الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم البني / أكثر من 20 مقالا لكتاب سوريين عن “جنيف 2”

أكثر من 20 مقالا لكتاب سوريين عن “جنيف 2”

مقالات لكتاب سوريين تناولت جنيف 2

جنيف 2: العبث ومسارحه!/ صبحي حديدي

في أيلول (سبتمبر) السنة الماضية، حين اجتمع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، كان موضوع الاجتماع هو الاتفاق على تدابير تدمير الأسلحة الكيميائية التي يمتلكها النظام السوري.

وفي ضوء تنازل بشار الأسد، دون قيد أو شرط، بصدد تفاصيل تفكيك تلك الترسانة، توجّب أن يستغرق الاجتماع ساعة أو اثنتين، فامتدّت اللقاءات على يومين. ذلك لأنّ جدول الأعمال الفعلي كان، أغلب الظنّ، يتناول تحضيرات مؤتمر جنيف ـ2، والاتفاق على مسوّدة تفاهمات بين القوّتين العظميين، تمهيداً لقيام كلّ منهما بتسويقها لدى الأطراف.

غير أنّ تفاهماً كهذا، حول أية مسوّدة، أو أيّ تفصيل فيها، كان يعتمد على انضمام طرف ثالث، غير المعارضة السورية ونظام الأسد؛ لا يمتلك قوّة الضغط الأكبر على الفريق الثاني، فحسب؛ بل يسيطر أيضاً على، ويقود أو يدير عملياً، قوى عسكرية واقتصادية ولوجستية كفيلة بتبديل المعادلات على الأرض. ذلك، على الأرجح، كان جوهر الرهان الأمريكي ـ الروسي على انضمام إيران إلى السيرورة، الأمر الذي سيُلحق أيضاً وحدات “حزب الله” المقاتلة إلى جانب النظام، ثمّ الميليشيات ذات الهوية المذهبية الشيعية على اختلاف جنسياتها. ورغم أنّ روسيا الاتحادية تمتلك هوامش ضغط على الأسد، ليست ضئيلة أو شكلية، فإنّ إيران هي عرّاب النظام الأوّل والثاني والثالث…

لكنّ استدراج طهران إلى أيّ تفاهم قد تكون واشنطن وموسكو توصلتا إليه سابقاً، لم يكن تحصيل حاصل؛ بل كان دونه خرط القتاد، كما اتضح لاحقاً. ذلك لأنّ أيّ دور إيراني في الضغط على الأسد كان يشترط، بدوره، تفويضاً صريحاً من علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، يتيح للرئيس الإيراني حسن روحاني إيفاد وزير خارجيته محمد جواد ظريف إلى جنيف، محمّلاً بأوراق مناورة، وضغط، ذات معنى. وأمّا الإذن من خامنئي، فلم يكن تلقائياً، أو مقرراً لتوّه، بل كان يعتمد أيضاً على التقدّم في المفاوضات الغربية مع طهران، حول الملفّ النووي وتخفيف العقوبات المفروضة على إيران.

هذا يفسّر، جزئياً، مسرح العبث الذي قاد بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى دعوة إيران، بعد تطمينات من ظريف حول الموافقة على منطوق جنيف ـ 1، لا سيما مبدأ الحكومة الانتقالية كاملة الصلاحيات؛ ثمّ سحب الدعوة، لاحقاً، بسبب امتناع خامنئي عن منح التفويض المطلوب، قياساً على تعثر المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، كما يُستدلّ من عمليات الشدّ والجذب خلال الأسابيع الأخيرة. وخطاب وليد المعلّم، وزير خارجية النظام، خلال جلسة جنيف ـ 2 الافتتاحية، في مونترو؛ لا يوضح أيّ جديد حول موقف النظام ـ وهو عُصاب خطابي وبلاغي ومكرور، في كلّ حال ـ بقدر ما يُنذر بتشدد إيراني، بدا وكأنه باغت الروس أنفسهم.

ثمة، إلى هذا، طرف ثالث لا يصحّ تجاوزه عند الحديث عن أيّة عملية سياسية يمكن لمؤتمر جنيف ـ 2 أن يطلقها، حول أواليات تطبيق أية تفاهمات يجري التوصل إليها، أياً كانت مرجعياتها. هذا الطرف يُحتسب على المعارضة، وهو عسكري محض على اختلاف تنويعاته، من وحدات الجيش الحرّ إلى “الجبهة الإسلامية”، مروراً بـ”داعش” غنيّ عن القول. وإذْ لا تملك المعارضة السورية الرسمية، ممثلة اليوم في الائتلاف الوطني، سلطة سياسية أو عسكرية أو أدبية فاعلة على هذه الأجنحة العسكرية؛ فإنّ التسويات السياسية تظلّ مسقوفة بذلك عند هذا المستوى، أو معطّلة بسببه.

هي الحال كذلك، من حيث السقف والتعطيل، لدى طرف رابع تمثّله النواة القاسية داخل عمق النظام السوري، في الحلقة الأضيق الحاكمة فعلياً، والتي اتخذت خيار العنف منهجاً وحيداً منذ انطلاقة الانتفاضة، واشتغلت وتشتغل بمنهجية هجوم انتحاري يختصره الشعار الأشهر: “الأسد أو نحرق البلد”. وهذا طرف لن تلائمه أية توافقات سياسية، لأنها لا بدّ أن تنتهي بأهل النظام الأقربين إلى حساب الشعب العسير، أو المثول أمام محاكم دولية صارت تمتلك البراهين الكافية على ارتكاب أبشع جرائم الحرب؛ وليست صور التعذيب المسرّبة، أخيراً، إلا بعض غيض من فيض.

بهذا فإنّ حصيلة جنيف ـ 2، حتى الساعة على الأقلّ، لا تبدو أقرب إلى الصفر، فقط؛ بل لعلّها محض طموح إلى الانطلاق من الصفر، ليس دون الكثير من العبث، ومسارحه!

موقع 24

“جنيف – 2” والتفويض بإدارة أزمة، لا حلها/ أكرم البني *

الفارق كبير بين مؤتمر دولي يضع حداً لصراع دموي متفاقم منذ سنوات في سورية، وبين مؤتمر يكتفي بتفويض رعاته وعلى رأسهم، أميركا وروسيا، بإدارة هذا الصراع وتوجيهه وفق مسارات تخدم مصالحهما المشتركة. والفارق كبير أيضاً بين النقاط الست لبيان «جنيف – 1» عن وقف العنف فوراً وعودة الجيش إلى ثكناته ورفع الحصار وإطلاق سراح المعتقلين والسماح بحق التظاهر السلمي وتشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، وبين ما عرضه وزيرا خارجية أميركا وروسيا في مؤتمرهما الصحافي الذي عقد في العاصمة الفرنسية بعد اللقاء الذي جمعهما مع الأخضر الإبراهيمي، تحضيراً لمؤتمر «جنيف – 2».

ثمة ما يصح اعتباره نغمة جديدة في التوافق الروسي – الأميركي تجاه الأزمة السورية، عنوانها مواجهة إرهاب أصولي يتنامى ويمتد، وخطته التلكؤ في معالجة الصراع في شكل جذري، وفي تنفيذ الانتقال السياسي المنشود. فالوزيران لم يطالبا بوقف فوري للعنف، بل أشارا إلى تشجيع الأطراف المعتدلة، من غير إلزام أو عقوبات، على وقف جزئي لإطلاق نار لا يساعد الجماعات الإرهابية، وربما يبدأ من مدينة حلب، بينما لم يأتيا على ذكر فك الحصار عن المناطق المنكوبة والجائعة، بل هناك وعود، سمعها لافروف، من الحكومة السورية لتمرير بعض المساعدات الإنسانية إلى «مخيم اليرموك وربما بعض مناطق الغوطة»، كذا… في حين تحولت قضية الإفراج عن عشرات الآلاف من المعتقلين، إلى مطالبة «بتبادل أسرى وبينهم مدنيون وفق قوائم أعدت مسبقاً»، والنتيجة غياب أي موقف من مستقبل النظام وماهية الترتيبات الكفيلة بقيام حكومة انتقالية، واستهتار مشين بما يعانيه السوريون وما يكابدونه.

وأن تتكفل واشنطن وموسكو بإدارة الأزمة السورية فهذا يشي باستمرار حاجتهما للاستثمار فيها، خصوصاً الإفادة منها في مواجهة وتصفية أشد القوى الجهادية تطرفاً، اليوم «دولة الإسلام في العراق والشام»، وغداً «جبهة النصرة»، وبينهما لا ضير من استنزاف القوى الشيعية المتطرفة، والنيل من أهم كوادرها العسكرية، إن من «حزب الله»، أو من المقاتلين العراقيين والإيرانيين.

والأهم، كما أعلن خبراء سياسيون وأمنيون غربيون، الرهان على تحول الساحة السورية إلى بؤرة جاذبة للجماعات المؤمنة بنهج «القاعدة»، ما يشجع الخلايا الجهادية النائمة أو الكامنة في مختلف البلدان كي تخرج من مكامنها وتضع جهودها وكفاءاتها لإنجاح ما يثار عن «انتصار مرتقب لأمة الإسلام في بلاد الشام»، الأمر الذي يفضي إلى كشفها وتسهيل تصفيتها وتالياً إزاحة أحد الأخطار الغامضة عن أوروبا وروسيا وأميركا.

وفي إدارة الأزمة هناك حسابات تتوخى الحفاظ على الستاتيكو القديم للاستقرار الإقليمي وحلحلة بعض الملفات العالقة، مرة، بزيادة الأعباء التي تتكبدها إيران من استمرار الصراع ودفعها إلى تقديم مزيد من التنازلات حول ملفها النووي، وحول تقاسم النفوذ في سورية والمشرق العربي، ومن هذه القناة يمكن النظر إلى اشتراط كيري حضور طهران المؤتمر بإعلان موافقتها على بيان «جنيف – 1»، ولطمأنة إسرائيل وتمرير وقت كافٍ لإنجاز مهمة نزع السلاح الكيماوي السوري وتحييد ما تبقى من أسلحة الدمار الشامل.

وإذ نعترف بأن الموازين الداخلية والخيارات الدولية في اللحظة الراهنة لا تسمح بفرض حل سياسي عادل يحقق طموح الشعب السوري، نعترف أيضاً بأن واشنطن وموسكو باتتا اليوم أقدر على التحكم بمصير هذه البؤرة من التوتر وتطويع أهم الأطراف المتحاربة فيها، بما يجعلها مجرد دمى وأدوات تنفيذ، ولا تغير هذه الحقيقة تصريحات كيري بأنه يجاهد للتفاهم مع المعارضة لحضور جنيف أو ادعاءات الوزير لافروف بأنه يبذل مساعي كبيره لإقناع النظام بالسير وفق الرؤية الدولية لمعالجة الأزمة.

والحال، من الواضح أن لا مصلحة للنظام السوري بالمشاركة في مؤتمر يبدو مجرد انعقاده إعلان فشل صريح للخيار العسكري، ولعجز التجارب التدميرية الأخيرة على الحسم أو تبديل التوازنات القائمة، ولأنه يدرك بأن إطلاق العملية السياسية سيفضي إلى إعادة بناء المواقف والاصطفافات بصورة لا ترضيه، خصوصاً أنه بدأ يخسر معركته في إقناع الغرب باعتماده شريكاً في مكافحة الإرهاب، خسارة بدأت ملامحها تظهر من خلال تصدي كتائب المعارضة المسلحة على اختلاف جذورها الأيديولوجية لـ «داعش».

في المقابل، لا يبدو أمام المعارضة السياسية من خيار سوى المشاركة في «جنيف – 2»، إذ لا يضيرها في ظل الاستعصاء المزمن، الدخول كطرف في المساعي الأممية لإدارة الأزمة والحرب على الإرهاب، واستثمار ذلك لحضّ المجتمع الدولي على فرض وقف لإطلاق النار وضمان قيام جسم انتقالي يسحب الشرعية السياسية والقانونية من النظام، وبدهي، أن من دون توقف لغة العنف والقتال، لن يفتح باب الخلاص ولن تتمكن قوى التغيير من إحراز تقدم جدي نحو التحول السياسي، وأقله لن تستطيع المعارضة تقديم الخدمات وتفعيل الهياكل الإدارية المحلية، لكسب ثقة البشر في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والتي أصبحت مضرب مثل في الفوضى والبؤس وغياب أدنى شروط الحياة الإنسانية.

تدار الأزمة، ويبقى الجرح السوري مفتوحاً من دون اكتراث بأحوال هذا الشعب المنكوب وتضحياته، وتدار الأزمة بينما تعترف الأمم المتحدة بأن ما يحصل في سورية هو من أكبر الكوارث التي واجهتها خلال تاريخها، وتدار الأزمة بينما تقتحم المشهد عبارة «سأقول لربي كل شيء» كشكوى تفيض ألماً وحزناً أطلقها طفل سوري وهو يواجه موتاً بغيضاً يأتيه ولأمثاله من كل حدب وصوب، من جوع قاتل ومن براميل متفجرة، من جماعات أصولية متطرفة لا تعرف غير لغة القتل والإرهاب، ومن خيبة أمل بعالم فقد إنسانيته ويلوذ بصمت وحسابات مريبة تجاه مشاهد فتك وتدمير لا يحتملها عقل أو ضمير.

* كاتب سوري

الحياة

“جنيف 2”: المعارضة حذرة ومخاوف من مفاجآت/ لؤي صافي *

تواجه المعارضة السورية استحقاقاً مهماً في خضم الصراع مع نظام الأسد. مؤتمر جنيف الذي يعقد بعض السوريين والعديد من الدول الصديقة عليه الآمال، تقاربه المعارضة بحذر شديد، وبمشاعر يختلط فيها الإحباط من ضعف موقف الدول الداعمة للثورة والخوف من المفاجآت غير المحسوبة التي يمكن أن تطرأ في الأيام والأسابيع القادمة. من وجهة نظر المتحمسين، يحمل مؤتمر جنيف بين طياته إمكانية تشكيل هيئة حكم انتقالي، تملك صلاحيات تنفيذية كاملة، لبدء عملية الانتقال والدخول إلى مرحلة جديدة من تاريخ سورية الحديث. لكن الصوت الداعم لجنيف لا زال خافتاً داخل أروقة المعارضة، نظراً لوجود مخاوف كبيرة لدى الناشطين السياسيين والإعلاميين من المفاوضات نتيجة انعدام الثقة في المجتمع الدولي، وبدرجة أقل في مقدرة المعارضة المنقسمة على الدخول في مفاوضات صعبة ومعقدة. ثقة الشارع السوري في أصدقاء سورية قريبة من العدم بعد مرور ثلاث سنوات من الجعجعة المستمرة التي لم تنتج إلا القليل. فبعد العشرات من المؤتمرات والبيانات والتصريحات والتهديدات لا زال نظام الأسد يهدر الدم السوري من دون حساب، أو حتى خوف من حساب.

اللقاءات التي عقدها وفد الائتلاف الوطني السوري مع الدول الداعمة وروسيا لم تضف ما يكفي لتغيير الانطباع العام في أن المعارضة السورية تواجه بمفردها نظاماً مشاكساً ومخادعاً مدعوماً دعماً غير محدود. فالسوريون على اختلاف مشاربهم يدركون أن الدعم الأميركي والغربي ضعيف جداً، ودون حاجات الشعب السوري وطموحاته بكثير. ولا زال دعم الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين دون المستوى المطلوب، ويكاد يقتصر على المواقف المعلنة والبيانات الصحافية كبيان لندن وبيان باريس الصادرين عن مجموعة الدعم الأساسية، واللذين صدرا عقب انتهاء الاجتماعين الأخيرين اللذين عقدا في العاصمتين الأوروبيتين على التتابع. فالبيانان يدعمان المعارضة السورية دعماً كاملاً ومن دون أي تحفّظ والدول الداعمة كلها تؤكد أن لا مكان للأسد في سورية المستقبل.

الائتلاف الوطني طالب خلال الأشهر الثلاثة الماضية بخطوات عملية محددة تتمثل في فك الحصار عن المدن والقرى المحاصرة والإفراج عن المعتقلين السياسيين بدءاً بالنساء والأطفال. ثمة تقدم محدود باتجاه تحقيق المطلب الأول بدءاً بالسماح بدخول شاحنات تحمل الغذاء والدواء إلى المعضمية، وتأكيدات خلال لقاء باريس من وزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا حول التحضير لدخول كميات أكبر من المساعدات الإنسانية وإمكانية إخراج معتقلين من خلال عمليات تبادل «أسرى».

ليس هناك أي تقدم على مستوى تقديم السلاح إلى قوات المعارضة، ولا زالت الولايات المتحدة تعترض على وصول الأسلحة عبر الحدود التركية إلى المقاتلين بحجة مخاوف من وصولها إلى القوى المرتبطة بتنظيم «القاعدة». الدول الداعمة لم تخفِ مخاوفها من تزايد قدرات القوى المرتبطة بـ «القاعدة،» وتلمح إلى سعي الكتائب المسلحة التابعة لـ «جيش الإسلام» للاستيلاء على مخازن تابعة لقوات منضوية تحت «الجيش الحر».

الحوار مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أظهر أن الموقف الروسي لم يتحرك قيد أنملة، ولا زال التزام روسيا بالنظام كبيراً وواضحاً. فقد أعاد الوزير رواية النظام عن الثورة، بل أنكر وجود ثورة من الأساس. ولم يبد أي اهتمام بتخفيف المعاناة الإنسانية في المناطق المحاصرة. وعندما طلب منه أن يمارس ضغطاً على النظام للإفراج عن معتقلين سياسيين ولتسهيل دخول المساعدات الغذائية والطبية إلى المناطق المحاصرة كمبادرة لإظهار موقف روسي أكثر حيادية، رفض الفكرة من الأساس وأصر على أن القضايا الإنسانية يمكن أن تبحث فقط بعد الوصول إلى تسوية سياسية مع النظام.

التقدم الإيجابي الملموس في أحد مطالب المعارضة الرئيسة تمثل في رسالة الدعوة لمؤتمر جنيف والتي حددت الغاية من المؤتمر في تشكيل هيئة حكم انتقالي بكامل الصلاحيات التنفيذية وحددت بيان «جنيف 1» إطاراً مرجعياً للمفاوضات. هذا الموقف الدولي يمثل استجابة لمطالب الائتلاف، ويدعم موقف المعارضة المطالب بانتقال السلطة، ويفرض واقعاً سياسياً جديداً مناسباً لبدء العملية الانتقالية بعيداً من هيمنة رئاسة الجمهورية ومراكز القوى المحيطة بها.

* اكاديمي وناشط حقوقي سوري

الحياة

آخر أيام المعارضة أيضاً/ عمر قدور

 فقط قبل أربعة أيام من انعقاده وافق ائتلاف المعارضة رسمياً على حضور جنيف2، القرار لم يفاجئ أحداً من متابعي الشأن السوري رغم التردّد الذي أبداه الائتلاف من قبل، ورغم تهديد ثلث أعضائه وكتل وازنة منه بالانسحاب على خلفية المشاركة، فقد كان مفهوماً على نطاق واسع أن الائتلاف سيشارك إن لم يكن بإرادة أعضائه فبالضغوط الدولية لأصدقائه. القرار هذا أتى بغالبية النصف + واحد من أعضاء الائتلاف، لكن الأهم ليست النسبة الضعيفة التي أتى بها وإنما قصر المدة التي تفصل بينه وبين إعداد وفد المعارضة إلى المؤتمر، بخاصة إذا أخذنا في الحسبان نص الدعوة الذي يفوّض الائتلاف بتشكيل الوفد من دون أن يحصر الأخير بأعضاء الائتلاف، أي أن الكرة أُلقيت في ملعبه ليتحمل مسؤولية التفاوض على تشكيل وفد موسع للمعارضة أو الانفراد به.

قياساً إلى الأيام الأربعة الفاصلة بين الموعدين من المرجح أن يذهب الائتلاف غداً بمفرده إلى جنيف، وسيكون تمثيله للسوريين بمثابة معارضة الأمر الواقع، ولا يُستبعد أن يستخدم النظام ورقة غياب التنظيمات المعارضة الأخرى للتشكيك به، بخاصة مع غياب شخصيات وكتل يفضّل النظام محاورتها على محاورة الائتلاف. الأمر لا يتعلق بمدى استفادة النظام من عثرات ونواقص وفد المعارضة فمن المعلوم أن شعبية الائتلاف قد تآكلت إلى حد كبير في صفوف السوريين عامة، وسيكون تأييد البعض له في جنيف لعدم وجود خيار آخر ليس إلا، ولا يُستبعد أن تطل الخلافات الداخلية حول تشكيل الوفد لتُضعف من موقعه زيادةً عما هو حاصل حتى الآن.

