة تقاسم السلطة بين المسلمين والمسيحيين، والتوتّر الداخلي تجاه السياسة الاجتماعية- الاقتصادية للدولة.

أمّا اليوم، فالتحديات مختلفة، ذلك أنّ الضغوط الخارجية على لبنان تُعزى إلى صراعين إثنين هما: الصراع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة اخرى، والصراع المذهبي السائد في لبنان وسوريا والعراق بين المجموعات السّنية والشيعية، الذي هو الآخر امتداد لصراع جيوستراتيجي بين إيران من جهة والمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى.

على صعيد النظام الداخلي، ثمّة تحديات ثلاثة: أولاً، أنشأت صيغة الطائف نظاماً سياسيّاً ضعيفاً يفتقر إلى سلطة تنفيذية قادرة على تسيير قرارات الدولة وتطبيقها بشكل فاعل. ثانياً، حلَّ التنازع بين السنّة والشيعة على السلطة وتقاسمها محلّ الخلاف بين المسلمين والمسيحيين. ثالثاً، فقدت الدولة المكوّن الأساسي لقيامها، وهو السيادة أو احتكار استخدام القوة: فـ”حزب الله” أنشأ عمليّاً “دولة ضمن الدولة” بجيش ومؤسسات شبه سيادية ومستقلة عن دولة اللبنانيين.

يحتاج تحقيق التغييرات والإصلاحات السياسية الكبرى إلى لحظات تاريخية مميّزة. فقد وُلد لبنان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وانهيار الأمبراطورية العثمانية، وإقامة الانتدابات الأوروبية. ووُضع الميثاق الوطني في سياق الحرب العالمية الثانية وانهيار النفوذ الفرنسي. وتمّ التوصّل إلى اتفاق الطائف بعد حرب أهلية طويلة، بالتزامن مع انتهاء الحرب الباردة. وقد تتطلّب إعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني أيضاً ظروفاً تاريخية مشابهة.

من الممكن أن توفّر مسارات الحرب في سوريا وسيناريواتها المقبلة، فضلاً عن بدء التقارب بين إيران والغرب، سياقات ما لحدوث هذا التغيير.

تجدر الإشارة إلى أنّ حكم الأسد قد ورث إدارة نظام الطائف بعد العام 1990، مستفيداً من نقاط ضعف الطائف للمحافظة على نفوذه في لبنان، لكنّه استطاع أيضاً منع النظام في لبنان من الشلل التام لأنّه كان يتمتّع بالسلطة الكافية من أجل فرض قرارات عليه. وقد ظهر ضعف نظام الطائف وشلله بعد الانسحاب السوري. وها نحن اليوم في ظلّ نظام مشلول تماماً.

سوف تستغرق الحرب في سوريا سنوات كثيرة قبل أن تخفّ وتيرتها. لكن من غير المرجّح أن يكسب أيّ من الفريقين الصراع، على غرار ما حدث في الحرب الأهلية اللبنانية، وأنّ الاطراف لن يجدوا بديلاً من التفاوض، بعد حرب استنزاف طويلة، من أجل التوصّل إلى اتفاق لتقاسم السلطة تتمثّل بموجبه مكوّنات المجتمع السوري ومجموعاته الأساسية. في حال حدوث هذا الأمر، يمكن أن تعيد شروط التفاوض وعقد الصفقات في سوريا إحياء عمليّات التفاوض وعقد الصفقات في لبنان.

سوف يكون سياق هذه اللحظة مهمّاً على الصعيدين الإقليمي والدولي. فقد عُقد اتفاق الطائف في وقت شهد انهيار السلطة السوفياتية، وهيمنة الولايات المتحدة في العالم، وضعف القوة الإيرانية إقليمياً، ونفوذاً سعودياً كاسحاً في العالم العربي. أمّا في السنوات المقبلة، فسوف تكون الظروف مختلفة: إذ عادت روسيا لاعباً دوليّاً مهمّاً في الشرق الأوسط – وبخاصة في سوريا وبلاد الشام – حيث تبدو القوة الإيرانية راسخة أيضاً. وما لم يتمّ التوصّل إلى حد أدنى من التوافق الدولي والإقليمي، لن تمضي قدماً اتفاقات وقف الحرب السورية، أو مفاوضات التغيير والإصلاح الفعليين في لبنان.

لقد كانت البوادر سلبية حتى الآن، نظراً إلى أنّ الولايات المتحدة وروسيا والمملكة العربية السعودية وإيران تشنّ حروباً بالوكالة في سوريا والمشرق العربي. لكنّ الولايات المتحدة وروسيا حوّلتا صراعهما إلى بعض التعاون حول صفقة الأسلحة الكيميائية في سوريا، وحول عقد مؤتمر جنيف 2 لإنهاء الحرب في سوريا. تجدر الإشارة إلى أنّ صعود تنظيم “القاعدة” في سوريا قد غيّر المعادلة في واشنطن، وبدأت كلّ من الولايات المتحدة وروسيا تنظر إلى هذا التنظيم باعتباره الخطر الرئيس في الأحداث الجارية في سوريا.

وبينما تواصل الولايات المتحدة تقليص حضورها في الشرق الأوسط، سوف تعتمد بشكل متزايد على الاتفاقات الدولية والإقليمية لإدارة شؤون هذه المنطقة. إضافةً إلى ذلك، يشير الاتفاق الأخير حول الملف النووي بين إيران ودول مجموعة الخمس زائدة واحدة إلى إمكان حدوث تقارب بين إيران والغرب. ومع أنّ دول الغرب والولايات المتحدة تحرص على وقف البرنامج النووي الإيراني، يبقى أنّ لديها مصالح مشتركة مع إيران تتمثل في احتواء “القاعدة”، وإدارة الوضع في أفغانستان والعراق بعد انسحاب القوات الاميركية منهما، فضلاً عن التوصل إلى حلّ للحرب في سوريا، والتفاهم مع ايران على ضبط “حزب الله”.

تخشى المملكة العربية السعودية وسائر الدول الخليجية، النفوذ الإيراني. لذلك، كانت مرتاحة للسياسة العدائية التي انتهجتها إدارة بوش تجاه طهران، وانتابتها الحماسة حين وعد أوباما بقصف نظام الأسد في سوريا. لكنّ المملكة العربية السعودية وسائر الدول الخليجية ستضطر إلى إعادة النظر في سياستها إذا واصل الغرب التقارب مع إيران واعتبار “القاعدة”، لا نظام الأسد، المشكلة الرئيسة في سوريا والمشرق العربي. الواقع أنّ الكثير من القادة الخليجيين في الإمارات العربية المتحدة والكويت وسلطنة عمان قد بدأوا تواصلاً ما مع إيران، وقد نشهد حلحلة في العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، وتفاهمات سياسية وديبلوماسية وأمنية، على رغم صعوبتها.

قد ينشئ كلّ من التفاهم الأميركي- الروسي، والأميركي- الإيراني، والإيراني- الخليجي الظروف اللازمة للتفاوض في شأن اتفاق يرمي إلى إنهاء الصراع السوري. وقد تنشئ هذه التفاهمات أيضاً سياقاً لحوار وطني فعلي في لبنان، ولمناقشة تغييرات وإصلاحات في النظام السياسي. قد يحدث ذلك خصوصاً لأنّ مسألة “حزب الله” سوف تطرح للنقاش إلى حد كبير إذا اتجه التقارب الأميركي- الإيراني نحو تحقيق تعاون أعمق؛ وسوف يتعيّن على إيران معالجة حالة “حزب الله” عبر “اقناع” الحزب بانهاء مرحلة “الاستقلال عن الدولة” والمضي قدماً في وضع قدراته العسكرية في تصرّف الدولة والتحوّل الى حزب سياسيّ في إطار سيادة الدولة وقواعد اللعبة السياسيّة الديموقراطية.

في إطار هذا التسريح (العسكري) لـ”حزب الله”، قد تقترح إيران أو بعض القادة الشيعة إعادة النظر في بعض جوانب اتفاق الطائف ومراجعة لصيغة تقاسم السلطة في لبنان. هذا الاقتراح قد يتضمّن مسألة المثالثة في البرلمان أو الحكومة، و/أو قد يطال مسائل اضافية مثل إنشاء حرس وطني أو مؤسسة عسكرية مماثلة. كما قد يتضمّن تفاوضاً على صلاحيات رئيس الوزراء وتوزيع الحقائب الوزارية الأساسية بما فيها وزارة المال. ولا أحد يستطيع أن يجزم ما اذا كانت قد تطرح أمور اضافية حول الهوية والصلاحيات للرئاسات الثلاث والمناصب الأمنية والنقدية الأساسية في البلاد.

بيد أن إعادة تقويم نسب تقاسم السلطة الطائفية والمذهبية في البلاد لن يعالج أبداً مكامن الخلل المنهجي التي تعانيها الدولة اللبنانية. أما الإصلاحات التي تحتاج إليها فهي اعادة بناء سلطة تنفيذية قادرة، وإنشاء برلمان ذي مجلسَين، وإصلاح قانونَي الانتخابات والأحزاب السياسية، وتحقيق اللامركزية الادارية والانماء المحلي والمتوازن عبر تمكين مجالس الأقضية والبلديات، وإنشاء سلطة قضائية مستقلّة ومُمكَّنة فعلاً، ووضع سياسة وطنية أمنية ودفاعية موحّدة، والاتفاق على اعتماد الحياد الإيجابي في السياسة الخارجية.

واقع الحال أن السلطة التنفيذية في دولة الطائف موزّعة الى حدّ أنها باتت ضائعة. فلا رئيس الجمهورية يحكم، ولا رئيس الحكومة، ولا مجلس الوزراء- اذ ان المجلس ليس جسماً متحداً. فعلى خلاف دول العالم، لا يوجد مؤسسة واضحة تناط بها ادارة السلطة التنفيذية، يمكنها اتخاذ القرارات واتباع سياسات معيّنة لفترة محدّدة، ويتاح المجال لمساءلتها بعد انتهاء الولاية. ما تحتاج إليه البلاد هو إصلاح جذري للسلطة التنفيذية بغية إعادة تركيزها في هيئة واحدة تستطيع أن تتولّى الحكم بفاعلية ثم تُساءَل على إخفاقاتها أو نجاحاتها.

هناك سبل عدة تتبعها الدول لتعزيز السلطة التنفيذية. لقد سبق أن اقترحتُ في مناسبة أُخرى إجراء إصلاح قد يكون مناسباً للحالة اللبنانية حيث يُعاد تركيز السلطة التنفيذية في رئاسة الجمهورية؛ لكن في هذه الحالة تتألّف الرئاسة من مجلس رئاسي يضمّ سبعة أعضاء، على غرار المجلس الرئاسي السويسري. ويتضمن الاقتراح أن يتم انتخاب المجلس الرئاسي السباعي من بين لوائح سباعية متنافسة بالاقتراع العام المباشر وليس عبر مجلس النواب، وذلك لولاية مدّتها أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. بهذه الطريقة تُمنَح الرئاسة تفويضاً عاماً لقيادة السلطة التنفيذية لأربع سنوات، وتُكافَأ من الشعب على نجاحاتها، وتُعاقَب على إخفاقاتها في صناديق الاقتراع بعد أربع سنوات.

فمن المهم إنشاء هيئة تنفيذية قادرة من أجل تحريك عجلة الدولة من جديد؛ كما من المهم تمكين الشعب على المستوى الوطني لاختيار حكامه ومساءلتهم مباشرةً. الواقع أن المواطنين اليوم لا يشاركون في أيّ انتخابات وطنية جامعة، ولا يختارون أيّاً من حكّامهم في السلطة التنفيذية. يشارك مواطنونا فقط في انتخابات ضمن دوائر محلية أو مناطقية، كما أن ديموقراطيّتنا تقتصر على تفويض الشعب دوره إلى طبقة سياسيين تعمد في ما بعد إلى تقاسم غنائم السلطة وحماية مصالحها الأوليغارشية من خلال مؤسسات الدولة. هذا النظام وُضِع في عشرينات القرن الماضي عندما كانت ظروف لبنان الاجتماعية والاقتصادية والمعرفية والتواصلية مختلفة تماماً؛ آن الأوان لإشراك المواطنين اللبنانيين مباشرة في اختيار حكّامهم ومساءلتهم.

لكن لا يمكن إجراء إصلاح جذري للسلطة التنفيذية من دون إجراء إصلاحات أخرى بشكل متزامن، تضمن مزيداً من الادارة الذاتية على المستوى المحلي والمناطقي، وتقدّم ضمانات للمجموعات القلقة من خلال إنشاء مجلس شيوخ، وتوفّر مزيداً من الأمن والحماية لكل مواطن عبر تعزيز القضاء وحكم القانون.

والحال أنه كان لا بد من تطبيق اللامركزية الإدارية منذ زمن طويل، على أن تتضمّن إنشاء سلطات مُنتخَبة على مستوى الأقضية، يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في التنمية المحلية. كذلك يجب إنشاء مجلس للشيوخ له السلطة في ما يتعلّق بالقضايا المهمة التي قد تهمّ مختلف الطوائف في لبنان، علماً أن تثبيت التمثيل الطائفي في هذا المجلس من شأنه أن يُطَمئِن المجموعات الخائفة ويحرّر باقي النظام السياسي من وطأة الطائفية السياسية.

ينبغي أن تترافق هذه الإصلاحات مع إقامة سلطة قضائية تكون فعلاً السلطة القوية الثالثة والمستقلة في البلاد. ويجب أن تكون لهذه السلطة موازنة مستقلة، وآليات حوكمة داخلية مستقلة، وصلاحية الدفاع عن الدستور وتفسيره، وفعالية تستطيع عبرها أن تصون حقوق الافراد والمجموعات وحرياتهم. ولن يُحقَّق أي تقدّم في مجال تقوية السلطة التنفيذية، أو توسيع التمثيل التشريعي، أو تعزيز الادارات المحلية، من دون بناء سلطة قضائية قوية ومستقلة.

أخيراً، يجب أن تكون السياسات الدفاعية والخارجية جزءاً من أي ميثاق وطني جديد. لا يمكن أن يبقى لدينا جيشان في دولة واحدة، كما لا يمكن أن نستمرّ في انتهاج سياسات خارجية متعدّدة ومتضاربة. ثمة اقتراحات عدة حول كيفية دمج جيش “حزب الله” في الجيش الوطني، إما عبر انشاء حرس وطني أو عبر صيغ أخرى، ولكن في كل الاحوال تحت قيادة الدولة اللبنانية وسلطتها، عبر مؤسساتها الدستورية والديموقراطية.

إضافة إلى ذلك، ينبغي الاتفاق على العقيدة العسكرية والأمنية حيث القاسم المشترك هو الدفاع عن الحدود الوطنية وصون الأمن الداخلي. أما السياسة الدفاعية فيجب أن تُربَط بالسياسة الخارجية. ففي حين سيبقى لبنان إلى جانب العالم العربي حتى حلّ الصراع العربي- الإسرائيلي وقبول إسرائيل بمبادرة السلام العربية، الا أنه في ما يتعلّق بشؤون السياسة الخارجية الأخرى، يكون الإجماع ضرورياً حول عدم المشاركة في المحاور أو الاصطفافات الإقليمية أو الدولية – أي اعتماد سياسة الحياد الإيجابي.

ما ورَدَ أعلاه هو بعضٌ من الإصلاحات الأساسية التي من شأنها إعادة الحيوية إلى النظام السياسي اللبناني. لكن ثمة إصلاحات أخرى أيضاً تشمل ما يأتي: إنشاء صندوق ثروة سيادي وطني شفّاف وقابل للمساءلة لإيداع العائدات المستقبلية لعملية استخراج الطاقة قبالة ساحل لبنان والاستثمار في شباب بلادنا ومستقبلها؛ إعادة تنظيم رخص التلفزيون الوطني لإنهاء ظاهرة امتلاك كل حزب أو طائفة محطة تلفزيونية خاصة به أو بها؛ وإنشاء وكالة وطنية جدّية وقويّة لمكافحة الفساد؛ والاستثمار في الجامعة اللبنانية وإصلاحها.

في الختام، لا شكّ أن مثل هذه الإصلاحات تبدو للوهلة الأولى بعيدة المنال محلياً وإقليميا. لكن من المهم طرح الأفكار ومناقشة التصورات التي يمكن أن تكون جزءاً من إصلاح جدّي للنظام السياسي اللبناني في المستقبل، إذا فاجأتنا الظروف الدولية والاقليمية ودفعتنا الى طاولة الحوار الوطني والاصلاح السياسي.

أزمة الأدوات السياسية… وحلولها/ سمير فرنجية

في لبنان أزمة تتلخص في الآتي: عالم قديم يتهاوى وعالم جديد يجهد للظهور. في لبنان نهاية لسلسلة “المقاومات” التي توالت منذ العام 1975: مقاومة “لبنانية” ضد الوجود الفلسطيني المسلح انتهت بـ”حرب إلغاء” بين المسيحيين، ومقاومة “وطنية” دفاعاً عن المقاومة الفلسطينية انتهت بـ”حرب المخيمات” ضد الفلسطينيين و”حرب إلغاء” بين الشيعة في إقليم التفاح، ومقاومة “اسلامية” ضد اسرائيل دخلت اليوم في “حرب إلغاء” مع الشعب السوري.

في لبنان سقوط دولة عاجزة عن تحمل مسؤولياتها السياسية والأمنية وتأمين استمرار مؤسساتها الدستورية، وسقوط اقتصادي واجتماعي مرشح للتفاقم مع التدفق المستمر للاجئين السوريين.

في لبنان تزايد لخطر الفتنة المذهبية بعد ربط لبنان بالصراع الدائر في سوريا من خلال مشاركة “حزب الله” في القتال هناك، وبعدما عجز المجتمع الدولي عن وضع حدّ للجريمة ضد الانسانية – الأولى في القرن الحادي والعشرين – التي ترتكب في حق الشعب السوري.

هل سبب الأزمة يكمن في النصوص، فينبغي للخروج منها البحث عن “ميثاق جديد” نستبدل فيه مناصفة طائفية بمثالثة مذهبية ونستعيد فيه صلاحيات مفقودة؟ أم إن الأزمة هي في مكان آخر وتحديداً في الأدوات السياسية التي تولت إدارة البلاد؟

في الستينات شهد لبنان تحولاً أساسياً في طبيعة العمل السياسي، فانتقل من تكتلات سياسية عابرة للطوائف، كالكتلة الدستورية والكتلة الوطنية، ومن أحزاب إيديولوجية لاغية للطوائف كالحزب الشيوعي والحزب القومي الى أحزاب طائفية نموذجها حزب الكتائب وحركة “أمل”، فباتت السياسة منذ ذلك الوقت تنحصر في صراع من طبيعة طائفية كان يجري على مستويين: داخل كل طائفة لتعيين من يمثّلها على الصعيد العام، وبين الأحزاب الطائفية لتعيين حصة كل منها في الدولة.

أصبح المشهد السياسي محصوراً في تحرك أحزاب طائفية اخنزلت المواطن– الفرد بالجماعة والجماعة بحزب من دون اعتبار لحرية الانسان. واستخدمت في سبيل ذلك سلاح الخوف، الخوف من الآخر، مرفقاً بشعور من الغبن سببه هذا الآخر.

في مواجهة خطر الآخر يصبح مشروعاً لمن يدّعي تمثيل طائفته استخدام كل الأساليب لتأمين الحماية، بما في ذلك استدعاء الخارج لمواجهة الداخل.

هذا الزمن الطائفي الذي بدأ مع أحداث العام 1958 انتهى مع “ثورة الأرز” في العام 2005، وتشكُّل رأي عام لبناني تخطى التقسيمات الحزبية والطائفية والمناطقية، وتأسس على وعي كلّ فرد في المجتمع لأهمية تغليب المصلحة العامة على كل ما عداها باعتبارها ضماناً لحقوقه العامة والخاصة. فالذين شاركوا في تظاهرة 14 آذار لم يلبّوا دعوات سياسية أو حزبية فحسب، بل اتخذوا قرارهم بناءً على شعورهم بأن مصير بلادهم هو مسؤولية كل واحد منهم.

وقد ظهر هذا الأمر بشكل جليّ في المبادرات العفوية التي توالت بعد اغتيال الرئيس الحريري والتي سبقت في كثير من الأحيان حركة الأحزاب والتنظيمات المعارضة. فقد أغنت هذه المبادرات حركة الاعتراض وأعطتها دفعاً غير متوقع. وكان دخول على نحو مميّز لفئات جديدة على السياسة، منها:

– المرأة التي لم يسبق لها أن شاركت بهذه القوة في معركة وطنية، فلعبت دوراً حاسماً في دفع الحركة إلى الأمام وتثبيت طابعها السلمي والأهلي،

– الشباب من كلّ الأعمار والانتماءات والمهن، وهم الذين حوّلوا ساحة الشهداء إلى “ساحة الحرية” تمسكاً بحرية بلدهم ودفاعاً عن مستقبلهم،

– اللبنانيون في الانتشار الذين تحرّكوا في كلّ أنحاء العالم وتخطّوا انقسامات الماضي ليقدّموا لشعوب العالم وحكوماته صورة حضارية عن لبنان.

لقد أحدثت لحظة 14 آذار 2005 تحولاً حقيقياً في السياق التاريخي لفكرة العيش اللبناني المشترك. حتى تلك اللحظة كان معظم التواريخ الأساسية لحكاية لبنان من صُنع حيويات طائفية معينة:

فكرة لبنان الكيان كانت في الأصل فكرة تمثّلها الأمير فخر الدين الثاني “الدرزي” (1572 – 1635) الذي استطاع أن يوحد جبل لبنان ويفتحه على الضفة الأخرى للمتوسط.

دولة لبنان الكبير (1920)، في حدوده الحالية، بعد ضمّ الأقضية الأربعة إلى جبل لبنان، عُدّت إنجازاً مارونياً ارتبط بزيارة البطريرك الياس الحويك التاريخية لفرنسا.

استقلال لبنان (1943) كان، في المقام الأول، بفضل لقاء الطائفتين المسيحية والسنّية على هذا الاستقلال، وهو لقاءٌ تجسّد في شخصيتين رمزيتين هما بشارة الخوري ورياض الصلح.

تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي (2000) أتى أيضاً، وفي المقام الأول، بفضل جهد الجنوبيين في غالبيتهم الشيعية الذين قدّموا القسط الأكبر من التضحيات، من دون أن نهمل تضحيات سائر اللبنانيين وتضامنهم الدائم مع “قضية الجنوب”.

وحده 14 آذار 2005 لم يرتبط بأيّ طائفة على وجه الحصر أو التعيين. إن استقلال لبنان الثاني، الذي أعقب أطول حروبه الأهلية، لم يكن قابلاً للمصادرة الفئوية.

فأيُّ طرف مشارك في الحركة الإستقلالية لم يستطع إدّعاء أبوّتها، لأنها كانت، بواقع اتساعها وشموليتها، غير قابلة للإختزال في واحد من مكوّناتها، أكان سياسياً أم طائفياً أم مدنياً. لقد اكتسبت تلك الحركة، منذ البداية، نوعاً من الشخصية الاعتبارية المستقلة عن مكوّناتها، وهويةً جامعة غير مسبوقة.

لم توظف هذه اللحظة التاريخية لإنجاز التحول المطلوب، فاعترضت الأحزاب الطائفية على تحويل حركة الرابع عشر من آذار إلى تيار عابر للطوائف قادر على استيعاب القوى الحديثة التي برزت في المجتمع، وأعادت الإمساك بمفاصل الحياة السياسية. كلفة هذه الفرصة الضائعة مرتفعة جداً. فنحن في غياب الأداة السياسية الصالحة لا نملك قدرة على تجاوز الأزمة، وترانا نبحث عن نصوص جديدة لعلّها تعوّض عن عدم قيامنا بـ”الواجب”.

في العام 1943، حين وضع الميثاق الوطني، رعته كتلة سياسية مكوّنة من أركان الاستقلال، وقد شُكّلت في هذا الإطار، ثقافة لهذا الميثاق، وأدّت “الندوة اللبنانية” دوراً مهماً في هذا المجال، فيما اتّفاق الطائف وُلد يتيماً، إذ لم تُشكَّل كتلة سياسية تحمل اتفاق الطائف ولم تتشكّل ثقافة تحميه.

هذا الاتفاق هو اليوم حاجة وطنية بامتياز، وهو أيضاً حاجة عربية مع التحولات التي أحدثها الربيع العربي ومدخل لبناء عالم عربي ديموقراطي وتعددي يستطيع تجاوز خطر الفتنة المذهبية الذي يتهدده.

فلنعمل على خلق أداة سياسية قادرة على فرض تطبيق هذا الاتفاق الذي يشكل اليوم في ظل تفكك الدولة وتزايد الفتن والخلافات آخر رابط بين اللبنانيين.

المطلوب تطبيق الطائف بعد التخلّص من كلّ هيمنة مستندة إلى الخارج/ منى فياض

نعاني أزمة في لبنان وربما وصلنا الى طريق مسدود. لكن السؤال هل تعود جذور الأزمة إلى الدستور نفسه أم الى الاختلاف على تطبيقه؟ وهل يمكن أن نفصل هذه الأزمة عن مشكلة ازدواجية السلطة ووجود سلاح فئوي تابع لدولة إقليمية وخارج أمرة الدولة اللبنانية؟ هذا من دون أن نغفل طبعاً ارتباط الوضع اللبناني عضوياً بما يجري في المنطقة عموماً وفي سوريا خصوصاً.

في نظرة إلى الوراء، نجد أن لبنان حصل على استقلاله في العام 1943، وتم احتلال فلسطين بعد خمس سنوات من ذلك التاريخ، في العام 1948، وقبل أن تتركز دعائم الدولة الوطنية. حمل هذا الاحتلال أول أسباب تعثر الدولة الوليدة بسبب عاملين، حصول لجوء فلسطيني كثيف شكل عبئاً على البلد الصغير الهش، تبعته هجرة داخلية للفئات الجنوبية ذات الغالبية الشيعية التي كانت مرتبطة اقتصادياً بفلسطين وانقطعت أمامها سبل العيش ونافستها يد عاملة أرخص. من الطبيعي أن تنزح الى العاصمة الشريحة الأضعف. عدا العبء الاقتصادي، زادت المشكلة الفلسطينية مع الوقت من حدة الصراع السياسي بسبب هوية اللاجئين الفلسطينيين وانتماءاتهم الدينية والمذهبية، وتفاقم الصراع الاجتماعي على قاعدة طائفية في ظل نظام رأسمالي تتحكم فيه طبقة تتكوّن في غالبيتها من المارونية السياسية وما نتج منها من لا عدالة وإنماء مناطقي غير متوازن لم تفلح هذه الفئة في معالجته.

أتى اتفاق القاهرة في ظل تلك الظروف، قبيل الانفجار الكبير، الذي أجبر الدولة اللبنانية على أن تقبل بالانتقاص من سيادتها وتفتح حدودها أمام المقاتلين الفلسطينيين إثر هزيمة حزيران المدوية، كما جاء في خطاب حديث لرئيس الجمهورية.

اكتملت عناصر المشكلة في لبنان وانفجر العنف على خط تصدّع هذين الصراعين المذكورين، متراكبين ومنفصلين، واحد اجتماعي و آخر وطني أو سياسي.

على هذه الخلفية حصلت الحرب الأهلية والتطورات التي تلتها، ما سمح للنظام السوري بأن يقوم بلعبته في استغلال الانقسام الحاصل حول المقاومة الفلسطينية، الذي فاقمته الاعتداءات الاسرائيلية ومن ثم الاحتلال. أدّى هذا مرة أخرى الى فتح الحدود اللبنانية – السورية ومن خلفها إيران بسياستها الراغبة في الوصول الى المتوسط لمدّ نفوذ نظامها الناشئ الى لبنان معتمدة على “حزب الله” بخلفيته الشيعية. الحدود لا تزال مفتوحة حتى الآن في ذلك الاتجاه بعدما أقفلت جنوباً مع اسرائيل في الوقت الحالي.

لا شك أن الدساتير قابلة للتعديل إذا ما تم الاتفاق بين الأفرقاء في ظروف معينة على ذلك. وهذا ما يحصل الآن في كل من مصر وتونس في ظل الثورات المشتعلة. ولا شك أن اتفاق الطائف غير منزل. ولكن هل المشكلة في اتفاق الطائف نفسه، أم في تطبيقه؟ هل المشكلة في لبنان دستورية قانونية تُحَلّ بتعديل توزيع السلطات والصلاحيات بين الأطراف أو الطوائف؟ أم المشكلة في عدم قدرة الدولة على ممارسة حقها في بسط سيادتها وفي احتكار العنف وضبط الحدود وفي تحديد سياستها الخارجية؟ هل يفضي أيّ تعديل دستوري إلى عودة “حزب الله” الى داخل الحدود اللبنانية؟ هل يمنع تدفق اللاجئين السوريين الى لبنان مع كل ما يستتبعه ذلك؟ هل يفضي تعديل الدستور الى استعادة النظام لقدرته على الاستمرار والأداء الطبيعي لدولة طبيعية؟ إذا كانت الفيتوات والتفسيرات العشوائية للدستور وللقانون، بسبب الاستقواء بالسلاح غير اللبناني، هي الحاجز الأساسي لتسيير أمور الدولة، فهل يكون أيّ تعديل دستوري لغير صالح هذه القوى المعطّلة وتشريع هيمنتها إذا ما بقيت الأمور على حالها؟

لا شك أن للوضع اللبناني خصوصية لا يختلف عليها اثنان. اسرائيل احتلت لبنان وتم تحريره من هذا الاحتلال في العام 2000 بفضل المقاومة. واستكملت عملية التحرير هذه في العام 2005 عند إخراج آخر جندي سوري من لبنان تحت ضغط الانتفاضة. ومهما قيل عن أن إسرائيل ارادت هذا الانسحاب من لبنان أو أن الضغوط الخارجية أخرجت الجيش السوري (من دون أن ننسى أن فيلتمان نفسه كان يستبعد خروج السوريين من لبنان قبيل الانتفاضة بوقت ضئيل)، فإن خروج العسكر السوري لم يخفف من وطأة هذا النظام بسبب امتداداته الداخلية من لبنانيين لا يزالون يعملون لمصلحته لأن في ذلك مصلحة فئوية لهم باعترافهم!

بالطبع لا تشكل هذه الفئة الأخيرة كلاً متجانساً. هناك قسم منها يقوم بذلك لمصلحة فئوية ومن ضمن ارتباطه وتبعيته العضوية للخارج. وفئة أخرى تقوم بذلك لمصالح ومكاسب فئوية داخلية ضيقة.