ومع أن السوريين لا ينتظرون نتائج ملموسة سريعة من جنيف2 ككل إلا أن أداء الوفد المعارض، أياً كان، يُنظر إليه كفرصة سياسية ينبغي استثمارها جيداً لتقديم أطروحات مقنعة للخارج والداخل، فزمن الشعارات قد ولى ما لم تقترن ببرنامج سياسي واقعي، وأياً كان الوفد المعارض فهو مطالب بتقديم تصور يلاقي طموحات عموم السوريين وهواجسهم. المحك هنا ليس في الاعتراف الدولي بالمعارضة أسوة بالشرعية الدولية التي لم تُسحب بعد من النظام؛ المحك هو في قدرة المعارضة على تقديم بديل من أجل السوريين، فتسحب من النظام ادّعاءاته بتمثيل شريحة منهم. عندما تطالب المعارضة بانتقال السلطة فهي لم تعد طرفاً، بل ينبغي أن تقدّم خطاباً سياسياً تفصيلياً يفتح الآفاق أمام عملية ديمقراطية حقيقية بدءاً من المرحلة الانتقالية التي لا ينبغي اختزالها بمحاصصة أو تبادل للكراسي.

تقديم تصور محدد لسقف المطالب في جنيف هو أيضاً ما يضع أعضاء الائتلاف وقوى المعارضة الأخرى أمام مسؤولياتهم، ويخرج بالخلافات من المستوى الشخصي أو التنظيمي الضيق إلى مستوى الاتفاق أو الاختلاف السياسي. على سبيل المثال كان شرط تنحي الأسد من أهم الخلافات بين ما يُسمى معارضة معتدلة وأخرى راديكالية؛ اليوم هذا الشرط استهلك الزمن شطراً منه وستتكفل مدة المفاوضات باستهلاك الشطر الآخر، فالأسد باقٍ حتى انتهاء ولايته بصرف النظر عن مشروعيته أصلاً، بقي للمعارضة أن تتفق أو تختلف على مشاركته أو عدمها في المرحلة الانتقالية، والأمر ذاته ينطبق على كل من ساهم مباشرة في إراقة دماء المدنيين السوريين. وضع تصور محدد سيمنع أي جهة معارضة من استخدام الأهداف السياسية العامة كذريعة لخلافات سياسية أعمق، أو كغطاء لمطامع شخصية أو فئوية.

ثم ينبغي ألا تنسب المعارضة لنفسها أي فضل على الثورة، لأن الأخيرة اندلعت قبل إنشاء الأطر التنظيمية الحالية، ولم يُتح لأبنائها وشبابها بحريةٍ تشكيلُ الأطر التي تمثلهم، ولا ننسى أن قسماً معتبراً منهم هو الآن في معتقلات النظام أو متفرغ للعمل الميداني في المناطق المحاصرة. هذا يعني أن المعارضة حازت على تمثيل نسبة من السوريين بالوكالة، ويقتضي أن يُمثّل أولئك أنفسهم متى سمحت لهم الظروف بذلك، وأن تُمنح قضيتهم كمعتقلين أو ملاحقين أولوية قصوى في مراحل التفاوض الأولى. في كل الأحوال، ما دام الحديث عن عملية قد تطول، ينبغي أن يبقى وفد المعارضة قادراً على تعزيز صفوفه بمن يملكون التأثير على الأرض، فضلاً عن مراعاة وتمكين الفئات الأكثر تضرراً وتهميشاً.

لقد كان سهلاً، وفق تصور سابق مبسط، أن تتحفز المعارضة لاستلام السلطة بعد إسقاط النظام نهائياً. ذلك لم يعد ممكناً، ولم تسمح به الظروف الدولية والإقليمية منذ تفاهم جنيف1، وإذا كان من نية دولية للتغيير في سوريا فالمفاوضات لن تكون سوى تمضية لما تبقى من ولاية الأسد وتجهيزاً للبديل. سيكون من السذاجة أيضاً توقع أن تشكل المعارضة بغالبية وجوهها الحالية البديل المقنع، لذا عليها هي أن تبادر إلى اقتراح قواعد تمثيل أفضل، وأن تعلن انتهاء دورها الحالي بنهاية النظام؛ إن لم تكن هذه المعارضة مغتربة حقاً عن الواقع السوري فعليها أن تدرك أن أفضل ما تفعله في جنيف لا يتعدى التكفير عن أخطائها السابقة فحسب.

المدن

ترهات “ثورية” سورية على أبواب “جنيف 2″/ ربيع بركات

“سيعود مجد بني أمية إلى دمشق والشام رغم أنوفكم. سيغسل مجاهدو الشام رجس الرافضة والرافضية من الشام. سيغسلونه إلى الأبد إن شاء الله، حتى يطهّروا ربوع بلاد الشام من رجس المجوس. ما زال الشيعة أذلة صاغرين عبر التاريخ، حتى إن الإسلام دمر دولة الشيعة مراراً (…) وإني أبشركم أيها الرافضة الأنجاس، أنه كما حطم بنو أمية رؤوسكم سابقاً، سيحطم أهل الغوطة وأهل الشام رؤوسكم لاحقاً. سيذيقونكم سوء العذاب في الدنيا قبل أن يذيقكم الله سوء العذاب يوم القيامة”. (الشيخ زهران علوش رئيس الهيئة العسكرية في “الجبهة الإسلامية” يخطب في مقاتليه).

“يعاتب” بعض رموز “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” قائل الكلام أعلاه، حتى إن بعضهم يذهب إلى حد إطلاق سجال افتراضي مع الشيخ علوش عبر “تويتر”، استنكاراً لما يرد على لسانه من مواقف. غير أن “السجال” هذا يبقى في حقيقته مونولوجاً من دون أن يفيض عن حدود التعبير أحادي الجانب، فيظل كل فريق على ليلاه يغني وفي ميدانه يجود. وكما يتباين الطرفان المعارضان في فهم الواقع واستيعابه، يختلفان في توصيف حالهما وتقدير مزاياهما التمثيلية. فإن كان “الائتلاف” يختال بتنصيبه ممثلاً أوحد للمعارضة في “مؤتمر جنيف” بإرادة إقليمية، فإن علوش يتجاوز ذلك بتأكيده أن الطرح الذي يقدمه يحظى بإجماع عام لدى أهل البلاد، فهو، كما أكد لقناة “الجزيرة” قبل فترة، “لا يعرف أحداً من السوريين لا يريد دولة إسلامية”.

ليست الصورة هذه استثناء على المشهد العام قبيل “جنيف”، كما يحلو لبعض “التجميليين” أن يميطوا اللثام. فالقبح الذي يفيض من الخطاب أعلاه يقع في صلب المشهد المذكور، لا على الهامش. والفريقان يتكاملان وإن كانا يختلفان ظاهراً: فالأول مقاتل، والثاني مسوق لقتاله، منذ تخلى عن الرهان على الحراك المدني، وشجعه رعاة الخارج على ذلك.

بيد أن القضية تُبرز مع كل قيحها جانباً هزلياً لا يخطئه متابع. فـ”الجبهة الإسلامية”، وفق منطق “الائتلاف” ورموزه، تحتل مرتبة متقدمة في سلم “الاعتدال”. فهي تتفوق على “جبهة النصرة” التي سبقت أقرانها في إطلاق قطار التشدد، بينما الأخيرة تقل بدورها غلواً عن “داعش”. وهذا التسلسل، بمعيار الحراك السوري يوم خرج مدنياً، “ثورة مضادة” بحد ذاته.

لكن المعايير اختلت بالتدريج منذ ثلاثة أعوام. فكان عنف الأجهزة الأمنية حليفاً موضوعياً لفتاوى التكفير الآتية من دول الخليج. وكبر المسخ حتى أكل “الحراك” وشعاراته بحجة “الثورة المسلحة” و”الجهاد الواجب”. وظل التدرج قائماً على هذا المنوال إلى أن اختُتمت فصوله بتسليم اللاعبين الدوليين بوجوب التسوية. فشُرعت أبواب عاصمة الحياد السويسرية أمام فريقين، أحدهما يمثل النظام القائم، فيما الثاني يمون على جزء يسير من المقاتلين ويغازل جزءاً آخر أملاً باسترضائه (“النصرة” و”الجبهة الإسلامية” وأمثالهما) ويقاتل جزءاً ثالثاً بعدما فاق جنونه القدرة على الاحتواء (تنظيم “الدولة الإسلامية”).

وبعد فتح أبواب سويسرا ثانية، راح “الائتلاف” يغزل في نسيج قوى يقاتل معظمها على الأرض لتثبيت مشروعه، لا مشروع الحراك الأصيل ولا من يحزنون. وإذ أعلن رئيسه أحمد الجربا ذهابه “إلى مفاوضات جنيف من دون مساومة على أي من ثوابت الثورة”، فاته أن جل من يستقوي بهم على الأرض عدّلوا من شعارات ثورته التي يزعم “التفاوض في سبيلها”. وظل خارج التمثيل رموز من معارضة الداخل، ممن قرأوا مسار الأمور ونتائجها واستشرفوا التسوية بخسائر ما قبلها والتنازل أثناءها لمصلحة الأجانب.

ويجوز هنا التساؤل عن معنى قول الجربا إن “طاولة جنيف هي مدخل لتحقيق مطالب الثورة السورية”، إن كان المعنيون بترجمة هذه المطالب في الميدان من أمثال الشيخ علوش، صاحب ميدالية “الاعتدال”، وزعيم “النصرة” أبو محمد الجولاني، منافسه عليها. ويمكن إضافة سؤال عن الموقف من “داعش” إن عادت اللحمة لتجمعها مع “النصرة” و”أحرار الشام”، بعد نداء أميرها البغدادي الداعي إلى إعادة توحيد الجهود لمواجهة “الرافضة” و”النصيريين” و”حلفائهم”، وبعد بروز تعايش ميداني بينها وبين بعض مجموعات “أحرار الشام” في عدد من المناطق برغم الاشتباك في المناطق الأخرى. والأهم من هذا وذاك، يفيد التساؤل عن مدى اتساق الحديث عن “تحقيق مطالب الثورة” مع الفيتو الذي استثنى مناضلين سياسيين وحقوقيين سبقوا الجميع في رفع مطالب التغيير وفي دفع الأثمان مقابل ذلك، فيما ذنبهم اليوم أنهم حافظوا على لاءاتهم الثلاث حيال “الطائفية” و”العسكرة” و”التدخل الخارجي”.

تكثر “الترهات الثورية” على أبواب «جنيف ـ 2» مع تشريعها وإطلاق مسار التسوية الطويل. ويُنتظر أن تُستهلك الشعارات وتُلاك لحاجة المفاوضين إلى مشروعية تعينهم على رفع السقف حيناً والتنازل أحياناً، توازياً مع مجريات الأمور على الأرض. ويُتوقع أن تكون العلاقة مع تطورات الميدان معقدة بقدر ما تكون شعارات المفاوضات مبسّطة، فالقتال في مناطق المعارضة، مثلاً، محدد أساسي لمدى الحاجة إلى تعميم لافتة “مكافحة الإرهاب” (أو “التطرف”)، وهي التي لا يُستبعد أن تضطر واجهة “الائتلاف” إلى رفعها إذا ما استفحل الأمر في الميدان وجرت الرياح بما تشتهي “داعش”، أو تحولت “النصرة” أو خلافها إلى “داعش” أخرى.

غير أن الترهات هذه لا تخفي المطالب الحقوقية التي سارت من أجلها أولى التظاهرات في بلاد الشام، وهي مطالب تمكنت من اجتياز كل هذا الموت والبقاء مرفوعة لأنها، ببساطة، أولى مقدمات الحياة. والحقوق المطلوبة هذه لا يعبّر عنها خطاب الكراهية المعمم على مجموعات القتل والقتال ولا إرث البيروقراطية الأمنية السورية الثقيل. وهي حتماً ليست قابلة للتعديل لمجرد خروج أمراء الحرب عن نصوصها وادّعائهم الأحقية بذلك لأنهم “ثوار”، كما وصفتهم طواحين الإعلام وما زال بعضها يصفهم. فالعفن الطافي على سطح الاحتراب الأهلي ليس “ثورة”، بل هو نقيضها الموضوعي. أما مطالب الحراك الأصيل، فقد عبّر عنها آخرون وما زالوا، برغم استثنائهم من جنيف.

السفير

جِنِيْفْ2: ما هي أسس الدبلوماسية التقنية؟/ هيثم حميدان*

من المحبّذ، قبل البدء بإطلاق العنان للمخيلة الشعبية لغير المتمرسين في الشان الدبلوماسي من المعارضين، أن تضع المعارضة السورية، ممثلة بالِائْتِلَاْفِ، أُسُس العقيدة الدبلوماسية الخاصة بها، وأن تحدّد أولويات تتعلق بالمرحلة، وأن ترسم استراتيجية ترى من منظارها إلى أين تريد أن تصل على المدى الطويل عبر الانخراط بجِنِيْفْ، وأن تعرف الأدوات التي يمكن أن تستخدم على المدى القريب، إذ إن جِنِيْفْ مرحلة لا بدّ أن تمرّ بها الثورة. إن الدبلوماسية لا تتعلق بتحقيق نجاحات خالدة، بل إنجازات آنية. إنها فنّ التكيّف الدائم وملاحقة اللحظة التي لا تتوقف عن التبدّل، وهي علم بذات الوقت. وجِنِيْفْ٢ ليس حدثاً، بل هو عملية تنطلق بتاريخ محدّد. ولهذا لا بدّ من السؤال: ما هي محدّدات السياسة بالنسبة للمعارضة قبل الذهاب إلى المفاوضات؟

إن استمرارية التفاوض مبدأ في الدبلوماسية، فالتفاوض يكون في زمن السلم أكثر منه في زمن الحرب، وهذه النقطة لم تختبر سابقاً خلال ما يزيد عن عامين ونصف من عمر الأزمة السورية بين المعارضة والنظام من جهة، وبين المعارضة وداعمي النظام من جهة أخرى، وذلك لأن الثورة السورية لم تتمكن من تبيّن مركزية السلطة التي تقرّ السياسة، وربما بسبب نقص روح التعاون، والفردية، وقلة خبرة المتعاطين بالسياسة، وذهاب المعارضة للتدرّب على أصول الدبلوماسية والمفاوضات في زمن الدمار والدم، ولنقص القادة النوعيين القادرين على أخذ الشعب في طريق لم يعتد السير فيه من قبل وعلى منحه بعض الأمل، ناهيك عن تعقيد الوضع الذي لم يسمح لشروط الدبلوماسية بأن تنضج أساساً في الحالة السورية. الفرصة سانحة الآن عبر جِنِيْفْ للأخذ بهذا المبدأ وإطلاقه لمصلحة الشعب السوري. لقد كانت المعارضة، وعلى رأسها الِائْتِلَاْفُ، قادرة عند نقطة معينة من مسار الأزمة على تقديم مبادرات، إلا أن صعود اْلْجَبْهَةِ اْلْإِسْلَاْمِيَّةِ كان بداية انهيار مشروعها في دولة مدنية ديمقراطية بعد جِنِيْفْ٢.

في الدبلوماسية يتمّ التفريق بين «المفاوضات»، التي يجب أن تترك للمحترفين المدرَّبين، وبين «صياغة السياسة»، وهي وظيفة السياسيين. إن الرأي العامّ السوري يبدي اهتماماً بالغاً بالعلاقات الخارجية التي تخطّها المعارضة، ولعل عدم القدرة على التمييز بين «السياسة الخارجية» و«المفاوضات» (التي تدعى «الدبلوماسية») أضعف فهمه للمشاكل التي تعترض المعارضة، ويعود ذلك إلى عدم القدرة أيضاً على التمييز بين ما يمكن أن يسمى بالوجه «التشريعي» للمسألة وما تمكن تسميته بوجهها «التنفيذي».

من جهة أخرى، يواجهنا في الحالة السورية غياب مركزية السلطة التي تقرّ السياسة مع اقتراب استحقاق جِنِيْفْ، ولذلك فإن الخلط بين الوجه التشريعي (أي إقرار سياسة الِائْتِلَاْفِ، ومحدّداته اتجاه جِنِيْفْ) وبين الجانب التنفيذي (المسمى «مفاوضات»– شكّل سوء فهم كبير لجِنِيْفْ على أنه حدث وليس عملية مستمرة تتطلب مثابرة ودبلوماسية جريئة مدروسة بشكل استراتيجي.

الخلط في الأذهان أمر مشروع، أولاً بسبب حداثة عهد المعارضة بموضوع الدبلوماسية، وثانياً بسبب مسألة الشرعية –ومحركّها انطباعات الرأي العامّ– وأثرها في سياسيي الِائْتِلَاْفِ. فغالبية سياسيّي المعارضة لم يُبدوا فهماً مختلفاً عن فهم الإنسان السوري العادي للعلاقات الدبلوماسية، وبين المعارضين من هو جاهل وكسول وينسى كثيراً ما يتعلق بالالتزامات الدولية، ولم يدرك بعد أن العلاقات الخارجية هي علاقات خارجية، يعني لا تتصل بمصالحنا نحن فقط ولكن بمصالح باقي الدول. وفي مسألة جِنِيْفْ بالتحديد، لا يصلح الرأي العام المنقسم دليلاً على إقرار أو عدم إقرار مبدأ المشاركة في المؤتمر. وإذا أردنا القيام بعمل دبلوماسي في الحالات العادية فإن المفاوض أو الدبلوماسي لا يُقْدم على أي عمل ما لم يكن الرأي العام هادئاً تماماً، حتى يتمكن من تبيّن طريقه، فما بالك بالرأي العام السوري داخلياً وخارجياً، وهو أبعد ما يكون عن وصفه بذلك، فضلاً عن انتفاء مسألة هدوئه؟

بالنسبة لوفد المعارضة إلى جِنِيْفْ، من الخطر، بعد أن قام بوضع محددات سياسته تجاه المفاوضات وبمجرد إقراره للسياسة الخارجية، الاعتقاد بأنه أقرّها، من دون الانتباه إلى أن لباقي الدول الفاعلة في الحالة السورية مصالح وضغائن ويجب أن تستشار أولاً، هذا إذا كانت المعارضة ووفدها تريد لسياستها أن تكون فعالة، خصوصاً حين يتعلق مصير الحالة السورية برمّتها بالأطراف التي تمتلك حصصاً بها. وهنا يكمن الفرق بين السياسة والدبلوماسية، وبالتالي بين السياسي والدبلوماسي المحترف من المعارضة، والذي أمضى وقتاً طويلاً في دراسة الحالة النفسية والشروط الخاصة بالبلدان الأخرى، بما لا يسمح له أن يتسرّع بالتعميم المرتكز على الظواهر الخارجية للأمور وعلاقتها مع الحالة السورية.

وبالعودة إلى التمييز بين المفاوضات وصياغة السياسة، يطرح سؤال من الناحية التقنية: هل يبدو هذا التمييز صحيحاً اليوم في دبلوماسية المعارضة نحو جِنِيْفْ المزمع؟ بمعنى، هل يستطيع كل سياسي في الِائْتِلَاْفِ مثلاً أن يؤثّر في المحتوى التفاوضي؟ ومن أي أرضية يستمد شرعيته لفعل ذلك؟ وهل سيجد أولئك السياسيون أنفسهم منخرطين في المفاوضات؟

لا نعتقد أنه يمكن لكل سياسي في المعارضة أو الِائْتِلَاْفِ أن يؤثر في المحتوى التفاوضي، إذ إن إطار عمل وتمثيل بعض هؤلاء الساسة، في ظل الوضع القائم، هو إطار هيكلية ما زالت في طور تشكيل مرجعيات وطنية حقيقية، غير الرأي العام وموقفه من جِنِيْفْ٢، وولاء بعض هؤلاء السياسيين هو للمكونات التي أوصلت بهم إلى مواقعهم، وللأسف لبقائهم السياسي. فلا يمكن لنظام تمثيل أن يكون نظاماً حقيقياً في هيكلية تتكون من مستويات متعددة من الهوية، هيكلية لا تَصنع السياسة الخارجية فيها أجهزة مختصة ولا جسم منتخب يُقرّها ولا جسم دبلوماسي سُمح له أن يمتلك من الاحتراف ما يمكنّه من تنفيذ تلك السياسة، أي التفاوض. لكن من الخطر أن يؤثر أولئك الشعبويون وغير البراغماتيين في المحتوى التفاوضي.

تدافع الأحداث باتجاه جِنِيْفْ أتاح للائتلاف أن يحدد عقيدة دبلوماسية، لأول مرة غير مبادئه العامة تجاه الخارج وموقفه من النظام، بعد أن كان الرأي العام السوري غير مطّلع على محتوى السياسة الخارجية للائتلاف وأهدافها وغير مهتم بمن يقوم بتنفيذها. وهذه إحدى فوائد جِنِيْفْ التي تحصّلت قبل المؤتمر أساساً.

من المقلق أن تقود سياسة الِائْتِلَاْفِ في التعاطي مع الداخل السوري إلى عكس الاتجاه المرغوب فيه لسياسة خارجية فعالة. إن مسايرة الِائْتِلَاْفِ للأفكار والمنكّهات الراديكالية، التي يضفيها البعض من الجناح المتطرف من الثورة على مكوناته الداخلية، تتيح حكماً لهذه العناصر إعادة إنتاج نفسها كمواقف متحجرة في السياسة الخارجية، وبخاصة تجاه جِنِيْفْ2، والمصطلح المعبّر عن ذلك هو «مزج السياسة الداخلية بالسياسة الخارجية»، أو، بمفهوم تلك العناصر الراديكالية والقائمة على الأيديولوجيا، تسمى العملية «مزج الدين بالدبلوماسية»، وهي مسألة قديمة من كلاسيكيات الأدب الدبلوماسي وليست أمراً تختص به الأزمة السورية فقط. إن الشروط الذاتية والموضوعية التي يضعها طرفا جِنِيْفْ هي شروط تطالب بكل شي أو لاشي، وفي هذه الحالة النصر التام في صراع لا يمكن حسمه عسكرياً، وسيأتي على كل ما تبقى من جذور للحراك السوري الذي قضمت العسكرة وجوده.

كيف يمكن للائتلاف والمعارضة تجاوز هذا المطبّ؟

من الأفضل لهما كسب المصداقية عبر تحقيق نتائج مميزة من خلال مسيرة جِنِيْفْ، واستخدامها رافعة لتحسين الوضع الإنساني على الأرض كهدف أوّلي تتلوه بقية الأهداف، وعلى رأسها إسقاط نظام الأسد. هذا سيعطيها الشرعية، فتحقيق نتائج ملموسة في المسارات التي تؤثر على الوضع الإنساني (والتي تضمنتها وثيقة جِنِيْفْ الأولى) كمسألة المعتقلين السياسيين وإيصال المساعدات عبر فتح المعابر والممرّات الإنسانية، وإعادة الإعمار لاحقاً، كل ذلك سيعوّض عن الخسارة في القاعد الشعبية التي نجمت عن قرار الذهاب إلى جِنِيْفْ٢ في بادئ الأمر. وهذه التفاصيل لا بد من أن تلزم الأطراف الدولية على التقارب لإيجاد حلول تقنية لهذه المسائل، تحسّن الأجواء وتزيد من انخراط الأطراف بإيجاد حل للمسألة السورية، على أمل أن تحسم القوى الكبرى أمرها نهائياً باتجاه هدف مشترك ينهي المأساة السورية التي أصبحت تهدّد علاقاتها ذاتها.

وعلى ذكر القوى الدولية، وفيما يخص دبلوماسية المعارضة تجاهها، لا يبدو أن تلك القوى كانت تمتلك رؤية استراتيجية واعية لمفهوم مهم في الدبلوماسية، «الترابط» (Linkage)، وصلته بالاستراتيجية الكلية للقوى الدولية بمواجهة إيران في المنطقة. الولايات المتحدة لن تسلّم لإيران بالورقة السورية كاملة، وحدوث تقدم على صعيد المفاوضات مع النظام من شأنه أيضاً أن يسرّع المفاوضات بالنسبة للجانب الإيراني، المستعد لبحث مصير النظام كإحدى أوراق التفاوض مع الغرب. إن من شأن فكّ ارتباط جِنِيْفْ عن خلفية المجابهة مع إيران أن يحرم المعارضة من رافعة مهمة تجاه النظام السوري، الذي يرتبط وجوده كذلك بتبعات العلاقة بين الغرب وإيران. والعكس صحيح. أيّ سوء فهم لتلك المجابهة سيحرم الِائْتِلَاْفَ في المستقبل من دوره السياسي برمّته، ومن أن يستشار في مآلات الحالة السورية بعد أن تقرر القوى الكبرى مصير الأزمة في سورية، خصوصاً والمعارضة المعتدلة هي الجانب الأضعف في المعادلة مع صعود القوى الإسلامية. لذلك، إذا أرادت المعارضة المعتدلة أن تتجنب مصيراً محتوماً بالتفكك، لا بدّ لها من المخيّلة الخصبة والمرونة الهائلة، المرونة التي تسمح لحلفائها بأن يتمتعوا بهامش مناورة إزاء داعمي النظام، ولم يتبق للمعارضة في حقيقة الأمر في هذه المرحلة سوى الدبلوماسية عبر مسيرة جِنِيْفْ، للدفع باتجاه اتفاق القوى الفاعلة على فرض حلول للأزمة السورية نابعة من توافقاتها في وثيقة جِنِيْفْ١ وإسقاط الشروط المسبقة. وهي حلول قائمة على أساس إنهاء القتل ومجابهة قوى الجهاد العالمي، التي لا تقل خطورة عن النظام، وإيقاف تمددها قبل فوات الأوان. التعاون الأمريكي-الروسي في شأن نزع سلاح النظام الكيماوي، وكذلك إطلاق المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، قد يقود لتحسين العلاقات الروسية-الأميركية، بما ينعكس على مسار الأزمة السورية. إن قدرة الولايات المتحدة على التصدي بثبات للسياسة الروسية، التي تحاول إبقاءها إزاء روسيا وإيران، تفيد بأن التنازلات ممكنة تحت الضغط، في ما يتعلق بالشروط الخاصة بالنظام وبما لا يدع مجالاً للقلق لدى المعارضة.

*دبلوماسي سوري سابق

موقع الجمهورية

السلوك التفاوضي المتوقع للنظام السوري في جنيف/ غازي دحمان *

في طريقه إلى مؤتمر جنيف – 2، كان نظام بشار الأسد، ومن خلفه الحلف المؤيد له، قد فقدوا الكثير من أوراقهم التفاوضية، بل أنهم عاينوا تحطم البنيان المعماري التفاوضي الذي جرى تأسيسه على قاعدة محاربة الإرهاب وجعلها أولوية وأساساً، بحيث ستتولد هذه القاعدة معادلاً سياسياً واقعياً لها على أرضية الحدث السوري، وهو إعادة تأهيل بشار الأسد بوصفه الخيار الممكن والواقعي والأفضل.

غير أن الطرف المقابل، ثوار سورية وداعميهم الإقليمين والدوليين، كان لهم تكتيكاتهم السياسية والتي قضت بإسقاط أهم ركائز النظام التفاوضية عبر محاربتهم لـ «داعش» وإضرابها في حقل الثورة السورية، ومن خلال إصرار المعارضة على الحصول على ضمانات أكيدة بجعل الهدف الأساسي للمؤتمر يتمحور حول قضية الحكومة الانتقالية ذات الصلاحيات الكاملة.

على ذلك، يدخل النظام حلبة المفاوضات وهو عار ومتخفف من كل أوراق الضغط التي صنعها، ليس في مواجهة المعارضة ولكن في مواجهة العالم، وبخاصة أنه سبق وأن أعلن أكثر من مرة انه ذاهب لمفاوضة رعاة المعارضة وليس المعارضة بحد ذاتها.

أمام هذه الحالة يبدو أن النظام قرر الاتجاه إلى بناء حالة تفاوضية جديدة عبر صناعة عناصرها بإمكاناته المتاحة وما يمكن أن يوفره خلال مسيرة التفاوض، وتبدو ملامح هذه الإستراتيجية واضحة في المرحلة التمهيدية حيث ترتكز هذه الإستراتيجية على جملة من التكتيكات.

– إغراق التفاوض بالتفاصيل الكثيرة، وهو تكتيك قديم طالما لعبه النظام وعرف كيف يستفيد منه، حيث يحاول تشتيت المفاوضات بقضايا شكلية عبر تركيزه على مسائل ذات علاقة برموز وشكليات فارغة.

– اللجوء إلى الاعتبارات القانونية والدستورية وذلك من خلال الاستناد إلى الدستور الذي وضعه النظام وفصّله في الأزمة لكي يغطي الظروف الحالية ومحاولة وفد النظام فرضه كمرجعية قانونية وسيادية.

– الرهان على نزق المعارضة وقلة خبرتها السياسية ودفعها إلى القيام بردود فعل تحرج داعمي المعارضة وحلفاءها ودفع هؤلاء إلى اليأس من سلوك المعارضة والقبول بالأمر الواقع الذي يوفره النظام.

– التركيز على البعد الإعلامي لإعطاء تصور معين للعالم الخارجي فالواضح ان الوفد الإعلامي الضخم المرافق للوفد المفاوض ليس هدفه إدارة معركة أكثر من عمل تغطية إخبارية.

– يعتمد النظام على الإضافات التي سيستفيد منها من دوائر إقليمية ودولية، حيث يقف تحالف «حزب الله» وإيران وحكومة المالكي على تقديم دعم لوجستي كامل للمفاوضات سواء بالدعاية أو بتحريك بعض المعطيات على الأرض أثناء جولات المفاوضات وما بين كل مرحلة وأخرى، إضافة إلى دعم كل من روسيا والصين له في المجال الدولي وتشكيل شبكة أمان تحميه من أي مخاطر ديبلوماسية.

– يتوقع قيام النظام ببعض الإجراءات الشكلية هنا وهناك ليخفف من حدة احتقان الشارع وتوتره، كتخفيف الحصار على بعض المناطق، أو إخراج دفعات صغيرة من السجناء.

– اعتماد عنصر المفاجأة بطرح خيارات جديدة، تحمل في الشكل تنازلات معينة، لكنها في المضمون ليست سوى محاولات لإرباك الدول التي تدعم المعارضة وتحرجها أمام رأيها العام، مثل اقتراح إجراء انتخابات رئاسية مبكرة تحت رعاية وإشراف دوليين، وهو الأمر الذي كان يرفضه النظام سابقاً.

– سيعتمد النظام على خبرته التفاوضية السابقة، وبخاصة مع إسرائيل وتركيا، والولايات المتحدة الأميركية في فترات متقطعة. صحيح ان النظام في كل مفاوضاته السابقة كان هو الطرف الخاسر، لكنه يتوقع الاستفادة من تقنيات تلك المفاوضات وكيف يتجنب ما كان قد وقع ضحية له.

– سيسعى النظام إلى طرح خيار الحكومة الوحدة الوطنية بدل الحكومة الانتقالية، وسيحاول توسعة الهامش حول هذا الخيار والتمسك به، فهو لا يعني بالنسبة اليه سوى «الخطة ب» من خطته للتمسك بالحكم، وهذه الخطة تجعل بشار الأسد فوق المساومات وتضعه في مصاف القضايا الوطنية الكبرى.

– سيسعى النظام إلى تمديد عملية التفاوض إلى أبعد مدى يستطيع الوصول إليه، وقد كان حقق بمساعدة حليفه الروسي ضمان عدم تحديد سقف زمني للوصول إلى نتيجة للتفاوض. خلال هذه الفترة سيسعى النظام إلى إفراغ المؤتمر من أهدافه القاضية بتشكيل حكومة انتقالية بمهمات تنفيذية كاملة حيث يجهد إلى إحداث تعقيدات عملانية تجعل الوصول إلى هذا الهدف أمراً مستحيلاً، كأن يعمل مثلاً على إعادة خلط الأوراق الميدانية أو يدفع مؤيديه إلى طرح وترويج أهداف جديدة مثل إعادة طرح خيار التقسيم لعدم ثقة هؤلاء بأي حكومة لا يكون فيها الأسد أو لكون الطرف الآخر ذا هوية طائفية غالبة.

الواقع أن البيئتين المحلية والإقليمية تسمحان بمثل هذه الإستراتيجية كما تشجعان على البحث الدائم عن خيارات مناسبة للنظام وعلينا ألا نتوقع حصول اختراقات خطيرة. بشار الأسد ونظامه لا يمكن أن يرضخا ما لم يقتنعا بجدية المجتمع الدولي، وهذه الجدية يحتاج إثباتها وجود آليات معينة، ليست موجودة حتى اللحظة.

* كاتب سوري

الحياة

أهكذا تُبنى العلاقات بين الدول؟/ طيب تيزيني

 عادت البراجماتية الروسية لتمارس دوراً مضاداً لروح «الأمم المتحدة الإنسانية أو المطلوب منها أن تكون إنسانية، بل عادلة موضوعية ومرهفة في إنسانيتها، والقائمة على العدل». فبعد سلسلة «الفيتوهات»، التي قد قدمتها روسيا مع دول أخرى ضد انتفاضة الشعب السوري، تأتي من جديد لتعلن أن إيران دولة لا يستعاض عن حضورها في مؤتمر جنيف 2.

أما السبب الكامن وراء ذلك فهو- بمقتضى البراجماتية الروسية إياها- أن اسم إيران اسم لدولة من دول الجوار السوري، وأنه من ثم ينبغي أن يُضاف إلى ذلك دورها أو صراعها مع دول أوروبية وأميركية كبرى حول مشروعها النووي وموقعها الاستراتيجي في هذا، وذاك يُفرط بعدد من العوامل، التي تجعل علاقات إيران بسوريا قائمة على العداء وأن عداء إيران لسوريا هذا ليس وهمياً، أو أنه ذو طابع اعتقادي بحت، ليس إلا، ذاك ولا ذلك، إن عداء إيران هذا يتمثل في أنها اقترفت نشاطاً ذا طابع دولي إجرامي، تمثل في تدخلها السافر في مناطق منها تدخلاً عسكرياً، فلقد كان من شأن ذلك أن قاد إلى اختراق سيادتها المستقلة، التي حققتها عام 1946، حين أرغمت فرنسا على الخروج منها إلى الأبد.

إنها مفارقة عقلية وسياسية وأخلاقية أن يعلن وزير خارجية روسيا الاتحادية حضور إيران في مؤتمر جنيف 2 في الثاني والعشرين من هذا الشهر الجاري، كيف ذلك في اعتقاد الوزير الروسي؟ ألا يكفي أن دخلت إيران الجمهورية العربية السورية بعتادها وعدتها وحاربت فيها مثلاً في مدينة القصير، وأنا هنا أعلن حزني وتأسفي على ما فعله فيلق أو آخر 3 فيالق «حزب الله»، وإن الحزن والتأسف ليتعاظمان حين نسمع نصر الله يحدد مسوغات انتهاك جنده لحدود الجمهورية العربية السورية المقدسة، وقد سمعناه يعلن إن دخول قواته إلى قلب الجمهورية إياها إنما حدث لأسباب تتصل بما سماه خطأ – وهو ضليع بذلك لأن السيد ليس جاهلاً بالتاريخ السوري والعربي كليهما، «الدفاع عن المقدسات (ويعني بذلك بنحو خاص مرقد السيدة زينب» (مأخوذ من خطاب قدمه السيد على قناة المنار وقنوات أخرى جرى بثه عدة مرات).

في سياق ذلك وصلبه طرحنا على نصر الله في مقالات نشرت في صحف متعددة، سؤالاً مفعماً بالأسى والمرارة وبالدهشة كذلك، ذلك هو من الذي قام بحماية المرقد المذكور وبالدفاع عنه وعن غيره من المقدسات على أربعة عشر قرناً ونيف، واسمح لي أيها السيد أن أُحيل إلى المثل الشعبي القائل: غلطة الشاطر بمائة غلطة، والأفظع من ذلك أن نصر الله أراد أن يقوّم ما اعتقده خطأ بممارسة حرب ظالمة خطيرة ضد نساء وأطفال ورجال القصير، كي يثأر لهؤلاء، بل ينبغي أن يعلم السيد – وهو يعلم أن السوريين – في تركيبهم المجتمعي قبل الإسلام وبعده إلى اليوم – يعتزون بتعدديتهم الطائفية وبالتركيبات الأخريات من.. إلى.

وبالعودة إلى وزير الخارجية الإيراني نطرح عليه التساؤل التالي: بأي اتجاه وكيف يمكن القول بأن مشاركة إيران في مؤتمر جنيف 2 ستزيده أهمية وإمكاناً جديداً ومن ذلك السؤال إلى هذا السؤال: ما موقع الشعب السوري من ذلك؟ هل يحضر المؤتمر الضيف المفترض دون رأي صاحب البيت؟ وإذا كان من المحتمل – ضمن القواعد الدولية – أن يحضر دبلوماسيون مؤتمرات هنا أو هناك، فمن العرف الدولي أن يطالب المرء المعني الضيف الإيراني أن ينسحب أولاً هو وقوات أخرى تشاركه في احتلال منطقة أو أخرى من سوريا.

من أصول العلاقات الدولية الوازنة ومن قيم الاحترام الحقيقي لمبادئ الحرية والعدالة أن تلتزم الدبلوماسية الدولية بتلك القيم والاحترام، ها هنا، لعلنا نقول بأن ظلماً وإجحافاً يُمارسان – بروح شريرة تستفز شرفاء العالم ودعاة الحرية والعدالة – ضد الشعب السوري «اليتيم».

الاتحاد

أمل باهت في مؤتمر “جنيف-2″/ رياض نعسان أغا

 القضية ليست مسألة إرهاب رغم وجوده واستدعائه الماكر، إنها قضية شعب طلب التخلص من الظلم والاستبداد ———- لم يكن أمام السوريين نظاماً ومعارضة سوى أن يذهبوا إلى مؤتمر جنيف، فقد مرت ثلاث سنوات عجاف ذاق فيها السوريون من الفواجع ما لم تشهده أمة منذ الحرب العالمية الثانية، وصار «الهولوكوست» السوري أفظع من التصور، وتمكن النظام من تحويل الأنظار عن الثورة الشعبية التي طالبت بإصلاح سياسي فأغرقت في طوفان دم، إلى رؤية هجمة إرهابية تستهدف صمود سوريا وإصرارها على تحرير القدس، ولعل أحد الحكماء تذكر قول أبي نواس «وداوني بالتي كانت هي الداء»، والداء الأعظم الذي ابتلي به النظام منذ عقود هو إصرار الشعب على هويته الإسلامية، وقد تجلى هذا الإصرار في أشكال عديدة، بعضها قبله النظام في الحالات الصوفية والرؤى الأشعرية التي ترى الخروج على الحاكم فتنة، وبعضها الآخر كان صدامياً، وكانت النصيحة أن يكون الدواء من جنس الداء، فيستخدم التطرف الإسلامي الذي يرفضه السوريون عامة ويفضلون عليه مهادنة النظام مهما تكن مساوئه، فهي أرحب من هجمة دينية أحادية الرؤية تعيد سوريا قروناً إلى الماضي وتلغي كل مظاهر الحياة المعاصرة، وتبني دولة على غرار دولة «طالبان»، فضلاً عن كون الغرب والعالم كله يعيش هذا الرهاب الذي شغله من يوم جريمة سبتمبر التي اعتبرها من خدعوا بحبكتها التراجيدية المثيرة بأنها إحدى «الغزوات» الإسلامية التي تفتح آفاقاً لغزو الغرب في عقر داره.

ولم يكن النظام هو من اخترع فكرة «وداوني بالتي كانت هي الداء» فالغرب نفسه دعم «طالبان» لتقدم النموذج الكريه عن الإسلام، ورحبت عواصم غربية كبرى بأن تصير مقر البث الإعلامي للفكر الإسلامي الذي استضاف دعاة أحدهم مفقوء العين والآخر يده من حديد والثالث تصل لحيته إلى قدميه، وأعلنوا على قنواتها أن العالم داران «دار كفر» و«دار إيمان»، وأعلنت «دار الإيمان» حربها الضروس على «دار الكفر»، ولعب الإعلام دوراً مريعاً في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، ولم يكن يغيب عن كبار المثقفين والسياسيين أن القصة «ملعوبة بإتقان» ولكن «صارت الكذبة تحكي» ووجدت لها أنصاراً ودعاة تفاءلوا بأنهم يستطيعون تغيير العالم وإعلان الخلافة الإسلامية ما بين كاشغر وبلاط الشهداء.

سارع النظام السوري إلى استعادة التجربة وأطلق سراح من كانوا لديه من سجناء التطرف وأمثالهم، واستعان بأعوانه القدامى يوم كان المالكي يشكو من تدفق رجال أبي القعقاع الذي انتهت مهمته دون أن ينتهي نهجه أو يتوقف صانعوه عن المهمة، وظهرت «داعش» تتحدى العالم كله أن يعرف مصادر تمويلها وأسلحتها أو أن يتنصت على اتصالاتها.