مهما يكن من أمر، يتسبب ذلك كله بالخوف عند مكوّنات المجتمع اللبناني بطوائفه ومذاهبه كافة. الخوف شعار المرحلة، وهو إما خوف حشوي غريزي يتسبب بالبحث عن حماية مهما كانت. وإما يُرفع كشعار لمزيد من المكاسب وللهيمنة على الفئة المستهدفة بدافع حمايتها. إذاً، الخوف المتشنج والمتعصب القائم على غريزة البقاء وانعدام الثقة بالآخر وبالمستقبل وما سيحمله من تطورات هو السيد.

لا يمكن فهم ذلك من دون ارتباطه بما يحصل في العالم العربي. فلبنان نقطة التقاء جيوسياسية وهو جزء عضوي من هذه المنظومة العربية التي تتعرض حالياً لتغيرات ومخاضات ستكون لها نتائج بعيدة المدى تحدد وضع المنطقة ومصيرها.

لكن ماذا يمكن ان نلاحظ ونستنتج مما يحصل حولنا؟

أرست انتفاضة الاستقلال شرعية الدولة الوطنية اللبنانية، فكانت بذلك سابقة على المستوى العربي. هناك من يجادل كيف يمكن أن ننسب الثورات العربية التي تريد إسقاط أنظمتها إلى نموذج الانتفاضة اللبنانية التي انطلقت لإسقاط هيمنة نظام خارجي عنها؟ هذه نقطة ذكية تبرز صعوبة مهمة الشعب اللبناني الذي عليه ان يتحرر من هيمنة الخارج ومن إصلاح نظامه الدولتي في الوقت نفسه. دور الانتفاضة اللبنانية تجاه الثورات العربية أنها شكلت نموذجاً لإمكان التغيير عبر تحرك مدني سلمي. لكن من دون أن نغفل أن تحرير الجنوب في العام 2000 شكل أيضاً نموذجاً رائداً في تمكن شعب صغير من مقاومة جيش من أقوى جيوش العالم وإخراجه من أرضه. لكن انتفاضة الاستقلال حملت في طياتها أيضاً بذور المطالبة بدولة مدنية لاطائفية وأكثر عدالة. لكن هل يمكن القيام بإصلاح داخلي قبل التخلص من هيمنة النفوذ الخارجي ومهما كانت دعامته الداخلية؟

من هنا ومهما قيل إن إسرائيل أرادت الانسحاب في العام 2000 أو أن الضغط الدولي هو الذي أخرج الجيش السوري في العام 2005؛ يظل أن هذين الحدثين يشكّلان مثالين ونموذجين إرشاديين رائدين أخذت منهما الشعوب العربية العبر.

من المؤكد أن ليس في استطاعتنا أن نغفل أن شعارات منتفضي 2005 المدنيين السلميين ومطالبهم لم تكن متعلقة حصرياً بإخراج الجيش السوري. كانت هناك بذور لبرنامج أوسع يطال النظام اللبناني ككل، عبّرت عنها لاحقاً بعض التحركات المدنية التي حاولت تطبيق دروس الثورات العربية ضد أنظمتها، لكنها أجهضت في ظل الانقسام العمودي الحاد السائد المستند الى مصالح طبقة سياسية مهيمنة في ظل تقاسم طائفي من جهة، وتبعية واستقواء خارجيين من جهة أخرى.

لبلورة ما يتطلّبه الخروج من المأزق الراهن، لا بد من متابعة الثورات العربية نفسها وما سيؤول إليه مستقبل المنطقة العربية.

انبثقت الثورات العربية من خارج منظومة المعارضات التقليدية، أكانت مسلحة أم سلمية، التي هي وجه من أوجه الأنظمة البائدة. والثورات تعبير عن رفض الجيل العربي الشاب للمكانة المتدنية التي تم إيصال الشعوب العربية اليها؛ ومحاولة إيجاد منفذ للخروج من الدائرة التي وجد نفسه حبيسها بين المتطرفين على أنواعهم من جهة وبين الاستبداد من جهة أخرى.

فهذه منطقة عانت من إرث طويل من الاستبداد كانت تُداس فيه الحريات والحقوق والكرامات على يد الأنظمة الأمنية الفاسدة التي سادت، في وقت صارت فيه مطالب دولة القانون والمساواة وحرية التعبير واحترام حقوق الانسان الأساسية والبديهية مطالب غير قابلة للنقض ولا للمساومة. هذا درس أساسي من دروس ما حصل ويحصل في العالم العربي، الأمر الذي لا تتنبه له الأنظمة العربية الحاكمة او النظام الايراني ايضاً، مع أن لدى هذا الأخير حاسة شم أقوى تجاه شارعه ويعمل على إجراء رتوش تجميلي لنفسه وسوف نرى إلامَ سيؤول. لكن أزمنة العنف والانقلابات العسكرية والقبضة الحديد قد ولّت، سواء مورست باسم الجماهير أو الأديان أو الأعراق.

من هنا نجد أن الجيل الذي نعاين ثورته يرفض العنف والإرهاب والتعصب والقتل العشوائي الذي تمثله تنظيمات “القاعدة” وما يتفرع منها. وهو ضد منطق الطائفية والصراع على أساس ديني ومذهبي؛ وهو ضد الدولة الدينية ومع شعار الدولة المدنية لأنها تحفظ حقوق الجماعات والافراد.

الصراع الممتد من ليبيا الى تونس مروراً بمصر وحتى سوريا، من دون إغفال اليمن، هو في أحد خطوطه العريضة بين الاتجاه الديني والاتجاه المدني عموماً. أي بين إرساء الدولة الدينية وعدم فصل الدين عن الدولة، وبين دولة مدنية تعددية تأخذ الجماعات المختلفة في الاعتبار، وتحترم الاديان ولكن خارج دائرة سلطة الدولة.

يتبين يومياً أنه على الرغم مما تتعرض له الثورات من إحباطات، لا تزال الشعوب العربية تنبض بالحياة، وستظل هي الفاعلة والمؤثرة في نتائج الأحداث على رغم كل الاتفاقات التي يمكن أن تعقد أو اللقاءات المعلنة أو السرية حول العالم، والمنشغلة بالعالم العربي الجديد الذي لا يزال يولد، ولم ينته مخاضه بعد.

يعزز التفاؤل أن الدولة الوطنية، على رغم الصعوبات وما يطفو من صراعات، تبدو للمرة الأولى في تاريخنا المعاصر مطلباً حقيقياً، ما يعطيها الشرعية التي افتقدتها طويلاً في ظل الحنين الى امبراطورية قومية عربية او خلافة إسلامية. لقد فجرت هذه الثورات التناقضات الاجتماعية والدينية دفعة واحدة وكشفتها وجعلت من الممكن العمل على معالجتها ولو عبر الصراع الذي سيأخذ وقتاً.

صحيح أن الشرق الأوسط مشتعل وفي حالة فوران وتفكك، لكن الثورات المتزامنة نفسها تعبر عن وجود روابط عميقة بين الشعوب العربية، ما يجسد في شكل غير مقصود وحدة عربية عميقة.

إن تزامن الثورات العربية تأكيد للوشائج العميقة التي تربط هذه الشعوب بعضها بالبعض الآخر. الوحدة العربية التي جعلتها الأنظمة الاستبدادية مستحيلة، صار في إمكان الشعوب ان تحلم بنوع ديموقراطي متقدم منها لا ينساق الى المفهوم الشوفيني الذي طبع الحركة القومية العربية بطابعه.

فأين نحن في لبنان من ذلك؟ وهل أن الجيل اللبناني الشاب خارج هذه الدائرة؟ هل يرغب هذا الجيل بدولة تيوقراطية؟ هل يرغب بهيمنة النظام الطائفي؟ هل يرغب بالتقاسم المحاصصاتي الزبائني بين المذاهب؟ هل يقبل بأن تنتهك حقوقه في حرية التعبير وحرياته الشخصية وحرية ممارسة عقائده وانتقاص سيادة وطنه؟ هل يرغب بالدفاع عن نظام الأسد، سواء انتمى الى 8 او 14 آذار؟ هل يقبل باستبدال جنسيته؟ هل يقبل باستبدال الهيمنة السورية بهيمنة إيرانية؟

اذا كانت الاجابة عن هذه الأسئلة في معظمها وبما يعبّر عن أكثرية وازنة من اللبنانيين هي لا، فإن لذلك معنى. لا يعود السؤال هل نريد دستوراً جديداً أم لا، بل هل نريد، وأشدد هنا على فعل الإرادة، بناء دولة حرة ذات سيادة، متجاوزين صراع الهويات (مع قبولها بالطبع) التي سمّاها أمين معلوف بكل دقة “قاتلة”؟

في حال نجونا من الهيمنة العسكرية الخارجية الثقيلة، وهو الشرط الضروري لكل ما أقترح، نجد أن ما نشكو منه في لبنان هو النظام الطائفي. اعتمدت الطائفية (آنياً) في لبنان من أجل تحسين تمثيل الطوائف التي لم يكن معترفاً بها تحت السلطة العثمانية، وافادت منه الطائفة الشيعية. لكنه أفسح المجال للهيمنة والتدخل الخارجيين في الوقت نفسه لحماية النفوذ الاجنبي في البداية، ثم مع الوقت تسببت الممارسة والظروف لمأسسته ولاتباع الطوائف لمصالحها الفئوية ولتقاسم مقدرات الدولة.

وضع الدستور اللبناني في العام 1926 وهو من أوائل الدساتير في المنطقة (سبقه الدستور التركي) ومن أفضلها. لقد أرسى نظاماً جمهورياً وأشار الى فصل السلطات. ورفض قبل ذلك بأن يقرّ بأي دين للدولة، وأقر بالحرية المطلقة للمعتقد، حتى بعد تعديله في العام 1990 في الطائف. وهو الأول ايضاً الذي أبرم الاتفاق العالمي لحقوق الانسان بكل مواده من دون استثناء. وكاد أن يكون علمانياً لولا المواد الأربعة 9 و10 و19 و95. فما الذي نريده الآن عبر طائف جديد او تعديل للدستور؟ هل نريد مزيداً من التقاسم الطائفي أو المذهبي وتكريساً لما اعتبر في البيان الوزاري الأول آنياً ومرحلياً؟ او نريد تطويره نحو دولة مدنية لاطائفية تصون التعدد وتحمي المواطن، الى أي عقيدة أو مذهب انتمى؟

نلاحظ أن لبنان يؤمّن مشاركة الشركاء في مكونات الدولة لكنها تمثل مجموعات/ طوائف بدل الافراد؛ ففي لبنان الطائفة اكبر من الدولة. والطوائف الممثلة حصراً في الحكم تجعل الصراع السياسي في لبنان: صراعا داخل الطائفة على التمثيل السياسي، وصراعا (بين الطوائف) في الحكومة على حصصها.

الحاضر الغائب في هذا الجدل هو الفرد. الفرد اللبناني الآخذ في البروز بشكل ملحّ وظاهر، الذي يتم إهماله بإمعان، أين حقوقه؟ وهل يريد الفرد ان تحتكر الطائفة كل تمثيله السياسي؟

لكن يظل السؤال المطروح هو في كيفية الانتقال الى توافقية تعددية حقيقية وليس الى استبداد طرف بآخر والاستقواء عليه؟ الاستقواء سواء بالسلاح أو بالخارج أو بالاثنين معاً.

وكيف يمكن ابقاء تمثيل الطوائف في الحكم مع إيجاد نوع من ضوابط لها وللجماعات التي تمثلها من أجل منعها من اجتياح حقوق الافراد؟ أي كيفية الجمع بين حقوق الطوائف وتمثيلها وحقوق الفرد وحقه في التمثيل.

فما هي حقوق كل من الفرد، والطائفة والوطن؟ وما الذي يؤمنه النظام كضمان لكل من هذه المكوّنات الثلاثة؟

كيف نجعل من الانتماء الى الدولة وإلى الوطن أولوية مطلقة تسبق الانتماء الديني والمذهبي؟

للخروج من المأزق، المطلوب أولاً، أن نجرّب العمل على تطبيق اتفاق الطائف عبر برلمان من دون تمثيل طائفي أو إقرار قانون انتخابي نسبي في مرحلة أولى مع إيجاد مجلس شيوخ يؤمّن حفظ حقوق كل المكوّنات الدينية والعرقية بشكل متساو يتم تحديده في قوانين وتشريعات. إذا نجحنا في هذا يمكن أن تشكل هذه التجربة نموذجاً إرشادياً للمنطقة العربية ودولها.

لا حلّ ولا حلولّ… لا جذرية ولا إصلاحية/ دلال البزري

تقصد بسؤالك “حلاً” ما، أقترضه من كتب أو رؤى، أو “نماذج”، أو حتى من عقلي المحض، أقدم فيه للقارئ شهادة حسن سلوك، على كوني محلّقة فوق، في عالم “الفكر” الصافي، الشبيه بالجنة، حيث لا حسابات ولا خلفيات ولا عنف؛ حيث لا وجود لغير كائنات أمثالي، أتناغم معها على ألحان براعتنا، وتفوّقنا على غيرنا في التنظير الذي لا ينتهي حول لبنان الكيان، أو الدولة، أو القانون، أو المواطن؛ ذلك ان أكثر “الشخصيات العامة” شعبيةً في الوسط الشبيه بوسطي، هي تلك التي لا تتوقف عن النطق بكلمات “الحل” السحرية لأزمة نظامنا.

إذاً، التصورات والتنظيرات في هذا الموضوع، تكاد تشكل غالبية الأدبيات اللبنانية، الكبيرة منها والصغيرة، الجذرية منها والاصلاحية، المعاصرة منها، وتلك التي كتبَ لها التاريخ شيئاً من البقاء. وهي كلها نوقشت في ندوات ومنابر ولجان وجمعيات وأُسس من أجلها أطر لقاء دوري، منتظم، كلها تقول كلمات طيبة عن الكيان والدولة والمواطن الخ. أين ذهبت كل هذه الكلمات الآن؟ كأنها ريح مرّ من هنا… ريح منعش، ذكي، مفعم بالأمل. لكنه في النهاية ريح، عاد الى حيث لا تجد الأفكار لنفسها أيّ لغة مشتركة مع الواقع، أيّ صدى.

الأقل من الحلول الكيانية، شيء أقرب الى الإصلاح الخجول، الى النية الصالحة بتحسين ظروف الأزمة اللامتناهية للكيان اللبناني، شيء مثل “إلغاء الطائفية” مثلاً؛ في بداية تسعينات القرن الماضي، بعدما خرج لبنان مدمّى من حرب الخمسة عشر عاماَ، وكان “الطلب الموضوعي” المطروح على النظام السياسي أن يدخل في نوع من البحث عن طائفيته الحادة، تلك التي أشعلت التقاتل الغبي لعقد ونصف وعقد. فكانت المباراة- البدعة التي أوجدتها الطبقة السياسية المتمكّنة من عقول العباد، أن وضعت نفسها في حال من “الصراع” حول “إلغاء الطائفية السياسية”.

فكان التقاذف العبقري بين نوعين من “الإلغاء”، بين مسيحيين يشعرون بأنهم خرجوا من هذه الحرب مهزومين، ومسلمين يعتقدون بأنهم انتصروا فيها: الأولون لن يرضوا بإلغائها “كلياً” قبل إلغائها في “النصوص”، التي يشعرون بأنهم الأقدر على التحكّم بها، أي إنهائها لصالحهم. فيما الآخرون، المسيحيون، يصرّون، بالأريحية نفسها، على أنهم لن يقبلوا بدايةً إلا بإلغاء الطائفية في “النفوس”، تفادياً لغبلة العدد وإعمالاً لتراثهم العريق في إجتراع معنى للبنان. المهم أن شيئاً طفيفاً لم يتحقّق، “إلغاء الطائفية” لم يتحقق، لا في “النفوس”، ولا في “النصوص”. ذلك ان اللبنانيين، بعد تقاتلهم وهلاك دولتهم، عادوا فلفّوا حول رقبتهم أطواقاً طائفية أضيق من تلك التي تركوا فيها روحهم في حربهم الماضية.

من يتذكر الآن السجال العقيم الذي دار منذ جيل، أو اثنين، حول الإلغاء في “النفوس” أو “النصوص”، عليه ان يشك في حسن نيات أصحاب اللسان الأكثر طلاقة في هذا “السجال”؛ همْ همْ أنفسهم الذين كانوا يختنقون غضباً من كل هذه الطائفية أمام أعينهم، هم الآن زعماء لطائفة أو زمرة منها، مذاهب ونحل متناحرة.

حالياً، الوضع كله أكثر تعقيداً مما كان يوم كانت التنظيرات عن الكيان اللبناني تفيض عن معناها. أكثر تعقيداً وتداخلاً وتشابكاً مع امتداده السوري والإقليمي. دخلنا معمعة حرب بين تطرفين إسلاميين، الشيعي، الإيراني المركز، الذي بدأ يقدم أوراق اعتماده الى الغرب، بصفته شريكاً له في “محاربة الارهاب”… وهو “إرهاب” كانه هو أيام مسعاه الى القوة الخارجة عن نطاقه، لكنه الآن لم يعد يخدمه، على الأقل “استراتيجياً”. على كل حال، الإرهاب الذي يعنيه، هو مزيج من شعب سوري وإسلاميين متطرفين. ما كان يعنينا كل هذا الامر لولا دخول “حزب الله” الى جانب القيادة الإيرانية الداعمة لحرب بشار على شعبه، أي على الذي صار بعد ذلك إرهاباً. فكان الإخلال الأسطع بالكيان اللبناني في هذه الحرب، بدخول قوات “حزب الله” جنباً الى جنب مع قوات بشار الأسد؛ تلته، أو تقدمت في “مواجهته” مجموعات إسلامية سلفية من الأطراف السنيين، ما لبثت أن “انتظمت”، نسبياً، ولملمت إماراتها المتناثرة، فانتقلت الحرب الى “الساحة” اللبنانية بأوجه أخرى؛ اذ لم تكن هذه الحرب قد همدت لحظة. حسناً. فوق ذلك كله، أو بالأحرى بالتناسق مع ذلك كله، أطلت علينا التعطيلات المختلفة لكل المؤسسات الديموقراطية، التشريعية والتنفيذية، وقريباً الرئاسية. فكان الطلب على الحل، على أيّ حل، أيّ إجراء، أيّ شيء ينمّ عن إرادة انسانية بأن المهزلة لا يمكنها أن تستمر؛ فالكارثة مقبلة لا محالة… الخ.

من المغري، مع أنه من غير الأخلاقي كثيراً، أن يتذكر المرء كم من المرات بلغت مخاوفنا حول لبنان ذروتها و”تحمّلنا” أوضاعها، و”تكيّفنا” معها؛ ألسنا نحن شعب “الفينيق”، دائم القيام من رماده؟ مع ذلك، لم يحصل شيء غير اننا استمررنا على قيد هلاكنا مع الأزمات؛ بدءاً بمصيرنا القريب، وانتهاء بنظام سيرنا وانقطاع كهربائنا، وغوصنا في وحول الفساد والأمطار. بعد ذلك، وفوق ذلك كله، أزمة لاجئين سوريين، مثل القنبلة الأخرى.

من المغري جداً التندّر على حالات أصعب من تلك… وعبرناها. ولكن من الأخلاقي أخذ الموضوع بقليل من الجدية، والعودة الى الحلول التي تتطلبها تلك المرحلة الراهنة: أول ما يطرأ عن “الحلول” خارج التنظير لها، هو تحديد هوية أصحابها: من هم هؤلاء الذين مطلوب منا أن نجد حلاً لأزمة بلادهم؟ هل هم لبنانيون؟ هل يكفي أن يعلن زعيم مذهبي أن “لبنان وطنه النهائي” ليكون هو وجمهوره وشبكاته ومؤسساته وقراراته وشعارته وعلمه وتوجهاته… كلها لبنانية؟ بمعنى أن إطار تفكيرها هو مصلحة لبنان؟ أم سوريا؟ أم سوريا- لبنان؟ أم شيعية؟ أم سنية؟ أم أرثوذكسية؟ أم لاتينية؟ هل قرر اللبنانيون ان يكونوا أولاً لبنانيين لكي ينشغل بال العلماء الأجلاء بحلول لهم؟ كيف لهم ان يفكروا في أناس يرفعون أعلام بلدان أخرى؟ بولاءات أخرى؟ بأشواق أخرى؟ بوثْبات أخرى؟

المشكلة الثانية للحلول أنها على جمالها وجاذبيتها، الا أن بينها وبين التطبيق سنوات ضوئية. كلها ينقصها ما يمكن تسميته بـ”خريطة طريق”، أي الجانب الإجرائي، الذي بواسطته تأخذ الحلول طريقها الى التطبيق، وذلك بصرف النظر عن النظافة الكلية لأصحابها أو أصحاب الأدوار بداخلها. عندها، وعندها فقط، يمكن التكلم عن حلول. أن يتفق هؤلاء الذين اتفقوا انهم لبنانيون، أن يلتزموا خريطة الطريق هذه، بغير واسطة نوابهم المنتخبين طائفياً أو مالياً أو تسلطياً؛ ذلك أن الحلول لا يمكن أن تكون، ولا حتى تدّعي أنها طائفية، أو “مدعومة” مالياً أو عسكرياً… ان يلتزم هؤلاء الذين اتفقوا على أنهم لبنانيون إذاً، ما يوصلهم إلى دولة وقانون ومؤسسات. بغير طرق إجرائية لتطبيق الحلول، تبقى الحلول كلام سياسيين، كلام مثقفين، كلام مقاهٍ، كلام جرائد…

أما الآن، وقد أخذت أزمة النظام السياسي اللبناني طريقها هي أيضاً نحو “الأقْلمة” والعوْلمة بأحدث وجوهها، وأقدم عقائدها، فمن المجدي الإهتمام بتلك الجوانب “الجزئية” من حياتنا، التي لا تقل خطورة عن الجوانب “المصيرية” التي تنكبّ عليها “الحلول” عادةً: العمارات التراثية، الزواج المدني، مساعدة اللاجئين السوريين، العنصرية ضد الخدم الأجانب، العنف ضد النساء، المثلية الجنسية، التدخين في الأماكن العامة، الحيوانات الأليفة، التشجير… وغيرها من المسائل التي تمسّ حياتنا، وقد تؤثر فيها أكثر من الحروب الدائرة بالقرب منها. هذه الجوانب التي تنعقد حول مسائل محددة، بوتيرة عادية، بتواضع العارفين بالواقع، ربما هي أكثر حيوية، أكثر ديناميكية من تلك الدعوات شبه الشمولية التي تدّعيها “الحلول”، ذات الإدعاء بالعظمة. قد يخرج من هذه الحركات مستوزرون “مقبولون”، قد تطيح رياح التاريخ العاتية كل تراكماتها البطيئة والمتواضعة. لكنها لها فضيلة نسج علاقات وتفاعلات تعوّض، ولو قليلاً، عن تمزق النسيج الاجتماعي والعائلي، نسيج هو كالأوكسيجين في زمن اختناق هوائنا. هذا مجرد كلّه ترجيح، رهان، لا شيء مؤكداً في خواتمه.

كما ترى ليس عندي حلول، لا جذرية ولا إصلاحية؛ وهذا ليس مصدراً لتعاسة عندي، ولا لإحساس بالبؤس. بل هو أصل سخريتي من كل الذين يصرّون على كونهم أصحاب حلول أو تجسيداً لها. فبعد وقت سوف نحتاج الى “حلول” تنقذنا منهم.

عندما يموت الوطن/ أنطوان قربان

هل لبنان يحتضر؟ هل مات؟ هل سيحفظ التاريخ أن لبنان، بصفته كياناً سياسياً، كان محض فقرة عابرة بين قوسين؟ الأكيد أن ليس ثمة ما يدعو الى التفاؤل للوهلة الأولى. اذ يبدو أن البلاد منزلقة، في شكل غير قابل للانعكاس، على منحدر خطير يمكن أن يودي بها إلى التفكك والاضمحلال. احتمال معتم كهذا يفرض أن نطرح على أنفسنا السؤال الآتي: ما هي أسس الوحدة السياسية، وما الذي يتيح إعادة النظر فيها؟

تمثل هوية المواطن السياسية – وهي التي تطلق عليها دائرة الأحوال المدنية تسمية “الجنسية” – النسخة الافتراضية من إسم عائلته. إنها ثمرة تاريخ وبلد، ويعرَّف عنها كانتماء وإرث. هي تؤسس لشرعيةٍ وحقوق وواجبات. الهوية السياسية تتوارث كمِلك غير منقول لبيئة المدينة الجامعة (cité)، وهي مرتطبة بوحدة سياسية محددة، وبأرض الكائن الجماعي. يولد المرء روسياً، مكسيكياً، إيرانياً أو لبنانياً، مدموغاً بهوية سياسية هي علامته المميزة. شمولية حقوق كل إنسان لا تمحو هذه الذاكرة الجماعية المميزة التي تعود لكل بلد. هي حظ، أو إعاقة، ينبغي لكل واحد أن يتعايش معهما. طبيعتها المستديمة الظاهرية خدّاعة. فهذا التماهي الذي يثبّت العامل المشترك وسط التعددية، هو ثمرة رواية لا تنفك تُكتب ويعاد صوغها. تارة تطغى على الرواية روح الخصوصيات، في شكل اندفاعات وطنية. وطوراً، على العكس من ذلك، تؤكد الرواية سلطة المواطن، أي الفرد. في حالات كثيرة، تتمظهر هوية بيئة المدينة (identité politique) من خلال المجموعة. ولكن في مطلق الأحوال، تتطلب الهوية السياسية شكلاً من أشكال السيادة ومؤسسات تنعكس على أرض ما.

مما لا شك فيه أن الهوية السياسية مسجّلة، ولكن يعاد تفسيرها بلا هوادة، ما يمنح الوحدة السياسية هشاشة مؤكّدة. ولكن ما هي أسس تلك الوحدة؟ ذلك هو سؤال الحداثة الجوهري في قلب العولمة. في الشرق، وفي لبنان تحديداً، تعطي الإجابة عن هذا التساؤل الأفضلية للانتماء الجماعي، وهو غالباً ذو طبيعة دينية أو طائفية. غياب ثقافة المدينة الجامعة أو الحاضرة يؤدي الى تجاهل غالبية التحليلات والنقاشات لمفاهيم “بيئة المدينة” و”القانون”، ويضع “السياسة” في الأولوية. هكذا ننسى أن الرجال الأحرار يتمتعون بمواطنية قائمة على القانون، لا على الهوية. ينظر هاجس الهوية الجماعية (maladie identitaire) الى المجموعة كـ”كلّ”، أو كـ”جسم منجَز”، يملك جوهراً خالداً يشمل كل فرد من المجتمع المذكور. ينبغي لهذا الجوهر ألاّ يتغيّر، ولا يستطيع استيعاب أيّ مساهمة خارجية، إلا من طريق دمجه وضمّه. الحياة العامة كلها تصبح آنذاك خاضعة لمفهوم السلطة التي تمارَس على قطاع ما من الأرض، حقيقياً أكان أم خيالياً، وهو جزء تنبغي حمايته بشراسة من الآخر.

الاقتناع بأن الوحدة السياسية تتحقق بواسطة القطاع (territoire) هي فكرة سييس (Sieyès) ، منظّر الثورة الفرنسية. دفع السياسيين الى الإعتراف بأسبقية الحاضرة الجامعة على القطاع مهمة يائسة، لأن السياسيين لا يتعاملون إلا مع القطاع. أساس قوتهم وأفق تفكيرهم الضيق يقومان على الحقول الموحلة والأسوار. مبدأ المدنية غريب عليهم.

في مواجهة الحيّز الحضري، أي حيّز المدينة، يشهرون تلقائيا منطق الأراضي المسيّجة حيث يمكنهم ممارسة سلطتهم. أما العبقرية المدنية وروح الحاضرة الجامعة الخالد، فسيظلان عصيي الفهم على رجل السياسة، إلا إذا كان هذا الأخير رؤيوياً عظيماً. ولقد عرف لبنان رجالات من هذه الطينة: غسان تويني، فؤاد بطرس، ميشال شيحا، بشارة الخوري، ريمون إده، رياض الصلح، رفيق الحريري… للأسف، ليست هذه الرؤية التي تهيمن على المشهد السياسي اللبناني اليوم، وانعدامها هو ما يثير القلق ويبعث على التشاؤم.

على غرار أرسطو، كان ماكيافيلي يعتبر الحاضرة الجامعة جسماً حيّاً معرّضاً للمرض والموت. مريضةً في كثير من الأحيان، ومتعافاة في بعضها، لا تنفك المدينة تكون هشّة بسبب عدم الاستقرار المتواصل في توازناتها الداخلية. رجل السياسة، بالنسبة الى ماكيافيلي، يشبه الطبيب الذي، بواسطة فنه الخاص، يستخدم مختلف الوسائل لعلاج الأمراض، ولكن أيضا للحؤول دون وقوعها. العامل السياسي لا يتماهى في شكل كامل مع النفوذ والسلطة. جوهر السياسة هو تنظيم الصراعات، بسبب نهجها الذي يشبه العيادة الطبية. لم تنل الاستعارات الطبية التي لجأ اليها ماكيافيلي للحديث عن الحاضرة الجامعة ما يكفي من الدرس.

يمكن مدينةً أن تموت من المرض، أي من الفتنة التي تفكك مجتمع المواطنين، عندما لا يعود يجد “الكبار” (الذين يريدون الهيمنة) و”الصغار” (الذين لا يريدون أن يُهيمَن عليهم) الإطار القانوني والقضائي المناسب لإدارة صراعاتهم. يكفي القانون، في الحياة العامة، لحماية مجتمع المدينة من الخلافات التي تفكك الدولة بواسطة الصراعات التي تولدها. ولكن عندما يصبح انتهاك القانون وتجاهل النصوص القانونية قاعدة الحياة العامة، يمكننا أن نعلن احتضار المدنية وأن نستهيب الخطر القاتل الذي يهدد المواطنية.

بالنسبة الى ماكيافيلي، الفتنة أسوأ من الخلاف البسيط لأنها تنطوي على نية متعمدة فضلاً عن لجوئها الى وسائل مدمِّرة. إنها تعني اتخاذ إجراءات متضافرة ضد الدولة، أو تنحو إلى إثارة العصيان حيالها وحيال السلطات القائمة قانونياً. قد تنجم الفتنة عن منشورات، عن أحاديث، أو عن خطب تحرض المواطنين على إطاحة السلطة القائمة. إنها جريمة ضد أمن الدولة. لكنها مع ذلك مختلفة عن الخيانة لأنها لا تنطوي على أعمال عنف أو تقديم المساعدة للعدو.