ونسي الناس كيف تم تسليم الرقة دون قتال، وروى أحد المنشقين عن دائرة النظام وكان عميلاً للمخابرات الجوية السورية في لندن، أنه كان في زيارة ضابط في فرع المطار حين دخلت إلى مكتب الضابط مجموعة «طالبانيين» بلباس أفغاني ولحى طويلة فظن الرجل أنه اقتحام للفرع وانتابه الخوف فضحك الضابط وقال له «لا تخف هؤلاء جماعتنا» وقد كبرت الجماعة وصارت عصابة إرهابية حكمت مناطق واسعة من ريف حلب وإدلب وحماة وامتدت إلى الجزيرة السورية.

وأتاح لها النظام أن تكبر وأن يتسع نفوذها، وهو يقول في سره وعلنه للسوريين «بدكم ثورة وإسلام؟ تفضلوا هؤلاء هم البديل» وأمعن «الداعشيون» في قتال الجيش الحر وفي أسر واعتقال جنوده، وسارعوا إلى تشكيل المحاكم التي استخدمت الجلد لمن فاته وقت صلاة، والعنف مع امرأة ظهرت خصلة من شعرها، وطالبوا بمنع تعليم البنات، ولو أن في سورية تمثالاً لبوذا لهدموه، واعتقلوا رجال الدين المسيحي واعتدوا على الكنائس.

وباختصار قدموا أسوأ نموذج عن الإسلام (الذي هو الحل) حتى صار بعض السوريين يستجدون النظام أن يحميهم من هؤلاء الإرهابيين الحمقى بينما كان الجيش الحر يتردد في قتالهم خشية أن يقال إنه يحارب الإسلام، أو يقال إن المعارضة يقتل بعضها بعضاً.

وأما المجتمع الدولي فقد انطلت عليه اللعبة القذرة التي لا أنكر أن كثيراً من الشباب انخرطوا في أتونها لما توفره من حماية وما تقدمه من دعم، ولما تظهره من نصوص دينية تتيح لهم بتفسيرها على هواهم أن يقتلوا كل المسلمين الذين يشكون في صحة عقيدتهم، وبدأت حملة إعلامية ضخمة لتحسين صورة النظام وتقديمه على أنه يحارب الإرهاب وعلى دول العالم أن تسانده، بل إن لافروف اقترح أن تتوحد جهود الجيش الحر مع الجيش النظامي لمقاومة الإرهاب، على رغم أن جثث الأطفال والنساء التي قتلت في الغوطة بأسلحة كيماوية من أسلحة الدمار الشامل لم تكن قد تغيرت بعد! وقد تناسى المجتمع الدولي أنه لا يمكن اتهام العصابات الإرهابية بهجمات الطيران التي هدمت المدن والقرى، ولا يمكن اتهام الإرهابيين الوافدين باستخدام صواريخ «سكود» التي تنطلق على بعد مئات الكيلومترات، فضلاً عن حيوية الحوامات التي لم تتوقف يوماً عن رمي براميل متفجراتها الذكية جداً التي تهدم وتبيد وتدمر دون تمييز بين عمارة مؤيدة للنظام وأخرى موالية، وكم من أناس فقدوا كامل أسرهم تحت الأنقاض التي لا يعلم إلا الله عدد الشهداء الذين قضوا تحتها.

والعجب أن يتركز خطاب النظام في جنيف على محاربة الإرهاب في تجاهل مطلق لوجود ثورة شعبية طالبت بالتغيير على مدى عام وواجهها النظام بالقتل والقنص العشوائي للمتظاهرين الذين كانوا يرددون «سلمية سلمية» وألا يعتذر ممثل النظام عن اقتلاع حنجرة المغني القاشوش، وعن قتل الطفلة هاجر والطفل الخطيب، وعن إهانة أهل البيضا بأحذية الشبيحة التي داست على رؤوسهم، أو عن مذبحة الحولة، وأن يتجاهل أن هذه الجرائم هي التي دفعت الشعب إلى حمل السلاح.

ولقد وددت لو أن خطاب الجربا الذي كان نصاً موفقاً في تعبيره عن القضية السورية سأل المجتمعين سؤالاً قانونياً حول الجريمة الإرهابية الكبرى التي حدثت في الغوطة في أغسطس باستخدام سلاح محرم دولياً «هل يكتفي القانون الدولي بمعاقبة السلاح دون مقاضاة من استخدمه؟» والعجب أن تكون هذه الجريمة عبر الوعد بتسليم الأسلحة بوابة النجاة للنظام من المساءلة القانونية عن دم القتلى! لكن العالم سرعان ما استعاد إدراكه لكون القضية ليست مسألة إرهاب رغم وجوده واستدعائه الماكر، إنها قضية شعب طلب التخلص من الظلم والاستبداد، وبين نظام يتمسك بالسلطة حتى لو فني الشعب كله، وكان مؤسفاً منظر السوريين وقد جلسوا وفدين، وفد يدافع عن شخص، ووفد يدافع عن شعب ووطن.

الاتحاد

إنقاذ “جنيف 2” أم إنقاذ سوريا؟/ سليمان يوسف

أيام قليلة تفصلنا عن موعد انعقاد المؤتمر الدولي «جنيف 2» الخاص بالأزمة السورية. فهل سينجح المؤتمر في وقف الحرب بين السوريين وعلى السوريين؟ المشهد السوري، بشقيه السياسي والعسكري، لا يبعث على التفاؤل. أكثر المتفائلين خفضوا سقف طموحاتهم من كون المؤتمر فرصة تاريخية مناسبة لإنهاء المأساة السورية، الى مجرد خطوة أولى على طريق الألف ميل. أي ان الوصول الى حل نهائي للمعضلة السورية يحتاج الى جنيف 3 و4 و5 وربما أكثر.

لا بل البعض بات يخشى على مصير «جنيف 2» نفسه. لهذا، الجهود الديبلوماسية، الإقليمية والدولية المكثفة عشية انعقاد المؤتمر، تصب في إطار إنقاذ «جنيف 2» أكثر من كونها تبذل لأجل إنقاذ سوريا الوطن والشعب. حتى ان واشنطن ولندن هددتا بوقف الدعم عن «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» إذا قاطع المؤتمر ورفض المشاركة فيه.

حقيقة، نظراً لتعقيدات الأزمة السورية وتطوراتها المتلاحقة وتشابكها مع العديد من الملفات الإقليمية الساخنة والتدخلات الخارجية فيها، تبدو فرص نجاح المؤتمر ضئيلة جداً، إن عُقد. فمن جهة أولى، المعارضات السورية ما زالت متشرذمة ومنقسمة على نفسها حول الموقف من المؤتمر. وقد أعلنت الفصائل والكتائب المسلحة التي تقاتل النظام عن رفضها حضور جنيف2 ورفض كل ما سيصدر عنه من نتائج، فيما تميل بعض الفصائل السياسية في الداخل والخارج للمشاركة، وإن بشروط خجولة. وقد أعلن «الائتلاف» المشاركة، فيما رفضت «هيئة التنسيق الوطنية». ومن جهة ثانية، التقدم الملحوظ الذي حققه النظام في بعض جبهات القتال واندلاع المعارك العنيفة بين الفصائل والكتائب المسلحة التابعة للمعارضة في أكثر من مدينة ومنطقة سورية وتصاعد دور وثقل المجموعات الإسلامية المتطرفة مثل «الدولة الإسلامية في العراق والشام» و«جبهة النصرة» و«الجبهة الاسلامية» وغيرها بشكل مخيف في الحرب السورية، أربكت القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة السورية، وقد تجبر الدول المنحازة الى جانب المعارضة والداعمة لها الى إعادة النظر بموقفها وسياستها تجاه ما يجري في سوريا. بالفعل، قبل أيام أعلن الرئيس التركي عبدالله غول أن «تركيا ستعيد النظر بموقفها من الحرب السورية لتصبح في خدمة مصلحة الجميع في المنطقة».

ربما، ثمة رغبة دولية اليوم بوقف الحرب السورية وإيجاد حلول سياسية لها, بعدما باتت هذه الحرب ببعدها الإنساني والأمني عبئاً ثقيلاً على المجتمع الاقليمي والدولي. بيد أن نجاح المؤتمرات الخاصة بحل النزاعات المحلية ووقف الحروب الأهلية، يتطلب أولاً وقبل كل شيء توافر رغبة حقيقة وجدية لدى أطراف النزاع ذاتها واستعدادها لتقديم تنازلات سياسية مهمة واتخاذ قرارات جريئة. وفي الحالة السورية، لا تبدو مثل هذه الرغبة متوافرة حتى الآن لدى أطراف النزاع. فحدة العداء بين السلطة والمعارضة على أشدها، والهوة السياسية بينهما ما زالت كبيرة والثقة معدومة، ولا قواسم مشتركة بينهما يمكن على أساسها بناء حل ما. فـ«الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة»، ومن معه من فصائل سياسية وعسكرية يطالبون بأن يضمن المؤتمر وتتكفل الدول الراعية له بنقل السلطة الى حكومة انتقالية بكامل الصلاحيات السياسية والأمنية والعسكرية والرئاسية، وأن لا يكون للرئيس بشار الأسد أي دور أو حضور في المرحلة الانتقالية، ولا في الحياة السياسية في سوريا الجديدة. أما النظام فأعلن مراراً أنه “لن يذهب الى جنيف2 لتسليم السلطة للمعارضة، بل للبحث في كيفية محاربة الإرهاب الذي تتعرض له بلاده”.

هكذا، النظام يريد من المؤتمر أن يكون «خشبة خلاص» له، فيما المعارضة تريده «مقبرة للنظام» ونهاية لحكم بشار الأسد. إزاء هذا التعارض العميق بين ما تريده المعارضة وما يريده النظام من مؤتمر جنيف2، كيف يمكن لهذا المؤتمر أن يُعقد؟ وإن عُقد، كيف له أن ينجح؟

برغم التحديات والعقبات الكبيرة التي قد تحول دون عقد «جنيف 2» ونجاحه في إنتاج حل سياسي للأزمة السورية، لا بديل من الحوار الوطني بين السوريين (سلطة ومعارضات) لوقف حربهم العبثية، التي بدأت تفرز خرائط – ديموغرافية/سياسية على مقاس الميليشيات المنخرطة في الاقتتال. هذه الخرائط هي مشروع دويلات وكانتونات طائفية عرقية مذهبية. وقد باشرت كل ميليشيا بتشكيل إدارة أو حكومة محلية خاصة بها في المناطق التي تسيطر عليها.

من هنا تأتي أهمية وضرورة أن تعمل مختلف الأطراف السورية على عقد «جنيف 2» ونجاحه. لأنه قد يكون الفرصة الأخيرة أمامها للحفاظ على وحدة الكيان السياسي للدولة السورية، في ظل الاستقطاب الطائفي والمذهبي والعرقي الحاد، الذي يشهده المجتمع السوري، كما تشهده معظم مجتمعات دول المنطقة.

وقد يكون البديل لـ«جنيف 2» هو «سايس بيكو 2». أي تقسيم سوريا وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة من جديد. بات من المؤكد أن الحريق السوري سيمتد الى دول الجوار إذا أخفقت الجهود الديبلوماسية والسياسية في إخماده. فمعارك الأنبار في العراق ومسلسل التفجيرات الارهابية التي تهز لبنان من حين لآخر، والاضطرابات التي بدأت تشهدها تركيا، لا يمكن فصلها عن مفاعيل الحرب السورية وتداعياتها.

السفير

ما لن يتغيّر بعد “جنيف 2″/ هوشنك بروكا

أنظار العالم كلها موجهة، اليوم، إلى مونرو السويسرية. الكلّ يترقب ما سوف يخرج به المؤتمرون للسوريين في حنيف لاحقاً. لا شكّ أنّ “جنيف2” مهمٌ للسوريين والعالم، لكنّ الأهم هو ما سوف يخرج عنه، أو ما سيجلبه للسوريين من حلول لأزمتهم المشتعلة منذ ما يقارب ال3 سنوات.

راعيتا المؤتمر أو عرابَتاه أميركا وروسيا ومعهما الصين ودول الإتحاد الأوروبي وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وكذلك السعودية وقطر وتركيا، الكلّ توصّل إلى قناعة شبه ثابتة، كما يقول عنوان هذا المؤتمر، إلى أنّ الحل العسكري قد فُشل، ولا خلاص للسوريين من أزمتهم أو “دراماهم” كما سماها وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، إلا عبر الحل السياسي. لكنّ السؤال، ههنا، هو: هل الحلّ السياسي بات ممكناً فعلاً لإخراج سوريا من أزمتها؟

هل طرفا الصراع، النظام والمعارضة، فعلاً متفقان على ضرورة إنهاء الحل العسكري والبدء بحل سياسي؟

ظاهرياً، وكما يبدو من عنوان “جنيف 2” وتلبية أطراف الصراع، النظام والمعارضة للدعوة، هناك توجه عام من الطرفين نحو الحل السياسي ، أو على الأقل رغبة لمناقشته. لكنّ الوقائع على الأرض، ورفع كلّ طرف لسقف مطالبه إلى الحد الأقصى، بحيث يؤدي إلى إلغاء مطالب الطرف الآخر، أو ربما إلى إلغاء “شرعية” وجوده، وتمسك كلا الطرفين ب”سياسة قتل الناطور”، بدلاً من أكل العنب، كلّ هذا يشير إلى أنّ مفاوضات “جنيف2” ستكون صعبة وشاقة للغاية، الأمر الذي يمكن أن يحوّل “جنيف2” إلى “لعب سياسي” أو “مناورة سياسية”، بدلاً من أن يكون حلاً سياسياً للأزمة السورية.

لكلا الطرفين خطوطهما الحمر التي لا يمكن لها أن تمهّد بأي حالٍ من الأحوال لأرضية قوية لمفاوضات ناجحة، يخرج المؤتمرون بها ب”سوريا ناجحة”؛ سوريا ينتصر فيها الحل السياسي على الحل العسكري، وصوت العقل على صوت المدفع، والشعب على الطائفة، والديمقراطية على الديكتاتورية.

ففي الوقت الذي أكد فيه الوفد السوري برئاسة وزير الخارجية وليد المعلم على أنّ موضوع مستقبل الرئيس بشار الأسد ونقل السلطة هو “خط أحمر”، ليس بوارد النقاش أو التفاوض عليه، دعا رئيس وفد المعارضة أحمد الجربا، وفد النظام السوري إلى التوقيع فوراً على “بيان جنيف 1″ ل”نقل صلاحيات بشار الأسد كاملة، بما فيها الصلاحيات التنفيذية، والأمن والجيش والمخابرات، إلى هيئة الحكم الانتقالية”. بحسب الجربا هاتان النقطتان أي “تطبيق وثيقة جنيف 1، وإنشاء هيئة الحكم الانتقالية”، هما “مقدمة لتنحية بشار الأسد ومحاكمته مع كل من أجرم من رموز حكمه، وأي حديث عن بقاء الأسد بأي صورة من الصور في السلطة هو خروج بجنيف 2 عن مساره”. “قبل البت الكامل بهذه التفاصيل وفق إطار زمني محدد ومحدود”، على حد قول الجربا، هو ووفده ليسوا “بوارد مناقشة أي أمر في عملية التفاوض”.

زد على ذلك، أنّ الوفد السوري لم يأت في خطابه الإستفزازي بأي جديد يمكن أن يبشّر بنجاح “جنيف 2”. المعلّم اختزل الهدف من مشاركة الوفد السوري في “جنيف 2” بنقطتين رئيسيتين: الأولى، مكافحة الإرهاب. والثانية لا شرعية لأية مفاوضات بدون طرح نتائجها على “استفتاء شعبي”، على حد قوله. ولعلّ ما جاء على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني في أول ردّ إيراني رسمي على المؤتمر، بأنّ “جنيف 2 فشل قبل أن يبدأ”، هو إشارة قوية من أحد أكثر اللاعبين تأثيراً في الأزمة السورية، وأكثرهم تدخلاً فيها، على أنّ “جنيف 2” قد يلتحق ب”جنيف 1″، وربما يكون هذا الفشل في جنيف اليوم من ذاك الفشل في حنيف الأمس.

والأنكى من هذا وذاك، هو أنّ كلّ طرف من الطرفين المفاوضين، النظام والمعارضة، يرفض الطرف الآخر بإعتباره شريكاً له. كلا الطرفين حضرا “جنيف 2” بأجندات “خارج سورية” و”ضد سورية” أكثر من حضورهما بأجندات “داخل سورية” أو “مع سورية”. الوفدان مثّلا في خطابيهما الندييّن، محورين إقليميين في “جنيف 2″، كما تبيّن، قبل تمثيلهما لسوريا والسوريين في دمشق.

إذن نحن أمام معادلة سورية معقدة جداً، شبه مستحيلة الحلّ. فلا النظام جاء إلى جنيف كي يتفاوض على رأسه، ولا المعارضة جاءت كي تتفاوض على الأسس التي بُنيت عليها و”ثوابتها”، أي “إسقاط النظام بكل رموزه وأركانه، وتفكيك أجهزة الأمنية بمحاسبة من تورط في جرائم ضد السوريين”، و”عدم الدخول بأي حوار أو مفاوضات مع النظام” (البندان الرابع والخامس).

النقطة الوحيدة التي يمكن أن تسجّل حتى الآن ل”جنيف 2″، هي قبول طرفي النزاع الجلوس إلى بعضهما البعض على طاولة واحدة، وهو ما كان يرفضه الطرفان إلى وقتٍ قريب.

أشياء كثيرة تغيّرت في المشهد السوري، منذ انطلاقة الأزمة قبل حوالي 3 سنوات، وربما أشياء أخرى تتغير في “جنيف 2” وبعده. لكنّ ما لن يتغيّر، في القريب العاجل من “حنيف 2” أو ربما بعده، فيمكن إختصاره في ما يلي:

1.                   سيستمر القتل والقتل المضاد في سوريا، ما يعني أن الحرب الأهلية ستستمر، بإعتبارها حرباً طائفية بإمتياز بين تاريخين، أو جغرافيتين، أو ثقافتين، أو مشروعين قديمين جديدين، أحدهما “شيعي” بقيادة إيران المدعومة من روسيا والصين، وثانٍ “سنيّ” بقيادة دول الخليج وتركيا المدعومة من أميركا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من دول الإتحاد الأوروبي.

2.                   الإحتقان الطائفي والقومي والقتل على الهوية بين مكونات الشعب السوري سيستمر، لا سيما بين السنة والعلويين، وبين المعارضة العربية ممثلةً ب”الإئتلاف السوري” والمعارضة الكردية ممثلةً ب”مجلس غربي كردستان” وحلفائها من المكونات الأخرى كالسريان وبعض العشائر العربية والآشوريين والشيشان.

3.                   الحريق السوري سيستمر، ما يعني أن سوريا ستزداد احتراقاً بين نارين أو إرهابين: إرهاب النظام وإرهاب الجماعات المسلحة.

4.                   خطر انتقال الأزمة السورية إلى دول الجوار وعلى رأسها لبنان والعراق وتركيا سيستمرّ، ما يعني أن الأزمة السورية لا تزال قابلة للمزيد من الإنفجار ليس في سوريا فحسب وإنما في جوارها الإقليمي أيضاً.

5.                   حرب العالم ضد العالم، أو حرب الجميع ضد الجميع، في سوريا وضد سوريا ستستمرّ، لأنّ سوريا الآن هي فرصة الجميع للإننقام من الجميع، وورقة الجميع للعب مع الجميع.

6.                   “الدراما السورية”، كما وصفها وزير الخارجية الفرنسي ستستمر، كما العالم من حولها سيستمر بوصفه “شاهداً” عليها، إلى أن تشاء مصالح الدول الكبرى وعلى رأسها أميركا وروسيا، أو تعرض الأزمة السورية وأطراف النزاع فيها، في أقرب بازار سياسي.

7.                   النظام سيستمرّ في محاربة كلّ شيء إسمه “معارضة”، كما المعارضة ستستمّر في محاربة كلّ شيء إسمه نظام، كلاهما سيستمرّان في اللعب بسوريا ضد سوريا، وبالدم السوري ضد الدم السوري، إلى أن تسقط أو يُسقَط كلّ سوريا في سوريا كلّها.

بناءً على كلّ ما تقدّم، يمكن القول، أنّ كلّ شيء يمكن يتبدّل أو يتغيّر في سوريا إلا شيئان فقط: النظام والمعارضة.

ايلاف

و«الائتلاف» المعارض يذهب وحيداً…./ معتز حيسو

يتساءل السوريون عن الهدف من الاكتفاء بوفد يمثل بقايا «الائتلاف» المعارض إلى جنيف، مقابل التخلي عن أطراف المعارضة الوطنية، وبشكل خاص هيئة التنسيق، التي أعلنت أخيراً رفضها المشاركة في المؤتمر تحت راية الائتلاف، ووفق المعطيات والشروط الراهنة. وهذا يدلل على أن الغائب الوحيد عن مؤتمر جنيف سيكون الأطراف القادرة على تمثيل الشعب السوري، والتي تتمتع بصدقية سياسية. وهذا لا ينفي أن المواطن السوري، وكذلك الأطراف الدولية الراعية للمؤتمر، والوفود المشاركة، تدرك أن الائتلاف يكاد لا يمثل ذاته، ذلك لأسباب متعددة؛ منها الارتهان السياسي لمصادر التمويل الدولية والإقليمية.

والائتلاف الذي كان يرفض دائماً الحوار مع أي من رموز النظام، في سياق دعواته العبثية إلى إسقاطه بكل السبل والأدوات، ومهما كانت التضحيات التي دفعها ويدفعها الشعب السوري، حتى لو استدعى ذلك تدخلاً عسكرياً خارجياً، وافق مكرهاً على الدخول في مفاوضات مباشرة مع وفد يمثل أركان النظام. وهذا يناقض بشكل واضح وثيقته التأسيسية، وكذلك توجهاته السياسية (المعلنة) التي كانت من أحد أسباب معاناة السوريين وأزماتهم الراهنة. وفيما كانت هيئة التنسيق تلتزم بشعار التغيير الوطني الديموقراطي السلمي، كان رموز الائتلاف والدول الداعمة له تحاربها بكل الوسائل والآليات، وكان هذا يتم في سياق الضغوط السياسية التي تهدف إلى زجّها في إطار التحالفات الدولية التي تدفع السوريين إلى حمل السلاح. لكن إصرار قيادات الهيئة على استقلالية قرارها السياسي ورفضها للعنف، كان يزعج الأطراف الدولية التي أوغلت في دماء السوريين، وبشكل خاص الولايات المتحدة والدول الخليجية … فيما القيادة الروسية وكذلك الإيرانية والصينية التي كانت قيادات الهيئة تتواصل معهم في كل لحظات الأزمة السورية، يبدو أنهم تركوا الهيئة لمصيرها، في لحظة أقل ما نقول عنها إنها مصيرية.

فالأطراف الدولية وهيئة الأمم المتحدة وكذلك الدول الإقليمية، تدرك جيداً أن الائتلاف لا يمثل المعارضة السورية، والأهم أنه لا يمثل الشعب السوري. وأيضاً يدركون استحالة أن يقود الائتلاف وفد معارضة موحد. فكيف وافقت الدول الراعية للمؤتمر أن يشكّل الائتلاف وفد المعارضة ويقوده، بذات اللحظة التي يدركون فيها أنه منبوذ من السوريين؟

بتقديرنا أن الوسائل والآليات التي تم العمل عليها للوصول إلى لحظة انعقاد المؤتمر كان يشوبها الكثير من الغموض الذي بدأت تعج منه روائح الصفقات المشينة المناقضة لمصالح الشعب السوري. وهذا يضعنا أمام تساؤل على درجة من الأهمية: إذا كان الائتلاف لا يمثل المعارضة و«الثورة» والشعب، فهذا يعني أنه ليس مخوّلاً إلا في التعبير عن ذاته. وهذا يعني أيضاً أن أي نتائج يمكن أن تصدر عن المؤتمر، لن تعبّر عن هموم وهواجس وأهداف المواطن السوري. وهذا يشير إلى أن المؤتمر لن يحمل أية نتائج إيجابية، بل إن إمكانية انهياره نتيجة تشدد الوفدين المشاركين شبه محسومة. وحتى لو أننا لم نكن نعوّل سابقاً على المؤتمر ونتائجه، لكن هذا كان مرده عدم توافق المعارضة على وفد موحد نتيجة تشرذمها وتناقضها وتعدد ولاءاتها. لكن أن يتم حصر المشاركة في المؤتمر بوفد ائتلافي، فهذا يعني انتصاراً للسياسات الأميركية وللتسويات الدولية التي كان يشتغل على صياغتها بالتعاون مع رموز المعارضة الخارجية السفير الأميركي في سوريا روبرت فورد. من هذه الزاوية، ستكون مشاركة الائتلاف في المؤتمر إعلاناً لدفن الحل السياسي، وليس كما تدّعي قيادات الائتلاف بأنها ذاهبة لتشييع نظام الأسد، وتحقيق أهداف «الثورة».

وهذا لا يعني أن المؤتمر لن يعقد، لكن انعقاده يساوي دفن الحل السياسي الوطني الديموقراطي. إذ ماذا يعني حضور طرف لا يريد من المؤتمر إلا تسلّم السلطة، فيما الطرف الآخر يعلن أنه لن يذهب إلى المؤتمر لتسليم السلطة، مؤكداً على أن مهمته الأساس تكمن في «محاربة الإرهاب»، في وقت يتم فيه تحويل الشعب السوري إلى سلعة في أسواق النخاسة الدولية. إذاً، فإن نهاية المؤتمر، ولن نقول نتائجه، باتت واضحة، أو شبه محسومة. فبعد ومضات الكاميرات واللقاءات البروتوكولية، سيتم الإعلان عن وفاة مؤتمر «جنيف 2» عبر توصيات لا قيمة واقعية لها. وإن تمخّض عن نتائج، فإن قيمتها الواقعية تساوي الصفر. إذ إنها لن تجد لها حوامل اجتماعية وسياسية، ولن تجد لها طريقاً للتنفيذ. لأن من سيشارك في المؤتمر، إضافة إلى أنه يناقض إن لم نقل يعادي مصالح الشعب السوري، فإنه لا يتحكم بالقوى الميدانية. فكيف ستكون الحال إذاً في حضور شخصيات كانت على مدار الأزمة السورية تتسم بالتوتر والتهور والمغامرة. إذ إن ارتهانها للخارج وتمسكها بالحسم العسكري جعلاها تقف في صف المعاداة للشعب السوري وقواه السياسية الوطنية الديموقراطية.

وهذا يعني بالضرورة أن السوريين سيدخلون في مرحلة أشد خطورة. فالمجموعات التكفيرية باتت تطغى على المشهد، والأمل بانعقاد مؤتمر آخر لن يكون في المدى المنظور. بينما القوى السياسية الوطنية الديموقراطية يتم إجهاضها وإقصاؤها عن المشهد السياسي، في وقت يتم فيه تقطيع علاقاتها السياسية مع حواضنها الاجتماعية، وقمعها وسد مجالات وآفاق تحركاتها السياسية، فيما القوى الدولية تعمل على إحكام قبضتها على مصير السوريين.

إن اشتغال الأطراف الدولية المهيمنة والإقليمية الفاعلة على اختصار المعارضة السورية في بعض الشخصيات الائتلافية يساهم في تكريس الانشقاقات العمودية والأفقية ضمن مكونات الائتلاف المتناقضة، والتي لا تعكس أياً من أهداف السوريين في التغيير الديموقراطي. بذلك لم يكونوا أكثر من ظاهرة صوتية تعبّر عن مصالح قوى دولية تشتغل على تدمير بنية المجتمع السوري ونسيجه الاجتماعي.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الضغط على قيادات الائتلاف للمشاركة في حوار مباشر مع رموز يمثلون النظام، من قبل قوى دولية أوصلت الائتلاف إلى العدمية السياسية، ودفعته إلى تبني أوهام إسقاط النظام، في وقت كانت فيه الأطراف الدولية تدير أدوات الصراع من أجل إسقاط الدولة. وهذا يعني أن المؤتمر لن يكون أكثر من منبر لتبادل التهم انطلاقاً من التمسك بمواقف غير قابلة للتنفيذ. وقد يكون هذا ما تريده بعض الأطراف الدولية الضالعة في الأزمة السورية. بمعنى آخر، سيتم العمل على إيصال السوريين إلى طريق مسدود يكون فيه إفشال الحل السياسي العنوان الأساس. ولن تكون الأطراف المشاركة في هذا المؤتمر إلا أدوات وظيفية لتنفيذ أجندات توافقت عليها القوى الدولية العظمى، من دون النظر إلى ما يعانيه الشعب السوري. ومن المحتمل أن يكون من أهداف إشراك الائتلاف في المؤتمر، إيصاله إلى الإفلاس النهائي، في ذات اللحظة التي يتم فيها تحضير أدوات جديدة لأدوار وظيفية جديدة. وقد يكون رهانها على استغلال طرف مرتهن لإرادتها السياسية من الأسباب الأساسية، كونه يساهم في تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وهذا يؤكد مجدداً أن حل الأزمة السورية لن يكون إلا عبر حوار سوري داخلي تعترف فيه جميع الأطراف برفض العنف كوسيلة للتغيير الديموقراطي، وتتفق على أن مقدمات الحل تبدأ من القضاء على المجموعات الجهادية التكفيرية.

ويعلم الجميع أن هيئة التنسيق الوطنية بشكل خاص هي من كان يسعى منذ إعلان جنيف الأول الى ضرورة عقد مؤتمر دولي يعالج الأزمة السورية. وهذا من منطلق اقتناعها بضرورة الحل السياسي. فكانت الهيئة على مدار أكثر من عام ونصف عام تعمل على تحضير المناخ المناسب لانعقاد مؤتمر «جنيف 2»، وهذا التوجه يعبّر بشكل كبير عن رأي المجتمع السوري الذي يرى أن الحل السياسي سيفتح الآفاق الضرورية لبناء مجتمع ديموقراطي يحقق العدالة الاجتماعية للمواطن السوري. لكن تمسّك الولايات المتحدة ودول الخليج بالائتلاف كممثل وحيد لقوى المعارضة وللشعب السوري، وتسليم الروس قضايا المعارضة للأميركيين، لا يعدو أن يكون إجهاضاً لأي حل سياسي وطني ديموقراطي، وكذلك إمعاناً في تدمير سوريا لتحقيق التسويات والصفقات الدولية. في وقت تعلم فيه هذه الأطراف أن الائتلاف لا يمثل إلا ذاته، ويعلمون أيضاً أن إقصاء معارضة الداخل عن الحل السياسي سوف يؤجج العداء والتنابذ والتناحر بين مكونات المعارضة السياسية الداخلية منها والخارجية، ويعزز التناقض داخل مكونات الشعب السوري، مع العلم بأن الفصائل المقاتلة على الأرض ترفض بشكل كامل أي حل سياسي، ولا تعترف بالقوى السياسية كممثل لها. وهذا لا ينفصل عن تمسّك الأطراف الدولية بضرورة مكافحة الإرهاب الذي توظّفه ظاهرياً لخدمة الشعب السوري. لكن الحقيقة تكمن في تحويل سوريا إلى ساحة للتدخلات الدولية المباشرة منها وغير المباشرة، وكذلك ساحة لتصفية الصراعات الدولية، ومدخلاً إلى إعادة رسم الخرائط الإقليمية من جديد. وهذا نتيجة تحويلها إلى ساحة جهاد يقصدها كل متقرب إلى الله كذباً. إن دروس التاريخ في هذا الجانب كثيرة، وجميعها تؤكد أن من يسلّم زمام نفسه لقوى الخارج لن يجني إلا الخيبة والفشل والهزائم وضياع المجتمعات. ومن هنا تكمن أهمية استقلالية القرار السياسي، والالتصاق بالشعب الذي يمثل التعبير عنه جوهر التغيير السياسي الديموقراطي. بينما نتائج التفريط بمصالحه والانفصال عنه لن تكون إلا الإفلاس السياسي والدمار الذاتي، والتأسيس لسلطة سياسية احتكارية مستبدة. ويتعزز هذا سورياً، في حال استفراد طرف سياسي بتمثيل «الثورة» والمعارضة، والشعب.

* باحث وكاتب سوري

الأخبار

مؤتمر “جنيف 2” إلى أين؟/ ماجد حبو

بعد إعلان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن تاريخ المؤتمر الدولي من أجل سوريا (جنيف 2) في 22 كانون الثاني الحالي، توصل الطرفان الراعيان في 20 كانون الأول الماضي إلى تثبيت هذا التاريخ بعد عام ونصف العام مضت على مؤتمر جنيف الأول.

ثمانية عشر شهراً خسر الشعب السوري فيها أكثر من سبعين ألف ضحية إضافية، وتهديم في البنية التحتية جاوزت كلفته 200 مليار دولار، وزيادة في المشردين والنازحين واللاجئين بحوالى 3 ملايين إنسان.

من الضروري تذكير كل قصير ذاكرة، بأن “هيئة التنسيق الوطنية” كانت أول من أيد إعلان “جنيف 1″، وقدمت ملاحظات نقدية على قرارات 30 حزيران العام 2012، وطالبت بتداركها في “جنيف 2”. هناك أحزاب في الداخل انضمت إلى الحكومة، وأيدت حواراً وطنياً بين السوريين. ورفض “المجلس الوطني” السوري “إعلان جنيف” ولم يكن “الائتلاف” السوري قد تشكل بعد. واستبدلت السلطة السورية وأحزابها فكرة المؤتمر الدولي بنقاط رئاسية للحوار والمصالحة.

كنا في “هيئة التنسيق” وما زلنا نرى أن الحل السياسي هو المخرج الوحيد من الحرب القذرة التي تعيشها سوريا على حساب الشعب والوطن ومشروع التغيير الديموقراطي. وقد أكدنا على ضرورة التمسك بالمؤتمر الدولي، لأن القضية السورية لم تعد ملكاً للسوريين، فالمال والسلاح والمقاتلين غير السوريين هم الوقود الأساس لاستمرار العنف، ولا يمكن وقف هذا التدمير المنهجي للعباد والبلاد من دون إغلاق منابع العنف وإبعاد كل المقاتلين غير السوريين ووقف عبور السلاح لأي طرف كان، وفتح الطريق لعبور الغذاء والدواء لكل السوريين ورفع المظالم عن المعتقلين والمخطوفين.

كان موقف الدول الغربية والخليجية متضارباً ومتناقضاً من مؤتمر جنيف، فقد حضر المؤتمر الأول 16 بلداً ومنظمة، منها الاتحاد الأوربي، ورغم ذلك دعمت هذه البلدان الخيار العسكري “عيار وسط” بشكل عمّق حرب الاستنزاف في البلاد، وأغمضت العين عن دخول الجماعات التكفيرية، ثم اعتبرت تدخل الميليشيات الشيعية و”حزب الله” احتلالاً إيرانياً رغم أننا نبهنا في كل مناسبة وموقف من أن من يغمض العين عن مئة من الشيشان لن يحول دون تدخل ألف من لبنان، فالتدخل الخارجي يفتح باب التدخل الخارجي الواسع، والعنف يزيد العنف، والخطاب الطائفي كما الممارسات ستجعل المواجهات الطائفية المدمرة هدفاً في ذاته، ومن أجل ذاته عند كل الموتورين والمجرمين من داخل الحدود وخارجها.

عندما أطلق كوفي انان مبادرته، ومن بعد توافقت الأطراف الـ16 (بما فيها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن) على “إعلان جنيف”، كانت معادلة وقف إطلاق النار بسيطة في مكوناتها العسكرية، وكان ثمة هوامش أوسع لتحجيم العنف والتطرف والجرائم الطائفية، وتواجد قابل للسيطرة من الأطراف السورية لوحدها. اليوم نحن أمام عملية مركبة ومعقدة فيها ساحات اقتتال بالوكالة والأصالة في مواجهات مفتوحة مدمرة، لا أفق لها سوى إشباع غرائز متوحشة وطموحات إقليمية ضيقة الأفق، وسرطان مذهبي مدمر للبلاد والعباد تحت أنظار سمع العالم وبصره. ومن الصعب الاستجابة السريعة لها بمجرد قرار دولي أو إقليمي أو سوري بذلك.

منذ أيار العام 2013 توضح لنا أن الطرفين الأميركي والروسي قد اتفقا على تقاسم الأدوار والمهمات، وكان من الواضح أيضاً ربطهما للملف السوري بجملة ملفات إقليمية ودولية. ومع ذلك، وبالتواصل معهما وكل من له علاقة بالملف السوري سلباً أو إيجاباً، حرصت “هيئة التنسيق الوطنية” على مسلمات أساسية في نهجها الوطني والديموقراطي والمدني والسيادي، تقوم على ضرورة التعاون بين كل أطراف المعارضة من أجل تحقيق مطلب “إعلان جنيف” منها في تشكيل وفد وازن في تمثيله، يتمتع بالكفاءة ويستطيع دخول المعركة السياسية بالمستوى الذي تفرضه علينا تضحيات الشعب السوري. وقد اعتبرنا هذا الإعلان الأساس لهذه المباحثات من دون أية شروط مسبقة، وأكدنا أن المهم ليس عقد مؤتمر جنيف مهما كانت الظروف والنتائج، بل توفير الشروط الذاتية والموضوعية لإنجاحه.

من هنا حرصنا المتزن والمتوازن على ألا ندخل حلبة المعركة السياسية من دون دعم شعبي قوي، وتوفر الحد الأدنى من أجواء الثقة بين مختلف الأطراف. لذا طالبنا المجتمع الدولي بالتحرك الجدي من أجل إعلان النفير العام للإغاثة في نكبة فاقت خسائرها وكلفتها تسونامي القارة الآسيوية، وتوفير الإمكانيات لإيصال المساعدات الإنسانية لمن يحتاجها على عموم الأراضي السورية، ووقف الاعتقال العشوائي من قبل الأجهزة الأمنية، مع الإفراج، عن كل من لا ناقة له ولا جمل، من وراء القضبان، وبشكل خاص الجماعات المستضعفة من نساء وأطفال. كذلك رفع العقوبات الغذائية والدوائية الأميركية والأوروبية عن سوريا، وإطلاق سراح المخطوفين والمخطوفات عند الجماعات المسلحة على اختلافها.

لكن وبكل أسف لا نلاحظ أية ضغوط جدية للحصول على أي حق من هذه الحقوق، بل على العكس من ذلك يجري هدم مناطق كاملة في مدينة حلب ببراميل الديناميت. ويلاحظ صمت وتواطؤ أطراف في المعارضة في عملية اختطاف راهبات وجرائم قتل على الهوية المذهبية.

وعوضاً عن وضع تخوم واضحة بين أنصار الحل السياسي وأنصار التأجيج العسكري، يختلط الحابل بالنابل، ويتراكض الطرف الأميركي لإرضاء منظمات متطرفة بغية مشاركتها في مؤتمر جنيف، ولا تتورع عدة دول عن طرح مندوب لها في المؤتمر ودول أخرى عن وضع قوائم للمشاركين، بل وللوزارة المقبلة؟

ويمكن أن نقول اليوم من دون تجنٍ على أحد، إن الدول الراعية وأخواتها الإقليمية تضع مصلحة الشعب السوري والسيادة السورية في الاعتبار الأخير، ويهمها أكثر بكثير تحقيق توازنات وصفقات من الاستجابة لاحتياجات وضرورات يتوقف عليها مصير شعب ودولة ومنطقة.

إن محصلة اللقاءات الدولية التي قامت بها “هيئة التنسيق” تعطي صورة شاحبة غير مطمئنة لكل حريص على سوريا وشعبها. ومن المحزن أن نقول إن هناك توجهاً جدياً لتحويل “جنيف 2” من مؤتمر لرسم معالم سوريا مدنية ديموقراطية ذات سيادة إلى مؤتمر لتقاسم النفوذ والمصالح الدولية في نطاق لعبة الأمم.

لا يمكن الحديث عن تسوية سياسية تاريخية إلا في مؤتمر يكون فيه التغيير الديموقراطي، وانتقال البلاد من دولة أمنية إلى دولة قانون جديرة بالتسمية، الهدف والمآل. ولا يمكن عقد مؤتمر ينجم عنه هيئة حكم وطنية جامعة مع استمرار القمع والقصف في ظل غياب وتغييب الصوت الديموقراطي الحر وتحويل الغالبية الصامتة إلى مجرد ضحية في مواجهات أصبحت سمتها المشتركة الوحيدة جرائم الحرب اليومية. كذلك لا يمكن الهرولة وراء حضور سياسي للمتطرفين مكافأة لهم على جرائمهم، في وقت يجري تهميش تواجد الشخصيات الاعتبارية والمنظمات الوطنية الديموقراطية.

لقد سعت “هيئة التنسيق” لتوحيد صفوف المعارضة باستمرار، ليقينها بأن انقسام المعارضة يعني استقواء الخارج عليها، واستقواء بعضها بالخارج، ولم تغلق الباب على كل محاولات التنسيق والتعاون. وهي ترى اليوم في توحد موقف المعارضة، على اختلاف ألوانها، السبيل الوحيد لاستعادة السوريين لقرارهم وكرامتهم في هذه الحرب القذرة التي انطلق شعبنا فيها بصرخة “الموت ولا المذلة”، وأوصلته الأطراف الإقليمية والدولية، بنسب مسؤولية قلت أو كثرت، إلى الموت والمذلة.