نظرة بسيطة الى مسار لبنان منذ أعوام عديدة، تظهر أن هذه البلاد قد تخطت مستويات الفتنة والخلاف، ودخلت في مرحلة عضالية.

ولكن ما هي الآلية التي تستطيع الفتنة بواسطتها تفكيك الانسجام السياسي؟ الأسباب ليست متعددة، لكن من المرجح أن يكون هاجس الهوية الجماعية هو الأكثر قدرة على تفكيك ما احتاج التاريخ والبشر الى قرون لبنائه. الإنتماء إلى هوية جماعية بفخر، هو شعور طبيعي ولكن عصبية التقوقع تشكّل حالة مرضية أو هاجس الهوية الجماعية. إشكالية عصبية التقوقع على الهوية تتميز عن الإشكالية القومية بعوامل متغيرة كثيرة. المطالبة بالأراضي، أو بغيرها، تكاد تكون عنصراً شبه معدوم في أزمات الهوية التي تتميز بنوع من المسرحة يفقد خلالها الممثلون كل اتصال مع الواقع، وكل عقلانية، بحيث يصبح كل كلام إدانات حاقدة وعدوانية.

في فضاء هاجس الهوية الجماعية، تتم مناقشة أحداث جرت لقرون خلت بمرارة الألم الحديث العهد؛ وتُروى مآس جرت لآخرين، ماتوا منذ زمن طويل، كما لو أننا نحن ضحاياها الحاليين. في مثل هذا السياق، يستحيل الحدّ الأدنى من التفاهم مع جارٍ مختلف عنا. ضحية الهوية تعيش، مع رفاق مجموعتها الماضين، في تواصل يشابه في ضيقه وعمقه تواصلها مع أفراد عائلتها الحالية. لا مفرّ من أن نلاحظ أن الاضطرابات الحالية قد زرعت الفتنة في لبنان، وأنها أفرغت الدولة من مضمونها واستعبدتها لهيمنة زمرة. نشرت الفتنة كراهية الجماعات عبر سجنها في غرائزها القطيعية القائمة على الانصهار الطائفي والعصبية.

كان مكسيم رودنسون يعتبر تمثيل الهويات الجماعية للأقليات الدينية في الشرق، قريبا جدا من مفهوم الأمة في أوروبا القرن التاسع عشر. تعيش معظم هذه المجموعات الطائفية (الموارنة، العلويون النصيريون، الشيعة المتاولة، والدروز) في مناطق جغرافية متجانسة ومتماسكة نسبياً، ما سهّل العلاقة المتبادلة بين الأرض والهوية. وقد شكّل أسلوب عيشهم التقليدي عقبة أمام الانتقال إلى المدينية كبوابة نحو المواطنة في قلب المجتمع السياسي. أصبحت هذه الهويات الجماعية، المرتبطة بالأرض بدرجات متفاوتة، مولّدة لمناطق صراع حاد. وأدى استغلالها من جانب مصالح “الآخرين” الى تحويل بلاد الشام (ومنطقة البلقان) الى حقل ألغام، ما إن ضعفت سيطرة الحكومة المركزية للسلاطين العثمانيين. أما إنشاء دولة إسرائيل فقد أدى إلى استفحال التوق الإنتمائي.

لا يمكن إشباع هذا التعطش للأرض إلاّ على حساب روح المدينية، أي روح الحاضرة الجامعة حيث الحيّز العام وحده يسمح بوحدة المتعدد. ليس الإنسان كائناً مستقلاً تماماً في رحم أمه وعائلته، وقبيلته، وطائفته أو عرقه. وحده الفضاء العام للمجتمع المدني يضمن له كيانه الفردي وكل ما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات. هذا هو العامل الذي يمكن قراءته ما بين سطور الانقسام اللبناني، والذي هو، على نطاق أوسع، على المحكّ في سياق الثورات العربية. ثمة رؤيتان تتواجهان: من جهة، تلك التي ترى الى الإنسان كفاعل مستقل، أي كمواطن. ومن جهة ثانية، تلك التي تعتبر الانسان فرداً موسوماً بالهوية الجماعية للمجموعة التاريخية التي ينتمي إليها.

لبنان اليوم على مفترق طرق. إنه يموت نعم، كما تموت في الواقع بلاد الشام بأكملها. ولكن ما يموت تحديداً هو ذلك اللبنان الذي نجا من تفكك الأمبراطورية العثمانية، وعاش بين 1920 و2013، على قول غسان تويني، “قرناً من أجل لا شيء”. ما الذي سينبثق من تحت أنقاض بلاد الشام؟ لا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل، ولكن الجميع مدعوون للتحضير له. ليس لدى اللبنانيين أي خيار، وما عاد في وسعهم خداع أنفسهم. إما أن يوافقوا على تجاوز أوهام هوياتهم الفئوية ويدمجوا الفضاء العام بالحظيرة الطائفية، وإما ينبغي لهم أن يتحملوا بأنفسهم مسؤولية قتل وطنهم.

لقد ساهمت جميع الأخطار التي تزعزع الوحدة السياسية في احتضار لبنان الحالي: الخلاف الناتج من الهوس بالهوية الجماعية؛ الفتنة التي أثارتها عنجهية الجماعات المهيمنة؛ جريمة ذبح المدينة على أيدي الجماعات التي تحدد نفسها بهويتها الضيقة؛ ناهيك بعدم كفاءة السياسيين الذين يفترض بهم أن يكونوا أطباء الحاضرة الجامعة. لكن هذا السياسي- الطبيب لا يرى جسم المريض الذي من المفترض أن يعالجه، بل قطعة من هذا الجسم يمكنه أن يسيطر عليها.

لن يكون للبنان أن يموت إذا ما وافق كل مواطن على ترك رحم الهوية التي تغلق أفق نظرته، وتحول دون إدراكه أن السلام والتعايش، لا العنف، هما وضع الإنسان الطبيعي.

مصلوباً بين ميزته وعلّته/ علي حرب

ما هو مصير لبنان الغارق في عجزه، وسط صراع الدول ولعبة الأمم؟ هنا قراءة في بعض مفردات السؤال الذي طرحه “ملحق النهار”، في ضوء الأحداث والمتغيرات العربية والعالمية التي تغير المعادلات والتحالفات بقدر ما تعيد رسم الاستراتيجيات بين القوى الفاعلة على المسرح الدولي.

لبنان

لم يستطع لبنان، حتى الآن، وضع نهاية للحروب الداخلية والخارجية، التي تجري على أرضه، بالأصالة أو بالوكالة، والتي لا تزال عواملها قائمة وشغالة. من هنا يتردد اللبنانيون بين جولات من العنف الكلامي والرمزي تليها موجات من العنف المادي والجسدي. وبالعكس.

هذه حاله مذ بدأت تعمل على أرضه، تحت هذا الشعار أو ذاك، المنظمات والأحزاب المسلحة المدعومة عربياً أو إقليمياً. وهذا ما أراد له بعض أهله، من ساسة ومثقفين مرتبطين بمشاريع خارجية حولت لبنان “ساحة” مفتوحة وسائبة للشعوذات النضالية والدعوات المستحيلة والأحلام المدمرة.

نعم تتغير الأسماء والوجوه والقوى. لكن المنطق بقي هو هو: من يحاول النهوض بلبنان من محنته يهدَّد أو يُقتل. من هنا وصفي لبلدي بأنه بلد مرجأ ووطن معلّق على صليبه في انتظار قيامته. وقد تفاقمت الأحوال في الفترة الاخيرة، بعدما أصيبت الدولة بالشلل والاهتراء والعجز التام عن مواجهة الفلتان الأمني، كما تشهد الفتن الجوالة والتفجيرات النوعية المتنقلة من مكان الى آخر.

هل يخرج لبنان من عنق الزجاحة؟

لاحت فرصة ثمينة، في الرابع عشر من آذار عام 2005، كما تجسد ذلك في التظاهرة المليونية، الاستثنائية، التي شهدها بلد صغير كلبنان. لكن زعماء الاحزاب والكتل، لم يكونوا على مستوى الحدث.

لم يحسنوا استثمار ما فتحه من امكانات، لاجتراح سياسات تخرجنا من الأزمة. بالطبع لا أغفل المسؤولية الكبرى التي يحملها الفريق المعارض الذي قدم ولاءه للخارج العربي أو الاقليمي، على حساب علاقته بشركائه في الداخل، مما يرتدّ سلبا على لبنان، لأن كل ولاء سياسي أو عسكري للخارج يشكل لغما ينفجر في الداخل. المهم ان تلك الفرصة قد ضاعت وعاد لبنان الى الوضع الأسوأ، ليغرق في نزاعاته المذهبية السافرة.

النظام

من المفارقات في لبنان، ومثالها ما هو حاصل الآن، أن الحكومة عاجزة، أو مستقيلة، أو معلقة، فيما اللبنانيون يحيون حياتهم ويصرفون أعمالهم بصورة اعتيادية. الفضل في ذلك يعود الى النظام الذي اعتادوا عليه منذ عقود. فهو الصيغة السياسية التي تسيّر الشأن العمومي بمختلف مرافقه ووجوهه. وهو العقد الاجتماعي، المتخيَّل وغير المكتوب الذي ينظّم، بقيمه وقواعده، أمور العيش معا، بين اللبنانيين، كمواطنين يتساوون أمام القانون بصرف النظر عن انقساماتهم الطائفية وصراعاتهم السياسية. لذا شكّل هذا النظام، الذي وقف وراء ازدهار لبنان، مركز جذب بالنسبة الى الكثيرين من عرب وغير عرب، بوصفه نظاماً ليبيرالياً هو مختبر للتعايش بقدر ما هو نموذج للتعدد ومنبر لحرية الرأي والكلمة. ولأنه كذلك، أي نظام مفتوح، مرن، تعددي، مركّب، ليبيرالي، فإنه أقل هشاشة مما نحسب، بل يبدو أقوى من الأنظمة الشمولية التي سعت الى تفكيكه، إذ هي أنظمة أحادية، مغلقة، متحجرة، فاشلة، ولذا نراها تنكسر ويسقط واحدها بعد الآخر.

ربما تكون الطبقة السياسية التي توالت على حكم لبنان لم تحسن استثمار إمكانات النظام الموروث عن عهد الانتداب، والعمل على تطويرها. بل هي اساءت الاستخدام، من جرّاء التكالب على السلطة والمال، أو اللعب على الوتر الطائفي. وهذه واحدة من إشكاليات لبنان الذي يتردد بين ميزته وعلّته، بين إبداع الفرد وتحجر الجماعة، بين تعددية الطوائف التي صنعت للبنان حريته وهواجسها المتبادلة التي تصنع مآزقه بين ازدهار القطاع الخاص وفشل الساسة. ثمة استثناءان: الأول تمثله محاولة الاصلاح التي جرت في عهد الرئيس فؤاد شهاب والتي جرى الإلتفاف عليها من جانب “أكلة الجبنة”. الثاني تمثله محاولة الرئيس رفيق الحريري للنهوض بلبنان من محنته، وقد كلفته حياته، لأن هناك من لا يريد للبنان أن يعود الى وضعه الطبيعي، كبلد آمن، مستقر.

الدستور

ما حُكِم لبنان، مرةً، وفقاً للدستور وبنوده. بل حُكم بمنطق توازن القوى بين الطوائف التي عملت دوماً على انتهاك الدستور وخرق القوانين.

من المفارقات، أن دستور لبنان هو دستور مدني له بُعد علماني، في ما يخص حريات الاعتقاد والتعبير والمساواة أمام القوانين. لكن ذلك بقي حبراً على ورق، لأن الطبقة ذاتها، أدارت الأمور، أو أساءت الادارة، بقدر ما اشتغلت بعقلية المحاصصة التي تقضي بالمساواة في المكاسب والمفاسد، وفي تبادل المنافع والمساوئ.

إن الدستور اللبناني يشكل أرضاً صالحة، للعمل عليه، تحديثاً لمواده وبنوده، كي يستجيب للحاجات والمطالب التي أسفر عنها الحراك الإجتماعي وتطور الحياة، طوال عقود، ولا سيما في مجال الحقوق المدنية والحريات الديموقراطية، وخصوصاً في ما يتعلق بحقوق المرأة والشباب الذين هم قوة المستقبل. فقد حدثت تحولات في المفاهيم والقيم تغيّرت معها أشكال الإنتماء والتواصل بين الناس. من هنا أهمية التركيز اليوم، لا على الهويات والثوابت التي تشلّ الطاقات الحية لتنتج العوائق والمأزق، وانما التركيز على الفرد المواطن، المنتج والمبدع، الفاعل والمشارك في صناعة ذاته وبناء مجتمعه. فذلك يساهم في تفكيك العصبيات الطائفية المتناحرة، بتشكيلاتها الفاشية التي هي ضد منطق العصر بقدر ما ترتدّ على أصحابها وعلى المجتمع والناس عنفا وخرابا.

إن الدستور العصري، الفعال، هو الذي يتيح للمجتمع اللبناني أن يمارس حيويته واستثمار طاقاته الخلاّقة، لكي يحقق نموه وازدهاره، بكل مكوّناته وقواه وفاعلياته، أفراداً ومجموعات، أو قطاعات ومؤسسات.

المفترقات

إن المجتمعات البشرية هي الآن على المفترقات، إذ هي تدخل في عصر جديد. هناك عالم مختلف آخذ في التشكل بلغته ومفاتيحه، بمفاهيمه ووسائله، بنظامه وخرائطه، بقواه واللاعبين على مسرحه.

من سماته: (1) تشابك المصالح والمصائر على المساحة الكونية، مما يجعل من غير المجدي بل من المستحيل إدارة الشؤون في أي بلد على أساس الفصل الحاسم بين الشأن المحلي والمدى الكوكبي. (2) الإشتغال بالقوة الناعمة، الهادئة، الذكية، هو الوسيلة لبناء مجتمعات منتجة، غنية، فعالة. (3) انكسار الأحادية لمصلحة تعددية الأقطاب والمراكز أو النماذج والأنماط في السياسة والمعرفة والتنمية. (4) ظهور فاعلين جدد في السياسة والإدارة، كما تشهد تجارب الدول الناشئة: بيساو بينغ في الصين، مهاتير محمد في ماليزيا، مانديلا في جنوب أفريقيا، لولا في البرازيل، أردوغان في تركيا (أقصد النسخة الاولى لأردوغان). لذا، العاقل هو الذي يحسن قراءة المجريات واستثمار التحولات، كي لا يخسر الرهان، كما خسرها الذين أداروا الشأن العام، الوطني أو الإقليمي أو العالمي، بعقلية التشبيح والإستقواء، أو بمنطق الإستعمار والإستكبار، أو بلغة التهديد والوعيد. فكان المآل هو الفشل والتراجع، كما تشهد التجارب، ماضياً وحاضراً، في الإتحاد السوفياتي والنظام الناصري، ثمّ في إيران وأميركا.

اللحظة العربية

اللحظة الراهنة، لبنانياً وعربياً، هي لحظة استثنائية، كما تمثل ذلك في انفجار الثورات في غير بلد عربي، وعلى نحو فتحت معه إمكانات جديدة تغيّرت معها قواعد اللعبة وعلاقات القوة، بقدر ما تغيّرت التحالفات والخرائط.

هناك من تشاءم وتراجع عن تأييد الثورات، لأنها لم تجر وفقاً للتصورات التبسيطية الطوباوية، بل فوجئ الكل بموجاتها وفتوحاتها وارتداداتها. فلا شيء يحدث على المسطرة. الأهم انه بعد سقوط الزعماء والطغاة، تتكشف المجتمعات عن تناقضاتها وعيوبها وآفاتها. الأمر يحتاج الى جهود جبارة وأعمال خارقة، من الجميع، لإعادة التركيب والبناء.

لكن لا عودة الى الوراء، بعدما خرجت الشعوب العربية من سجونها الفكرية وأقفاصها السياسية لتحدث كل هذه الإنقلابات والتحولات غير المنتظرة، على الرغم من العراقيل والعقبات أو المؤامرات والتواطؤات. فالثورات فتحت أبواباً للتغيير لن تغلق، ولو كانت الإثمان كبيرة. لقد سقط غير نظام ديكتاتوري. كذلك سقط الوجه الآخر للديكتاتور، أي المرشد، كما تشهد التجارب الفاشلة في مصر والسودان، أو في تونس وإيران. ومن لم يسقط بعد فسوف يسقط عاجلا أم آجلا.

لذا، فإن التهويل الذي يمارسه الكثيرون، من لبنانيين وعرب وغربيين، بسيطرة المنظمات الأصولية، إذا ما غاب الديكتاتور، هو تمويه وتضليل. فالأصولية والديكتاتورية وجهان للعملة نفسها، إذ كلاهما تساهم في صنع الأخرى وتسويغها أو تغذيتها ودعمها. كلاهما تنتج الفقر والفساد أو العبودية والبربرية.

الصفقة والفرصة

في هذا السياق يندرج الحدث السوري، كما تمثل في استخدام النظام للسلاح الكيميائي، وما تولد عنه من اتفاق بين أميركا وروسيا انتهى بتسليم السلاح المذكور. في السياق نفسه يندرج الوجه الآخر للصفقة، كما تجسد في الإتفاق بين أميركا وإيران حول البرنامج النووي الإيراني: التوقف عن التخصيب لأغراض عسكرية، مقابل الإفراج عن جزء يسير من الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الغربية. وهو اتفاق اضطر النظام الإيراني الى إبرامه مكرهاً، بعدما وصل الى أزمته الإقتصادية الخانقة.

بالطبع سيكون لهذه الأحداث والإنقلابات وما نجم عنها من اتفاقات وصفقات، أثرها وتداعياتها في العالم العربي، وخصوصاً في لبنان المرتبط أشد الإرتباط بالمحور الإيراني – السوري. هل الأثر إيجابي أم سلبي؟ إن الأحداث هي فتوحاتها وإمكاناتها الغنية، تماماً كما أن التحديات هي فرصها واحتمالاتها المتعددة.

ما أراه ان الإتفاق يفتح الفرصة للخروج من الحقبة الإيرانية الى ما بعدها، بقدر ما يسجّل تراجع الدور الإيراني. فما حدث يشهد بأن نظام المرشد قد خسر رهانه في الداخل بعد فشله الذريع في الإقتصاد، كما خسر رهانه في الخارج بعدما استهلك وانفضح شعار المقاومة والممانعة الذي تعيّش عليه طويلا لكي نحصد كل هذه الدماء وكل هذا الدمار.

هكذا فمن يخسر في الداخل يخسر في الخارج، وبالعكس. لذا فإن الأنظمة الشمولية، أكانت دينية أم قومية، لا تقوم بأعمال بناءة تنفع الناس في الخارج. ما تريده أو تقدر عليه هو ممارسة التشبيح الإستراتيجي الذي يعود بالضرر على الحلفاء والوكلاء، بقدر ما يورطهم في أعمال تجرّهم الى الإرتداد ضد كل ما رفعوه من الشعارات.

الممكنات والاحتمالات

ما هو الدرس المستخلص لبنانياً من التجارب الناجحة أو الفاشلة؟

لا مجال اليوم، لتركيب حلول محلية للمشكلات العالقة، المعقدة أو المستعصية، في أي بلد من البلدان. فكيف ببلد كلبنان هو في نشأته، الحديثة والرسمية، حصيلة التسويات والتوازنات على مستوى الداخل بين طوائفه وفئاته، أو على مستوى الخارج بين القوى الفاعلة والمؤثرة على ساحته وفي سياسته. هذا ما تشهد به التسويات والإتفاقات، أزمة بعد أزمة، من ولادة لبنان ذي الوجه العربي إلى اتفاق الدوحة، وما جرى بينهما من اتفاقات وصفقات. هذه قاعدة أولى.

تشهد التجارب الناجحة، بأن اللبنانيين بقدر ما يعملون بمنطق المصالحة والشراكة، يخفّ أثر التدخلات الخارجية، عربية أو غير عربية. فكيف إذا كانت هذه التدخلات تضرب بعرض الحائط وجود لبنان ودولته ومصالحه! فعسى أن يستخلص الدرس اللبنانيون المرتبطون بمشاريع خارجية: لا يمكن أن تعود على اللبناني بالنفع له ولبلده علاقته مع نظام عربي أو إقليمي، فشل في إدارة بلده، أو يعمل على تدمير بلده. هذه قاعدة ثانية.

لبنان هو بلد عربي، أولاً بحكم اللغة والثقافة؛ ثانياً بحكم المصلحة والمنفعة؛ ثالثاً بحكم الجغرافيا والجوار. لذا لا إنفكاك له عن المجموعة العربية، بمعنى أن علاقته مع الدول الإسلامية غير العربية، ليست أولى من علاقته مع الدول العربية. فالروابط العقائدية، الطائفية أو المذهبية، التي تجمع لبنان بدول إسلامية (إيران، تركيا)، هي روابط لا تجمع أو توحّد، بل تفرّق وتمزّق، كما هي حال العقائد التوحيدية والمشاريع الإسلامية التي هي أعجز من أن توحّد حياً في مدينة. من هنا الارتباط الوثيق بين التحولات التي يشهدها العالم العربي ومستقبل لبنان، بما تفتحه من الإمكانات والفرص للتغيير الايجابي والبنّاء. هذه قاعدة ثالثة.

الرهان

هكذا، لا انفكاك للبنان عن محيطه العربي، إيجاباً أو سلباً. كل تقدم أو نمو تحرزه دولة عربية، يشكل فرصة له، لكي يساهم في العمل الحضاري المشترك على سبيل التبادل الغني والتفاعل الخلاّق. هكذا مارس دوره الريادي منذ عصر النهضة والاستنارة. وهذا ما يؤمل أن يفعله في عصر الثورات الراهنة بقواها المدنية السلمية: المساهمة في العمل الحضاري، ابداعاً وابتكاراً، في الثقافة وفي مختلف وجوه القوة الناعمة (الصحافة، الادب، الفن، الفكر…)

في المقابل ما يحدث من فشل وعجز وتأخر، أو يمارَس من عسف واستبداد أو استقواء، في الدول العربية أو من طرفها، إنما يرتد على لبنان ضرراً وخراباً، كما تشهد تجارب حركات التحرر الآفلة، وكما تشهد المشاريع الشمولية، القومية والدينية، بعقائدها الحديدية وأحزابها الفاشية، كما بنماذجها النضالية الفاشلة أو الجهادية القاتلة.

وإذا كانت الكتلة اللبنانية الموالية للأنظمة الديكتاتورية والمشاريع الأصولية، قد ساهمت المساهمة الكبرى، في إجهاض الثورة المدنية التي لم يشهد لبنان لها مثيلاً، فإن نجاح الثورات العربية يشكل اندفاعة جديدة، لإنطلاق الحراك المجتمعي اللبناني بقواه المدنية الساعية الى تحرير لبنان من المافيات السياسية التي تمتص خيرات شعبه وتفشل في إدارته، كما تسعى الى تحريره من الإرتهان للمشاريع القومية الهدامة، أو للدعوات الأصولية الجهادية القاتلة.

لا تبحثوا عن القتيل ابحثوا عن القاتل/ زيـاد بـارود

عام 2004، كتبت في “الملحق” متناولاً حيّزاً من أحوال نظامنا غير النظامية وغير المنتظمة. يومذاك، اختار عقل العويط عنواناً لمقالي خشيتُ فيه المبالغة، وكان العنوان: “دولة لبنان الفاسدة”. بعد سنوات على هذا “الارتكاب”، وبمعزل عن تفاصيل كثيرة، يبدو أن الدولة استحقت (بجدارة؟) نعتها المذكور، بل باتت، بعد الفساد، تتجه بخطى (أكيدة؟) نحو الفشل، فيصحّ عنوان “دولة لبنان الفاشلة”! الحقيقة أني تردّدتُ كثيراً متسائلاً: هل الدولة هي الفاسدة والفاشلة والغائبة في كلّ حال؟ أم إنها حكومات متعاقبة امتهنت كلّها، منذ 1943، تصريف الأعمال بمعناه الواسع؟ هل الدولة، بما هي دستور وتشريعات وأنظمة ومؤسسات ومواطنات ومواطنون، هي التي فشلت أم أن شكسبير كان على حق عندما كتب: “إذا كانت حالنا في تدنٍّ، فالحق ليس على النجوم”؟

لا بأس إن فشلت الدولة في أمر ما. ولا بأس إذا فشل اللبنانيون أحياناً في أمور. لكن الخطير هو إعادة إنتاج الأخطاء نفسها التي أدّت إلى هذا الفشل. الخطير هو عدم التدقيق في هذا الفشل وعدم إجراء تقويم للحال والأداء، والأخطر منه عدم اعتراف البعض بذلك الفشل، بل نسبته، في أفضل الأحوال، إلى الغير، إلى “الفريق الآخر”.

جزء من حالنا الصعبة والمتعثرة يرتبط بالإقليم وتحدياته، وقد تعاظمت في الفترة الأخيرة، فيما الجزء الآخر يرتبط، من دون أي شك، بكيفية إدارة الاختلاف والخلاف والنزاع في السلطة وعليها. بقيت بلجيكا 547 يوماً من دون حكومة وكانت أزمة، لكنها بقيت أزمة تأليف ولم تضرب الاستقرار ولم تضرب الاقتصاد ولم تضرب الأمل عند الناس. أخطر ما في الأزمة اللبنانية أنها تغتال الأمل في النفوس وتُنتج إحباطات متنقلة بين الناس وتهشّم في مفهوم الدولة وتزعزع مؤسساتها.

أزعم – والزعم يقبل النقاش- أن أزمتنا، في شقّها الداخلي على الأقل، ليست أزمة نظام بالمعنى الجاري تداوله. هي ليست أزمة ناتجة من برلمانية نظامنا، مثلاً، ولا هي ناجمة عن طائفية النظام حصراً. هي، باختصار كلّي، أزمة إدارة تنوّع! فأن يكون لبنان متنوّعاً طائفياً وسياسياً وفكرياً وثقافياً، إنما غاية الغنى، وها هي الأنظمة الأحادية تسقط تباعاً وتسقط معها أحزاب الـ99.99 في المئة التي حكمت على نغمة قوانين الطوارئ على مدى عقود. وفي زمن الفضائيات والتواصل الافتراضي العابر للحدود، فإن كل المجتمعات ذاهبة في اتجاه التنوع ولا يمكن البعض تالياً أن يختصر أزمة لبنان بتنوّعه. وإذا كان الدستور ومقدمته قد حسما بأن “لا شرعية لأية سلطة تناقض صيغة العيش المشترك”، فإن الحسم المبدئي دون التطبيق. وفي التطبيق، ثمة كلمات ثلاث جوهرية في ما تقدّم لا بدّ من التوقف عندها: السلطة والصيغة والعيش المشترك. أبدأ بالصيغة وأنتهي بالسلطة مرورا بالعيش معاً.

أما الصيغة، فشكل من أشكال الحكم التي تختارها مجموعة من الناس عندما يبنون دولة. صيغتنا هي تلك التي اختارها المؤسسون وقد عبّر عنهم ميشال شيحا أبلغ تعبير عندما كتب، عن حق، أن لبنان “هو وطن الأقليات المتشاركة”. شتّان بين تشارك الأقليات وبين تحالفها، في المناسبة… التشارك فعل إرادي، وهو يعلو العيش المشترك معنىً. وهذه الصيغة التي تمحورت حول الميثاق الوطني لعام 1943 جعلت من لبنان دولة ديموقراطية، على علاّت ديموقراطيته وفتوّتها، في زمن الديكتاتوريات المحيطة والأبعد. وهذه الصيغة سمحت بالتشارك إلى أن أجهضها بعض المتشاركين بأن استبدلوا عقلهم بعضلاتهم و/أو رفضوا التشارك في السلطة والقرار على نحو عادل، فذهبوا إلى الخارج استقواءً وضربوا في الداخل استقراراً. هل الصيغة، بما هي تشارك، هي التي تحتاج إلى إعادة نظر (كما هو متداول) أم إدارة هذه الصيغة بحيث تنتج غنىً بدل أن تنتج تشنّجاً؟ وهل لبنان فريد في العالم في اعتماده صيغة تشاركية (consociative)؟ وكيف استطاعت دول أخرى أن تدير تنوّعها الإثني واللغوي والعرقي والديني؟ وما البديل من الصيغة التشاركية، على فرض رفضها

جدلاً؟ اللهم إلا إذا كان البعض يذهب في جذريته إلى حدّ إلغاء التنوّع ضمن الوحدة، عندها يكون موضوع آخر تسقط فيه الدولة التي نعرف ولبنان الذي نريد… هذا، على مستوى الصيغة.

أما السلطة، فتستمد شرعيتها من السيادة الشعبية، من الناس (أو هكذا من المفترض أن تكون)، وهي تالياً تستمد شرعيتها، في نظام برلماني، من الانتخابات التي تأتي بها. وهنا الأزمة: أزمة قانون الانتخاب الذي يدور فيه المقصّ دورته والذي يصنعه بشر، لدى معظمهم نقاط ضعف ترتبط إجمالاً بالجلوس المستدام. قانون الانتخاب شديد الحساسية والتأثير في إنتاج السلطة، تلك السلطة التي من المفترض أن تحمي الصيغة، صيغة التشارك متنوّعين ضمن الوحدة. فبقدر ما تكون تلك السلطة تمثيلية فعلاً (بمعنى صحة التمثيل)، وبقدر ما تكون معبّرة عن أوسع مروحة ممكنة من التنوّع حتى ضمن “النوع” الواحد، تكون بالقدر نفسه قادرة على حسن إدارة الصيغة وحمايتها. لذلك، فإن قانون الانتخاب ينبغي أن يلبّي هذا الهدف، فيحترم التنوّع، بل يظهّره، في الدوائر وفي النظام الانتخابي وفي الجندرة وفي ما سوى ذلك من تعابير ديموقراطية. من هنا المدخل إلى معالجة الأزمة. ثمة ثغر دستورية؟ نعم، من دون أي شك. ثمة حاجة لتعديلات دستورية بهدف انتظام الحالة السياسية. نعم، من دون أي شك. ولكن… مَن المخوّل سدّ الثغر وإجراء التعديلات، إذا لم تكن تلك السلطة المنتخبة التي تعبّر فعلاً عن نبض الناس وطموحاتهم، بصورة تشاركية أيضاً وأيضاً؟ كيف ندخل إلى الأساسيات من دون الأساس، أي من دون الشرعية الشعبية؟ خصوصاً عندما تؤول الشرعية الشعبية لتصبح، لا مجرّد أكثرية تحكم أقلية، بل تشاركاً بين المكوّنات المختلفة واستيعاباً لها.

في المبدئيات والأساسيات، لا بأس من التذكير بما جاء به الدستور الأردني في تعديل عام 2011، حيث ورد في المادة 128 منه: “لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات في جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها.” بالفعل، ثمة أساسيات وضمانات دستورية لا يمكن أي قانون أن يضربها في معرض تنظيمها، من حرية الجمعيات إلى حرية المعتقد (المطلقة في الدستور اللبناني) إلى سواها من الحقوق والحريات المرتبطة بقانون الانتخاب.

لذلك أزعم – أيضاً- في الخلاصة، أمرين:

– الأول، أن أزمة النظام اللبناني ليست أزمة بنيوية تكوينية بقدر ما هي أزمة إدارة. البنية التحتية مقبولة، أما تعبيد الطريق فيشبه فسادنا، وشرطي السير غالباً ما يغيب أو إنه لا يجيد في السير تنظيماً. تالياً، فإن الحديث عن سقوط النظام السياسي اللبناني ينبغي أن يتناول بالحري السلطات المتعاقبة التي حكمت هذا النظام وتحكّمت به بدل أن تحكمها، هي، أساسيات النظام ومبدئياته وجوهره. فلنبحث في تكوين السلطة ولنقارب أزمة النظام من هذه الزاوية بالذات، ثم نقوّم ونرى.

– الثاني، أن أي نظام سياسي لا بد أن يحتاج إلى تطوير. ونظامنا يحتاج إلى أكثر من مجرّد عملية تجميلية. لكن مسؤولية التطوير لا بد أن تلقى على عاتق حالة تمثيلية حقيقية، شاملة، ميثاقية، إستيعابية للتنوع القائم، السياسي منه والفكري- الثقافي قبل الطائفي!

انطلاقا من هذه المسلّمات، لا أرى إمكاناً لقراءة ثانية نقدية وتعديلية لنظامنا السياسي إلاّ انطلاقاً من سلطة منتخبة على قواعد تمثيلية صلبة تعبّر فعلاً عن نبض الناس وآمالهم، إنتظاراتهم وهواجسهم، إستعداداتهم ومخاوفهم. لهذه الغاية يبدو قانون الانتخاب، المعلّق على حبال الانتظار والتأجيل، حجر الزاوية في بناء الثقة. ولا يغيب مجلس الشيوخ عن هذا المشهد، ولو استوجب ذلك تعديلاً في الدستور، فينتخب الشيوخ مع انتخاب مجلس النواب. في موازاة ذلك، تكتسب اللامركزية موقعاً متقدّماً في مقاربة النظام السياسي، وهي، مذ دخلت في اتفاق الطائف حيّز الإجماع، باتت جزءاً من الإصلاحات الهيكلية الضرورية في مبنى المجتمع السياسي والتنموي اللبناني، وواحدة من آليات إدارة التنوع ضمن الوحدة. إصلاح النظام وتطويره يمر عبرها إلزامياً.

هذه كلّها عناوين تحتاج إلى بلورة ونقاش وتطوير. لكن المنطلق يبقى التقويم ثمّ الاعتراف بأن أخطاء ارتُكبت ومن ثم التصميم على تكييف الحالة الدستورية مع حاجات حسن إدارة الدولة. هذا، إذا صدقت النيات، لأن أفضل الدساتير في العالم تستحيل مجرّد أوراق مضجرة إذا لم يقترن النص بالممارسة. نظامنا لا يزال مشروع دولة، ودولتنا ستبقى مجرّد مشروع طالما المحاسبة غائبة والمساءلة خجولة. على أحدهم أن يتحمّل مسؤولية الفشل. فشل الإدارة لا فشل الدولة. عودٌ على بدء: الدولة الفاشلة؟ لا تبحثوا عن القتيل، إبحثوا عن القاتل!

عام الانتظار وتغييب ثقافة التغيير/ مسعود ضاهر

في مطلع 2014، وبعد ممارسة سياسة النأي بالنفس التي أدت إلى شلل شبه تام في مؤسسات الدولة اللبنانية، تُطرح بعض الأسئلة الثقافية حول مستقبل النظام السياسي اللبناني المستند إلى توازنات طائفية ومذهبية متناحرة . فالوقائع الدامغة تؤكد الإنحدار المريع للطبقة السياسية التي تدير هذا النظام وتجعل مهمة المثقفين المدافعين عن بقائه أو تطويره من الداخل مسألة شبه مستحيلة بعدما تفككت اللحمة السياسية بين مكوّناتها الطوائفية.

لقد نجح إتفاق الطائف في وقف الحرب الأهلية من دون أن يحصّن لبنان من تجددها، وهو تمخض عن تبدلات دستورية ذات طابع طوائفي فككت ركائز النظام السياسي وأدخلت لبنان في مرحلة تغييب الدولة. فإذا باللبنانيين اليوم يعيشون مرحلة الخوف على المصير في دولة لم تعد تتمتع بالحد الأدنى من سمات الدولة العصرية القابلة للإستمرار في صيغتها الراهنة.

ثم عقد مؤتمر للحوار الوطني اللبناني بالدوحة في أيار 2008، بمشاركة قيادات سياسية لبنانية ودعم إقليمي ودولي، وكان الهدف منه إنقاذ لبنان والخروج من الأزمة السياسية وتداعياتها الخطيرة على صيغة العيش المشترك والسلم الأهلي بين اللبنانيين. وفي حفل ختامي مهيب نقلته وسائل الإعلام أعلن “اتفاق الدوحة” في 20 أيار 2008 وتعهدت القيادات السياسية التي وقّعته، الامتناع عن استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، وإطلاق الحوار لبسط هيبة الدولة ومؤسساتها العسكرية على الأراضي اللبنانية كافة. فإذا بالسلطات الأمنية والعسكرية الرسمية اليوم عاجزة عن حماية السلم الأهلي بين اللبنانيين وتطبيق القانون واحترام سيادة الدولة في المناطق اللبنانية كافة. تعطل الحوار الوطني، ولم تتوافق القوى السياسية على قانون إنتخاب ديموقراطي عصري، وعجزت عن تشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة تعزز الثقة بين اللبنانيين. ولم تلتزم القيادات اللبنانية وقف استخدام لغة التخوين أو التحريض السياسي أو المذهبي، وزادت حدة الأزمات الإقتصادية والإجتماعية في لبنان.

لم ينجح إتفاقا الطائف والدوحة في بناء نظام سياسي جديد قابل للإستمرار من دون مساعدة إقليمية ودولية. وشكل كلٌّ منهما أمناً بالتراضي لحماية المواطنين، مع إكثار الخطب الرنانة عن شراكة وطنية بركائز طائفية في إطار نظام ديموقراطي شكلي. حاذر سياسيو لبنان، في الموالاة والمعارضة، معالجة القضايا الصعبة المتصلة ببناء دولة حديثة، فإذا بلبنان اليوم أسير المأزق نفسه الذي كان سائداً يوم إطلاق “إتفاق الدوحة”، وإذا بخطب رئيس الجمهورية تستعيد في نهاية عهده حلم بناء دولة عصرية على أسس مدنية وغير طوائفية.

تبدو الجهود العربية والدولية اليوم عاجزة عن احتواء الأزمة اللبنانية، وإعادة طرفي النزاع في لبنان للعمل معاً على استقرار لبنان وتعزيز الجبهة الداخلية. وهي مدعوة مجدداً لحماية المجتمع اللبناني من سلبيات الأحداث الدموية التي تنذر بفتن طائفية ومذهبية مدمرة. ليس من شك في أن ساسة لبنان لم يتحملوا مسؤولياتهم الوطنية لضبط التشنج السياسي والمذهبي المتمادي إلى أبعد الحدود. ولم يعملوا على حلّ أيٍّ من المشكلات الكبيرة التي تواجه اللبنانيين، فزادت نسبة الفقر والبطالة، واستفحل التعصب الطائفي والمذهبي، وانتشرت المخدرات والجريمة والسرقات والفساد الإداري والمالي على نطاق واسع، وتهدد أمن اللبنانيين بصورة مرعبة بعد انفجار الحرب في سوريا، مما دفع القوى النقابية الطليعية إلى التضامن عبر هيئة التنسيق النقابية، وخاضت نضالات مطلبية بأبعاد سياسية، واجتماعية، واقتصادية فاعلة وغير مسبوقة في تاريخ لبنان المعاصر.

بيد أن التحركات النقابية والإجتماعية الواسعة التي شهدها لبنان عام 2013 لم تخفف من الاحتقان الطائفي والمذهبي المتزايد. كما أن ازدواجية الولاء الطائفي الوطني لا تزال تعمل لصالح قيادات سياسية بنت استراتيجيتها على تشجيع الولاء المذهبي على حساب الولاء الوطني، وتنمّي مصالحها الشخصية على حساب المصلحة الوطنية العليا، وتعزز ارتباطها التبعي بقوى إقليمية على حساب الوحدة الوطنية الضامنة لإستقلال لبنان وسيادته ووحدة شعبه. أضيفت إليها تداعيات الأزمة السورية المستمرة منذ ثلاث سنوات، التي دفعت بنحو مليوني لاجئ سوري إلى لبنان، فزادت من حدة مشكلاته السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

نخلص إلى القول أن الأحداث الدموية المستمرة بوتيرة متزايدة في لبنان أثبتت أن النظام السياسي الطائفي لم يعد قادراً على تجديد نفسه في ظروف انفجار الإنتفاضات العربية منذ العام 2011، فأسقط الشعب أنظمة عربية عدة. لن تبقى الأوضاع العربية بعد الانتفاضات كما كانت قبلها لأن الشعوب العربية كسرت حاجز الخوف من أنظمة الإستبداد والقمع إلى غير رجعة، وهي تعمل على منع تجددها بكل الوسائل المتاحة على غرار ما جرى في مصر وما يجري الآن في تونس، وذلك يطرح تساؤلات منهجية بآفاق مستقبلية.

أولا: إن تفاقم الأزمة في لبنان على مختلف الصعد، يؤكد أن النظام السياسي فيه يفتقر إلى قيادات وطنية جامعة، وإلى مؤسسات مركزية قوية تحصّن المواطن من أخطار الانجرار السهل وراء قيادات طائفية ومذهبية لا تتورع عن إشعال حرب أهلية تطال جميع اللبنانيين. فهي تتبنى أسلوب الإحراج المتبادل لمنع أيّ إصلاح جذري، مما أدى إلى تفكك مؤسسات الدولة اللبنانية التي بنيت على ديموقراطية توافقية لضمان مصالح زعماء الطوائف وليس مصالح المواطنين وحماية التعددية والتنوع. وغالبا ما تتم المقارنة مع صيغة الديموقراطية التوافقية في سويسرا التي أوصلت تلك البلاد إلى الازدهار الشامل والاستقرار الدائم بعد حروب أهلية مدمرة. وتم الترويج للتجربة السويسرية على أساس اقتباس الشكل دون المضمون، واعتبروها نموذجاً يحتذى لإصلاح النظام السياسي في لبنان بصفته “سويسرا الشرق” من حيث التعدد العرقي والتنوع الطائفي والثقافي. وفي حين بنيت الصيغة السويسرية على تغليب مصلحة الوطن الموحد على مصالح القيادات العرقية والقومية والمذهبية، بنيت الصيغة الطوائفية في لبنان على أساس تغلب مصلحة الزعيم على مصلحة المواطن والطائفة والوطن معاً.

فالديموقراطية الطوائفية المطبقة في لبنان ليست سوى “ديكتاتورية مقنعة” وفق تعبير ميشال شيحا، الأب الروحي للدستور اللبناني، وأحد أهمّ منظّري البورجوازية اللبنانية. وكان الهدف منها إعادة إنتاج زعماء الطوائف عبر الوراثة العائلية والطائفية المستمرة منذ قرون طويلة. وقد ترسخت تلك الصيغة إلى درجة أن كلّ محاولة لتقليص نفوذ زعماء الطوائف يمكن أن تتحول إلى صراع شامل على الدولة، تتضامن فيه جماهير الطوائف مع زعمائها على حساب مصالح تلك الجماهير أولا. وبعدما أمعن زعماء الطوائف في إضعاف الدولة المركزية، وتهديد الاستقرار والسلم الأهلي، وهما ركيزتا الدولة والوطن في ظروف داخلية وإقليمية بالغة الخطورة على أمن المجتمع ومركزية الدولة في لبنان.

ثانيا: تضمن إتفاقا الطائف والدوحة تقسيماً للدوائر الانتخابية يتناقض جذرياً مع أبسط أشكال الديموقراطية وحقوق المواطن، وفصلت على مقاس زعماء الطوائف ومصالحهم الشخصية. وباتت النتائج النهائية معروفة سلفاً لعدد كبير من المقاعد النيابية قبل إجراء العملية الانتخابية نفسها، مما ساعد على استمرار الأزمة اللبنانية عبر التجديد لقياداتها الميليشيوية من دون أن يحصّن لبنان نفسه من أخطار الصراعات الإقليمية والدولية المتفجرة في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد في رعاية أميركية – إسرائيلية. بالإضافة إلى إختراق صهيوني متزايد للطبقات السياسية الحاكمة على امتداد العالم العربي، والإهتزاز الأمني في غالبية الدول العربية التي باتت عرضة لأزمات داخلية وأخرى وافدة من وراء الحدود، مما جعلها عرضة لإملاءات خارجية ذات أهداف غير عربية، لا بل ضد مصالح الشعوب العربية.

ثالثا: هناك شعور كبير بالعجز عن إصلاح النظام السياسي الطائفي لدى الغالبية الساحقة من المثقفين اللبنانيين بسبب غياب المشروع الوطني الجامع لدى فريقَي الموالاة والمعارضة معا. هذا بالإضافة إلى انعدام قدرة قوى التغيير الجذري، أحزاباً ومنظمات في المجتمع المدني، على إيجاد موقع لها في التركيبة السياسية المتناحرة على السلطة. وبعدما عجزت عن التوافق على قانون جديد للانتخاب، مدد البرلمان لنفسه من دون أي مبرر شرعي، وتعطلت مؤسسات الدولة، وبرز فراغ على مستوى الحكومة قد يعقبه فراغ قريب على مستوى رئاسة الجمهورية. فليست هناك إرادة سياسية جامعة لتحقيق شراكة وطنية حقيقية، أو عقد سياسي جماعي لبناء مواطن خارج القيد الطائفي، ودولة ديموقراطية عصرية. وليست هناك مشاريع وطنية تعمل على إنقاذ لبنان الوطن. وبقاء لبنان مهدد بالتطرف الديني، والعصبيات السياسية، والميليشيات العسكرية، والمحاور الإقليمية، والتدخلات الخارجية.

رابعا: تبدو عملية إصلاح النظام السياسي الطائفي في لبنان أو تغييره مستحيلة في المرحلة الراهنة لأنها تتطلب توازنات إقليمية ملائمة ومساندة دولية. ولم تكن تجارب الاتفاقات السابقة مشجعة على الإطلاق طالما أن القيادات الطائفية لا تزال تتحكم في مصير لبنان واللبنانيين. ويصعب الحديث عن مستقبل مشرق في حال بقي ساسة لبنان عاجزين عن تنظيم انتخابات نيابية ديموقراطية على قاعدة قانون عصري للإنتخاب يساوي بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة، أو الجلوس إلى طاولة للحوار من دون شروط مسبقة للتوافق على استراتيجيا وطنية للدفاع تحمي اللبنانيين من الأطماع الإسرائيلية. كما أن سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية لم تنجح في منع بعض القوى اللبنانية من التدخل مباشرة في الصراع العسكري في سوريا، وما نجم عنه من موجة تفجيرات مستمرة طالت جميع المناطق اللبنانية، وأودت بحياة مئات الأبرياء، ومن فتن طائفية ومذهبية متنقلة، وإرهاب إقليمي ودولي منظم، فرهنت مصير لبنان وشعبه بالنزاعات الإقليمية ومصالح الدول الكبرى في الشرق الأوسط.

أخيرا، في مطلع 2014، يعيش اللبنانيون ظروفاً صعبة جداً بسبب الأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والمعيشية والتفجيرات الأمنية التي طالت معظم المناطق والطوائف اللبنانية. وهي الثمرة المرة لأداء طبقة سياسية فاشلة ساعدت على تزايد حدة العصبيات الطائفية، والتطرف الديني، والإهتزاز الأمني، والتدخل الإقليمي، والإختراق الصهيوني. لم تتعظ الطبقة السياسية التي حكمت لبنان بموجب إتفاقي الطائف والدوحة من دروس النظام الطائفي الذي بني على الميثاق الوطني لعام 1943، فحولت لبنان إلى تجمعات طائفية ومذهبية لا تخضع لدولة القانون والعدالة والمؤسسات، وعممت الفساد والنهب العلني من دون رقيب أو حسيب، وزورت إرادة الشعب اللبناني تحت لافتة ديموقراطية شكلية وانتخابات برلمانية وبلدية زائفة. وتهدد بعض القوى السياسية بالدعوة مجدداً إلى الفيديرالية، والتقسيم، والأمن الذاتي، في ظل موجات التطرف الديني والغرائز المذهبية المتفلتة من الضوابط الأخلاقية والقيم الإنسانية. وباتت بعض المدن اللبنانية أسيرة اقتتال عبثي لا يخدم سوى المشروع الصهيوني. والدولة المركزية مطالبة بمعالجة مشكلات الفقر والفساد، وتحقيق الإنماء المتوازن، وإستقلال القضاء، ونشر الأمن على كامل تراب الوطن، وكسر الاصطفافات السياسية والمذهبية، والعمل على توليد تيار وطني عابر للطوائف.

ختاما، في مطلع 2014 يبدو لبنان بحاجة إلى انتفاضة شعبية لبنانية على أسس وطنية سليمة لمواجهة التفتت الطائفي والمذهبي، وترسيخ مفاهيم الإستقلال الحقيقي والثوابت الوطنية وفي مقدمها وحدة لبنان وعروبته، وبناء نظام ديموقراطي حقيقي يساوي بين اللبنانيين على مختلف الصعد، وتحرير المرأة من القيود الكثيرة التي تعوق مشاركتها الفاعلة في بناء لبنان الوطن، والمحافظة على الطاقات الشابة داخل لبنان لأن الشباب هم عماد الوطن، والقاعدة الصلبة للتغيير والإصلاح. يستذكر اللبنانيون جيل الرواد من المثقفين اللبنانيين الذي ناضلوا بصلابة لبناء لبنان الوطن على أسس علمانية غير طائفية، فتحول مثقفو التنوير إلى رموز مضيئة في سماء لبنان ودنيا العرب لأن حياتهم اليومية كانت مرآة صادقة لكتاباتهم النظرية، وشكلت مواقفهم السياسية والفكرية والنضالية تراثاً رائداً لأجيال متلاحقة من اللبنانيين. بعد انفجار الانتفاضات الشعبية لعام 2011، كم نحن بحاجة إلى متنورين جدد تستعيد بهم النخب الثقافية العربية بعض احترامها لدى الشباب العربي الذي فجّر انتفاضات شعبية أسقطت رموزاً سياسية فاسدة، وملأ الساحات العربية بملايين الشباب المطالبين بالتغيير الجذري. إلا أنهم لم يجدوا إلى جانبهم سوى مثقفين محبطين فقدوا الأمل في التغيير الديموقراطي. فأين لبنان اليوم من متنوري مرحلة النضال ضد الإستبداد العثماني، والإنتداب الفرنسي، والنضال من أجل الإستقلال والسيادة الوطنية؟ ومتى ينخرط مثقفو التنوير في لبنان إلى جانب هيئة التنسيق النقابية دفاعاً عن حرية اللبناني، وكرامته، ولقمة عيشه، وحقه في المواطنة والعلم والعمل والسكن، وتحقيق حلمه في قيام دولة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة؟ لبنان اليوم بحاجة ماسة إلى مثقف تنويري غير طائفي لبناء لبنان الجديد في زمن الإنتفاضات العربية.

حزب الدولة/ سليمان تقي الدين

لم يسبق أن أجرينا حواراً وطنياً في العمق، ولم نبلغ مشروع الدولة. في “اتفاق الطائف 1989” كانت هناك خطة لبناء الدولة وشرعة ميثاقية لحقوق اللبنانيين حوتها مقدمة الدستور المعدل (1990).

معظم البنود الاصلاحية التي سبق ان طالبت بها الحركات الديموقراطية تم اقرارها. لكن التسوية انعقدت بين ممثلي الجماعات الطائفية وقوى الحرب الأهلية، فاستولى هؤلاء على السلطة واستعطوا كل البنود الاصلاحية. تشوّهت الحياة الوطنية تحت سلطة الوصاية فنشأ “نظام أمني مافيوي” عمل على تفكيك المجتمع المدني ومحاصرة القوى المدنية والديموقراطية. كما نشأت أوضاع اقليمية عطّلت إمكان فصل الأزمة اللبنانية عن أزمة المنطقة، وانسحاب القوات السورية. بين 1990 و2000 أعطت سلطة الوصاية الطوائف مهمة وظيفية. فالسنّة أداروا ملف الاقتصاد والإعمار، والشيعة أداروا ملف المقاومة. في الحالين كان لبنان يؤدي وظيفتين للخارج، كحديقة خلفية اقتصادية استفحلت فيها اشكال النهب المنظم واقتسام المغانم بين المجموعة الحاكمة، وكجبهة أمنية مفتوحة مع الخارج لفاعلية النفوذ الاقليمي. شاركت الطبقة السياسية بكل مكوّناتها وفروعها الطائفية وحاشياتها البيروقراطية ونخبها الثقافية في هذه الوليمة الكبرى، التي حوّلت لبنان “ساحة” وظيفية وأفقدته الكثير من خصائصه ومقوّماته وارثه التاريخي. وحين بدأت تتراجع هذه “الوظائف” مع المديونية والأزمة الاقتصادية، ومع تحرير الجنوب وبطلان وظيفته الاقليمية، ومع سحب الشرعية الدولية عن سلطة الوصاية، انفجرت أزمة كيانية خطيرة كانت لها تداعيات أمنية بدءاً من مسلسل الاغتيالات وصولا الى مواجهات 5-11 ايار ومؤتمر الدوحة، وصولاً الى المداخلات في الأزمة السورية وانهيار الحدود اللبنانية. وإذا كانت ازمة تشكيل الحكومة احد تجلّيات تعطيل النظام الديموقراطي، فهي تتويج لفجوة عميقة بين هياكل هذا النظام وقوى الأمر الواقع.

منذ الحرب الاهلية والحروب الاقليمية المركبة في منتصف سبعينات القرن الماضي، حدثت تغيّرات عميقة في الديموغرافيا والجغرافيا السياسية وفي القوى الاجتماعية والسياسية اللبنانية. ضعفت النواة الطائفية التي تمحور حولها الكيان والدولة وانكفأت عن دورها المنتشر في مختلف المناطق، وصعدت كتلة طائفية جديدة غلب على عناصر قوتها الطابع الحربي. واذا كان اتفاق انهاء الحرب (1989) قد أوكل لهذه الكتلة صدارة في السلطة التنفيذية، فهي لم تكن تملك مشروع هيمنة بالمعنى الذي يقصده انطونيو غرامشي، أي سلطة تقوم على عناصر اكثر تقدماً وتتوسل بالإقناع لا الإخضاع. فالاسلام السياسي العروبي فشل في ان يقدم نموذجاً للحكم افضل من “المارونية السياسية” واستورد الى النظام السياسي تقاليد استبدادية وأوغل في تنمية الكيانات الطائفية وقدّم لها المزيد من وظائف الدولة المركزية، وأنشأ منظومة من المحاصصة الطائفية سدّت آفاق كل مساحة مدنية، وأمعن في تعطيل الدستور وتجاوز القوانين وفي محاصرة الحريات وتجويف المؤسسات وإفساد الحياة الوطنية وشل يد هيئات الرقابة وادوات المحاسبة واستتباع القضاء.

لا يزال اللبنانيون يتفاوضون على اقتسام السلطة بين الجماعات الطائفية وصولاً الى ما يعتقدونه “طائفية عادلة”. وفي كل ازمة وطنية تليها تسوية لهذا التقاسم، يتفتت جزء من النسيج الوطني ويتشلّع النسيج الاجتماعي ويتقهقر تطور الوطنية اللبنانية وما يسمّونه “العيش المشترك”. وما أحوال اللبنانيين اليوم إلا شكوى تعمّ مختلف الجماعات، خوفاً وغبناً، وتعمّ مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية جرّاء الأوضاع الاقتصادية التي سلبت المواطنين مقوّمات العيش الكريم وألقت بهم في دائرة الأوضاع المزرية وحوافز الهجرة ومحرّضاتها.

في الأصل كانت المشكلة أننا لم نجهد في بناء الدولة. بل إن اشتغالنا السياسي كان على أولويات أخرى تتصل بحدود الكيان وهويته القومية، أو بدوره ووظيفته، أو على ضمانات الطوائف أو امتيازاتها. في الإجمال لم نعترف بأن الدولة هي الهوية الوطنية الجامعة التي تمنح مواطنيها حقوقهم، وهي مرجعيتهم، لا أي قوة من خارجها في الداخل أو في الخارج. انطلاقاً من هذا الارث السياسي وتسويغاته الفكرية، حجزنا الدولة عن تطورها لأننا نريدها بأوصاف وأدوار غالباً ما تحكمت بها معطيات خارجية، سواء أكان باسم الدفاع عن العالم الحر والارتباط بحضارة الغرب وثقافته، أم كان باسم العروبة ومقتضيات العروبة ومعاركها المشروعة منها وغير المشروعة. وحين أنجز لبنان عروبته المزعومة نصاً في الدستور وروحاً في الانخراط السحيق في تلابيب أنظمتها المأزومة، نجدد اليوم الانتماء الى موجة الاسلام السياسي الذي يجهز على ما بقي من كيانية وحدود ومشتركات ومن تراث ليبيرالي له بعد تاريخي ومسوّغات محلية من ركائزها حفظ هذا التعايش بين جماعات وهويات وثقافات وأقاليم وألوان من الطيف المتفرغ بزخرف الحضارات وحريات الفكر ونزعات الاستقلال.

فمذ بدأنا نسمع شعار المشاركة الطائفية والتوافق الطائفي كنا نلمح مشروع هيمنة مضادة، أو على الأقل نزوعاً نحو “أوليغارشية” صارت مرّةً “ترويكا” حاكمة، ثم صارت مجلس وكلاء عن الطوائف، حاكماً هذا بربعه وذاك بثلثه وآخر بخمسه وهلمّ.

وكما شوّه اللبنانيون النظام الديموقراطي في الأحكام الطائفية، شوّهوا “الديموقراطية التوافقية” حتى صارت “التوافقية” نظاماً قائماً بذاته لا حدود له ولا ضوابط له في الكيان والدولة والمجتمع. وانحطّت النخبة السياسية الى مستوى غير مسبوق بفعل قوانين انتخابية جائرة تصادر إرادة الناس سلفاً وتعيد إنتاج مجموعة من زعماء الطوائف تحيط بهم مجموعة من جباة الاموال والمدبّرين للخدمات والوجهاء الذين يوكلون بحجز مقاعد التمثيل واستثمارها في تعهد المشاريع السياسية الخارجية والتزامها.

هذا “اللبنان” اليوم هو “لبنانان” أحدهما سياسي متخلف، وثانيهما مقوّمات انسانية وطبيعية غنية لا ينتظمها مشروع للتقدم، ولا تملك أداة اجتماعها السياسي الأفضل التي هي الدولة. يدور تاريخ لبنان حتى الآن حول علاقات جماعاته الطائفية وليس على علاقة مواطنيه أو شعبه بالدولة. هذه الحلقة المفرغة أو الدوّامة، قد نجد لها تفسيرات في محطات كثيرة من النزاعات السياسية والمشاريع الفكرية العابرة للحدود، أو من سعي الجماعات الى استخدام القوة المادية في السيطرة والتوسع. لكن هذه المعطيات أفلت وحلّت مكانها عناصر للقوة والتقدم ما عادت مرتبطة بالسياق الحربي. ولقد صار التناحر الطائفي قليل المردود في أيّ نزاع على قوى الجماعات ومكانتها قياساً لوظائف وعناصر أخرى اقتصادية وثقافية. كما أصبحت الديناميات الاقتصادية أكثر فتكاً في المعادلات السياسية، وتأثيراً على معادلات القوة. فكم من الحروب الناجحة ارتدّت سلباً على موازين القوى وفاعلية الجماعات. لذلك لا جدوى أن يكرر اللبنانيون مشاهد تاريخية سابقة في الرهان على امتلاك جماعة لبنان امتلاكاً مادياً ومعنوياً، بأخذ السلطة فيه أو بالسيطرة على رموزه، كما في تصميم ثقافة حصرية أو فئوية.

لكن أزمة اللبنانيين لا تصدر عن طائفة واحدة مهما كانت قوتها وتطلعاتها، بل تصدر عن ثقافة سياسية تشكل في تناقض أفكارها وشعاراتها وقواها، منظومة واحدة. هذه المنظومة يمكن تفنيدها أو تحليل عناصرها، لكنها تتكامل عند فكرة “الطائفية العادلة”. وهذا مطلب مستحيل من حيث مساواة غير المتساوين، ومقابلة غير المتكافئين. فحين تقع إحدى الجماعات في مأزق عدم الاعتراف لها بما تعتبره حقاً مهدوراً، تذهب الى تقوية الاتجاه الانفصالي لديها إما بواسطة القوة، وإما بواسطة أطروحات تصبّ في اتجاه تعميق البعد الفيديرالي للنظام اللبناني. لكن أياً من الجماعات تدرك أن الفيديرالية تأخذ منها امتيازات كثيرة وتحجّم دورها الفعلي وتفقر كل ادعاء لديها عن إمكان اقامة مجتمع طائفي صرف، ولو كانت ترغب بإدارة سياسية ذاتية مستقلة. على كل حال، إذا كانت الفيديرالية مخرجاً لمأزق الاجتماع السياسي اللبناني التعددي فليس لنا أن نعارضها، وخصوصاً إذا كانت ثمرة حوار وخيارات حرَّة.