من الواضح لكل ذي بصر وبصيرة أن أي حضور لمؤتمر جنيف من دون الممهدات القادرة على احتضان المؤتمر من أوسع شرائح المجتمع السوري وقواه السياسية والمدنية، سواء كان هذا الحضور بمظلة تنظيم وملحقات شكلية أو عدة وفود لأطراف المعارضة السورية الأساسية يغنّي كل منها على ليلاه، سيكون نقطة ضعف قاتلة في المفاوضات، وفي القدرة على فرض مطالب الشعب السوري والتي قدم من أجلها تضحيات تفوق الوصف.

إننا في “هيئة التنسيق” نتوجه إلى مختلف الأطراف بمبادرة “وفد واحد وبرنامج واحد وصوت واحد”، وكلنا أمل بأن يتغلب الشعور الوطني والشعبي المسؤول على الالتزام الحزبي والفئوي، وأن نمتلك جميعاً في هذا الظرف العصيب الإحساس الأعلى بالواجب تجاه مواطني بلدنا من أجل خوض المعركة السياسية، بكامل ما تتطلبه منا من تكاتف وتقارب يسمح بإعادة الاعتبار إلى مختلف قوى المعارضة، التي وللأسف لم تستطع حتى اللحظة توحيد صفوفها أو تشكيل لجان مشتركة تسمح بتنسيق الحد الأدنى في ما بينها.

نتوجه بالدعوة اليوم ومن دون أي تأخير إلى اجتماع مصغر لأطراف المعارضة الرئيسية، ونقترح أن يكون في القاهرة، في رحاب مصر التي حافظت على علاقة جيدة وبناءة مع مختلف أطراف المعارضة السورية. اجتماع يهدف إلى تحديد نقاط الارتكاز المشتركة للمعارضة الوطنية الديموقراطية، وفي مقدمتها:

1- اعتبار المؤتمر الدولي تدشيناً لفترة انتقال ديموقراطي مدني، لا فترة استمرار للتعسف والدكتاتورية في البلاد أو لمؤسساتها.

2- ضرورة الطابع الملزم والتنفيذي لقرارات المؤتمر، بما في ذلك وسائل المشاركة الأممية المباشرة في الميدان.

3- الاتفاق على ميثاق وطني سوري مشترك يشكل قاعدة الارتكاز لبناء سوريا الجديدة، ويعتمد على نصوص أساسية تثبتت في مؤتمر حلبون ووثائق “المجلس الوطني” و”الائتلاف” و”الهيئة الكردية العليا” والميثاق الوطني في مؤتمر القاهرة.

4- إعداد مسودة مشتركة للمبادئ الدستورية للمرحلة الانتقالية وأولويات العدالة الانتقالية في الوضع السوري.

5- تحديد مواصفات هيئة الحكم، باعتبارها ليس فقط حكومة بالمعنى التقليدي (تمتلك السلطة التنفيذية)، بل سلطة انتقالية ذات صلاحيات تتعدى الصلاحيات التنفيذية إلى التشريعية والقضائية للمرحلة الانتقالية.

6- إعادة تموضع القوى المسلحة في البلاد على أساس انتمائها للمشروع الديموقراطي والحل السياسي، والاتفاق على آليات قابلة للتطبيق، تتعلق بدور وهياكل ووظيفة الأجهزة الأمنية في البلاد وإعادة هيكلة وبناء المؤسسة العسكرية.

7- تقسيم العمل بين المكونات السياسية بشكل تكاملي لا تنافسي، يسمح بالاستفادة من كل الطاقات والعلاقات التي بنتها المعارضة خلال أكثر من عامين ونصف العام من النضال السياسي والديبلوماسي على الصعيدين الإقليمي والدولي.

8- وضع خطة إنقاذ وطنية تعتمد على الاستنفار الدولي المرافق للعملية السياسية، بحيث يمكن دمج مهمتين مركزيتين، هما الإغاثة وإعادة البناء، في مشروع يشبه مشاريع إعادة البناء في مناطق الصراع الدامية، مثل أوروبا إثر الحرب العالمية الثانية ومكونات يوغسلافيا السابقة.

9- تشكيل غرفة عمليات مشتركة للمعارضة السورية، تنضم إليها شخصيات تمتلك الكفاءة والاختصاص والتجربة، تسمح برسم سياسة إعلامية مشتركة، وبناء نسيج علاقات قوية أثناء المؤتمر، وتكوين جماعات ضغط مؤيدة للبرنامج المشترك.

10- من الضروري حضور “الائتلاف الوطني” و”هيئة التنسيق” و”الهيئة الكردية العليا” والأطراف غير المنضوية في هذه التكوينات وشخصيات اعتبارية معروفة. ويمكن مشاركة أطراف عسكرية في هذا الاجتماع للإدلاء بدلوها ونصائحها في كل ما يتعلق بالملفات الأمنية والعسكرية. ومن المفترض ألا يزيد عدد المدعوين والمدعوات عن 35 إلى 40 شخصية، وتتخذ القرارات بالتوافق.

في هذا الاجتماع تجري مناقشة كل المقترحات، بما في ذلك موقف موحد لكل أطراف المعارضة من عقد مؤتمر جنيف في التاريخ المحدد له أو ضرورة التأجيل.

لا سبيل آخر ينقذنا من أن نكون جميعاً في مؤتمر “جنيف 2” مجرد طرفٍ مفعول به مهزوم. إننا نتوجه لكل قوى المعارضة نطالبها بالاستجابة لمطلب شعبي أساسي يضمن وجود صوت قوي وفاعل، ومؤثر للدفاع عن الحقوق الأساسية للمواطنة والوطن في هذه اللحظات الأصعب في تاريخ سوريا المعاصر، ونأمل من الجميع أن يكونوا في مستوى المهمة التاريخية الملقاة على عاتقنا.

* أمين سر هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديموقراطي – فرع المهجر

السفير

“جنيف 2”: حل للنزاع بين الدولتين العظميين/ عدنان بدر حلو

اليوم موعد انعقاد مؤتمر «جنيف 2». فما هي التوقعات التي يمكن للمرء أن ينتظرها من هذا المؤتمر الدولي الذي يحضره العالم كله تقريباً؟

لا شك في أن نتائج المؤتمر تتوقف على مواقف الأطراف الأساسية الفاعلة فيه، وفي مقدمها الدولتان العظميان أميركا وروسيا. ولا نستطيع استشراف ما تريده هاتان الدولتان أو كل منهما من هذا المؤتمر ما لم نعرف بالضبط ما كانتا تريدانه من الأزمة السورية قبل ذلك:

أولاً، بالنسبة للولايات المتحدة: لقد عبرت واشنطن بصورة علنية وواضحة عما تريده من سوريا، عندما قام وزير خارجيتها كولن باول بزيارة دمشق عام 2003 ليعرض ما يمكن اعتباره شروط استسلام في أعقاب الغزو الأميريكي للعراق، وكانت على الشكل الآتي: وقف أي دعم أو تسهيلات للمقاومة العراقية.

ووقف أي دعم للمقاومة في لبنان. ووقف الدعم والتسهيلات لمنظمات المقاومة الفلسطينية وإبعادها عن سوريا. وقطع العلاقات مع إيران. وإخضاع برامج التسليح غير التقليدية للمراقبة الدولية.

وما من شك في أن هذه المطالب أو الشروط لم تكن تتضمن تغيير النظام ولا حتى إحداث تغييرات ديموقراطية في بنيته، بل هي بإيجاز وكما وصفتها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لاحقاً «مجرد تغيير في سلوك النظام»!

مع انفجار الأحداث في آذار 2011، وجدتها الولايات المتحدة فرصة سانحة لتحقيق أهدافها المشار إليها أعلاه عن طريق المسارعة إلى العمل على احتواء الحراك الشعبي بالدعم السياسي والإعلامي المباشر، وبالمساعدات المالية والتسليحية من قبل الدول الإقليمية السائرة في ركاب الأميركيين كقطر والسعودية، والتسهيلات اللوجستية في تركيا ولبنان والأردن … والتوجه به من ساحة مقاومة النظام لطبيعته الاستبدادية الفاسدة التي ألحقت أضراراً كارثية بالشعب السوري، إلى ساحة سياساته العربية والإقليمية والدولية في الاتجاه الذي يخدم سياسة الولايات المتحدة ومصالحها.

وقد شكلت تصريحات برهان غليون (أول رئيس للمجلس الوطني للمعارضة) لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، بتاريخ 2 كانون الأول 2011، أول تعبير عن نجاح هذا الجهد الأميركي، حيث قدم أوراق اعتماد المعارضة السورية لواشنطن باعتبارها «ثورة» من أجل قطع علاقات سوريا مع إيران وحزب الله وحماس، والانتقال نحو المطالبة بالجولان عن طريق المفاوضات بمساعدة دول الغرب الصديقة!

وعلى هذا الأساس، راحت الولايات المتحدة، بالتعاون مع حلفائها في المنطقة، تعمل على تعزيز نفوذها داخل صفوف المعارضة السورية والحراكين الشعبي والمسلح، حتى بات سفيرها روبرت فورد المفوض السامي ذا صلاحيات مطلقة في إدارة شؤون هذه المعارضات، يعاونه في ذلك رئيس المخابرات السعودية الأمير بندر بن سلطان ومجموعة من الدبلوماسيين ورجال المخابرات السعوديين والقطريين والأتراك وغيرهم.

بهذا الانحراف السياسي، وبدلاً من سعي الثورة السورية الى إضعاف النظام عن طريق الفصل بينه وبين حلفائه، انقلب الأمر _ ولا سيما مع تصاعد التوتر المذهبي في سوريا _ إلى استعداء أولئك الحلفاء وإشعارهم بأن هدف الثورة هو الانتقال بسوريا من المعسكر المعروف باسم «المقاومة والممانعة» إلى معسكر «الاعتدال» الذي تقوده السعودية وترعاه الولايات المتحدة! وأن سقوط النظام بالتالي سيكون ضربة قاصمة موجهة للأطراف الأخرى في ذلك المعسكر، أي حزب الله وإيران، الأمر الذي انتقل بهاتين القوتين من موقف التأييد للنظام إلى موقع الانخراط المباشر في حربه ضد الثورة.

لقد حققت الولايات المتحدة بهذا الانحراف في مسار الثورة السورية أهم هدف لها في سوريا، وهو تسيير الأحداث الدموية فيها باتجاه إضعافها كدولة وجيش ومجتمع وكيان وطني … سواء سقط النظام أو لم يسقط. وإن أية مراجعة للتعامل الأميركي مع سوريا ومع الثورة والمعارضة تكشف أن كل ما فعلته الولايات المتحدة كان يصب في هذا السياق. الأمر الذي بلغ ذروة انكشافه في صفقة السلاح الكيميائي! إذ بدا واضحاً أن تجريد سوريا من أي قدرة على تهديد إسرائيل أو تشكيل خطر على أمنها هو الهدف الأسمى للسياسة الأميركية تجاه سوريا وتجاه الثورة فيها.

وما من شك في أن نظرة على الأوضاع الحالية تؤكد أن هذا الهدف الأميركي الأساسي قد تحقق، وبالتالي لم يعد موضوع إسقاط النظام أو عدم إسقاطه يغيّر من الأمر شيئاً بالنسبة لواشنطن. وخاصة بعدما وصلت الأحداث إلى حال من التوازن بين عجزين: عجز النظام عن استعادة سيطرته على البلاد بكاملها، وعجز المعارضة المسلحة عن إسقاط النظام، بل ربما يكون تطاول الأحداث بشكلها الحالي مدخلاً إلى تحول سوريا كلها إلى دولة فاشلة تشكل مرتعاً للتنظيمات الجهادية المسلحة غير القابلة للاحتواء أو الضبط، الأمر الذي يهدد استقرار دول الجوار كلها، بما في ذلك إسرائيل. فينقلب السحر على الساحر.

من هنا، يمكن القول بقدر لا بأس به من الثقة إن الولايات المتحدة باتت الآن صاحبة مصلحة في التوصل إلى حل للأزمة السورية يحول دون تحول سوريا إلى دولة فاشلة مع عدم التفريط بالمكاسب التي تحققت لواشنطن حتى الآن. ولا سيّما إذا كان هذا الحل يضمن نوعاً من المشاركة في النظام «القديم _ الجديد» لمن أصبحوا جماعتها في المعارضة!

ثانياً، بالنسبة لروسيا: لقد وجدت روسيا المستجدة القوة (مالياً وسياسياً وعسكرياً) في الأزمة السورية فرصة نادرة لاستعادة مرتبتها الدولية التي سبق أن انهارت إلى الحضيض مع انهيار الاتحاد السوفياتي. وكان مجلس الأمن الدولي هو الساحة المثلى لتحقيق هذا الغرض على المستوى الدبلوماسي، بالتعاون مع الصين وبدعم واسع من مجموعة دول «البريكس».

لكنها في الوقت نفسه وجدت أن انهيار النظام السوري الحالي ووقوع سوريا في قبضة الولايات المتحدة سيمكنان أميركا من تجديد مسعاها لإقامة «شرق أوسط جديد» يمتد من أعالي النيل إلى عمق آسيا الوسطى، ومن استكمال بناء الكماشة حول العنق الروسي ما بين أوروبا الشرقية ودول البلطيق في الغرب والشمال، وهذا «الشرق الأوسط الأميركي» في الجنوب والشرق.

في مواجهة هذا الخطر، كانت مسارعة موسكو لرفد دعمها الدبلوماسي للنظام السوري بدعم عسكري غير محدود وصل التعبير عنه في كثير من الأحيان إلى مستوى الدفاع عن الأمن القومي الروسي نفسه. وهذا أمر أكبر بكثير مما كان يراه البعض كدفاع عن القاعدة البحرية في طرطوس أو بعض المصالح الحيوية الأخرى التي لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى الجهد الذي بذله الروس في المعركة السورية على مدى السنوات الثلاث الماضية.

أكثر من ذلك، لم يحقق الروس بهذا الدعم نفوذاً لهم غير مسبوق في سوريا وحسب، بل كذلك لدى حلفاء النظام السوري، وبالذات في إيران ذات الأهمية الكبيرة على امتداد الإقليم الشرق أوسطي والتي باتت حليفاً قوياً لموسكو.

وإذا كانت روسيا، مثلها مثل أميركا، تدرك طبيعة «توازن العجز» المسيطر على الأوضاع العسكرية في سوريا الآن، فإنها تدرك كذلك أن أي تسوية حالية معتمدة على معطيات هذا التوازن سوف تبقي للنظام الحالي (وبالتالي لموسكو) حصة لا بأس بها في الإدارة السورية الجديدة … في حين أنّ تحوّل سوريا إلى دولة فاشلة ومرتع للتنظيمات الجهادية المسلحة، لا يحرم موسكو من هذه الحصة فحسب، بل يخلق وضعاً مهدداً لأمن الدولة الروسية في عقر دارها عن طريق تصدير المجاهدين الذين سيسرحون ويمرحون على امتداد الإقليم، انطلاقاً من الأراضي السورية والعراقية واللبنانية وغيرها.

على ضوء هذه القراءة، نجد أن ثمة مصلحة أميركية _ روسية مشتركة في التوصل إلى تسوية للأزمة السورية الآن. وهذا ما يوضح أسباب التحرك المشترك والكثيف من قبلهما للعمل على إنجاح مؤتمر «جنيف 2» الذي سينعقد على أساس وثيقة «جنيف 1» الصادرة بتاريخ 30 حزيران 2012، واستناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2118 بتاريخ 27 أيلول 2013.

بالنظر إلى طبيعة هذين الأساسين، نجد أن ثمة مساحة لكل منهما لتحقيق أهدافه ومصالحه المشار إليها أعلاه، من خلال «إنشاء هيئة حكم انتقالية تمارس كامل الصلاحيات التنفيذية، ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، وتتشكل على أساس التوافق»، كما ورد نصاً في الفقرة السادسة عشرة من قرار مجلس الأمن رقم 2118.

لكن، هل يكفي توافق الدولتين العظميين على صيغة ما للدخول في الحل السياسي كي يتحقق ذلك الحل؟

بالتأكيد لا … رغم الأهمية الفائقة لذلك التوافق الذي يظل شرطاً ضرورياً لأي حل.

فثمة أطراف أخرى في الأزمة لها تأثير كبير على مجراها. وحتى في حال استثناء الأطراف العربية والإقليمية الفاعلة في الأزمة _ وحتى الدولية غير الدولتين العظميين _ باعتبارها أطرافاً لا يمكنها الخروج من تحت مظلة القرار الدولي الكبير، تبقى الأطراف المحلية الفاعلة على الأرض (النظام والمعارضة) وهي أطراف يتوقف الكثير على مدى تجاوبها أو عدم تجاوبها مع الموقف الدولي واستجابتها أو عدم استجابتها لما يمكن أن يترجم من معطيات ذلك الموقف خلال المؤتمر، وخاصة أن المواقف المعلنة للطرفين المحليين لا تزال مستقرة وراء «إصرار المعارضة على إسقاط النظام بكل مكوناته ورموزه، وعلى الأقل إقصاء الرئيس الأسد وكل من تلوثت أيديهم بالدماء»، وإصرار النظام على «أنه لن يذهب إلى جنيف لتسليم السلطة، بل لحض المؤتمر على محاربة الإرهاب باعتبار أن من يواجههم على الأرض السورية ما هم إلا عصابات من الإرهابيين»!

صحيح أن لموسكو نفوذاً تعاظم بصورة كبيرة خلال الأحداث لدى أصحاب القرار في دمشق. وصحيح أيضاً أن لواشنطن نفوذاً كبيراً لدى معظم أطراف المعارضة والتنظيمات المسلحة المقاتلة في سوريا.

لكن، هل تستطيع الدولتان العظميان استخدام هذين النفوذين لفرض موقفيهما على الطرفين المحليين؟ وهل هذان الطرفان المحليان هما مجرد طرفين أم أن كلاً منهما يتشكل من أطراف متعددة ومتنافرة المصالح والتوجهات؟

هذان السؤالان هما اللذان جعلا وزيري الخارجية الأميركي والروسي يعلنان في مؤتمرهما الصحافي المشترك بتاريخ 13 كانون الثاني 2014 أنهما لن يفرضا شيئاً على المؤتمرين بل سيتركان لهم حرية التفاوض من أجل التوصل إلى حل!

هذا ما يبدو على سطح المعطيات الآن.

لكن، إذا ما كان شعور كل من الدولتين العظميين بخطورة استمرار الأزمة السورية وتطاولها على مصالحهما الحيوية وأمنهما القومي حقيقياً (وهذا ما نميل إلى الاقتناع به)، فإن الأمر سيختلف دون شك. ثمة أزرار كثيرة في متناول أيديهما يمكن الضغط عليها في لحظة ما لفرض إرادتيهما على الأطراف المتنازعة. ومن غير المستبعد أن امتداد الأزمة على مدى السنوات الثلاث الماضية كان في جانب منه وقتاً متاحاً للدولتين العظميين من أجل الإمساك بأكبر قدر من خيوط اللعبة على الساحة السورية، فمن المؤكد أنه لم يكن لواشنطن في بداية الأزمة ما لها الآن من حضور ونفوذ بنته حجراً وراء حجر في صفوف المعارضة السورية، ولا كان لموسكو ما لها الآن من نفوذ وتغلغل ودالة في أوساط النظام السوري الحالي ومؤسسته العسكرية صاحبة الدور الأول في القرار حالياً في دمشق.

على ضوء كل ما تقدم، نعتقد أن المؤتمر سيمر في مرحلتين قد تفصل بينهما مسافة زمنية تطول أو تقصر تبعاً للتطورات:

المرحلة الأولى: هي ترك الأمور للطرفين المتفاوضين كي يعرض كل منهما مواقفه وشروطه ومطالبه ورؤاه. وهي مرحلة ستكون استكشافية بالنسبة للأطراف الدولية عامة والدولتين العظميين خاصة.

المرحلة الثانية: بعد أن يستخدم فيها كل من الطرفين أقصى ما بين يديه من أوراق قوة بهدف تحقيق أقصى ما يستطيع من تغيير في الموقف على الأرض لصالحه، يجري تعريض الطرفين لنماذج من الضغوط الدولية الفاعلة: الضغط الروسي على النظام امتداداً من الموقف الدبلوماسي في مجلس الأمن إلى التحكم بتوريد الأسلحة والتأثير في الموقف العسكري على الأرض. والضغط الأميركي لتجفيف مصادر التمويل والتسليح وإغلاق المنافذ الخارجية أمام أطراف المعارضة السياسية والعسكرية، وصولاً في النهاية إلى تطويعهما تطويعاً كافياً لجلبهما مرة أخرى إلى جنيف أو مونترو للتوصل إلى حل يتنازل فيه الطرفان عن مقدار كبير مما يعلنان الآن أنه ثوابت لا يمكن التنازل عنها.