لا يمكن في أيّ حال من الأحوال تخفيف الاحتقان اللبناني والصراع الشرس على السلطة المركزية كما هي حالنا، إلا باعتماد أشكال واسعة من اللامركزية. فلا يمكن لسلطة مركزية قوية أن تقوم في بلد قويت فيه الى هذا الحد الجماعات الطائفية وتشبّعت الآن ولو بصورة طارئة بثقافة دينية جرّاء تداعيات الإحباط الواسع لدى جمهور المنطقة من فشل أنظمة الاستبداد وفشل التنمية.

يغيظ البعض أن ننسب إلى الدستور المعدل في الطائف (1990) صفة الوجهة الصحيحة لحل مشكلة لبنان ونظامه السياسي. كنا ولا نزال ندعو الى حركة دستورية لتطبيق هذا الدستور بعد أن تتولى جهة علمية نزيهة تفسيره. لا شأن لهذا الكلام بتجاهل ما يعتبره البعض نواقص أو ثغراً في النصوص، التي وقعت بين أيدي جماعة من الخدّاعين، بل ان النظام السياسي نفسه قد وقع ضحية حركات سياسية مناقضة لمشروع الدولة.

قام الطائف على تسوية تاريخية بالمعنى النبيل لفكرة التسوية. فاذا هو استجاب لمطلب تحرير التمثيل السياسي الشعبي من الطائفية، أكد نظام المجلسين وأعطى الجماعات حقها في الضمانات اللازمة لكي لا تفقد حرياتها، أو تتعرض لأيّ شكل من أشكال الإقصاء أو الهيمنة.

في جواب حاسم على مشكلات تاريخية نصّ الدستور على مقدمة ميثاقية لا يرقى اليها أيٌّ من دساتير المنطقة. من التزام حقوق الانسان، الى العدالة الإجتماعية كركن للعيش المشترك، الى السيادة الشعبية الكاملة غير المشروطة، الى التنمية المتوازنة واللامركزية، وجمهورية النظام وبرلمانيته وديموقراطية، فضلاً عن نصوص اصلاحات ومؤسسات ضامنة كالمجلس الدستوري ومحاكمة الرؤساء والوزراء، والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، كل ذلك على بنية دستور سابق (1926) قائم على أحكام ليبيرالية يخترقها مبدأ احترام حرية الجماعات الدينية في أحوالها الشخصية، والتمثيل الطائفي العادل الموقت تحسباً لاختلالات كانت لها مبررات واقعية في حينها. ليست المسألة دستورية على هذا الصعيد، بل هي في الثقافة السياسية والمؤسسات السياسية الشعبية الحزبية التي تقوم على تجويف هذا الدستور وتعطيل أحكامه. لعل المظهر الأساسي تجلّى في عدم الاتفاق على قانون انتخاب يؤمّن تحقيق السيادة الشعبية ويعيد إنتاج سلطة سياسية ممثلة “لشتى فئات الشعب واجياله” كما جاء في الدستور، فتكون لها شرعية اتخاذ القرارت الاصلاحية اللازمة وتنهض بمؤسسات الدولة.

لكن المسألة في نهاية المطاف هي موازين قوى، والخلل الأساسي الذي يعيشه البلد “الديموقراطي دستورياً” أنه تحوّل الى “مجلس تعاون” بين منظومات طائفية إستبدادية، وفشل المجتمع المدني في إيجاد موقع له مؤثر في الحياة السياسية. هناك عزوف واسع من النخب الثقافية والاجتماعية عن أداء دورها ولا سيما في تكوين تيار ضاغط من أجل التغيير. فلا يمكن الوقوف عند حركة سياسية واحدة ذات بعد وطني ديموقراطي مدني نشأت خلال عقدين من الزمن. وهناك أزمة عميقة في وعي دور المثقفين الذين يريدون أن يستنسخوا أفكارهم كلها لكي يتفقوا على عمل مشترك. وهناك ممارسة غير ديموقراطية حيث التمترس عند تصورات مسبقة وعدم القدرة على بناء كتلة اجتماعية ضاغطة من خارج سياق الشعارات والانقسامات التي تفرضها الطبقة السياسية. وهناك صعوبات موضوعية كثيرة أمام أي عمل سياسي في مواجهة “المال السياسي” الذي يصبّ في خانة احزاب الطوائف. لكن ذلك لا يعفي من المسؤولية عن غياب أي منبر ديموقراطي يجمع ولو نخبة صغيرة تواصل طرح قضية التغيير. وفي كلمة شاملة لهذه المعاني نحتاج الى قيام “حزب الدولة في لبنان”.

حول “الدولة الطائفية”: قديم يموت وجديد تصعب ولادته/ كمال حمدان

أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من تطور “التجربة اللبنانية” – بعد نحو سبعة عقود على إستقلال البلد – يتمثل في السقوط المريع للأوهام المتعلقة بإمكان الدخول الى الحداثة وبناء الدولة المدنية العصرية، عبر نظام سياسي تحكمه آليات “توازن طائفي موعود”، يصوغ ويحدّد حجم علاقة كل من الطوائف بالدولة، ونوعها، على نحو ينتزع منها معظم وظائفها.

لقد اضطلعت الطوائف عبر هذه العلاقة – الممارسة قانوناً وعرفاً – بدور الوسيط بين الدولة والمواطن، وتحوّلت تالياً الى “طوائف سياسية”، أي الى ممّر إجباري وشبه وحيد للتحكم بعملية إنتاج السلطة وإعادة إنتاجها، أو ما يسمى “نخب” أهل الحكم ورجال السياسة والأمن والإقتصاد والإدارة العامة. وانسحبت دينامية هذا الدور الوسيط بصورة تلقائية، وإن بأشكال ضمنية وبنسب متفاوتة، على كل ما يتعلق بمندرجات الحياة اليومية للبنانيين، في مجالات العمل والسكن والصحة والتعليم والرعاية الإجتماعية وغيرها، كما انسحبت بشكل قسري على “أحوالهم الشخصية” بدءا من المهد وصولا الى اللحد، من دون أي إعتبار لخيارات اللبنانيين الفعلية إزاء حريتهم في تقرير هذه الأحوال. هذا ما أجهض تاريخيا فكرة الدولة المركزية العضوية، الضامنة بشكل متساوٍ لحقوق اللبنانيين وواجباتهم، وحال دون قيام دولة المواطنة المدنية المعاصرة.

طوائف أكبر من الدولة

إن “النظام الطائفي” مال بصورة عامة نحو تعزيز أحادية التمثيل – بل السيطرة – داخل الطوائف المختلفة، مستفيدا من قوانين التمثيل الأكثري، وحفّز على التطرف في الخطاب السياسي والثقافي ذي النزعة الطائفية، وشجّع تبعية الطوائف لمرجعيات خارجية، اعتقادا منها بأن هذه المرجعيات توفّر الضمانات اللازمة لها، بينما لا يختلف إثنان على أن لتلك المرجعيات حساباتها ومصالحها وأجنداتها الخاصة. وعبر هذه الآليات بات الدور السياسي للطوائف يتجاوز عمليا دور الدولة نفسها، فاتجه “النظام” نحو إنتاج رعايا وسماسرة طوائف وعصبيات “ما دون دولتية”، على حساب إنتاج المواطنة القائمة على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات. لكن المراهنة على إمكان إعادة إنتاج هذا النظام بصورة مستدامة، اصطدمت بمأزق مرير لا أفق تاريخياً له. هذا المأزق يتجسّد في حقيقة أن مقولة “التوازن الطائفي”– التي تشكل الأساس المعلن للنظام السياسي الطائفي – تتجاهل أو تتناسى واقع أن هذا التوازن لا يقوم أو يستقيم الا بوجود طرف مهمين ضمنه، وأن هذا الطرف المهيمن (أيا تكن هويته المتغيرة مع تعاقب الفترات التاريخية) ليس مكتوباً له الاستمرار في موقعه المهيمن الى ما لا نهاية، بالنظر الى فعل المتغيرات السياسية والاقتصادية والديموغرافية المؤثرة فيه داخليا، وبالنظر كذلك الى فعل المتغيرات المتعلقة بالمرجعيات الخارجية الحاضنة لهذا التوازن ولأركانه المحليين.

تعاقب صيغ الهيمنة الطائفية

أثبتت التجربة التاريخية بوضوح صارخ أن هذا النسق من ادارة الدولة والشأن العام غير قابل للاستقرار. فقد خبر البلد على امتداد سبعين عاما، صيغا وانساقا شتى للنظام الطائفي المركّب، الذي تعاقب أطراف متغيرون على الاضطلاع بالدور المهيمن فيه، ممنّنين النفس في خطابهم السياسي بالقدرة على بناء الدولة العصرية والعادلة، ولكن من دون التمكن من تجسيد هذه المراهنة على أرض الواقع. أوصلت هذه الصيغ المختلفة – وما بني عليها من تحالفات بين الزعامات الطائفية المختلفة – البلد الى حال من التفكك والانحلال التدريجيين، على نحو ما نشهده راهنا. أولى هذه الصيغ تمثّل في ما سمِّي “المارونية السياسية” خلال الفترة التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية، وتلتها بعد اتفاق الطائف صيغة هجينة وغير مستقرة من تحالف قسري بين “شيعية سياسية” ناشئة و”سنية سياسية” كانت تطمح دوما للانتقال من موقع الشريك الثاني الى موقع الشريك الأول في صيرورة الهيمنة الطائفية. استمر هذا التحالف القسري الفجّ – الذي انطوى على نوع من تقسيم العمل السياسي والأمني والاقتصادي بين هاتين العصبيتين – نحو عقد من الزمن، مدعوماً ومحتضَناً بتوازنات اقليمية ودولية محددة، ساهمت في إنتاجها تداعيات غزو العراق للكويت في مطلع التسعينات، ثم انتهت الى السقوط العظيم في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، وبخاصة بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005.

إن مشاريع الهيمنة الطائفية المتعددة اللون والشكل تمخضت عن سيل من المشكلات والأزمات البنيوية وعن إفراط ممنهج في إضاعة الفرص الكثيرة التي أتيحت للبلاد في فترات مختلفة من تاريخها الحديث: اتجاه المسار العام للنمو الاقتصادي ولخصائصه القطاعية والمناطقية على نحو لا تستفيد منه إلا قلة من المتنفذين والمحتكرين المستظلين عباءة الزعامات الطائفية المسيطرة؛ ضعف متماد في القاعدة الانتاجية المادية للاقتصاد المحلي وسط غلبة رافعات اقتصاد الربح السريع والريع ومندرجاته المعقدة على صعيد إنتاج الدخل وتوزيعه وإعادة توزيعه؛ طرد منهجي لرأس المال البشري اللبناني الكفوء واستسهال اجتذاب تدفقات بديلة من العمالة الأجنبية الرخيصة وغير المؤهلة، من دون إدراك المفاعيل السلبية والطويلة الأجل المتأتية عن هذا الإحلال؛ تحيّز وتشوّهات فاقعة في السياسات الضريبية التي تطال في الأساس الفئات المتوسطة والفقيرة، بالتزامن مع تعاظم الهدر والفساد المنهجيين و”مأسستهما” في الانفاق العام، الجاري والرسمالي، ومع استسهال الاعتماد على الإقتراض، وسط التعطيل الفعلي للرقابة المالية والقانونية والمؤسسية على هذا الإنفاق؛ انهيار مستوى التعليم الرسمي وضعف فعالية نظم التأمينات الإجتماعية وشبكات التغطية الصحية، واتجاه الزعامات الطائفية نحو إنشاء شبكات بديلة تستهدف “جمهورها الطائفي” الخاص كضمان لعملية اعادة انتاج تبعية هذا الجمهور للزعامات الطائفية نفسها، على حساب مفهوم المواطن المحصّن بحقوق مكرّسة في الصحة والتعليم والعمل والسكن والتقاعد والحماية الاجتماعية وشروط العيش المستدام…

ما العمل؟ إن المسألة الأكثر إلحاحا في مواجهة أخطار انحلال الدولة وتشرذم المجتمع، تتمثل في إعادة تأسيس الدولة المدنية ووظائفها الأساسية المختلفة، بالإستناد الى كتلة اجتماعية- سياسية- ثقافية خارقة للطوائف، تتجاوز معالم الإنقسام المجتمعي الحالي، وتعمل على إعادة تحديد أسس العلاقة التي يجب أن تربط الطوائف بالدولة. ما من شك في أن المدماك الأول في بناء الدولة المدنية، يتجسّد في إجراء تعديل جذري في آليات التمثيل السياسي، عبر إصلاحات دستورية وقانونية وتشريعية تفضي الى اعتماد النظام النسبي في الإنتخابات النيابية (وربما البلدية)، وتشجّع قيام الدوائر الإنتخابية الكبرى والإتجاه التدريجي نحو التحرّر من القيد الطائفي. على ضوء إنجاز هذه المهمة ذات الأولوية، يتوقف حلّ العديد من المسائل الأخرى الشائكة والمؤثرة في حياة الناس، مثل تدعيم البنية المؤسسية للدولة والقطاع العام وتجسيد المساواة بين المواطنين أمام القانون، واستحداث قانون مدني للأحوال الشخصية، وتطوير القيم والمثل والممارسات الديموقراطية عموما، إضافة الى إصدار قانون يرعى مفهوم “الإقامة” وينظمه ويجعله ركنا أساسيا في إجراء الانتخابات النيابية والبلدية (في حال تأخر عملية إلغاء القيد الطائفي في العملية الإنتخابية، أو استمرار التمسك بالتوزع الراهن للدوائر الإنتخابية).

بالتزامن مع هذه الإصلاحات الدستورية والقانونية والمؤسسية، ينبغي الإنكباب على بلورة رؤية اقتصادية مستقبلية، يصار الى ترجمتها في خطة عمل إنمائية تصحّح اختلالات اقتصاد الربح السريع والريع، وتعمل على إعادة إجتذاب الموارد البشرية المهاجرة، وعلى تطوير الميزات النسبية لقطاعات الانتاج الأساسية ولأنشطة اقتصاد المعرفة، وكذلك على إعادة إدماج المناطق اللبنانية المختلفة في العملية الإنمائية. وينبغي للأبعاد الاجتماعية لهذه الرؤية أن تركز أيضا على تحسين نوعية التعليم الرسمي وجعله الجامع الأهم بين اللبنانيين، وأن توفر التغطية الصحية الشاملة للبنانيين المقيمين عبر التمويل الضريبي (أي عبر المال العام وليس الإشتراكات)، وتطبق نظاما وطنيا للتقاعد والشيخوخة، وتخلق فرص العمل المجدية وصولا الى استحداث صندوق لضمان البطالة. كذلك يفترض أن تتضمن تلك الأبعاد معالجة مشكلات الفقر والإقصاء والتهميش الإجتماعي، كجزء لا يتجزأ من المسؤوليات الأعم والأشمل للدولة في استراتيجيتها المفترضة للتنمية الإجتماعية، وليس – كما هو حاصل راهنا – كوسيلة للتحايل والتنصل من تلك المسؤوليات. من المؤكد أن تطبيق مثل هذه المقاربات، يضعف موضوعيا بل يسقط الحاجة الى الدور الوسيط للطوائف – وهو دور مكلف جدا من النواحي الأمنية والسياسية والإقتصادية والإجتنماعية – ويعزّز علاقة المواطن المباشرة بالدولة المدنية.

المؤسسات أولاً ويقظة وطنية علاجية/ أنطوان مسرّه

الحاجة الملحة في لبنان في هذا الزمن بالذات هي إلى انقاذ الدستور وقواعده من التلوّث والانتهاك، والى خطاب واضح ومؤسسي وتنظيف العقول والإتعاظ من الماضي. أنجزنا في لبنان المرحلة أو المراحل التأسيسية. من يريد العودة الى الوراء فهو يغامر من جديد. ليعرف – اذا كان لا يزال لديه بعض الادراك – ان الكلفة ستقع على الجميع ومن دون انتصار في وطن الانتصارات الداخلية المستحيلة أو المفخخة أو المجيّرة للخارج.

أبدي أربع ملاحظات:

1- لا معضلة دستورية جوهرية في لبنان اليوم: ليس لبنان في مرحلة انتقالية مثل مجتمعات عربية أخرى. أنجز لبنان بناءه الدستوري التأسيسي واستنفذه بالخبرة والمعاناة ومن خلال وثيقة الوفاق الوطني-الطائف.

اللبنانيون في معظمهم لا يملكون الذاكرة الدستورية. لا يتذكرون المخاض العسير لانتاج وثيقة الطائف التي جاءت ثمرة اختبار ذاتي لبناني أصيل، باستثناء البند المتعلق بانسحاب القوات السورية من لبنان. لا بل هم يسعون لإعادة النظر في الأمور التأسيسية، تمامًا مثل زوجين يعيدان يوميًا النظر في عقد زواجهما! هذا أمر مستهجن لأن اعادة النظر في المواثيق تتضمن خرقاً للتعهدات. الميثاق هو، في اللغة العربية، ما يربط ويوثق. انه تعهد. من البديهي ان يعيد زوجان النظر في مصروف البيت أو أسلوب تربية الأطفال أو ديكور منزلهما… ولكن ليس بديهيًا أن يُعيدا النظر في العقد التأسيسي… مع كل شاردة.

المطالبات بتعديل الطائف تعيد إنتاج حرب داخلية مع تدخّل كل الفرقاء والفاعلين، الإقليميين والدوليين، لأنها ستشرع الأبواب والشبابيك، سلبًا أم ايجابًا، على الأشقاء وأبناء العم، وعلى العدو الذي سيعتبر نفسه، كما سواه، معنيًا بأيّ تقسيم للبنان، أو إرساء دولة ذات أرجحية دينية، أو بتأسيس فيديرالية جغرافية. إن اعادة النظر في العقد التأسيسي ستكون نتيجتها إستجلاب حرب داخلية على لبنان مع تدخل خارجي، ومن دون ضمان ببلوغ… نتيجة أفضل (أنطوان مسرّه، جذور وثيقة الوفاق الوطني-الطائف (22/10/1989 و5/11/1989) والتعديل الدستوري (21/9/1990)، بيروت، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة “وثائق”، رقم 4، المكتبة الشرقية، 2006، ص 510).

الخطورة القصوى اليوم في تفريغ المؤسسات هي فيديرلة أمر واقع في لبنان والقضاء على لبنان الموحّد، لفترة زمنية غير معروفة، مع أوضاع نزاعية وممتدة في “لبنان الساحة”.

نشأت في لبنان ونمت فئات وتنظيمات ايديولوجيتها وسياستها وتنظيراتها، بدعم من أكاديميين مخدوعين أو متواطئين، التعطيل وتعسُّف أقلية déni de minorité تحت ستار أبحاث راقية في العلم الدستوري المقارن يتم تلوثها يوميًا. لا توجد عبارة تعطيل في أيّ فقه قانوني لأن القانون هدفيته تسيير الأمور. ورد في الدستور اللبناني وصف للسلطة التنفيذية بأنها سلطة “اجرائية”. تعني عبارة اجرائية، وفق “لسان العرب”، جعل الأمور “تجري”، أي تسير، تمشي! ليس للحكومة صفة تمثيلية وإلا تتحوّل الحكومة الى برلمان مصغّر ويتعطل مبدأ الفصل بين السلطات… ومن دون قرارات!

يعيش اللبنانيون في جوّ يغمره الاشمئزاز والغضب والحزن، ويسيطر عليه ابتذال لقيم الجمهورية وابتزاز أمني. يميل مثقفون ودستوريون ومتلاعبون بالعقول ولبنانيون مخدوعون الى اعتبار ان لبنان يعاني من أزمة “مؤسسات”! يعودون بذلك الى مقولة النظام السياسي الطائفي، واتفاق الطائف، وتُعتمد عبارات فلسفية وقانونية، فتُذكر أسباب، وغالبًا أسباب بالمطلق و”بنيوية” متعلقة بطبيعة “النظام” اللبناني!

2- أفضل الدساتير هو مجرد وصفة طبية وليس العلاج: بعض الفكر القانوني في لبنان ولدى أكاديميين بعيدين عن فلسفة القانون ينحون الى البحث التجريدي حول الأسباب “البنيوية” في النظام اللبناني و”الطائفية”. ان أفضل الدساتير هو مجرد وصفة طبية وليس العلاج. يكمن العلاج في تطبيق الوصفة. هل تقيّد المريض بموجبات العلاج والمعايير وقواعد استعمال العلاج؟

يقتضي أيضًا التمييز بين ثلاثة أمور: الميثاق الذي يحدد المبادئ الأساسية، والدستور الذي يجسد المبادئ في نصوص دستورية اجرائية، والحكمية الدستورية التي ترتبط بالقيادة والممارسة.

3- معضلة لبنان أكبر من لبنان واللبنانيين: وضع لبنان هو شبيه تاريخيًا بسويسرا التي لم تستقر إلا بعدما أصبح جوارها أقل عدائية وأكثر ديموقراطية. موقع لبنان الجغرافي مميّز، ولكن جواره في الجغرافيا السياسية هو الأسوأ.

لبنان مُهدَّد دائمًا – وكان تاريخيًا كذلك – في أن يكون “ساحة” صراعات اقليمية ودولية. عنوان كتاب غسان تويني “حرب من أجل الآخرين”، وليس حرب الآخرين!

كثير من اللبنانيين في سبيل التبرير يخلطون بين أربعة أنماط في العلاقات الخارجية: الاحتلال أو الوصاية الرسمية أو المقنّعة، التدخل الخارجي وبالأسلحة والتمويل من خلال فئات، والدعم الخارجي من خلال الدولة المركزية، والقرارات الصادرة عن الشرعية الدولية. توجد استراتيجيا منظمة، منذ 2005 على الأقل، لجعل النظام في لبنان غير قابل للحكم الا من خلال باب عال. تتركّز هذه الاستراتيجيا اليوم في تفريغ المؤسسات وصولاً الى ربط لبنان بصراعات المنطقة بدلاً من أي يكون نموذجًا للتوحيد والسلم الأهلي.

4- معضلة اللبناني في علم النفس العيادي السياسي psychanalyse politique: اثنان من رسوم الكاريكاتور لبيار صادق تُعبّران عن الجذور في علم النفس العيادي السياسي لمعضلة اللبناني: “شو هـ البلد لـ عمرو آلاف السنين وبيضل كل عمرو بالمرحلة التأسيسية!” (النهار، 7/4/2010) و”مش معقول هالبلد… لا بيطيق احتلال… ولا بيحافظ على استقلال!” (النهار، 12/8/2006).

يتمتع اللبناني بصفات مميّزة في الثقافة، والقدرة على الاندماج، والابداع، والتكيّف، والخبرة التاريخية، لكنه يعاني في علم النفس التاريخي psychologie historique من عقد نفسية لم يعمل، تربويًا وفي الذاكرة الجماعية، على معالجتها. أبرز أمراضه في علم النفس السياسي الآتية:

– غياب مفهوم الشأن العام.

– العقدة التاريخية في الباب العالي.

– الشطارة في العمل السياسي التي تنحو الى الانتهازية والتموضع والقول “على مسافة واحدة من الجميع”. يحمل المخزون اللغوي اللبناني عبارات عدة تفسّر هذه النزعة: “معليش، بيناتنا، شو فيها، مشّيها، ما تحمل السلّم بالعرض…!”

– عقدة النقص التي تغذّي عقدتي الخوف والغبن. يستغل سياسيون مخادعون imposteurs ذلك في التعبئة السياسية. يشكو لبنان من السياسة الطائفية وليس من “الطائفية السياسية” كما هو متداول شعاراتيًا.

يسترسل لبنانيون في مقاربة قانونية شكلية للمؤسسات لارضاء الضمير وتغطية كسل فكري. هل تصنع المؤسسات الرجال؟ أم يصنع الرجال أيضًا المؤسسات؟ من شغل مناصب في مؤسسات عامة لبنانية وعانى القهر والعذاب والتعذيب داخل جدرانها يدرك ما يشكله الشأن العام من غرابة في ذهنية لبنانية سائدة، وخصوصًا في من يُطلق عليه اسم مسؤول. من الأسهل تسلّق جبال الافرست على اقناع سكان أحياء بتشكيل لجان تهدف الى تحسين نوعية الحياة في الحيّ طبقًا للقوانين المعتمدة والمطبّقة من البلديات.

يعيش لبنان حالة انحطاط في قيم الجمهورية. يُعتمد التكتيك في قضايا مصيرية، والتسخيف في مبادئ أساسية، وتُحوّل انتهاكات فاضحة للقانون في التعطيل وانتهاك قَسَم مهني وتعسُّف أقلية abus de minorité وامتناع عن الحكم وتخريب مؤسسات… الى بطولات، يُناقشها ويتداولها محللون واعلاميون متواطئون أو ساذجون أو مخدوعون.

يعتبر جيمس فريمان كلارك ان رجل السياسة يسعى الى الفوز في الانتخابات اللاحقة، أما رجل الدولة فيفكر في مستقبل الأجيال القادمة. يعاني اللبنانيون من كثرة المماسح في الحياة العامة. يقول تاليران عن سياسي مخادع: “هناك الذين يخشاهم والذين يستعملهم، أي الأعداء والمماسح”!

* * *

الانتفاضة الوطنية التي يحتاج اليها اللبنانيون بعد سنوات من المخادعة impostureهي انتفاضة أخلاقية، تحمل قيمًا أساسية، بسيطة، أولية، بديهية، ذات بوصلة ومعايير. وصلت الانتهازية والتبعية والاستعباد وتسخيف انتهاكات، بما فيها تعسُّف اقلية وامتناع عن الحكم، الى أدنى مستوياتها. هل هاجرت الشجاعة والأخلاق لبنان؟ كفى تحليل في تغيير المؤسسات في وقت يعاني الوطن من افتقار الى رجال دولة.

أدرك اللبنانيون أبعاد الصراع العربي – الاسرائيلي في الجانب العسكري أكثر منه في الجانب الثقافي. كل تطرف ديني، لبناني أو عربي عموماً، وكل ضرب للميثاق اللبناني هو صهينة. تعيدنا الظروف الحالية الى قول الامام موسى الصدر في القاهرة في 16/9/1976 أي في بداية الحروب المتعددة الجنسية في لبنان: “سلام لبنان هو افضل وجوه الحرب مع اسرائيل (…) حيث ان تعثّر السلام في لبنان انتصار مستمر لاسرائيل” (يعقوب ضاهر (اعداد)، مسيرة الامام موسى الصدر، دار بلال، 2000، 12 جزءاً، جزء 7، ص 98).

الدولة ليست الحل/ وسام سعادة

نُكِبَت الثقافة السياسية اللبنانية، سواء على مستوى الأفكار المتداولة أو على مستوى الخطاب المردّد لهذه الأفكار، بكثير من التجريد والتصنيم في وقت واحد، لمفهوم “الدولة”.

ليس ثمة ما هو أسوأ من صنم مجرّد بلا أعراض ولا ملامح، ولا من “دولة” يُجمع الكلّ عليها على رغم اشتداد حدّة النزاع الأهلي في ما بينهم، ويساهم كلٌّ من موقعه، سواء أكان موقعاً “تغلّبياً” أم “انفعالياً” أم “مضاداً للتغلّب”، في تصنيمها، وبحجة تصميمها، وعلى قاعدة إغفال الواقعة الأساسية: أنّه ثمّة أساساً دولة في لبنان، وأنّ أي تغييب لهذا المعطى الاساسي، على تشوهه البنيوي، وهزالة حضوره، وتفاوت هذا الحضور، إنما يرسّخ أوهام “التأسيس من عدم” لنظام سياسي جديد من ناحية، ولأوهام إحياء النظام الذي يرتئيه اتفاق الطائف “بشرط أن يُطبّق”. ما بين هذين السربين من الأوهام، تحضر التقليعات عن “دولة وطنية” و”دولة قانون” و”دولة مواطن” و”دولة مدنية” الى آخر المعزوفة. يا لها من ثقافة سياسية استبعادية للحدّ الأدنى من نقد مفهوم الدولة في حضوره اللبناني. “حبيبتي الدولة”، لقد آن الأوان لنقد الحاجة اليك، والتعرّف من خلال هذا النقد إلى انك بالفعل موجودة في وطننا منذ عقود، ولم ينعدم وجودك يوماً، وانه كما أنّ وجودك لم يحل المشكلة، فإن رهانات وانتظارات تعزيزه ورفعك كمثال أعلى فوق الجميع ليس الحل.

يكاد ربع قرن أن يفصلنا عن نهايات الحرب الأهلية اللبنانية، ومع ذلك لا يزال شعار “بناء” أو “إعادة بناء” الدولة تلوكه مختلف القوى السياسية والنخب الثقافية والإجتماعية على مدار الساعة، في الوقت الذي يساهم فيه الجميع، بنسب متفاوتة بطبيعة الحال، في الدفع بالعلاقة بين مركّبات المجتمع اللبنانيّ السياسيّ نحو الإستعصاء على كلّ مقاربة عملية تسعى إلى إيجاد محدّدات أولى للسيطرة على الأزمة الأهلية والشقاق الحادّ الذي يطرح نفسه بفاتورة أخلاقية عويصة، ولا سيّما مع تضمّن هذه الأزمة لبعد “الحرب الأهلية من جانب واحد” التي شنّت على الخط السيادي والائتلاف السنّي – الدرزي – المسيحي من خلال الإغتيالات المتسلسلة، ومن ثمّ العمليات العسكرية التأديبية المذيّلة بتوقيع طائفة من اللبنانيين ضدّ طائفة أخرى، وصولاً الى الإنتقال من هذه المشهدية الأولى الى شبح “الحرب الأهلية المتقطّعة وغير المتكافئة والمتفاوتة بين المناطق”، التي صارت أكثر التصاقاً بالحرب الأهلية السوريّة، ولا سيّما مع اتساع نطاق تورّط مسلّحي “حزب الله” في القتال إلى جانب قوات النظام السوريّ، ومع ازدهار الحركات السلفية المسلّحة ولا سيّما في طرابلس، فضلاً عن تفسّخ الائتلاف السنّي – الدرزي – المسيحي ثم تحلّله، على رغم ثبات مشروع الهيمنة الفئوية الشيعية الذي يقوده ثنائي “حزب الله” و”حركة أمل” تحت قيادة “حزب الله” وبالتفاهم مع تيار العماد ميشال عون بين المسيحيين.

مع ذلك، كلّما تفاقمت الأمور على هذا النحو، تمسّك الخطاب السياسيّ أكثر فأكثر بمفهوم “الدولة” وبنائها أو إعادة بنائها أو “العبور اليها”، كما لو أنه يجري الحديث في المخيلة الجماعية لـ”العبوريين” عن “ديموقراطية أثينية – إنما بين قادة الطوائف”، أو هو يتشرّط عند الخمينيين وأصناف الممانعين أن تكون “قوية قادرة” و”اسبارطية منيعة” وإلا فلا داعي إلى إتمام هذا العبور، وانما الإكتفاء ببناء “المجتمع الإسبارطي الخميني المقاوم” ومعقله الأساسي الضاحية الجنوبية.

لكن “الدولة ليست الحل”، وكلّ تصوّر للخروج من الشقاق اللبناني الحاد والخطير مجتمعياً وكيانياً لا يعوّل عليه ما دام يتمحور حول مفهوم “الدولة” ويرفع “دولته” صنماً بلا سمات ولا ملامح. من قال أساساً إنه “لازم نبني دولة؟”، ومن لا يحلظ أن السؤال الاستنكاري الشعبي الشائع “أينها الدولة؟” إنما يستحضر على الصعد كافة للتجاوز على القوانين، وعلى ممتلكات الدولة، بحجة أنها “غائبة”.

في مقابل كل هذا، ندّعي أن الدولة اللبنانية موجودة، وأنّها منذ ظهورها، كدولة مهندَسَة كولونيالياً، في زمن الانتداب الفرنسي، وهي لم تتوقف عن الوجود في أيّ يوم كان، حتى ولو كان تاريخها، هو تاريخ متنقل بين أزمنة انحسار وأزمنة بسط… وانشراح.

وقد جاءت الحرب الأهلية السورية بين “أهل النظام” و”أهل الثورة”، ثم بين كل الإمكانات التي يمكن أن يتيحها مجتمع متفجّر وثائر على وحدته القسرية المزمنة، لتصوّب لنا النظرة إلى حربنا الأهلية اللبنانية ومعها إلى مفهوم الدولة. فالدولة في سوريا اندثرت تماماً من الأسابيع الأولى لاشتعال النزاع، ولتبليغ النسيج الأكثري من المجتمع السوري النظام الفئويّ الأقلويّ العسكريّ بأن لا طاقة لديه على احتماله بعد أربعين عاماً من الإستبداد والقهر من دون أن تطرح الأسئلة الأساسية حول العناصر التي جعلت هذا النظام يستمرّ كل هذا الوقت، والتي من معينها سيصنع الفارق بينه وبين الأنظمة العربية الأخرى، ويتحوّل إلى “نظام ثوري” بمعنى “الثورة المضادة” طبعاً، ويسابق المطالبين بخلعه على النهش في لحم “الدولة السورية”، وإطلاق رصاصة الرحمة عليها.

في سوريا، اختفت الدولة وبقي النظام، وصار ثورياً في دمويّته ضد النسيج الأكثري السنّي المنتفضة شرائح أساسية منه عليه، وكلما استسقى الدم الدم صارت الدولة السورية طللاً عابراً يهزأ من تلقائه من سذاجة المقاربة الغربية التي تزعم، بحجّة التعلّم من خطأ حلّ الجيش في العراق، أنه ينبغي خلع نظام الحكم وإبقاء دولة لم تعد موجودة.

أمّا في لبنان، فمنذ انفجار الحرب الأهلية فيه حتى حسم آخر فصل فيها بالدبابات والطائرات السوفياتية السورية، فقد سقط النظام السياسي ولم تغب الدولة. انحسرت، توارت، انشطرت، تشظّت، لكنها لم تغب. ظلّت موجودة في أحلك سنيّ الحرب. كلّ تاريخ للحرب اللبنانية لا يلحظ الأشكال الغريبة منها والطريفة لاستمرار حضور مؤسسات وأجهزة الدولة فيه، يبقى تاريخاً ناقصاً، وخصوصاً أن التفاوت في أشكال استمرار الدولة ومساحاته في سني الحرب عادت وتركت تأثيرها أو امتداداتها في زمن ما بعد الحرب.

اليوم، فإن هذه الدولة اللبنانية هي بشكل عام أكثر حضوراً في المناطق المسيحية منها في المناطق السنّية، منها في المناطق الشيعية، وفي المناطق الأخيرة تبرز “الدولة المضادة”، “دولة حزب الله”، بل أنّ “الدولة اللبنانية” نفسها لا تحضر في المناطق الشيعية إلا بصفتها “دولة مضادة للدولة اللبنانية”، وهذا يمكنه أن يشمل مرافق سيادية أساسية، كالمطار الدولي مثلاً.

في الحرب السورية اندثرت الدولة باكراً واستمرّ النظام حتى الآن، وإن يكن كنظام احتضار دموي. في الحرب اللبنانية اندثر النظام باكراً وحصل التدخل السوري والاحتلال الاسرائيلي والتقسيم العملي بين المناطق إلا أن الدولة نفسها حافظت على وجودها، سواء الوجود الشكلاني للمؤسسات، أو وجود أجهزتها. فحتى هذه الشكلانية ظلت تأخذ قسطها من الجدية في أسوأ سني الحرب، وبقي للدستور اللبناني كلمة يقولها وسط هذا الأتون كله، وظلّ مشهد حضور النواب من كل جوانب القتال، منظراً يستحق التوقف عنده، لأنه لم يكن مجرّد حضور لدمى كما في مجلس الشعب السوري، حتى ولو تكررت وقائع الإرغام والإكراه. ان التمديد لمجلس نواب 1972 دورة في اثر دورة، جاء يعكس الكيفية التي استمرّ فيها حضور الدولة من حيث هي أساساً مسألة استمرارية للمؤسسات، أي من حيث هي في أول الأمر “أسطورة قانونية مركزية” في العصور الحديثة. “الجيش اللبناني” هو الآخر، انقسم في سني الحرب، لكن لا شيء يقارن بينه وبين تحول “الجيش النظامي” السوري إلى جيش غير نظامي، سواء بالنسبة إلى جسمه الأساسي الذي هو “نظامي” فقط من حيث أنه يقاتل دفاعاً عن نظام “لا ينظّم شيئاً”، أو بالنسبة إلى المنشقّين عنه.

نحتاج إلى هذه المقارنة، بل نحتاج إلى توسيعها لتشمل العراق أيضاً. قبل تهافت البعثين العراقي والسوري، كان يُنظر إلى “الطائفية” على أنها العلّة التي يعاني منها لبنان، واليوم ظهر أنها المشترك الثلاثي بين هذه البلدان الثلاثة، وأنّ ما حصل أن نظام الغلبة المارونية في لبنان سقط نتيجة الحرب الأهلية والضبط السوري الأسدي لنهايتها، في حين أن نظام الغلبة العربية السنية في العراق سقط نتيجة الاحتلال الأميركي والحرب الأهلية التي تبعتها، ونظام الغلبة العلوية في سوريا يكابر اليوم على السقوط. بالتوازي، الدولة نسفت نسفاً في العراق بعد الاحتلال، ثم أعيد تجميعها بواسطة الاحتلال أيضاً، ورست على مشروع غلبة فئوية عربي شيعي بدل ذلك العربي السني. أما الدولة في سوريا فنسفت نسفاً مع “التوازن الكارثي” بين أهل النظام وأهل الثورة في السنتين الأوليين من النزاع، ما يؤدي إلى تدمير المجتمع حالياً من بعد تدمير الدولة، في حين يبقى النظام على دولة مدمّرة، ويبسط نفوذه الميليشيوي، لا النظامي، على قسم من المجتمع المدمّر، في حين يتوسع نفوذ الجماعات الراديكالية على الأقسام الأخرى. أما لبنان، هذا البلد الذي انتهى نظامه السياسي عام خمسة وسبعين، وتأكد ذلك مع نهاية الحرب، أي نظام المارونية السياسية، فإن الدولة فيه كانت استمرّت حتى في ظل تشرذم البلد بين الميليشيات المختلفة والاحتلالات المتوازية. بعد الحرب، وجدت أنظمة طوارئ مفروضة من المحتل السوري، كمثل نظام شبكة الوصاية المخابراتية العسكرية السورية والنظام الأمني المحلي التابع لها، من دون أن يتيح ذلك وغير ذلك، قيام “سنية سياسية” أو “شيعية سياسية” ترث الدور الذي لعبه الموارنة فتعيد بناء الوحدة الوطنية على قاعدة متمركزة حول أحد الدورين، السني أو الشيعي. هذا تأكد أكثر بعد الجلاء السوري عن لبنان. واليوم، على رغم جنون العظمة الذي يطبع خطاب “حزب الله” وهو يمضي بالألوف من شبابه إلى الموت المحتم في سوريا، فإن “الشيعية السياسية” تنفي نفسها بنفسها ما دام مشروع الهيمنة الفئوية الذي يقوده هذا الحزب يجحد بالكيان، ويتحايل على مفهوم الدستور بحد ذاته، ولا يبحث عن ميثاق وطني حتى ولو بشروطه، إنما ينصب نفسه مرجعية تعرف مصلحة كل طائفة أخرى غير منها، وهذه هي الطامة الكبرى. يبدأ التفاؤل في هذا الجانب حين يتوقف كل لاعب عن ادعاء الغيرة على مصالح اللاعبين الآخرين.

قبل عقد من تاريخه، كان التطرق الى المسألة الطائفية اللبنانية يحصرها في نطاق البلد، ولا يعقد صلات عضوية أو مقارناتية جدية بينها وبين المسألتين الطائفيتين العراقية والسورية، وكان النظامان البعثيان يضربان المثل في وطنيتهما العلمانية بالمقارنة مع طائفية لبنان. اليوم، يفتح “تهافت البعثيين” أمامنا كوة للرؤية، وأول الرؤية فصل الاشكالات بعضها عن البعض الآخر. فثمة إشكالية الغلبة الطائفية، مارونية في لبنان قبل الحرب، وشيعية في مسعاها للتغلب اليوم، سنّية في “عراق صدام”، وشيعية في مسعاها لتثبيت معادلتها اليوم، علوية في “سوريا الأسد” ولا يمكن أن تبقى كذلك طويلاً. ثمة في المقابل اشكالية الانتقال من غلبة فئوية إلى أخرى أو الانتقال إلى نظام سياسي لا يسمح بقيام مشروع غلبة فئوية. في العراق، هذا الانتقال تحول سريعاً إلى نقيضه. في سوريا هذا الانتقال هو جوهر العملية السياسية، وسبب امتناعها في آن واحد. ليس نافلاً المقابلة بين “التسيس” المرتفع للحرب اللبنانية، الذي يستدل من كثرة ما شهدت من هدنات ومبادرات، بل من كثرة ما أعلن فيها من “نهايات للحرب”، وبين الحرب السورية، من حيث هي، في أحد معالمها الاساسية، حرب بلا هدنة.

أما في لبنان، فإن الانتقال من غلبة فئوية إلى نظام سياسي لا يسمح بقيام مشروع غلبة، يتطلب أساساً فضح منطق مشروع الغلبة الذي يقوده “حزب الله”، من حيث هو مشروع “مظلومية” و”انتصارية” في وقت واحد، يستعين بشكل متواتر، باللعبة الماركسية. فإذا قضت هذه اللعبة بأن “البروليتاريا” اذ تناضل من أجل السيطرة الطبقية فليس ذلك من أجل تخليد سيطرتها الطبقية تلك وإنما من أجل قيام مجتمع خال من الطبقات، فإنها تترجم في مقال “حزب الله” بأن السيطرة الشيعية، سيطرة المظلومين المنتصرين، والمستضعفين الغالبين، إنما هي المناط بها إلغاء “الطائفية”. هنا بالتحديد، وجب التذكير بأن ما يعنيه “حزب الله” وسواه بإلغاء الطائفية هو إلغاء ما لم تلغه أحلك ظروف الحرب في لبنان، حتى بعد سقوط النظام القديم، وما لم تلغه الوصاية السورية، أي الدولة اللبنانية التي استمرّت في الحضور بأشكال متعثرة حيناً، وجسورة حيناً، على رغم كل شيء.

بالتوازي، فكما أن الربيع العربي، بمغادرته السريعة لصورته الوردية النمطية الأولى، لم يعد يسمح بالطعن بالديموقراطية الطائفية اللبنانية بحجة أن ديموقراطيات ليبيرالية وجمهورية وتقدمية باتت تتجاوزها في المنطقة، كذلك وجب عدم الذهاب بعيداً في التبشير بالنموذج اللبناني للديموقراطية التوافقية، ولا في التلفيق الذي يجعلها نظام “فيديرالية شخصية”. فالمشكلة تكمن أساساً في التجريد، وأساس التجريد المكابرة على معطيين بشريين: الديموغرافيا، والجغرافيا السكانية.

الديموغرافيا اليوم تعطي أكثرية للمسلمين على المسيحيين، لكنها أيضاً تلفت إلى قسمة عميقة بين السنّة والشيعة في لبنان، بحيث تبرز كديموغرافيا “مثالثاتية” في بلد يقوم نظامه السياسي على “المناصفة”، وتجري مداراة النقاش الأساس حول الطابع الموقت أو غير الموقت لهذه المناصفة. بالتوازي، فإن الطائفة الشيعية تباهي أكثر من سواها بمعادلة العدد، وحزبها الخميني إن شطح في تحالف الأقليات، لا تفوته أي مشادة مع الزعيم الدرزي، لتذكير الدروز بعددهم، وكذلك المسيحيين، مع انه من قال إن المسيحيين ككتلة أقل من الشيعة في هذا البلد؟ هذا ناهيك أنه هذا الصباح، وكل صباح حتى إشعار آخر، يشكل القاطنون في لبنان من السنة نحو ستين في المئة من القاطنين في البلد حالياً، مع احتساب اللاجئين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، ولا يمكن وضع هذا المعطى جانباً عند النظر الى المسألة الديموغرافية.

لكن الديموغرافيا ليست وحدها في هذا المضمار. ثمة ما يقابلها، وهو المنسي الأكبر، الجغرافيا السكانية. لقد صنع المسيحيون بهزائمهم في الحرب اللبنانية وانحسارهم أكثر فأكثر في وسط البلاد، منطقة متجانسة ثقافياً ومجتمعياً في ما بينها، تمتد من شكا حتى كفرشيما حتى زحلة ودير الاحمر، ناهيك ب،”جزائرها” من القبيات حتى جزين، وهذا إن لم نحتسب الوجود المسيحي في جبل لبنان الجنوبي. لكن في الاجمال ثمة وجود مسيحي متصل بعضه مع البعض الآخر جغرافياً، ومتعدد في كنائسه كما في تياراته السياسية لكن على قاعدة كبيرة من الاندماج المجتمعي، وتحضر فيه معالم الدولة اللبنانية حيثما تضطرب أو تغيب في المناطق الأخرى، واذا ما قمنا بسحب هذه البقعة المسيحية المتصل بعضها بالبعض الآخر جغرافياً، وهي المناطق الشرقية في أعوام الحرب، زائدة المناطق المسيحية تحت السيطرة السورية في الشمال والبقاع، كنا أمام اختلاف بيّن عن حالة الانفصال الجغرافي على صعيد كلٍّ من مناطق السنّة ومناطق الشيعة.

الديموغرافيا تقابلها الجغرافيا السكانية اذاً. كلٌّ منهما لا يمكن الاستمرار من استبعاد معطياته بعد اليوم، وهذا يعني أن بداية اجتراح المخارج من الأزمة الحالية تكون بالموازنة بين الأمرين. هل يمكن أن يكون ذلك من خارج شيء من الفيديرالية؟ لا. بشرط فهم أن الفيديرالية بالمعنى اللبناني القديم للكلمة، أي المرتبط بذاكرة الحرب، صارت وراءنا، وأن الذي أمامنا هو أفق تحول فيديرالي ثلاثي، في لبنان وسوريا والعراق، يوازن في كلٍّ منها بين معطيات الديموغرافيا ومعطيات الجغرافيا السكانية، ويقرّ التعددية الدينية والمذهبية والاثنية واللغوية والمناطقية على ما هي عليه..

لبنان في عين العاصفة فهل لبنان الكيان في مهب الريح؟/ توفيق هندي

في ظل الزلازل السياسية والكيانية التي تتعرض لها دول المنطقة وكياناتها، وما يعتبره البعض سقوطاً للحدود التي رسمها إتفاق سايكس-بيكو، وفي ظل التحولات الدولية التي أفقدت أميركا والغرب نسبياً مكانتهما وجعلت أدوارهما ينكفئان لصالح الأمبراطورية الروسية المتجددة والصين النامية، وفي ظل تصاعد دور إيران ومشروعها الإسلامي الأصولي الجهادي الخاص بها (المرتكز على نظرية الولي الفقيه)، وفي ظل تصاعد الحركات الإسلامية الأصولية التي جميعها تتجاهل وثيقتي الأزهر الشريف اللتين تشكلان تحولاً نوعياً في مسار الإسلام من ماض متحجر إلى مستقبل يتعاطى بإيجابية مع مسلّمات وأسس وقيم باتت مشتركة لدى البشرية جمعاء، تقوم عليها وتنتظم غالبية المجموعات والمجتمعات البشرية، مهما كان دينها أو قوميتها وإتنيتها…، يبدو لبنان الكيان والوطن والدولة في مهب الريح كأنه معلق بين الحياة والموت. السؤال: هل، بعد 93 سنة من إعلان دولة لبنان الكبير، فقد لبنان- الكيان مبررات وجوده وهل بات اللبنانيون يفتشون عن لبنان آخر أو عن لبنانات أخرى؟

ليس صحيحاً أن لبنان ابتكار فرنسي نتج من تقاسم أشلاء الأمبراطورية العثمانية بين الفرنسيين والإنكليز من خلال اتفاق سايكس- بيكو. وإذا كانت ضرورة تنظيم الري الحيوية في وادي النيل حتمت انتظام مصر في دولة قوية مركزية منذ زمن الفراعنة، فإن لبنان المتمايز بجغرافيته كما مصر مثلاً، لا يمكن وضعه في خانة الدول والكيانات المصطنعة التي اختلقتها ورسمت حدودها المصالح والمطامع المتضاربة للدول المستعمرة.

إن موقع لبنان المتميز بأنه يقع على تقاطع الشرق والغرب جعله عبر تاريخه القديم والجديد محط أنظار القوى الدولية والإقليمية الكبرى ومساحة صراع لها وتميز سلوك اللبنانيين القدامى والجدد على حد سواء بمنحى استقلالي يسعى دائماً إلى المحافظة على ما تيسر من حريتهم. لبنان عبارة عن ساحل وجبل. فساحله المطل على البحر الأبيض المتوسط أكسبه روح الانفتاح على العالم ودفعه إلى التعاطي الثقافي والتجاري الرحب مع الخارج بحيث يمكننا القول مجازاً إن اللبنانيين مارسوا العولمة قبل أن توجد. وفي وقت كانت جبال لبنان مكسوة بالأحراج الكثيفة وضئيلة الكثافة السكانية، تركز الوجود البشري في السواحل، فكانت علاقة الفينيقيين مع شعوب البحر الأبيض المتوسط بالتجارة والثقافة ترجمة واضحة لهذا الواقع الجيوسياسي.بعد هذه المرحلة بدأ جبل لبنان يستقبل الوافدين إليه هربًا من الاضطهاد. فما ميّز هذا الجبل هو العصيان على القهر والظلم والسيطرة والتشبّث بالهوية الذاتية للجماعات التي قطنته والمحافظة على الكرامة والعنفوان وتقديس الحرية. وكانت آنذاك وعورة الجبل عاملاً استراتيجيًا مهمًا في مقاومة محاولات الإخضاع والسيطرة. هكذا، امتزجت روح الانفتاح الساحلية مع عنفوان الجبل المقاوم لتبلور التكوين النفسي اللبناني الذي يتعبد للحرية ويدرك في العمق معنى احترام التمايز.

فتاريخ لبنان الحقيقي هو نفسه تاريخ جماعاته الطوائفية والمذهبية الوافدة والمتمازجة مع سكانه الأصليين، وتاريخ تفاعل هذه الجماعات وتناقضها بعلاقته بتاريخ المنطقة بأسرها. فالجيوسياسية اللبنانية تؤكّد وجود كيان لبناني تاريخي متمايز في محيطه العربي وليس عنه، وغني في مضامينه السياسية والمجتمعية والإنسانية. وهو قائم على العيش المشترك لمجموعاته الطوائفية والمذهبية على الرغم من تقطع هذا العيش المشترك بفترات من الصراع القصيرة نسبياً.

أول تعبير سياسي واضح للكيان اللبناني تجلّى منذ نحو 300 عام عبر اضطرار السلطنة العثمانية للاعتراف بوضع خاص لإمارة جبل لبنان (أي بنوع من الاستقلال الذاتي) أيام الأمير فخر الدين الكبير. لذا، إن الكيان اللبناني ليس مصطنعاً وليس عابرًا ولعل صمود لبنان إلى يومنا هذا في وجه الزلزال الذي عصف فيه منذ 1975، لخير دليل على المناعة اللبنانية وقدرة اللبنانيين الفائقة على تخطي المحن والمحافظة على كينونتهم.

على الرغم من اقتناعي هذا، ومن أن لبنان الكبير عاش نحو مئة سنة “تمتع” خلالها باستقلال شكلي لـ70 سنة وباستقلال فعلي لعدد من السنوات لن يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة، وعلى الرغم من أنه ليس من دول الربيع العربي المأزومة، أخشى اليوم أن يكون أكثر البلدان العربية عرضةً للتفكك والإنحلال وحتى الزوال. فلطالما كان يُنظَر إلى لبنان على أنه بلد غريب عجيب، له قدرة فائقة على تخطي الأخطار والمرور بالكوما ومن ثم الإستفاقة والعودة إلى الحياة الطبيعية. غير أني أخشى هذه المرة أن لا تمر العاصفة على خير! لماذا؟ لأن ثمة ظروفاً لم يشهدها لبنان في تاريخ أنظمته السياسية وأزماته الوجودية المتكررة: من الإمارة، مروراً بأحداث 1860 فالقائمقاميتين فالمتصرفية فالانتداب فالاستقلال فأحداث 1958 ومن ثم حرب 1975 مع التدخل الفلسطيني فالاحتلال السوري وصولاً إلى الاحتلال الإيراني المقنع.

1- يرزح لبنان تحت الإحتلال الإيراني الإسلامي الشيعي الإثني عشري الموالي للفقيه عبر “حزب لله” ذي العلاقة الاستراتيجية والعضوية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالاحتلال الفلسطيني مورس مباشرة وبالواسطة عبر بعض اللبنانيين. والاحتلال السوري أيضاً، ولكن بطريقة أشمل وبأسلوب أعنف. غير أن الوجه الخارجي للاحتلال كان جلياً في الحالتين.

أما الاحتلال الإيراني، فله فرادته التي تجعله الأخطر لأسباب عدة، منها الجبروت والدهاء الفارسي المتزاوج مع الراديكالية الإسلامية الجهادية الشيعية، ولكن الأهم هو أنه احتلال غير مباشر يمارسه حزب مؤلف من لبنانيين، يدّعي أنه لبناني ويمثل طائفة بكاملها، بحيث والته لأسباب متعددة، منها دينية- إيديولوجية ومنها عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية. فالقوة تجلب الولاء، وإن أتت من خارج الحدود! غير أن مكمن الخطر لهذا الاحتلال في أنه في خدمة مشروع إسلامي جهادي ترعاه إيران التي يشارك “حزب الله” في صوغ سياستها الإقليمية واللبنانية. هذا الأمر يجعل لبنان مجرد أداة تنفيذية للسياسة الآيلة إلى تحقيق أهداف هذا المشروع.

هكذا، من خلال امتلاك “حزب الله” لترسانته الهائلة من الأسلحة الفتاكة، ولا سيما الأسلحة الصاروخية، وتحكّمه بقرار استخدامها من دون شريك أو حسيب لبناني، ومن خلال الإفصاح عن هدفه الاستراتيجي المرحلي بتدمير دولة إسرائيل في أكثر من محطة، تحت عنوان المقاومة، يحوّل الحزب لبنان إلى خط تماس إيراني مع إسرائيل ورأس رمح في الصراع الإسلامي الهادف إلى تدميرها. تالياً، يضع لبنان في خطر حرب مدمرة تشنها إسرائيل أو إيران حين ترى إحداهما ضرورة لذلك أو حين ترى أن الظروف قد نضجت لذلك وأصبحت لمصلحتها.

ولأن سوريا- الأسد حليف استراتيجي لإيران وخسارتها تضعف الحلف الإقليمي الذي تتزعمه، ولأن استمرار الحكم الأسدي بالإمساك بالسلطة في سوريا ضرورة حيوية لاستمرار تدفق المال والسلاح إلى “حزب الله” والإمساك بالورقة الفلسطينية، كان لا بد أن يهبّ كل من إيران و”حزب الله” إلى نجدة الأسد.

أدى قرار إيران- “حزب الله” المشترك التدخل الميداني في سوريا لمساندة الأسد إلى تداعيات في غاية الخطورة:

– اشتداد حدة التناقض السني- الشيعي إلى حدوده القصوى في سوريا ولبنان والمنطقة.

– انتقال هذا الصراع من سوريا إلى لبنان.

– ضرب الاستقرار الأمني في لبنان، والحبل على الجرار، فضلاً عن ضرب الاستقرار السياسي وتهزيل الدولة اللبنانية إلى حد “استشهادها”.

– صعود التيارات الإسلامية الراديكالية السنية على حساب الإعتدال السني. مع الوقت، قد تسيطر هذه التيارات المتطرفة على الوسط السني، تماماً كما حدث بالمعارضة السورية، على قاعدة أن التطرف الشيعي يستجلب التطرف السني لمقارعته!

-2 تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان. خطورته تكمن في استمراره، حجمه وإمكان ديمومته. فإلى اليوم، أكثر من ثلث القاطنين في لبنان هم من اللاجئين السوريين. وهذا أمر يتعدى طاقة البنى التحتية في لبنان على إمكان إستيعابه، فضلاً عن طاقة لبنان الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والأمنية.

الأدهى أن أكثر من 60 في المئة من الشعب السوري يقطن مناطق محاذية للحدود اللبنانية وأن الحدود التركية والأردنية والعراقية باتت مقفلة في وجه اللاجئين السوريين. فلا مجال لهم إلا القدوم إلى لبنان حيث الحدود سائبة والدولة شبه غائبة أو مغيبة! يزيد الوضع خطورة، أن الحرب في سوريا مرشحة لأن تطول. فكلما طالت زاد في لبنان عدد اللاجئين السوريين إليه، بحيث تقترب لحظة تساوي عدد السوريين بعدد اللبنانيين أو تتخطاه. هكذا، يتحول لبنان بحكم الواقع إلى سوريا ثانية وبحكم هذا التعديل الديموغرافي الهائل، تزداد التناقضات بين لبناني وسوري وبين المجموعات الطوائفية والمذهبية، ويزداد التخوف اللبناني من ثبات هذا التحول الديموغرافي مع الوقت، خصوصاً أن ثمة إمكاناً أن يتحول الوضع في سوريا إلى لون من ألوان الصوملة.

-3 إن سياسة أميركا- أوباما المسؤولة الرئيسية عن إفشال المعارضة السورية وتحويلها إلى ما هي عليه من تشرذم و”أسلمة”، تتحرك في المنطقة على قاعدة إتمام “الصفقة الكبرى” مع إيران. المهم هنا، أن نلاحظ أن هذه السياسة فريدة من نوعها بين سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة وأنها قد تقود إلى ترك لبنان فريسة للإحتلال الإيراني عبر تمكين “حزب الله” من السيطرة والتحكم بالدولة اللبنانية إذا بقيت. كما أن أميركا-أوباما تتحمل مسؤولية أساسية في صوملة الوضع في سوريا، تالياً تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان.

استنادا” إلى معرفتي العميقة بطبيعة النظام الإسلامي في إيران والمذهب الشيعي الإثني عشري، أعتقد جازماً أن إيران لن تتخلى عن مشروعها الهادف إلى امتلاك السلاح النووي (لأن امتلاكه يغيّر موازين القوى في المنطقة ويسمح لها بتمددها فيها) ولا عن هدفها بتحرير كامل التراب الفسطيني (لأن هذا الهدف في صلب عقيدتها ويشكل لها رافعة في سياستها الآيلة إلى إشعال نار الثورات الإسلامية ضد الحكام العرب التي تصنفهم أعداء لها). الليونة الديبلوماسية التي تميز حراكها ليس إلا لوناً من ألوان ممارسة التقية والكتمان، وهي تهدف اليوم إلى تحررها من عقوبات باتت ترهق اقتصادها بهدف تفكيك هيكلية هذه العقوبات وإكمال تمددها في العراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى الخليج في إطار التقدم في تنفيذ مشروعها الإسلامي الجهادي.

في المقابل، لا أعتقد إطلاقاً، أن أميركا- أوباما سوف تقف عائقاً في وجه التمدد الإيراني أو حتى استحصال إيران على السلاح النووي في مرحلة لاحقة، إذ أن همها الأول هو تجنب الحرب في الشرق الأوسط مهما كلف الأمر (هذا يمر، وفقاً لرأيها، بعقد “الصفقة الكبرى” مع إيران!)، وتخفيف التزاماتها في هذه المنطقة “الموبوءة” إلى الحد الأقصى، أي الإنكفاء عنها وإعطاء أولوية نسبية لمنطقة آسيا- الهادئ حيث التصدي لتصاعد قوة الصين.

-4 دولة لبنانية على حافة الانهيار. بتاريخ 25 أيار، تنتهي ولاية الرئيس سليمان. على الأرجح يكون وضع المؤسسات الدستورية على النحو الآتي: مجلس نواب ممدد له حتى 20 تشرين الثاني 2014، لا يشرّع ولا يراقب، حكومة تصرف الأعمال (أكانت الحكومة الحالية أم الحكومة المرتقبة التي لن تستحصل على ثقة المجلس لتعذر الإتفاق على البيان الوزاري أو لعدم استحصالها على الغالبية النيابية) ومؤسسة الرئاسة فارغة إذا لم يتم تدارك الأمر. في هذه الحال، لا تنتقل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى حكومة مستقيلة ويظل المجلس حكماً في حالة انعقاد دائم حتى انتخاب رئيس للجمهورية. وإذا لم يتمكن من انتخاب رئيس حتى 20 تشرين الثاني 2014، لا يمكنه التمديد لنفسه مجدداً، لأن قانون التمديد يستوجب توقيع الرئيس أو من يمارس صلاحياته، لكي يكون نافذاً.