وآنذاك، يكون الحل بالاتفاق فعلاً على «إنشاء هيئة حكم انتقالية تمارس كامل الصلاحيات التنفيذية» مدعومة بقرار ملزم يتم اتخاذه في مجلس الأمن تحت الفصل السابع، بشكل يضع سوريا كلها تحت وصاية الأمم المتحدة لبناء نظامها السياسي من جديد، وفقاً لمواصفات دولية معينة لا تعود بموجبها تشكل خطراً على إسرائيل أو تهديداً لها، كما أنها لا تشكل بالمقابل مرتعاً للتنظيمات الجهادية المسلحة، أو موضعاً للانفراد (الأميركي أو الروسي) بموقعها الاستراتيجي الهام جداً بالنسبة لكليهما، بل ساحة تعاون وتقاسم نفوذ دولي بينهما إلى فترة غير قصيرة قادمة.

وهكذا تحقق الدولتان العظميان مصالحهما في بلادنا. أما الذين قضوا في هذه المجزرة المستمرة منذ ثلاث سنوات فلأرواحهم الرحمة … فقط!

* كاتب سوري ـــ فرنسا

السفير

جنيف: إنشاء إعلام النظام ووصايته/ راشد عيسى

في وقت تتجه كل الأنظار إلى سوريا، جهِد إعلام النظام في رسم صورة تلخص المعزوفة التي درج عليها خلال الأعوام الفائتة. لقد أراد أن يؤكد، في صورة وفده إلى جنيف، على أنه حامي الأقليات الدينية، عبر استخدامه لرجل دين مسيحي جلس ضمن الوفد،  فيصيب بذلك عصفور ادّعاء حماية الأقليات، ويكسب صوتاً معروفاً في مقارعة إسرائيل كما بقوميته. تماماً كما حرص على وجود امرأة، حرصه التاريخي على وجود وزيرة في حكومته، إشارة إلى فاعلية المرأة واحترام حقوقها.

خلطة مكشوفة وباتت معروفة للجميع. لكن حضور المرأة، وهي هنا لونا الشبل المذيعة السابقة في قناة “الجزيرة”، والمستشارة حالياً في القصر الرئاسي، كان هذه المرة سبباً في غضب السوريين، فالشبل أثبتت قدرة فائقة في سرقة الكاميرا. المذيعة المدربة لم تفوت فرصة في لفت عين الكاميرا، تارة بالتبسّم، وتارة بإيهام المشاهدين بأنها تقوم بعمل مهم وهي تتابع سماعات الترجمة أثناء كلمة المعلم، بحيث توحي بأنها تتأكد من دقة الترجمة، أو عبر وشوشة وزير الإعلام، وصولاً إلى الضحك مع بقية أعضاء الوفد بتلك الطريقة الانتصارية لمقدرة المعلم في سرقة أكثر من الوقت المخصص له. ضحك الشبل وحده استجرّ سخرية السوريين، كيف تضحك بهذا الشكل من تمثل بلدأ يعيش تلك المأساة؟ ضحك لونا الشبل كان عليه، على الأقل، أن يحترم مضمون كلمة المعلم التي حاولت أن تشحن نفسها بقوة الاستعطاف على مأساة السوريين.

رئيس وفد النظام نفسه لم يكترث لـ “مأساوية” مزعومة في كلماته هو نفسه، وراح يناكف الأمين العام للأم المتحدة ليسرق دقائق إضافية للحديث، بطريقة ليس فيها من الأعراف الديبلوماسية بقدر ما فيها من مراوغة ومماطلة عهدناها لدى النظام.

على المنوال نفسه، أراد النظام أن يقدم صورة جديدة عن إعلامه وهو ينقل المؤتمر مباشرة على قنواته، ومرة أخرى كان يؤكد أن لا مجال إلا ليتبع النظام نهج إعلام الوصاية والتزوير، ذلك على الرغم من أن فضائية النظام تجرأت على نقل كل الكلمات بما فيها كلمة رئيس “الائتلاف السوري” أحمد الجربا، لكن من دون أن يفوتها بث صور لجرائم إرهابية وإعدامات عشوائية وقنابل ودماء ودمار وصورة مصحف ملقى على الأرض، مع تجاهل قصف طائرات الميغ لأحياء المدنيين الآمنين، وصواريخ السكود، وضحايا “كيماوي” الغوطة. وهي بذلك تحاول الربط بين صور الخطباء وتلك الجرائم على أنها من تدبيرهم.

استنتاج يدعمه شريط باللون الأحمر أسفل الشاشة، حيث كتب أثناء خطاب أوغلو، وزير الخارجية التركي “أوغلو يغطي دعم حكومته للإرهابيين الذين تدربهم وتمولهم من أراضيها، ويتباكى على السوريين وآلامهم داخل سورية والمخيمات”. أما تحت صورة سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، فقد كتبت أثناء خطابه “سعود الفيصل وزير خارجية أسرته يؤكد مواصلة نظامه العدوان على الدولة والشعب السوري”.

فأي موضوعية وأي حياد إعلامي في صورة الإعلام السوري الجديد! ويدفع كل هذا للتشكيك أيضاً في ما ترجمه التلفزيون السوري، وفي ما أخفى، لكن لا شك أن تأخير بث المؤتمر بمقدار دقائق (أو بمقدار خطاب كامل) يؤكد سوء نية إعلام النظام.

أرادت الفضائية السورية أن تغطي المعلومة والخبر وما ورد في كلمات افتتاح المؤتمر بكلام إنشائي وخطابي وتعبوي، مثلاً لنر الفارق في ما لخصته “العربية” على شاشتها لكلمة وزيرة الخارجية الإيطالية حين كتبت نقلاً عنها “تنفيذ بنود جنيف1 هو الحل”، في وقت كتبت الفضائية السورية نقلاً عن كلمة الوزيرة ذاتها “أصرخ بصوت عال، علينا جميعاً أن نعمل لحقن الدم”، أو “أمن سورية ومنطقة الشرق الأوسط يؤثر على الأمن والسلم العالمي”.

النظام، وإعلام النظام، لا يستطيع إلا أن يكون نفسه مهما حاول أن يبدي صورة تستجيب لمقتضيات الإعلام الحر والمحايد. كذلك كانت صورة أنصاره خارج قاعات مونترو، وهم يعتدون ويشبحون على صحفيين سوريين مؤيدين للثورة، أو ينتمون لقنوات معارضة كما حدث حين تهجموا على مراسلة قناة “الأورينت” هيفي بوظو، أو الاعتداء على أحمد زكريا مراسل راديو “الكل”،  كما على الصحافيين رامي الجراح، وعدنان حداد.

المدن

خطوة الالف ميل: معركة الفرصة الاخيرة من أجل وطن للجميع/ بشار العيسى

انتهت احتفالية “مونترو” للصراع السوري وينتقل الاطراف الاساسيون الى مربع جنيف لإدارة حرب دائرة على الارض بالمدافع والطائرات واللحم الحي بالوسائل السياسية والكباش الدبلوماسي، وهي حرب أشدّ اواراً ومكراً  بنتائج قد تصبح كارثية او حلول وقتية تعيد التنفس الى جبهات القتال و الامل بالحياة للمناطق والمدن المحاصرة والاسرى والاطفال والاقتصاد المنهار.

في “مونترو” افترقت الألسن والالوان عن بعضها وأُخرِجَت الارانب من الأكمام، وتمّ النطق بحقيقة ما في الصدور والمخفي من خبايا النفوس الخبيثة، كما أظهر المجتمع الدولي بغالبيته روحا طيبة وتوجّها حازما الى حد ما، للتكفير عن الشراكة الجرمية التي طالت ثلاث سنوات، ضحاياها السوريون بكل مللهم ونحلهم  والجغرافيا الاقليمية التي بدأت تتفتق شروخاً بفوح  الدم السوري.

بداية حسنة وسيئة

أتى خطاب ممثل سلطة الأسد مكمِّلا لجرائمها، غير مفاجئاً لمن يعرف هذا النظام وخاصة حلفاؤه: فاجرا متغطرسا مشحونا بوَهم الانتصار، يحرف المناسبة عن مقصدها، يكرر الصفعة الى مرسل الرسالة الاممية السيد “بان كيمون” كما فعل الثعلب الايراني حين اوحى انه سيوافق على جنيف واحد ليستلم رسالة الدعوة للمشاركة، وينقلب على وعده برفض الشروط مما أُجبر بان كيمون على سحب الرسالة بخذلان المخدوع.

أتى الخطاب الروسي بدوره، في صيغة حفظ ماء الوجه بعد فشله الذريع في فرض ايران شريكا راعياً وفرض معارضة شبيحة أدلّاء لسلطة الاسد، بصيغ مختلفة بمسمى معارضة شريفة ( التي لو كانت شريفة لما احتاجت الى استجداء الشرف لها) الى قلعة ثورة الشعب السوري، وكان يكفي هذا وحده، ان يثير غضب الوزير (السوري كما لمّحت بخبث ال بي بي سي) لافروف، لولا أن زاده سيل الكلمات الواضحة الصريحة بلسان وزراء خارجية امريكا والسعودية وقطر وفرنسا قولا واحدا: “أن لا مكان للأسد” ولا بشكل من الاشكال في مستقبل سوريا ولا حتى في المرحلة الانتقالية، لا مكان لقتلة شعب في مستقبل الشعب.

لقد التزم الامريكان والسعوديون والفرنسيون لما لهم من مصداقية تجاه العالم وشعوبهم والمؤتمر الاممي انهم ملتزمون بحلّ سلمي لا مكان فيه للمجرمين ولن يكون الحل السياسي هدية للقتلة للإفلات من العقاب، وهنا تعود امريكا بخطابها لأول مرة من جديد الى خطابها ما قبل التوافق الكيماوي وجنيف ايران.

ربما لأمريكا مبرراتها الضاغطة في العودة الى رؤية الحقيقة بغير عيني “روبرت فورد” بالخوف على مصالحها ومكانتها ودورها الاقليمي بعدما كادت ان تصبح مطيّة روسية ايرانية اسرائيلية، في خدمة بشار الأسد وجرائمه معتمدا على الموقفين السعودي الفرنسي الغاضبين ربما سرّاً، والخائفين على مصالحهما امام الاختراق الايراني.

الضعف الوحيد كان في ميوعة “بان كيمون” وهزالة ادارته ليس للجلسة وحسب، بل لخضوعه للإشارات الخاطئة للسيد الاخضر الابراهيمي وجهازه الاستشاري الملغوم في صياغة الرسائل والملاحق التي ارسلت للمدعوين التي كادت ان تنسف وربما لم يفت الوقت بعد مرجعية جنيف 1 من اساسها القائمة على خطة كوفي عنان، الايام القادمة سنرى الى اية درجة سيتابع الابراهيمي دوره المشبوه وهل ستفعل المواقف الامريكية والسعودية والآخرين فعلها في لجمه عن الولوغ في مفاسد جهازه الاستشاري.

جنيف الامل بمستقبل ووطن

أتى الموقف الدولي، الامريكي والفرنسي والعربي السعودي ليخفف من هزالة خطاب رئيس الائتلاف الذي بدا أشبه ما يكون بالأرنب الاسود في حقل كثير النواطير اليقظين. خطاب غير احترافي تنقصه الثقة بعدالة القضية، وهو أصلا يفتقد مرجعية شعبية وميدانية لأسباب اصبحت معروفة ( انشقاقاته، تبعيته للمال السياسي، سيطرة قوى أمر واع وقادة حرب على الارض غياب واضح لهوية الجيش الحر) ومع ذلك فانه بدأ بداية حسنة ، يمكن لإدارته بدعم كبير من الحلفاء على الارتقاء بقدراته الهجومية في حال:

ـ إعادة النظر في تركيبة الوفد الهزيلة بالواجهة الضحلة لشخوص مهترئين بالفساد الريعي، باشراك فاعل لممثلي المجالس المحلية  للمناطق المحررة او الصامدة، فهم اهل الثورة وأهل الاسرى وأهل الشهداء ومستقبل الوطن.

ـ لملمة صفوفه ومواجهة الحالة الاتكالية التي جعلت منه ممثلا لأعضائه فقط، المتنافسين بالولاءات، بإعادة ضخ الدماء في حوار وطني حقيقي بغير شكلانية مخادعة للذات قبل الآخر وتنظيف الهيئة من الغام السلطة.

ـ الاقتناع ان جنيف حرب دبلوماسية بكل المعايير مع الذات وفي مواجهة خصم شرس يتمتع بحلفاء خطرين وفاعلين . من جنيف نعود لنبني الوحدة واليقظة الى الشعب المحاصر، الى بقايا الجيش الحر المعزول عن دوره، الى خلق توازنات ميدان تقلب موازن القوة بالحوار الحقيقي من ممثلي القوة والبندقية والمرجعية التي تنبع من العمق الشعبي الوطني السوري.

ـ يترافق ذلك وخارطة طريق برؤية سياسية لا تحتمل اللبس ولا التسويف تتوجه: للمكون الكردي حاضنة بندقية قادرة، وللمكون العلوي وحضوره في قوة الاسد، الى المكون المسيحي المستَغَل كليا من النظام وارهاب الغزاة الجهاديين.

 بالإعلان عن ان هدفنا دولة سوريا، بمسمى “الجمهورية السورية” دولة تعددية بمكوناته التالية اثنيا ودينيا يحترم فيها بالشراكة والتوافق حقوق الجميع بدستور توافقي  بين المكونات وليس التلطّي من خلف استفتاء كما يفعل الاسد، فالشعب بمكوناته والدساتير توافقات وليست كسر عظم ووطن.

سنرى في الايام القادمة ونحن نشجّع فريقنا التفاوضي وندفعه الى تحصين موقعه بأنساق من المستشارين والخبراء ، كم هو قابل للتطور ومنسجم للغاية التي أنشئ لأجلها بالعمل المؤسساتي وفتح الساحة، ساحة الحرب السياسية الدبلوماسية بخيرة خبرات الاحتراف ونشطاء الثورة بأطر مؤسساتية تحوّل جنيف الى ساحة استنفار عالية التنظيم والفعل لسلب وفد السلطة أوراقهم هم وحلفاءهم. لجعل جنيف ساحة نشاط حقوقي يعرّي القتلة بجرائمهم، ساحة تفضح وفد السلطة أفراداً ومجموعة، لتثير عليهم الرأي العام السويسري، حيثما حَلّوا بالصور والفيديوهات الحية على اطراف البحيرة، وبالوثائق، ولن يكون ذلك بهذه الكائنات التي ملّ العالم رؤيتها منذ سنتين يتجشؤون قيحا وفحيحا بغير عقل وبغير رؤية حان وقت صرفهم الى منازلهم والى أسرهم: مئات المعتاشين على جسد الاغاثة والثورة بمفاسد أين منها مفاسد السلطة، وفتح الباب امام النشطاء الشباب المقتدرين على التواصل مع جمهور اوربي واعلام اوربي تحت علم الثورة السورية وفقط، بهوية الثورة السورية وفقط.

على مؤسسات الائتلاف، (ان وجدت، وخلقها ان لم توجد) ان تتقدم الى التفاوض والعالم بجملة بنود “خطة كوفي عنان” المتكاملة أساس مرجعية جنيف1 وعدم الخضوع لمفخّخات ليسوا قادرين عليها وذلك بجعل أساسيات جنيف بالوثائق الاممية السياسية والحقوقية:

ـ التركيز على أسبقية ايقاف القتل الذي برأينا، سيتكثف أكثر من قبل السلطة لخلق حالة احباط شعبي وتفاوضي وشرخ بين الصفوف.

ـ فك الحصار عن المدن والاحياء التي تجوَّع، بسحب الجيش من المدن وحدودها وفتح ممرات الاغاثة وحضور الاعلام الحرّ.

ـ اعادة الامل الى المخيمات المهاجرة ان طريق العودة قد بدأ واشركاها في حرب السياسة لدعم البندقية الوطنية الملونة بألوان العلم الوطني الثلاثية، وليس الاسود.

ـ التبرّؤ وعلى رؤوس الاشهاد من الرّايات السوداء والبندقية الملغومة والاصدقاء الخبثاء.

ـ جعل قضية الاسرى والمفقودين، واحدة من أهم الحروب القانونية والانتهاكات الانسانية لتحفيز الرأي العام الغربي، الذي اهملناه لصاح حفنة سفراء محترفين، صار لزاما رفع مئات آلاف الصور للضحايا والاسرى من الأطفال والنساء والمرضى يجب اغراق فضاءات جنيف والاعلام الدولي بمأساة اسرانا وشهدائنا والمغتصبات ،هذا لن يكلف أكثر من تمويل وتموين مؤتمر واحد او اجتماع للهيئة العامة للائتلاف، وحجز مساحات اعلانية مدفوعة لانتهاكات حقوق الانسان من قبل السلطة في الاعلام الغربي. للضرب على ايدي عملاء ميشيل سماحة وخلاياه النائمة في الاعلام الاوربي .

ـ العمل الحثيث بالحوار والتوافقات على اعادة ضح الحيوية الوطنية في الساحات السورية واهل الساحات والمكونات باعادة بناء علاقات وطنية على اساس شراكة حوارية بوعي وعقل يحرص على سوريا وليس على الانشطارات الشعبوية.

هي حرب وقد بدأت بداية جيدة، لنجعل منها جميعا، بمعزل عن المواقف والرؤى الخاصة، فرصة اعادة الثورة الى الشعب والشعب الى الثورة ليس بمعسول الكلام والمشاعر اللحظية. بل بعقل ووضوح وعناد من أجل وطن “الجمهورية السورية” دولة مدنية عصرية

المسألة السورية والتسوية الصعبة/ احمد فائز الفواز

مفارقة، أن تكون «المسألة السورية»، محطّ اهتمام العالم ودوله، بينما يتشرد السوريون تحت كل نجم بحثاً عن ملجأ، وتضجّ دول الجوار بالشكوى من المهاجرين الذين يبحثون عن خيمة تؤوي ولقمة تشبع. يعاني السوريون من محنة لم يعرفوا شبيهاً لها في تاريخهم الطويل، ولم يقاسوا من إذلال كالذي يعيشه خصوصاً مهاجرو الخارج.

تستعير «المسألة السورية» اسمها من «المسألة الشرقية»، التي حُلّت في سياق الحرب العالمية الأولى، بتورط السلطنة العثمانية فيها، وهزيمتها وزوالها في نهايتها، واستيلاء المنتصرين، بالأحرى انكلترا وفرنسا، على ما تبقى من الأقاليم العربية التابعة للسلطنة. المقصود بالتعبير اشتباك ما هو داخلي بقوى خارجية تحد أو تلغي قدرة القوى الداخلية على التصرف الحر. نشأت هذه المسألة من التطور والتعقيد في «الأزمة الوطنية السورية»، وهي أزمة داخلية عميقة الجذور، كشف الغطاء عنها حراك شعبي سلمي شمل البلاد، ضد الاستبداد والفساد وتدهور مكانة القانون، وتردي شروط المعيشة وتخلي الدولة التدريجي عن واجباتها. وبدلاً من إدراك فوات النظام، وانتهاء صلاحيته وملاقاة الحراك الشعبي وتلبية مطلبه في الإصلاح والتغيير، وقطع الطريق على التدخل الخارجي أو على الأقل الحدّ منه، لجأت السلطة إلى العنف، أو ما سُمّي بالحل الأمني، مما استدعى عنفاً مضاداً أخذ يزيح الحراك السلمي ويحتل مكانه.

لم تفوّت قوى إقليمية ودولية مختلفة الفرصة للتدخل في الشأن السوري الداخلي، خصوصاً بعد أن زالت آثار المفاجأة التونسية ـ المصرية، وبعد أن نجح الغرب في غزو ليبيا. لم يكن هدف المتدخلين الانتصار للديموقراطية ولا تقديم الدعم للشعب في اختيار نظامه وحكامه. فبنية النظام وتركيبه ورجاله وسياساته الاجتماعية الاقتصادية والداخلية لم تكن موضوع خلاف بينهم وبين أهل النظام. موضوع الخلاف هو أولاً الجيش السوري كقوة ينبغي إلغاؤها أو إضعافها، إذا أريد الاستيلاء على الدولة. وهذه تجربة نجحت أميركا في تحقيقها بحلّ الجيش العراقي فور احتلال العراق العام 2003. في هذا الهدف تشارك إسرائيل الولايات المتحدة. ثانياً، وربما أولاً بالنسبة للبعض، فك الارتباط السوري الإيراني، وإنهاء العلاقة مع «حزب الله».