فهل نحن أمام أزمة نظام؟ جوابي: قطعاً لا! عند وجود احتلال، أي احتلال، لا يمكن الحكم على فشل أو نجاح نظام سياسي معيّن، إذ إن الاحتلال يتحكم في سلطة الدولة، مهما كان النظام السياسي.

فقد توالى على لبنان الإحتلال الفلسطيني فالسوري، واليوم الإيراني. فهل يمكن الحكم على النظام السياسي اللبناني بالفشل؟! قطعاً لا.

العناصر الأربعة الواردة أعلاه، تتحكم في مصير لبنان البلد والكيان والدولة، بغض النظر عن ماهية نظامه السياسي، أكان طائفياً أم لا، أكان يشكل لوناً من ألوان الديموقراطية التوافقية أم لا، أكان مبنياً على العيش معاً أم لا، أكان مدنياً علمانياً أم لا!

من هنا، إن اتفاق الطائف الذي هو في آن واحد، ميثاق وطني وصيغة سياسية ودستور ونظام سياسي، لم يجرَّب حتى الساعة في ظروف طبيعية. وهو لم ينفذ وفقاً لآليته الضمنية لكي نحكم بنجاحه أو فشله. فعنوان المعالجة الأساسي هو التخلص من الاحتلال الإيراني، لتأمين وجود لبنان- الكيان وحياته الطبيعية. الخطوة الأولى لكن غير الكافية في هذه المعالجة، تكمن في العمل على عدم فراغ رئاسة الجمهورية. تأمين هذا الأمر لا يتم من خلال الإصرار المستميت على حصول انتخاب رئاس لن يحصل على الأرجح لألف سبب وسبب، إنما من خلال العمل الجاد داخلياً وخارجياً لكي يبقى الرئيس سليمان يمارس صلاحياته إلى حين انتخاب رئيس للجمهورية أو تشكيل حكومة تنال ثقة مجلس النواب. فدور رئيس الجمهورية محوري في تأمين وجود الدولة اللبنانية، ولا سيما في ظل حكومة تصريف أعمال لا يمكنها ممارسة صلاحياته. فهو يؤمن عملية إنتاج السلطة: تسمية رئيس الحكومة، تشكيل الحكومة، توقيع قانون الإنتخابات ومرسوم دعوة الهيئات الناخبة. وهو يوقّع القوانين والمراسيم كافة. وهو يسهر على انتظام الحياة السياسية والدستورية وعلى أمن لبنان وسلامته. وهو رأس السلطة الذي يتوجه إليه الخارج عندما يريد أن يتحدث إلى لبنان. غيابه يخل بميثاقية السلطة والعيش المشترك المنصوص عليه في الطائف وفي مقدمة الدستور.

من هنا، الحل الوحيد في ظل حكومة تصريف أعمال لعدم شغور رئاسة الجمهورية، يكمن في استمرار الرئيس سليمان بممارسة صلاحياته إلى حين، وذلك عملاً بمبدأ “استمرارية المرافق العامة” على الرغم من أن هذا المبدأ لا يطبق عموماً على من يعين من خلال الإنتخابات. ذلك لأن عدم الأخذ به في هذه الحال الخاصة يؤدي إلى شلل مرافق الدولة كافة.

الخطوة الثانية تكمن في اتخاذ موقف واضح تجاه الاحتلال الإيراني والعمل على تحرير لبنان منه، تالياً إعلان الطلاق مع “حزب الله” وحلفائه كتجسيد لهذا الاحتلال، من دون أن يعني هذا الأمر طلاقاً مع الطائفة الشيعية الكريمة. هذا أمر يتطلب البلورة وحشد أوسع القوى اللبنانية الحية من أجل النضال لتحقيقه وإجراء الإتصالات بالمجتمع الدولي والدول الكبرى بهدف تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، ولا سيما الـ 1559 والـ1701، كما تحديد أطر هذا العمل وآلياته، علماً أن الوصول إلى النهاية السعيدة قد تستغرق ردحاً من الزمن.

أما الخطوة الثالثة، فتتعلق بمعالجة قضية اللاجئين السوريين. فالمطلوب التصدي لتدمير الكيان اللبناني وليس تغيير النظام السياسي اللبناني. فالتمسك بالطائف اليوم هو المعيار الأساسي للوطنية اللبنانية.

الهويّة، المذهب الديني، المواطنة/ أحمد بيضون

في زماننا هذا، أصبح أوّل وصف يجري على اللسان، إذا ذكرنا الهوية، هو أن الهوية مركّبة. فالإنسان ينتسب إلى جماعات كثيرة أوسعها جماعة البشر. بعض هذه الجماعات طبيعي وبعضها مكتسب وبعضها عرفي وبعضها طوعي. وتتشكّل هوية المرء من تداخل الهويات الكثيرة التي يجعلها له هذا الانتساب المتعدّد أو من تَجاوُرِها. بعد التعدّد يتراءى لنا التراتب والتنازع على أنهما سمتان لنظام الهويات الذي نحن حصيلته.

تفرض هاتان السمتان نفسيهما على وجداننا عندما نتأمل في ما نسمّيه هويتنا الوطنية وننظر في العلاقة بينها وبين هوّيات أخرى من قبيل الانتماء العشائري أو العائلي أو التأصّل في جماعة حضرية أو منطقة ذات تميّز إثني من مناطق البلاد، إلخ.، أو الانتساب إلى مذهب ديني أيضاً بل على الأخص. كثيراً ما نذهب عفوَ الخاطر إلى افتراض نوع من المفاضلة أو المغالبة بين هويتين جعلتهما ظروف بعينها تتقدمان معاً إلى مجال تأملنا. فنقول مثلاً إن مصلحة الوطن يجب أن تعلو على مصلحة الطائفة أو يقول بعضنا إن وحدة الطائفة أولى بسعينا من تضامن العشيرة، إلخ. والحال أن المفاضلة أو افتراض التغالب كثيراً ما يتأتى من الإحجام عن التعيين المحقق لطبيعة كل من الهويات أي لمضمونها ومجالها وللعلاقة التي يصحّ افتراضها بناءً على هذا التعيين من غير افتئات ولا تجاوز للحدود بين هذه الهوية وسواها.

والحقّ أن هذا التعيين لا يبطل التنازع بالضرورة. فكثيراً ما تظهر بين هويتين مضامينُ مشتركةٌ تجعل المغالبة أمراً محتملاً بين الجماعتين اللتين تستمدّ كلّ منهما تماسكها من إحدى هاتين الهويتين. وكثيراً ما يتبيّن أن المضمون الذي تصحّ نسبته لكلّ هوية، والنطاق الذي يصحّ اعتباره نطاق فعلها، هما أبعد ما يكون البعد عن الوضوح واستقرار الصورة. فهما يبدوان، في الأغلب، وعند التنازع خصوصاً، في حالة هي أقرب إلى الفوران والسيولة تحمل المتعصبين لكلّ هوية على تكثير محتواها والتوسيع من نطاق صلاحيتها والتماس الشرعية لوجوهٍ متكاثرة تعتمدها للتعبير عن نفسها.

على أن مواجهة التداخل بين الهويات والاجتهاد في رسم خطوط الفصل بينها على نحو لا بدّ أن يحدّ من حالات التغالب وكذلك العمل لبيان بطلان الحاجة إلى افتراض التراتب بينها حين تلزم كلّ منها طبعها الأصيل ونطاقها تبقى أموراً ثابتة الضرورة، في كل حال، وإن تكن ضرورتها تزداد بروزاً في الأزمات الناشئة عن تزاحم الهويات. فالقول مثلاً إن الانتماء الوطني يجب أن يعلو العلاقة المذهبية تقتصر صحته على النطاق الذي تشغله العلاقة الوطنية، ولا يمكن أن يقصد به الحضّ على تقييد التقوى أو على الحدّ من حرارة الإيمان. بل إن هذا المثل يوضح إمكان استبعاد التغالب بين الهويتين حين لا تتنافسان في شغل الميدان السياسي بجماعتين قابلتين للتنازع.

لا حاجة إلى القول، من بعد، إن هذا الشرط الأخير ليس بميسور التحقيق ما دامت الطوائف تنحو، بما هي طوائف، إلى التشكل السياسي. فالتنازع بين قطبَي الهوية الطائفي والوطني أوفر احتمالاً من غيابه ونحن نعاينه حولنا هنا وهناك وهنالك. يعزّز هذا الاحتمال أيّما تعزيز انتشار المذهب بين أقطار مختلفة لا يمنع مانعٌ حصولَ التضارب أو التباين، في الأقل، بين مصالحها، وجنوحَها إلى استثمار المذاهب في التنافس بين الدول. وتجد الطائفة أو الجماعة المذهبية نفسها مغراةً بتعريض التماسك الوطني لقاء منافعَ وعواملِ قوةٍ وتفوّق يوفّرها مصدر الدعم المذهبي. يفضي هذا الجنوح، دون عُسر، إلى تشكيل المذاهب وحداتٍ سياسيةً خارقة للحدود الوطنية وإلى امتحان وحدة الجماعة الوطنية امتحاناً يسعه أن يصبح عسيراً في هذه الدولة أو في تلك، فتنزلق معه البلاد إلى شفير الحرب الأهلية أو تغوص في هاويتها.

هذا الاشتراك التنافسي بين الدولة والمذهب أو الطائفة في رسم الهوية السياسية لمن ينتمون إليهما معاً ليس بالأمر الذي يُتلقى في شرق الكرة وغربها (كما قد توهمنا أُلْفَتُنا له في بلادنا هذه) على أنه قاعدةٌ تامّة الشرعية أو قَدَرٌ لا يُردّ. فإن ثمة شبهاً كثيراً ما أشيرَ إليه بين الأممية الشيوعية الآفلة والأممية المذهبية الصامدة. ذاك أن كلتيهما تَحْمل صورةً للمجتمع تُحْدث صدعاً فيه يتعذّر لأْمُه وأن كلتيهما تنحو نحو رهن مصير المجتمعات الصغيرة أو الضعيفة بإرادة مجتمع كبير أو قوي تستقرّ في يده دفّة الأممية فيجنح بحكم موازينه الداخلية (وليس بحكم سوء نية تتّصف به قيادته بالضرورة) إلى تغليب دواعي حماية النظام القائم فيه ومصالحه الاستراتيجية على كلّ اعتبارٍ آخر بما فيه مصالح الجماعات الملحقة ومجتمعاتها.

اليوم يفجؤنا مشروع الدستور المصري الجاريةُ مناقشتُه إذ ينصّ على منعِ إنشاء أحزابٍ سياسية ذات منطلق أو أساسٍ ديني. فنحن قد لا نعلم أن كثيراً من الدول (بينها مصر قبل ثورتها الأخيرة) نَحَت هذا المنحى. وهي دولٌ ليست كلّها صغيرةً أو متوسطة أو ذاتَ علاقةٍ مُشْكلةٍ بالديموقراطية. وهذه أوصاف يتمثّل بعضها أو كلّها في الجزائر والمغرب وبوركينا فاسو وقازاقستان، إلخ. بل نحن نحصي بين هذه الدول واحدةً هي روسيا تجمع إلى العضوية في نادي الدول الكبرى زَعْمَ الديموقراطية. وقد تجب الإشارة إلى أن رئيس فرنسا نفسه صرّح، قبل أشهر قليلة، بسَرَيان هذا المنع في بلاده مع ما هو معلوم لبلاده من العراقة الإجمالية في رعاية الحريات. ولكن علينا أن ننوّه أيضاً بأصواتٍ انْبَرَت منكرةً هذا الأمر، تسند إنكارَها إلى وجود حزبٍ صغير، في فرنسا، لم يبْدُ أنّ حَمْلَه اسمَ الحزب الديموقراطي المسيحي جَعَل السلطات تبدي رغبة ما في حلّه. عليه بقيت مسألة المنع أو عدمه معلّقة. ولعلّ العزوف الشعبي العامّ، في فرنسا وفي دولٍ أوروبية أخرى ذات تراثٍ ديموقراطي راسخ، عن اتّخاذ الدين أساساً للانتظام السياسي هو ما يفسّر الاستغناء عن الحسم الصريح، في القوانين، للمسألة التي أبرزَتْها المواجهةُ بين رئيس فرنسا ومعارضيه. ولعلّ تنامي الإسلام السياسي ذي الصفة النضالية في هذه الدول، هو ما راح يفرض جدلاً لم يكن الداعي إليه ماثلاً حتى عهدٍ غير بعيد.

على أن لمنع الانتظام السياسي على أساس الدين أو المذهب، حيث هو سارٍ، سَنَداً يتعدّى الظرفَ السياسي إلى الأساس الحقوقي للأنظمة المتمثّلة حقوقَ الإنسان بما تنطوي عليه من تحريمٍ للتمييز بين البشر على أيّ من أسسٍ عديدة بينها الدين ومنها الجنس والعرق، إلخ. فإن الانتظام السياسي على أساس الدين يُفْهَم ههنا على أنه وجهٌ آخر للتمييز بين المواطنين على أساس الدين ولزَرْع الفرقة بين عناصر الأمة. أقول هذا لا لتأييد التحريم المستقى من هذا المشرب في مصر أو في غيرها. فإن اعتماد المنع دَرْءاً لميلٍ جامح في صفوف الجمهور أسلوبٌ لا طائلَ تحته بل هو لا يعدو زيادة الحال سوءاً وتقريباً لانتشار العنف في موضع السياسة. على أنني لا أزكّي أيضاً صيغةَ الأحزاب الطائفية أو المذهبية يتوزّع بينها المجتمع السياسي وتتواجه فيه. وقد كان مني أن عرَضْتُ مراراً صورة المصاب التاريخي التي باتت صورةَ هذين التوزّع والمواجهة في الحالة اللبنانية. ولا أرى الصورة تختلف كثيراً في أية بلادٍ ذات مجتمع مختلط، لجهة الأديان أو المذاهب، يحلّ بها هذا المصاب.

قبل سنوات كثيرة اقترحتُ اسماً للمساق الذي يصل بالعضو في المجتمع المتّخذ صورةَ الدولة إلى حالة المواطنة. اقترحت تسمية ذلك المساق “عمل التجريد السياسي” (راجع كتابنا “لبنان الإصلاح المنشود والخراب المنشود”). وقد كان لا بدّ من إظهار هذا المساق بتسميته ووصفه لإبراز صفته التاريخية: أي اختصاص مرحلةٍ من التاريخ به لم يكن متحصّلاً قبلها وافتراض شروطٍ بعينها يحقّقها هذا المساق فتتحقّق معها صفةُ المواطنة ويتبدّى أنها صفةٌ اختصّت بتوفير إمكانها هذه المرحلة التاريخية نفسها.

وقد ضربتُ مثلاً لاختلاف حالة المواطنة عن حالة أخرى سبقتها إلى الوجود وبقيت موجودة معها عنوانَ كتاب للداعية المصري خالد محمد خالد ظهر قبل نيف وستين سنة. عنوان الكتاب “مواطنون لا رعايا”. وهو يشير إلى أنظمة كانت العلاقة فيها بين الحاكم والمحكوم علاقةً بين الراعي ورعيته. وهذه علاقةٌ تبدو ملتبسة ولكن يظهر أن علينا قبول هذا الالتباس مفترضين مطابقته الواقع بوجهيه. فالرعية يرعاها الراعي، أي يدبّر شؤونها. والرعية تُرتعى أيضاً، أي تؤكل أو يستحوذ على خيرها، في الأقل، من جانب من هي رعيةٌ له.

في الحالين، يبدو أن حكم الرعية في هذه العلاقة هو حكم القاصر الذي لا ولاية له على مصالحه وشؤونه. فإذا وُجِد حدّ لاستبداد الحاكم برعيته فليست الرعية من يرسم هذا الحدّ ولا هي ذاتُ حقّ مؤكّد في منع الحاكم من تجاوزه. وإنما مصدر الحدّ، إذا وجد، مصدر عُلويّ وحقُّ الرعية في إلزام الحاكم هذا الحدّ حقّ معلّق، أصلاً ومقداراً، على ما رسمته الإرادة العُلوية أيضاً. ولا يَبْعُد أن يستبقيَ الحاكمُ في يده، بصفته ممثّلاً للإرادة العُلوية وناطقاً بلسانها، صلاحيةَ الإقرار بوجود هذا الحدّ وتقدير رَسْمه إذا هو سَلّمَ بوجوده.

نكاد نستغني عن القول إن حالة المواطنين مختلفة من وجوهها كافّةً عن حالة الرعية. فالمواطن، من حيث الأصل، لا يدين بالطاعة للحاكم بل للقانون. والمواطن هو المشترع الأخير باعتبار إرادتِه مكوِّنةً لسلطة الاشتراع وباعتبار ما تضعه هذه السلطة من قوانين يرسم حدوداً لسلطة الحاكم بمقدار ما يحكُم سلوكَ المواطن. ويفترض الرُشْدُ في جماعة المواطنين فلا يكون الحكم وصايةً عليها بل يكون إنفاذاً لإرادتها العامّة.

هذا ويظهر لنا مفهوم “التجريد السياسي” جلياً حالما نسأل عما حمل ثورة 1789 الفرنسية على التمييز في عنوان “إعلانـ”ها المشهور ما بين “الإنسان” و”المواطن”. فإن “المواطن” هنا يتحصل بتخليصه من الإنسان “الكلي” فيستوي كائناً صناعياً يُسْتغرَق في وجوده السياسي أي في انتمائه المرعي بالقانون إلى كيانٍ حقوقي سياسي هو الدولة- الأمة. ييسّر هذا “التخليص” أو “التجريد” تحصيلَ “المساواة” بين المواطنين الأحرار في ما يتعدّى كلّ تباين أو تفاوت لا بدّ منه يكون منشؤه من الطبيعة أو من المجتمع.

على أن في أصل المواطنة تحوّل الإنسان الواحد بما هو كائن كلّي تتآزر في تكوينه وتنشئته الطبيعة والمجتمع إلى “فرد”. هذا مصطلحٌ اكتَسَب في العصور الحديثة معنىً لم يكن له قبلها: معنىً أملاه تشكّل حرّية الفرد في بيئة تقرّه عليها إذ تعترف له باستقلاله بنفسه، أو توحي إليه، في الأقل، بأصالة الحرية فيه. والحقّ أن الدول التاريخية لم تكن دائماً دولاً- أمماً ولا كان الأعضاء فيها أفراداً مواطنين. لم يمضِ إلا قرنان وربع قرن، تقريباً، على اتّخاذ المواطنة قيافتها التي نعرفها لها اليوم، وإن تكن العادة جرت على اعتماد ديموقراطية أثينا القديمة دليلاً إليها. كان النساء والعبيد يُسْتثنون من صفة المواطنة في أثينا. لكن النظام كان يقرّ للراشدين من البالغين الأحرار بالتساوي في الحقّ والواجب. وأما الدول ذات الصفة الأمبراطورية، وهي (بتنوّعها) تستغرق معظم تاريخ البشر المدوّن، فكان رعاياها يصنَّفون قانوناً أو عرفاً طبقاتٍ أو فئات متراتبةً. وذلك تبعاً لفروقٍ تعيّنها الطبيعة أو التقليد وتُعْتمد في تصنيفهم، ومن بينها الجنس والدين والنسب والسيادة أو الحرية يقابلها الرقّ أو القنانة، إلخ.

عليه، كان تمام “التجريد”، أي تخليص الفرد المعرّف بالمواطنة، يتحصّل في الدولة الديموقراطية ويستوي، بدوره، شرطاً لولادتها وأصلاً في دستورها. وهو ما يعني أن المواطَنة قيمةٌ تُسْبَغ على الأشخاص بما هم ذرّات الدولة- الأمة وأن المواطنين يُصْطنعون بالقانون ولا يتشكّلون في الطبيعة.

المواطن، إذاً، تصوّرٌ وقيمة يحكمان تشكّل الدولة- الأمة القانوني بما هي جماعة سياسية. يحكم هذان التصوّرُ والقيمة ُأيضاً نظرَ القانون إلى الجماعة بما هي جماعةٌ مدنية أي كثرةٌ من الأحوال والأوضاع والمصالح والمواقف إلخ.، تتميّز بالتفاوت بين أعضائها، أفراداً وجماعات، ويجري تدبيرها وَفْقاً لقِيَمٍ وقواعد متّفَقٍ عليها.

“هذا وإذا كانت سيادة الرأسمالية وغلبة المدن، بما هما موئلان لـ”تذرية” البشر، أي لفكّهم من جماعات النشأة والتقليد وللـ”غفلية” أيضا، قد شكلّتا الأرض التاريخية لنشوء الأفراد، فإن اتّصال الهجرة وتواصل البشر، عبر حدود الدول، قد انتهيا، شيئاً فشيئاً، في عصرنا هذا، إلى تغيير معنى الأمّة ومعه صورة العلاقة المفترضة بينها وبين الدولة، أو، في الأقل، إلى حسم الجدل المتصل بمعنى الأمّة. هكذا راحت الأمّة تبتعد، في واقعها وفي تصوّرها المعاصرين، عن لزوم النسب الطبيعي وحتى عن لزوم الوحدة الثقافية، وتنحو نحو نوع من الوجود التعاقدي تجسّده الدولة ونحو أسلوب دينامي في التشكلّ المستمرّ أخذ يسمّى “بناء الأمم” أو انبناءها. وهو أسلوب يلتمس الوحدة للأمّة في اقتران الولاء الواحد لها بتقبّل الفوارق بين عناصرها وأوساطها، لا في طمس هذه الفوارق أو رفضها. وهو، إلى ذلك، نتاج ضرورة تاريخية (أهم عواملها الاستعمار والهجرة) جعلت وجود الدول يسبق وجود الأمم، في حالات، ويخالف الرسم المفترض للأمّة، في حالات أخرى.” (راجع أحمد بيضون، المرجع نفسه، ص 22-23).

تبدو المساواة بين المواطنين، وهي ما يحققه “التجريد السياسي” ويكفله القانون،، متّحدة إذاً بحريّة الأفراد الجدد بما هي أصل في وضعهم يتعدّى الانتماء إلى جماعات الطبيعة والتقليد ويبيح اتّخاذ موقف القبول أو الرفض من منطويات الانتماء المذكور ويتعدّى، في المبدأ، كل تفاوت اجتماعي أو طبيعي بين الأفراد أيضاً. على أن التفاوت الحسّي في أوضاع الأفراد ومصائرهم يبقى مطروحاً على المجتمع بما هو موئل لمشكلات مستوجبة المعالجة على الدوام. وتزيد المساواة، بمقابلتها هذا التفاوت، من حدّة الشعور به وبضرورة التصدّي لوجوهه وأسبابه وهي كثيرة ومتحرّكة. ويمثّل هذا التصدي محكّاً دائماً للديموقراطية تصوّراً وممارسة. وقد يواجه هذا التصدي جهةُ من جهات المجتمع وقد يواجه الدولة. ويكون على هذه الأخيرة (وعلى الرأي العامّ أيضاً) أن تتقبله وترعاه، في الحالة الأولى ، ما دام ممارسةً لحقٍّ موافق للقانون أو لمبادئه. ويكون عليها، في الحالة الثانية، أن تنظر إلى ما فيه من سعي لتوسيع حقوق المواطنة.

أيّاً كان الأمر، فهذا التصدّي يفترض بُعْداً للمواطنة لا يتساوى فيه المواطنون هو بُعْد المشاركة. هذا البُعْد يُخْرِج المواطنين من تذرّرهم وينشئ بينهم صيغاً مختلفة للتعاون والتضامن وللتنافس أيضاً تتغاير في درجة استقرارها وفي إقبال أصحاب الشأن من المواطنين على الانخراط فيها والاستجابة لما تقترحه من مهمات. وهو، في كلّ حالْ، البُعْد المنشئ لما يسمّى المجتمع المدني فضلاً عن إنشائه المجتمع السياسيّ بتشكيلاته الماثلة في ما دون الدولة بما هي جهاز للسلطة العامة. هذا ويجوز البحث عن أسباب لتفاوت الإقبال على السعي المدني وعلى السعي السياسي بين مجتمع وآخر، أي لتفاوت الولاء للديموقراطية، في آخر المطاف، في أحوالِ أنظمةٍ وتقاليد عامة تُميّز المجتمع كله وفي الأحوال الراهنة لأطر المشاركة المتاحة أيضاً.

عليه، يبقى تحقُّق المواطنة بتمام معناها مشروطاً بالديموقراطية السياسية. ويتبدّى أن الدولة الديموقراطية إنما هي بالضرورة دولة القانون لا دولة نبذه أو التفلت منه. فإذ يكون القانون معبراً عن إرادة المواطنين، ممثّلين بالسلطة المنتخبة، “يفترض فيه أن يحمي الحرّية وأن يحدّها في فعل واحد. فهو إن لم يحدّها لم يكن له أن يكون عمومياً فيحمي حريّة العموم. وهو إن اكتفى بحدّها وأسقط حمايتها من حسابه، في شأن من الشؤون، نحا نحو الاستبداد ولم يكن ديموقراطياً أصلاً. بل إن أنظمة الاستبداد، لا الأنظمة الديموقراطية، هي التي قد تتوخّى الفراغ أو النقص والغموض في بعض مجالات التشريع، وذلك لتترك الباب مفتوحاً أمام الاعتباط والتعسف”. (المرجع نفسه).

غنيّ عن البيان أن “التجريد السياسي” يُبعد من كان تحقُّقُه متقدّماً في حالتهم عن إلزام السياسة منطقَ الهوية. فسياسة المواطنة، تصبح مقتدرة على تجاوز الانتماء الديني أو العرقي، إلخ.، في رسم دوائر المصلحة التي تتّخذها مداراً لها. فتتخذ لهذه الدوائر أسماءً من قبيل توسيع العلاقات الخارجية للبلاد وتعزيز الدفاع عنها وتوطيد الحرّيات من خاصة وعامّة وتضييق الفوارق بين الجنسين وسائر الفوارق الاجتماعية من حقوقية وواقعية والتعليم والصحة والبيئة والمدن والإنماء البشريّ، بعامّة، إلخ. ويكون لها أن تعبّئ لكلٍّ من هذه الأهداف أو الميادين قوىً متحركة تشتمل على مروحة الهويات الثابتة التي يتوزّع بين فروعها المجتمع، كلها أو جلّها. على أن الشرط لحصول هذا الاشتمال إنما هو امتناع الضيم يقع على واحدة من هذه الهويات من جانب أخرى. وهو أيضاً نشوء نظام سياسي مفتوح يقدّم فرصاً لتصحيح المسار في هذا الميدان أو في ذاك عبر التغيير الميسور في تشكيل الجماعة المؤيدة لهذه السياسة أو لتلك أو المعارضة لها وعبر التعديل في حجمها وفي نسبتها إلى ما يقابلها. تلك حالٌ مختلفة جداً عن تسيّد الهويات الثابتة أو الأصلية على السياسة. وهي حال ليست ذات قرابة بحال صاحبنا القائل:

وما أنا إلا من غزيّة إن غوت \ غويتُ وإن ترشد غزيّة أرشد

فإن الثبات الذي تفترضه الهوية لنفسها في عالمٍ متغيّر لا يلبث تغليبه أن يستوي مصدر توتّر واضطراب يظهران أوّل ما يظهران عادةً في صفوف الجماعة التي تسمّيها هذه الهوية. هذا فيما يسع الجماعة الوطنية أن تستهدي مُثُلاً راهنة الصلاحية وأهدافاً ذات تصميم عملي لا يضيرها أن تتحرك وتتغير حين تقتضي ذلك مصلحة وطنية وتعبّر عن هذا الاقتضاء إرادة مركّبة وغالبة.

هذان مثالان لا يعوزهما التجسيد في عالمنا الحاضر. وما صورة المقارنة بينهما إلا صورة بلاد ينمو عمرانها أو يؤمل بالنمو في ما يتعدّى كلّ أزمة أو محنة تقابلها أخرى يتوسع فيها الخراب والموت أو ينذران بالتوسّع إليها من شريكاتها في الهوية وفي الشكوى من هجاس الهوية.

ما الذي جعل “عمل التجريد السياسي” يتقدّم في مجتمعات بعينها ويبقى قاصر الأثر في أخرى من بينها مجتمعاتنا؟ أمكننا في هذه العجالة أن نسجّل الواقعة. وجدنا الدائرة السياسية غير مستقلة بمنطقها في مجتمعاتنا. وقد يسوغ القول إن انتظام الوجود الاجتماعي في دوائر واضحة الحدود، لا تطغى واحدتها على الأخرى ولا تستبدّ بها، أمر لا نزال على مبعدة من تحقيقه. وهذا ما سمّيناه ذات مرّة “الشيوع”، بمعنى قريب من الاصطلاح العقاري، بما هو نمطٌ أو نظام للوجود المذكور. وفي نطاق هذه الفئة نفسها من الوقائع، يسجّل أيضاً ضعف نموّ الفرد واندراجه الهلامي في جماعات الطبيعة والتقليد. وأما تعليل هذه الحال فأقلّ يسراً من تشخيصها بكثير. ذاك أمر شاقّ يقتضي محاولات متضافرة في التاريخ المقارن لا نجاوز اقتراحها هنا على أصحاب الأهلية.

على أن في وسعنا الإشارة إلى سمة ميّزت ربع القرن الأخير في نطاق العالم، وهي النزوع إلى إضعاف الدولة وتجريدها من وسائل كانت تستقطب لها ولاء المواطنين. وذاك أن الدولة، وهي عرضة لمنافسة أقطاب جاذبة أخرى قد ينازعها بعضُها النفوذَ من الداخل وبعضها من الخارج، لا تشدّ إليها مواطنيها بالنشيد وحده أو بما جرى مجراه. وإنما يقتضي حفظها لولاء المواطنين أن يكون لها حضور في وجوه مختلفة من حياتهم: في النظام العام وفي العمران وفي بنى البلاد الأساسية طبعاً. ولكن أيضاً في فوائد تخصّ الأفراد والأسر على نحو أشدّ قرباً. أي، مثلاً، في الصحة والتعليم والسكن وتيسير حصول الفقراء على ما لا يستغنى عنه… هذا، على وجه التحديد، ما أصبح في العقود الأخيرة عرضةً لأشرس الهجمات من جهاتٍ مختلفة لم يكن أصحاب الرساميل أشدّها بأساً في بعض المجتمعات. وإنما ضَلَع فيها بتكتم وحذق غالباً مراجع ومؤسسات دينية وسياسية معاً. وفيما كان الهزء ينال من “دولة الرعاية”، كانت هذه المراجع والمؤسسات تمدّ يدها إلى صندوق الدولة، فضلاً عن موارد أخرى، لتستحوذ على ما كانت هذه الأخيرة تنفقه على حضورها في المجتمع.

أسعف التغوّل المتمادي للدول المنتسبة إلى النادي الشيوعي وإلى نادي رأسمالية الدولة، بما ميّزها من الاستبداد المقترن بالفساد ومن سوء الإدارة، في تسويغ الهجوم المدمّر على دور الدولة الاجتماعي حيث وُجد. فنظمت الأهاجي في “دولة الرعاية” وأصبح اسمها سبّةً أو، في الأقل، اسماً لشيء فات أوانه وبات اقتناؤه أمارة تخلّف في إدراك مقتضيات العصر. وهكذا بوشر الانتقال من مثال الدولة المتغولة إلى مثال دولة الحدّ الأدنى أو الدولة المجردة من سلاحها الاجتماعي. والحال أن حفظ ميزانٍ ما بين الدولة والمجتمع يمنع الأولى من التغوّل ولكنه يحفظ لها عوامل فاعليتها وحضورها ويحول دون التفكك السياسي للمجتمع والدولة معاً إنما هو المسعى الذي يوافق توق المجتمع الوطني إلى توطيد السلام بين عناصره وتعزيز الحريات لمواطنيه وتفعيل عوامل الازدهار في مرافقه. فلننظر كيف أصبحنا في كل من دول هذا المشرق على هذا البعد المهول عن هذا المثال، عسى أن يهدينا النظر إلى عِبَر فيها صلاح لحالنا.

الطريق الى المجهول؟/ خالد غزال

يقدم الوضع اللبناني مشهداً مروعاً من الانهيار المتمادي الذي تسير إليه البلاد، بل المآل الذي وصلت اليه، على جميع المستويات. فهو يعيش حالاً من التفكك لم يعد ينجو منه ميدان، على الصعيد السياسي والنسيج الاجتماعي والوضع الاقتصادي والشرذمة الوطنية العامة، إضافة إلى الأوضاع الامنية والقلق الوجودي الذي بات كل فرد يسأل فيه عن مصيره. أصبح الحديث عاماً وعلى كل شفة ولسان أن البلاد قد انتهت ولم يعد هناك ما يربط الحاضر بالماضي أو المستقبل. اذا كان الذهاب إلى إعدام البلاد كما هو سائد، لا يقع في حيز الواقع التاريخي، إلا أن السؤال عما إذا كان هذا الانهيار اللبناني العام قد يصل بنا الى المجهول في الاشهر المقبلة، يبقى سؤالاً في محله.

في النظر إلى حال المؤسسات السياسية، تبدو السمة الغالبة عليها التفكك والفشل في التكوين والفعالية. إذا كان موقع رئاسة الجمهورية لا يزال، حتى اليوم، في حال من الفعالية والممارسة، بالقدر المحدود الذي يسمح له به دوره وسط الشلل السائد، فإن هذا الموقع سائر إلى الفراغ خلال أشهر، وهو فراغ يعطل الدولة بالكامل ويهدد مصير الجمهورية بالوجود. لا يبدو منذ الآن أن انتخابات الرئاسة سائرة إلى التحقق في ظل الوضع السياسي والأمني السائد، وإصرار قوى معينة على الهيمنة على هذا الموقع في سياق الهيمنة التي تسعى إلى تحقيقها على مجمل البلاد، وقد تحقق الكثير منها.

في المقابل، دخلت الحكومة المستقيلة شهرها التاسع، ودخل تكليف رئيس للوزراء المدة نفسها، من دون أي أمل في إمكان التوصل الى تأليف حكومة، حتى ولو كانت حكومة تكنوقراط تؤمّن تسيير شؤون الناس. يُستكمل هذا الفراغ بشلل مجلس النواب وعدم انعقاد جلساته، في ظل خلاف قد يكون في الشكل غير ذي معنى حول ما يناقشه المجلس في ظل حكومة مستقيلة، لكنه في الواقع يضمر تخطيطاً لاستبدال دور الحكومة لصالح مجلس النواب، بما يؤشر للسير نحو نظام مجلسي يغلّب موقع طائفة معينة ضمن المعادلة السياسية القائمة في اتفاق الطائف.

تسير القوى السياسية، بتواطؤ خفي أو معلن، نحو تكريس الفراغ في مؤسسات البلد السياسية، في مراهنة لكل طرف على انعكاسات الأوضاع الاقليمية على موقعها سلباً أو إيجاباً.

في ظل هذا الفراغ على المستوى السياسي، من الطبيعي أن ينعكس على مستوى المؤسسات الإدارية، حيث يزدهر الفساد وتتعطل شؤون المواطن، وتنحدر الخدمات العامة إلى أدنى مستواها. لم يعد الفساد يمارَس في السر، فها هم وزراء في الحكومة الحالية المفترض أنها متجانسة، يتقاذفون الاتهامات بعضهم للبعض الآخر بسرقة المال العام ونهب أموال الدولة، وهم محقّون كلياً في اتهام كلٍّ منهم للآخر، وهي اتهامات يكفل اتهام واحد منها الزج بهذا الوزير او بذاك في غياهب السجون، لو أن في البلاد مؤسسات قادرة على المحاسبة.

يظلل هذا الانهيار المتمادي خطاب طوائفي يشترك فيه أهل الطوائف، من ممثليها السياسيين والدينيين إلى وسائلها الاعلامية، إلى مثقفيها ومؤدلجيها. كلها ترطن بخطاب تحريضي قائم على التخوين والعمالة للخارج وتكفير الآخر، عبر استخدام لغة سوقية ومن سقط المتاع، تراكم مداميك من بناء الكراهية بين المواطنين. تصاعدت نبرة هذا الخطاب بعد اندلاع الانتفاضة السورية والمواقف المتخذة في شأنها، بحيث يرافق الخطاب تهديد بتصفية الآخر، ليس فقط سياسياً وانما جسدياً أيضاً.

يعبّر هذا الخطاب عن المستوى الضخم في تفسخ النسيج الاجتماعي، وفي حال الابتعاد الهائل بين مكوّنات المجتمع اللبناني وإمكان تلاقيها في حوار حول الحد الأدنى من القواسم المشتركة التي يمكنها أن تبقي لبنان، وطناً وكياناً ونظاماً، مما يجعل السؤال أيضاً أكثر من مشروع، حول كيفية إعادة اللبنانيين بعضهم إلى البعض الآخر بعدما أعمل الخطاب والممارسة المرافقة له على تكوين خطّين متلازمين يستحيل أن يلتقيا الى ما لانهاية.

في ظل هذا الواقع المتردي، جاءت الانتفاضة السورية لتصبّ الزيت على نار الانقسامات الطائفية والمذهبية في لبنان، وخصوصا بعد قرار “حزب الله”، وقوى اخرى مناهضة له، الانخراط في الحرب الأهلية السورية، وربط مصير لبنان بهذه الحرب. هذا الربط للبنان كلياً بالخارج، وجعله جزءاً من الصراع الدولي والاقليمي السائد اليوم في المنطقة، يشكل اليوم أقصر الطرق التي تهدد المصير اللبناني واستحالة التلاقي بين طوائفه وفئاته الاجتماعية، وخصوصا بعدما اتخذت الحرب الاهلية السورية طابعاً مذهبياً شبه صاف، ودخول أحزاب لبنانية في هذا الصراع وإرسال قوى عسكرية تحت حجة الدفاع عن مقدسات معينة.

ما جرت الاشارة اليه يشكل عيّنة من المسار الذي يتجه إليه لبنان، وهو مسار تتراكم مقوّماته منذ سنين، وبعضه من نتائج الحرب الأهلية اللبنانية التي لم تنته فصولها أصلاً. يسأل اللبناني اليوم عن القدر المحتوم الذي ينتظره في الأشهر المقبلة، ويعلل النفس بإمكان ولادة أهلية لبنانية تسعى إلى انقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل ألاّ يقع المحظور، فتنعدم فرص التلاقي، وتصبح الدعوة إلى تقسيم البلاد ذات مشروعية، وخصوصا أن هذا الحلم لم يفارق الكثير منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية قبل أربعة عقود.

الزواج التعس والطلاق الممنوع/ حازم صاغية

يمكن أن يقال الكثير في عيوب النظام اللبنانيّ وتشوّهاته، وفي التأثير الذي يخلّفه نظامٌ كهذا على اجتماع اللبنانيّين. مع ذلك فإنّي أفضّل الكلام على الاجتماع اللبنانيّ نفسه، وخصوصاً أنّ التحوّلات العاصفة التي شهدتها المنطقة العربيّة في السنوات الثلاث الماضية أكّدت لنا أنّ ذاك الاجتماع هو موضع تقليد عربيّ واسع، إن لم نقل إنّه موضع حسد كذلك.

لهذا، ومن دون تبرئة النظام اللبنانيّ، أظنّ أنّ المسألة تتعلّق بانسداد يستعرض لبنان واحداً، مجرّد واحد، من فصوله العديدة. وقد جاءت الثورات العربيّة، وقبلها التحوّل الذي شهده العراق في 2003، تقول إنّ الفصل اللبنانيّ هذا ليس أسوأ تلك الفصول ولا أكثرها انطواء على القنابل الموقوتة.

غنيّ عن القول إنّ البلدان المجاورة التي نراها تتفجّر الآن، وهي على نحو أو آخر تشارك لبنان ما بعد عثمانيّته، لم تؤسَّس على الطائفيّة أو الطائفيّة السياسيّة. أمّا هذا البلد، في المقابل، فكان ذهابه مذهب القطع المبرم مع الطائفيّة قابلاً لأن يطرح عليه وعلينا تهديداً ليست نتائجه أقلّ كارثيّة من الكارثيّة التي تلازم الطائفيّة. ذاك أنّ الاحتمال العسكريّ، على الطريقة السوريّة والعراقيّة، كان مرشّحاً أن يجد طريقه إلينا، فيحرمنا الحرّية النسبيّة- وهي واسعة – التي نتمتّع بها قياساً بجيراننا، مع ما يرتّبه ذلك من تردٍّ، يفوق كثيراً تردّينا الراهن، في مستوى المعيشة والتعليم وسواهما.

فإذا كان تمجيد الطائفيّة اللبنانيّة في زمن سابق، علامة على نخبويّة وانعزال عن المحيط، فإن الاقتصار على المطالبة بالتخلّص من الطائفيّة، بعدما غدا الكون العربيّ طائفيّاً، يشي اليوم بذينك النخبويّة والانعزال. في المرّة الأولى كنّا نبشّر، وفي الثانية نبشّر أيضاً.

ولئن قطعت الثورة السوريّة في أمر الصلة بيننا وبين جوارنا، وهذا ما كانت قد فعلته ناصريّة الخمسينات والستينات ثمّ الثورة الفلسطينيّة في الستينات والسبعينات، فهذا ما يضاعف الإلحاح على النظر إلى لبنان من ضمن النظر إلى منطقته، وإلى تحدّياته من داخل تحدّياتها.

وذلك ما يردّنا إلى ما أظنّه الأساس، أي الانسداد الذي نعانيه جميعاً، كلّ بطريقته، في زمن الحداثة، أتجسّد في موضوعة الوطنيّة والدولة – الأمّة، أم في مسائل الإصلاح الثقافيّ والدينيّ على عمومها.

هنا، في هذا المجال، لا بدّ من إعادة نظر واسعة في الإطارات الوطنيّة التي تحضن دورات الحياة السياسيّة والاجتماعيّة. فإذا لم يتمّ هذا، كنّا كمن يلعب كرة القدم من دون أن يرسم الملعب ويحدّده، أو كمن يلعبها في ملاعب متداخلة متقاطعة. بهذا يغدو كلّ إصلاح وكلّ تغيير هباء منثوراً، أو يرتدّ ارتدادات قاتلة على أصحابه أنفسهم.

لم يعد سرّاً أنّنا في المنطقة ما بعد العثمانيّة نعيش كلّنا خليطاً من الزواج التعيس والطلاق الممنوع. فإن لم نتغلّب على تناقض شامل وعميق كهذا، تحوّلت حياتنا حروباً أهليّة متّصلة، بطائفيّة أو من غير طائفيّة.

النظام السياسي اللبناني ولعنة التأسيسيين الجدد/ محمد حسين شمس الدين

بدايةً، أجدني لا أوافق مطلقاً على “اعتقاد الكثيرين أن النظام السياسي اللبناني وصل إلى طريق مسدود، وباءت بالفشل الذريع جميع المحاولات الهادفة إلى ترميمه منذ اتفاق الطائف حتى اللحظة السياسية الراهنة”، كما جاء حرفياً في عرض المسألة أو الإشكالية من جانب “الملحق”. تالياً لستُ معنياً بالبحث عن “تصوّر بنيوي، دستوري، أو دولتي، ممكن، من شأنه إخراج لبنان من عنق الزجاجة، والوصول به إلى صوغ دستور ديناميكي جديد”، كما جاء ايضاً، وحرفياً، في الدعوة إلى اطّراح دستور الطائف والتفكير في دستور جديد، انطلاقاً من أن تشخيص هؤلاء “الكثيرين” صحيح؛ وما هو بصحيح في اعتقادي.

لعل “الملحق” نجح في استفزازي وأمثالي لاستدراج كلام آخر ورؤية أخرى. غير أنه، في سبيل هذا “النجاح” المسوّغ مهنياً، وقع في هفوة – أرجو أن تكون كذلك – بتبنّيه الأطروحة الأولى والدعوة إلى البناء عليها؛ وذلك من خلال صوغ الإشكالية والدعوة على النحو المذكور أعلاه؛ وهذا ما اضطرني إلى استعادة الصياغة حرفياً، لئلا أُحمَلَ على ظلم لا أحبّه، خصوصاً حيال أشخاص أحبّهم. لقد كان في الإمكان تفادي تلك “الغلطة المهنية” بتعديلٍ طفيف في صوغ الإشكالية، هو كالآتي: “هل توافق على اعتقاد الكثيرين…الخ”، ثمّ بإضافة: “وإذا كنت لا توافق على ذلك الاعتقاد التشخيص والدعوة القائمة على اساسه، فما هو تصوّرك الآخر؟”. هكذا يصبح استطلاع الرأي موجهاً إلى الجميع، وليس إلى فئة “التأسيسيين الجدد” حصرياً.

لحظة لبنانية مريضة

أصاب “الملحق” باستخدامه عبارة “في اعتقاد الكثيرين” للإشارة إلى أصحاب تلك الدعوة. فهم كثيرون بالفعل، ولعلهم الأكثرون في هذه اللحظة اللبنانية “المريضة”. إنهم أصحاب الكرازة بـ”عقد وطني جديد” أو “ميثاق جديد”، أو “مؤتمر تأسيسي جديد” وما إلى ذلك من أسمائه الحُسنى، المقترنة كلها بـ”الجديد”، بما يوحي لسائحٍ رماه الله في أرضٍ لا يعرف اسمها ولا موقعها على الخريطة أنهم “تجديديون” بامتياز. وأكثريتُهم تتأنّى من كونهم يشتملون على كل الجانب السياسي المسمّى “8 آذار”، بمن فيه مسيحيو هذا الجانب، أكانوا علمانيين أم إكليركيين، بالإضافة إلى مسيحيي “14 آذار” باستثناء مَن رَحِمَ ربُّك مِن بين هؤلاء. بعبارة أخرى، أو تصنيف آخر غير سياسي، هم أكثرون لأنهم يجمعون استكباراً إسلامياً مسلّحاً، قائماً على إحساسٍ بفائض القوة، إلى خُوافٍ مسيحي ناجم عن إحساسٍ مبالغٍ فيه بالضعف أو العَوَز. بعبارة ثالثة، نفسانية عيادية، هم أكثرون لأنهم يجمعون عقدتين في جانب واحد: عقدة ذاك الشخص الذي يحسب نفسه حبّة قمح أمام الدجاجة، وعقدة ذلك الضفدع الذي انتفخ حتى حسب نفسه ثوراً. بعبارة رابعة، هم أصحاب أطروحة “المثالثة” باعتبارها في زعمهم أكثر واقعية وإنصافاً من “مناصفة” الطائف. بعبارة خامسة، هم جماعة “الأرثوذكسيين” وقد طيَّر صوابَهم استعراضُ القوة الهيلمانية الذي أدّاه “حزب الله” بحِرَفِيَّةٍ عالية في السنوات الأخيرة، فأجاءهم الرعبُ إلى حِماه: بعضُهم بذمّيّةٍ اختيارية، نكايةً بأهل السنّة، وعلى قاعدة “فَلتهشُل فرسُ الأمير ولا يأتي بها كديشُ الرعيّة!”، وبعضُهم الآخر انضمّ إلى سرب الأرثودكسي بدافعٍ لم أتفهّمه حتى الآن، لأني لم أفهم “تكتيكات” بعض الجهابذة المسيحيين في “14 آذار” المحروسة. هذا ولا ننسى “بيضة” وليد جنبلاط التي أفلتت من جرابها، لأنه مولعٌ بنظرية “بيضة القبّان”. ومن نافل القول أن المراد بالأرثوذكسية في كلامنا ليس الرابطة الدينية الكنسيّة – حاشا وكلاّ – وإنما تلك “الربطة” السورية المعلومة التي اجترحت معجزةً حين وضعت مطلباً أسدياً، على لسان ماروني، بعنوان ارثوذكسي… فتأمّل! أخيراً قلنا بأنها لحظة لبنانية “مريضة” لأن مكوّنات الأكثرية هذه إنما تصدر في مواقفها عن حالات مرضيّة: أشدُّهم قوةً وعنجهية لا يقلُّ مرضاً عن أشدّهم استهانةً بنفسه وابتزازاً لها؛ حبّةُ القمح والضفدعُ المنتفخ سيّان في الاعتلال.

أزمة نظام سياسي أم أزمة عقل انقلابي ارتجالي؟!

من السهل تكبير الكلام وإرساله على عواهنه إذا لم يكن للكلمات، ولا سيما المصطلحات السياسية منها، دلالةٌ محدّدة في قاموس مرجعي مشترك. من ذلك، على سبيل المثال، مصطلح “النظام السياسي اللبناني” القائم على اتفاق الطائف، بدستوره وميثاقه الوطني. إذا سألتَ أحد الدعاة إلى تغيير هذا النظام عن ماهيته وتعريفه، لأجابك على الفور: “إنه نظام الغَلَبة الطائفية الإسلامية بعد الحرب” أو “نظام المحاصصة الطائفية” – وغالباً ما يضيف “البغيضة”، أو “نظام الضرورة والأمر الواقع في حينه”. وربما وقعتَ على شخص متحذلق من بين هؤلاء، و”مقاوم” برتبة دكتوراه أو ما يعادلها، فيجيبك بثقة واستعلاء أبويّ: “إنه، يا حبيبي، نظامٌ استنفد أغراضَه الآنذاكية ووصل إلى طريق مسدود، لأنه لم يعد يعكس موازين القوى الفعلية في المجتمع اللبناني، ولا سيما تلك الحيويّات السياسية – الديموغرافية – الطائفية – المالية – العسكرية، المستجدّة في مرحلة ما بعد الطائف. فهو لذلك ظالمٌ أولاً، ورجعيٌّ ثانياً”، ثمّ ينظر إليك شزراً من فوق كتفه، مستهجناً غفلتك!

بيت القصيد يكمن في هذا الجواب الأخير، مرفقاً بلغة الجسد. فهو يعبّر صراحةً عن مشروع نشأ في سياق يمتدّ من حلول مجموعات “الحرس الثوري الايراني” في البقاع عام 1983 وصولاً إلى اتفاقَي الكيميائي السوري والنووي الايراني. كذلك تمَّ التعبير عنه سابقاً بمطلب “المثالثة” في سان كلو الفرنسية عام 2007. وها هي بعض الشائعات الصحافية تخبرنا اليوم – على طريقة الفاضلة ليلى عبد اللطيف – أن الفرنسيين “متهيّجون” لاستقبال سان كلو ثانية للغاية نفسها (إذا شجّع الأميركي، أو إذا غضّ الطرف عن السعدنات الفرنسية).

المسألة إذاً ليست نظاماً سياسياً “جُرِّبَ فأثبت فشله واستعصى على الإصلاح”، بل هي عزمٌ قديم على رفضه وتغييره منذ ولادته. لقد وُضع اتفاق الطائف (تالياً الدستور اللبناني والميثاق الوطني) منذ اليوم الأول في يد الوصاية السورية التي كانت معنيّةً، ومعنيّةً فقط، باستتباع لبنان والعبث بخصوصياته، ولا سيما الخصوصيات الميثاقية التوازنية التوافقية، فضلاً عن الإمساك المباشر بكل مفاصل الدولة، من أعلى القمة إلى آخر موظف في أيّ وزارة. لقد بات معلوماً، لكل من عاش وسمع ورأى، أن النظام السياسي اللبناني المنبثق من اتفاق الطائف لم يُجَرَّب حقاً وفعلاً، وأنّ ما طُبّق منه كان شكلانياً، محوَّراً، مجتزأً واستنسابياً، وفق ما عُرف بـ”التفسير السوري لاتفاق الطائف”. هذا الذي قلناه ما هو إلا اختصارٌ لما ورد مبسوطاً في المجمع البطريركي الماروني 2006 (نصّ الكنيسة والسياسة). وكلّنا يتذكّر كلمات البطريرك صفير، أطال الله عمره وطيّب ذكره: “ليس المطلوب تغيير اتفاق الطائف، ولا تعديله، بل المطلوب تطبيقه نصاً وروحاً”.

أما لجهة التعديل الأساسي الذي أدخله اتفاق الطائف على النظام السياسي السابق، وهو ما عُرف بالتعديلات الدستورية، فقد جاء في النصّ المشار إليه أعلاه ما مفادُه أنّ تلك التعديلات تأخّرت خمس عشرة سنة على الأقل؛ ولو أننا كمسيحيين ارتضينا مثلها سابقاً لما كنا وصلنا على الأرجح إلى الحرب.

هذا في زمن الوصاية السورية. أما بعد الانسحاب السوري فمن الثابت بالمعاينة، أن الزمن السياسي اللبناني لم يمتلئ بتطبيقات اتفاق الطائف والدستور، وإنما امتلأ حتى الثمالة، ولا يزال، بمخلّفات الوصاية وعقابيلها (اغتيالات وحروب)، ثمّ بتداعيات الحرب السورية منذ العام 2011 وجنون الطوائف اللبنانية على إيقاعها: هربٌ إلى ما بعد بعد الأمام (شيعية سياسية)، وانكفاء إلى ما قبل قبل الخلف (مسيحية سياسية). تالياً لم يكن هناك متّسع للطائف المسكين في زحمة هذا الحشر المهول! قُصارى القول في هذه النقطة أنه لا يستقيم سياسياً ولا أخلاقياً الزعم بأن النظام السياسي اللبناني “وصل إلى طريق مسدود”، لأنه لم يُتَح له أصلاً السير، مجرَّد السير.

مشكلة الأطروحة التغييرية الإستعلائية تلك، أو بالأحرى معطوبيّتُها، أنها تريد تأسيس عقد اجتماعي ودستور، شبه ثابتين بالطبيعة والتعريف، على ميزان قوى سياسي متغيّر بالطبيعة والتعريف! هذا ما فعله “الإخوان المسلمون” أخيراً في مصر، حين فرضوا دستوراً بأغلبية سياسية تصويتية، فأفاقوا بعد قليل على ثلاثة وثلاثين مليوناً من المصريين – أكثر من ثلث الشعب (90 مليوناً)، وأكثر من نصف الهيئة الناخبة في لوائح الشطب (50 مليوناً)، وأكثر من مجموع الذين اقترعوا مع رئيسهم وضده (25 مليوناً) – نقول إنهم أفاقوا على هذه الملايين تملأ الرحب وتقول بصوت واحد: “ما هكذا يا سعدُ (الكتاتني) تُورد الإبل!”. يبدو لنا أن هذا المنهج التفقيطي البوانتاجي في التفكير هو نفسه لدى معظم الإسلام السياسي الذي يغلّب الإيديولوجيا التخييلية المحنّطة على السوسيولوجيا الواقعية الحيّة. بهذا المعنى فإن “حزب الله” الشيعي ابنٌ شرعي لذهنيّة “الإخوان المسلمين” السنّة.

عودة إلى أصل المعنى

من المفارق جداً أن نسمع بعض اللبنانيين يتحدّثون عن فشل نظامهم السياسي وتخلُّفه المشين، بينما نرى كثيراً من المجتمعات التعددية المأزومة في محيطنا تجاهر بأنها تتطلّع إلى ما يشبه هذا النظام في جوهره؛ وهو جوهر واحد قبل الطائف وبعده: دولةٌ تعترف بتعددية مجتمعها، ومكوّنات مجتمعية يعترف بعضها بالبعض الآخر وبالدولة. هذا هو جوهر النظام السياسي اللبناني، من قبل ومن بعد، ملتزماً دوامَ العيش معاً متساويين ومختلفين في كيان سياسي واحد، ومستمداً شرعيته من التزامه هذا العيش (الفقرة “ي” من مقدمة الدستور). منذ سنوات سمعنا عراقيين يتطلّعون إلى “طائف عراقي”، ثمّ سودانيين يتطلّعون إلى “طائف سوداني”، كما سمعنا ما يشبه ذلك من سوريين ومصريين ويمنيين وجزائريين وغيرهم عند احتدام النقاش حول أزمة النظام السياسي القائم وعلاقته بالتعددية المجتمعية، أكانت طائفية دينية أم غير ذلك. كذلك سمعنا منابر دولية بالغة الإتّزان والاحترام تشيد بالنموذج اللبناني وتعتبره حاجةً لسلام واستقرار منشودين في المنطقة بأسرها. والحال كذلك، هل كل هؤلاء بلهاء، أم أن بعضنا، نحن اللبنانيين، جاحدون حتى البلاهة؟! هذه مسألة للتّأمُّل برسم “التأسيسيين الجدد”.

أما وقد عرفنا التقليدي المشهور في موقف الكنيسة المارونية من النظام السياسي اللبناني القائم على اتفاق الطائف (نص المجمع البطريركي)، كما لا ننسى أنها كانت رافعةً أساسية لهذا الاتفاق في حينه، فإننا لا نستطيع أن نخفي أسفنا لتحولٍ حدث أخيراً في هذه الكنيسة نحو إنشاد تنويعاتٍ على نغمتَي: “عقد وطني جديد” و”رصّ الصفوف المسيحية”. ربطاً بهذا الأسف، ومن قبيل الشيء بالشيء يذكر، يحضرنا كلامٌ سديد النظرة إلى الماضي والحاضر والمستقبل، للمؤرخ المسيحي المشرقي الناصع اللبنانية والعروبة، كمال الصليبي، في هذا “الملحق” من “النهار” عام 1992 (على ما تسعفني الذاكرة) حيث يقول: “إن اتفاق الطائف يمثل أقصى ما يمكن أن يحلم به المسيحيون اللبنانيون عدالةً وإنصافاً بعد الحرب. وإني ليُصيبني قلقٌ وتشاؤم كلما سمعت جماعة لبنانية تدعو ابناءها إلى رصّ الصفوف… هذا الاتفاق بالغ الأهمية التاريخية إلى درجة أنه لا يجوز أن يُترَك إلى السياسيين وحدهم. إن تطبيقه يحتاج إلى درجة عالية من الفضيلة الوطنية، ولا سيما في المرحلة الأولى الإنتقالية” (نقلتُ هنا بالمعنى، وأعتذر عن عدم توفّر النصّ أمامي الآن).

ربطاً بمعنى الصيغة اللبنانية القائمة على اتفاق الطائف، يقول الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين في وصاياه أوائل العام 2001: “… ولا ننسى أن هذه الصيغة اعتبرها البعض موقّتة، ونحن اعتبرناها موقتة في حينه، لما أُعلن الاتفاق ووُوجه بمعارضة كبيرة داخل الطائفة الشيعية، فرفعنا شعار أنه اتفاق الضرورة… والآن أقول: هو ليس اتفاق الضرورة، بل هو اتفاق الاختيار، وهو اتفاق مناسبٌ لطبيعة لبنان، لأنه يوافق ويحقّق جميع الوسائل الممكنة للاستقرار والتقدم والازدهار… وأعتقد أن لبنان بهذا سيبقى منارة ونموذجاً لكل المجتمعات الأخرى التي تتميّز بالتنوّع الشديد”.

بواقع الحال وطبيعته لا أجدنا بحاجة إلى ذكر موقف الاعتدال السنّي اللبناني من اتفاق الطائف والنظام السياسي المنبثق عنه. تكفي الإشارة إلى أن “التأسيسيين الجدد” يتعاملون مع هذا الفريق كأنه هو “الطائف” الذي يجب إلغاؤه!

وبعد، فأعتقد أن الخط البياني الإقليمي الذي صعد معه مطلب تعديل الصيغة اللبنانية قد بدأ بالانحدار التدريجي، بعدما بلغ قمة حرجة تمثّلت في اتّضاح عدم معقولية انتصار النظام السوري في معركته، كما في عدم قدرة النظام الايراني على الاستمرار في هجومه: النظام السوري آيلٌ إلى السقوط، والنظام الايراني آيلٌ إلى واقعية ذات صلة بالاعتدال. داخل هذا التقدير ثمة أوقاتٌ صعبة، لكنها لا تحجب نهاية النفق. من ذلك التعارض الظاهر بين هجومية “حزب الله” حتى الآن في الشأنين اللبناني والإقليمي، وبين مرونة السياسة الخارجية الايرانية المستجدّة بعد اتفاق النووي. لا نقول بتوزيع أدوار، ولا حتى بوجود صراع حاد داخل الصف الواحد، وإنما نقول بأن ما نراه هو من طبائع الأشياء. ولما كان “حزب الله” قد ارتضى لنفسه أن يكون “قوة إقليمية” تحت سقف أعلى، فإن مآله الانضباط تحت هذا السقف. وفي تقديرنا أيضاً أن “الأكثرية” التي تحدّثنا عنها آيلةٌ إلى أن تصبح “أقلية”. هذا فضلاً عن “المتانة” المنطقية في أصل الخيار السياسي اللبناني، تلك المتانة التي حيّرت عقول الكثيرين من قبل، ولا سيما العقول اليسارية الانقلابية. السؤال: هل يقدر “حزب الله” على تراجع حميد، فيسدي خدمة جليلة للبنان وكل اللبنانيين وللشيعة منهم خصوصاً؟

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...