ما لم يكن في الحسبان

ما لم يكن في حسبان أحد هو هذا الطوفان البشري الذي غمر الشوارع وهذا الاستعداد لتقديم التضحيات لتحقيق التغيير. ارتباك الدول الغربية على الأحداث سرعان ما زال وجرى الاستعداد لغزو ليبيا. يقول مثل أوروبي «تأتي الشهية مع الطعام» لقد شجّع النجاح في ليبيا الاستدارة نحو سوريا، التي أُريد لها سياق مشابه. وعندما استحال الحصول على قرار بالتدخل من مجلس الأمن، جرى التسرب عبر دول الجوار. فالأهمية الكبيرة للموقع الجيو سياسي لهذا البلد تعطي لمن يفوز في الصراع عليه قوة خاصة في تحديد مستقبل الإقليم وأوزان وعلاقات القوى بين دوله من جهة، وبين الأخيرة ودول العالم من جهة أخرى. بذلك صارت سوريا ساحة صراع إقليمي ودولي، وأصبحت المسألة الداخلية جزءاً من كتلة مشاكل إقليمية ودولية، وفقد السوريون تدريجياً القدرة على حلّها باستقلال عن غيرهم وبمعزل عن المشاكل المتعلقة بهذا الغير. الصراع الدولي، كما أبرزته الأحداث، متعدّد الأهداف. وما كان يمكن لهذه الأهداف أن توضع لو لم تكن موازين القوى قد تغيرت على المستوى العالمي. تزامنت، إذاً، الحالة السورية مع هذا التغير. على المستوى الإقليمي، شارك الكبار والصغار في الصراع في الأرض السورية.

من جهة، كان بعضهم يلبي ما تفرضه عليه ارتباطاته الخارجية. ومن جهة أخرى، كان جميعهم يعمل لتحقيق أهدافه الخاصة. انساقت وراء وهم استعادة أمجاد عثمانية عفا عليها الزمن، وتحقيق تغلغل اقتصادي في المنطقة وشراكة بينها وبين الرأسمال الخليجي، وإن أمكن فإلحاق بعض الأرض السورية بها.

إيران تدافع عن حلفائها، وتخوض على أرض أخرى معركة الدفاع عن أرضها ومشروعها ومطامحها. دعم الأتراك والإيرانيين للمتحاربين على الأرض لم يكن استمراراً لصراع الماضي ولا إحياءً للصراع بين الصفويين والعثمانيين، بل على الحاضر والمستقبل. أما العرب فلم يعُد لديهم، بعد رحيل عبد الناصر مشروع قومي. بل أصبح لدى السعودية ودولة قطر «العظمى» مشروع، تظهر آثاره التدميرية في سوريا والعراق ولبنان، هو في حقيقته حرب استباقية للحيلولة دون التغيير في الجزيرة العربية، وإن خيضت تحت شعار الحرب التي لا تنتهي بين السنة والشيعة. تحت هذا الشعار وبالمال الخليجي جندت الدولتان الكثيرين وخاضتا الحرب بالمرتزقة، ووظفتا وسائلهما الإعلامية في حرب إعلامية غير مسبوقة.

الاتفاق الروسي الأميركي

ليس هدف هذه الورقة وصف الحراك الشعبي في سورية، ولا التدخل الخارجي، أو التضحيات والمشقّات والآلام التي تحملها السوريون، ولا الخراب الذي حلّ بالبلاد واقتصادها. الهدف هو التوقف عند المرحلة التي وصلت إليها هذه الحرب، من خلال الاتفاق الروسي الأميركي على حلّ سياسي للأزمة السورية، أو ما سُمّي باتفاق جنيف 2. تنطلق فكرة الحل ّ السياسي من أن الدولتين الكبريين المشتبكتين بالأحداث، والمرتبطتين بأطراف الصراع الداخلي والإقليمي والدولي قد تواضعتا على أن الحرب القائمة لا يمكن حسمها من الطرفين المتحاربين على الأرض، وليس في الأفق المنظور حسمها، ولا يريدان المزيد من التورط إلى حد يخرج عن قدرتهما على التحكم في الأحداث. نتيجة تأخّر الاعتراف بها كثيراً، على الرغم من أنها كانت معروفة، على الأقل منذ الأشهر الأخيرة للعام 2011. فالحرب القائمة جاءت امتداداً للسياسة، والسياسة عليها أن تتابع الأمور، إذا أمكن اتفاق الأطراف أو أغلبها على وقف الحرب، وما لم يمكن تحقيقه بالحرب سيحاوَل تحقيقه أو تحقيق جزء منه بالسياسة وبوسائلها المتعددة، وإذا فشلت فالمنطقة، وسوريا منها، قابلة للاشتعال.

يبقى السؤال قائماً عن الأمر الذي عجل بالاتفاق؟ هل هو الخوف من امتداد الحرب إلى دول الجوار، وبالتالي الوصول أيضاً إلى وضع لا يمكن السيطرة عليه؟ قطعاً ليس ما دفع إلى ذلك هو الوضع الإنساني، ولا عدد القتلى والمعوقين والمحصورين والمحاصرين والمهجَّرين والمهاجرين. وماذا يفرق مع البعيدين عن ساحة الأحداث قتل مئة ألف إنسان أو مليون؟ وماذا يهم خراب البنى التحتية والصناعة وتراجع الزراعة أو دمار الاقتصاد كله. وكما فعل بيلاطس مع السيد المسيح، ها هم الأميركيون يغسلون أيديهم من دم هذا الشعب البريء، بينما يصرّ مدّعو القرابة على دفعه للسير على طريق الجلجلة. واقع الأمر أن سوريا تُدفَع بقسوة على السكة التي يسير عليها العراق منذ عشر سنوات ونيّف بعد ما سُمّي تحريراً له من نظام الاستبداد على يد الولايات المتحدة وحلفائها الداخليين والخارجيين. فسير سوريا على هذا الطريق، يهدّم الدولة ويخلق أيضاً كل الشروط الملازمة للعجز عن بنائها في المستقبل.

نهاية المأساة المؤجلة

يريد السوريون استعادة قضيتهم، ووضع حد للمأساة التي تتفاقم، وليس لأنهم استسلموا وأعلنوا التوبة ويريدون العودة للاستقرار تحت خيمة النظام، وليس لأن النظام قد تغيّر، ولا بدّ له من أن يتغير، بل لأن أمرهم خرج إلى حد كبير من أيديهم، على الرغم من كون مجتمعهم قد كشف عن قوة غير عادية، واظهر تماسكاً لم يتوقعه كثيرون. لذلك لم تسقط الدولة، وسيبذل السوريون ما في طاقتهم لمنع هذا السقوط. لكن استمرار الحرب يهدد بأخطار كبيرة، على رأسها الانهيار التدريجي للدولة، بما يمهد لاحتلال البلاد وتقاسمها من الخارج، أو تقسيم البلاد، من قوى أصبحت موجودة في الداخل، ونشوء كيانات هزيلة غير قابلة للعيش المستقل، ونتيجة كلا الأمرين واحدة.

اجتماع «جنيف 2» لن يضع،على الأرجح، نهاية سريعة للمأساة السورية. «جنيف 2» بداية، مثلما كان جنيف 1، وربما ستتوالى بدايات أخرى، فلا أحد يعلم إن كان سيتم اتفاق على وقف القتال، الذي هو ضرورة أولى بين ضرورات كثيرة. وهل بمقدور «جنيف 2» وقف القتال؟ وهل هناك إرادة أكيدة بذلك؟ أم هي فرصة لالتقاط الأنفاس؟ وكيفما تطورت الأمور، فالذهاب إلى جنيف أو ما يشبهها، إذا كان جدياً، لا يعني إلا أمراً واحداً: الاستعداد لعقد اتفاق تسوية. هل أصبح السوريون مستعدّين للتسوية؟ بل هل الأطراف الأخرى المشتبكة تبحث عن تسوية؟ لا توجد تسوية تحقق الأهداف الكاملة لأي من طرفيها أو أطرافها. التسوية حل وسط ينبغي أن يوقف الحرب والدمار ويفسح في المجال أمام السوريين لوضع أيديهم على قضيتهم، ويتيح من الحرية ما يفتح الطريق أمام الشعب للتغيير وبناء دولة القانون والمواطنة.

في الأوضاع الحالية يبدو مثل هذه التسوية بعيد المنال، لأن أسباباً عديدة تتضافر لتجعله كذلك. القوى الإقليمية لها تصورات بعيد بعضها عن بعض. البعض يذهب إلى جنيف من باب البروتوكول. البعض حضوره مثل غيابه. صراع القوى الإقليمية مستمر على الساحة السورية، وإذا هدّئت، فساحة العراق نصف مشتعلة وساحة لبنان ليست صعبة على الإشعال. لا علامات على تسوية بين هذه القوى.

الطرفان الدوليان الأساسيان بينهما جملة من المشاكل، المسألة السورية واحدة منها. ربما اتفقا على الحد الأدنى أي ألا يتورطا إلى حد التصادم، وأن يستمرا في التفاوض. ما يتفقان عليه يعملان لتنفيذه. وقد رأينا نموذجاً لذلك في التراجع عن «الضربة» الأميركية وتصفية السلاح الكيماوي السوري. من المرجح أن الوضع السوري لم يعد ضاغطاً على أي منهما. يبقى على من يمثل السوريين أو يدّعي تمثيلهم، أن يراجع السنوات الثلاث المنصرمة، وأن يرى حال الكتلة الكبرى من السوريين، التي تعاني من الحرب والموت والهجرة والجوع وخراب البيوت، ولا تملك الوسائل للتعبير عن رأيها.

السفير

تصديقاً لما قاله المعلم: حانت لحظة الحقيقة/ عمر قدور

أن يتباكى وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم على «بلده» الواقع ضحية «الإرهاب»، وألا تتوقف عن الابتسام والضحك خلفه في الصورة المستشارة الإعلامية لرئيسه، فهذه صورة عن مدى تصديق وفد النظام لما جاء في كلمته، وعن مدى حساسية النظام تجاه ما يدّعيه من وجود معاناة إنسانية وجرائم إرهابية يرتكبها الآخرون. ثم أن تسترسل المستشارة الإعلامية نفسها بالضحك، بينما يجادل وزير خارجيتها الأمينَ العام للأمم المتحدة، مصرّاً على أنه سيتجاوز الوقت المخصص له بمقدار ما يريد، فتلك أيضاً دلالة على غياب حس المسؤولية إزاء الحاضرين في القاعة، سواء تجلّى ذلك بضحكتها أو بإصرار الوزير على استباحة وقت الحضور وإحراج إدارة المؤتمر.

في مستهل كلمته في افتتاح «جنيف 2»، يقول المعلم: «حانت اليوم لحظة الحقيقة». ولعله كان مصيباً في هذا الجزء، فما قدّمه وفده في قاعة المؤتمر يشير إلى الحقيقة على مستويات عدة. هو أولاً لـــم يـتــجــاوز الشـــــكــلـيات والبروتوكول فقط عندما تجاوز الوقت المخصص له، وتجاهل جرس التنبيه مرات، هذا بالأحرى استمرار لنهج النظام الذي دأب على استباحة كل القوانين والقواعد الدولية والأخلاقية، إنه بالأحرى استمرار لسلوك النظام في الداخل والخارج، وقد ظهر للجميع علناً من جانب الشخص الذي يُفترض به أن يمثّل رأس ديبلوماسية النظام. ما يُشاع عن خبرة المعلم وعراقته في أروقة الديبلوماسية كان يتبدد أثناء كلمته التي انتهكت- إضافة إلى الوقت- توصيات إدارة المؤتمر بالابتعاد عن الشتائم والبذاءات، فهو أصر على شتم غالبية الوفود المشاركة، ووزع الاتهامات على كل من يخالف نظامه الرأي وصولاً إلى تخوين الوفد المعارض، مقدماً بذلك عرضاً حياً لتعاطي نظامه مع معارضيه في الداخل.

المزاعم عن الخبرة الديبلوماسية للمعلم كانت أشاعت تخوفات حتى في صفوف بعض المعارضين، لأن وفد المعارضة قد يبدو ضعيفاً وبلا خبرة سياسية إزاء تمرس الأول في المحافل الدولية. لكن الوقائع أثبتت العكس، فوزير خارجية النظام لم يقدم سوى الخطاب الإعلامي المستهلَك داخلياً، ولم يدخل في صلب الدعوة المؤسِّسة لـ «جنيف 2»، وإذا كان وفد المعارضة اضطُر إلى الرد على مزاعمه حول الإرهاب، فقد عاد إلى التحدث في الموضوع الرئيس من دون إسهاب أو إنشاء.

المسافة بين الخطابين لا تُختزل بنجاح وفد المعارضة أمام أول اختبار له. الأهم أنها تفنّد مزاعم النظام وحلفائه عن عدم وجود بديل يملك الكفاءة لإدارة الحكم في سورية. وإذا أضفنا التشكيك المتواصل بكفاءة المعارضة والتشكيك بالنسبة التي يمثلها الوفد الحالي منها، فإن هذا يثبت حجم الكفاءات المغيّبة لمصلحة استفراد أزلام النظام بالحكم. سيان هنا إن كان «المعلم» مجبراً على قراءة كلمة مكتوبة سلفاً، أو أنه أعدّها بنفسه. فالاحتمال الأول يشي أيضاً بقدرة النظام على تسفيه كفاءات مسؤوليه.

في اختبار مونترو، حقق وفد النظام نجاحاً باهراً في إفهام العالم أنه لا يصلح أن يكون شريكاً مناسباً للمعارضة في الداخل، أو للمجتمع الدولي، باستثناء أن يكون استمراره في القتل والتدمير وجلب الإرهاب مصلحة لبعض الدول. هذه هي الحقيقة التي أراد النظام إيصالها فعلاً، مبدداً تلقائياً التكهنات التي راجت عن رغبة المجتمع الدولي في إعادة تأهيله ليكون شريكاً في الحرب على الإرهاب. النظام، كما تثبت الكلمة الافتتاحية لوفده، واقع في أسر ذاته، فهو لا يستطيع مساعدة حتى أولئك الذين يرغبون في تقديم العون له، ولو لم يكن كذلك لأخذ في الحسبان التطورات السابقة على عقد المؤتمر، انتهاء باستبعاد إيران من المؤتمر وابتداء بالمعارك التي تخوضها المعارضة ضد إرهاب «داعش»، مروراً بانكشاف الحقائق عن العلاقة الاستخباراتية التي تجمعه بـ «داعش»، من دون أن ننسى الفضيحة الكبرى المتعلقة بضحايا الموت تعذيباً في سجونه.

وما عدا مُوالي النظام المستعدين للتصفيق لكل ما يصدر عنه، للمرة الأولى يرى السوريون حقيقة الأداء السياسي لمسؤوليه. ففي ما سبق كان في وسع بعضهم ردّ الهوة بين الديبلوماسية السورية ونظيراتها العالمية إلى التخلف السوري عموماً؛ الأمر الذي لم يعد وارداً مع وجود وفدين سوريَّيْن لا تخفى الفوارق بينهما. وكان إعلام النظام نجح في إقناع كثيرين داخلياً ببراعة ديبلوماسيته التي أفضت إلى تفويض دولي بالإمساك بسورية وبملفات إقليمية أخرى، غير أن ما حدث في مونترو يكشف تهافت تلك المرويات، وأن ذلك التفويض مُنح بحكم الأمر الواقع على السوريين أصلاً، بل إن شعوراً بالخزي لا يغيب عن معارضي النظام، لأن «النخبة» الحاضرة في المؤتمر تمثّل مجمل ما أُجبِروا على الخضوع له طيلة أربعة عقود.

صحيح أن افتتاح المؤتمر لا يعدو كونه احتفالية إعلامية، وأن المفاوضات الفعلية تبدأ في الغرف المغلقة، إلا أنه يمكن الجزم بأن حقيقة النظام ظهرت للجميع في كلمة الافتتاح شكلاً ومضموناً. والأنكى أن جماعته ترى في انعدام اللياقة انتصاراً سيتم استكماله في ما تبقى من جلسات. إننا أمام كتلة صمّاء ستعجز أمامها حتماً الديبلوماسية الدولية. فالأشهر الستة المقبلة كفيلة بإقناع الوسطاء الدوليين بانعدام أية بارقة أمل بتغييرٍ ضمن النظام، ومع أن نتيجة هذا الاختبار متوقعة لدى شريحة كبيرة من السوريين ولدى المجتمع الدولي، إلا أن الأخير لا يرى ضيراً في أن يثبتها مفاوضو النظام بأنفسهم، المرة تلو الأخرى في جولات التفاوض، إلى أن ينتهي ملف الأسلحة الكيماوية وولاية الأسد معاً.

ما لم يقصده المعلم هو أن لحظة الحقيقة بدأت حقاً من خلال الاختبار الطويل والشاق الذي سيخضع له نظامه في جنيف، كثيرون يقرأون المؤتمر بصفته فرصة أخيرة لتأهيل النظام، لا بصفته فرصة للسوريين. وكان حرياً بالنظام أن يفرح بالعزلة الدولية شبه التامة لأنها أعفته تماماً من السياسة، أما وقد اضطُر إلى ممارستها الآن، فعليه إثبات وجوده في الميدان الذي لا يتقنه ولا يطيقه. النتيجة معروفة سلفاً بانتظار أن يقرر إعلانها أولئك الذين لا يودّون ذلك.

الخياة

مستقبل “جنيف 2″/ فايز سارة

لعله من المبكر الكتابة عن مستقبل مؤتمر «جنيف 2»، خاصة أن صدى كلمات المشاركين في افتتاح المؤتمر لم يغادر جدران القاعة التي ألقيت فيها الكلمات. غير أن الحجة السابقة، لا يمكن لها أن تصمد في مواجهة الحاجة إلى مقاربة مستقبل «جنيف 2»، بما يمثله من هدف عاجل في فتح بوابة لمسار حل سياسي للقضية السورية، التي يوصف وقت أصحابها بأنه من دم، كما قال أحمد الجربا رئيس الائتلاف السوري المعارض في كلمته أمام المؤتمر.

لقد بين طرفا الصراع السوري في كلمتي وزير خارجية النظام ورئيس وفده وليد المعلم وأحمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، رؤية كل منهما للقضية السورية، وآفاق حلها. وإذ رأى المعلم أن جوهر القضية السورية هو الإرهاب، وأن حل القضية يكمن في مكافحة الإرهابيين والقوى التي تدعمهم في المستويين الإقليمي والدولي، وأن الطريق إلى ذلك يكمن في تعاون دولي لمكافحة الإرهاب، فإن الجربا أكد أن جوهر القضية السورية يتمثل في كونها ثورة شعب من أجل الحرية في وجه نظام مستبد، وأن حل القضية يقوم على تحقيق السوريين لأهدافهم في تغيير النظام وإقامة نظام ديمقراطي يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، وأن الطريق إلى ذلك مرسوم في القواعد التي قام عليها مؤتمر «جنيف 2» وهي وثيقة «جنيف 1» وقرار مجلس الأمن الدولي 2118 القاضي بتشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة لتأخذ سوريا إلى تغيير نظامها وحياة مواطنيها.

لقد بدا موقف النظام حول «جنيف2 » تغريدا خارج سرب المشاركين في المؤتمر، وحتى الحليف الروسي تجنب المضي إلى ما ذهب إليه المعلم، دون أن يتخلى عن دعم موقف نظام الأسد، وهكذا جاءت مواقف المشاركين قوية في مواجهة موقف النظام وأقرب إلى موقف المعارضة، وهو أحد الأسباب التي تدعو إلى تلمس مستقبل «جنيف 2» في ضوء ذلك الزخم الدولي الذي رافق انعقاده، والذي يؤشر إلى رغبة دولية – أممية في معالجة القضية السورية ووضع حد لآلام السوريين الناجمة عن القتل والجرح والتهجير وغيرهم، وما يلحق بسوريا من دمار.

إن التمايز الشديد بين موقف النظام والمعارضة يمكن أن يؤدي إلى فشل المؤتمر ونهايته، غير أن هذا لن يحصل في المدى القريب، لأن منظمي مؤتمر «جنيف 2» ورعاته يعتقدون أن لديهم آليات ضغط، وإن لم تكن حاسمة فإنها يمكن أن تؤثر على موقف النظام، وتخفف من مراوغته وتصلبه في مواجهة موقف دولي يبدو أقرب إلى الوحدة وفي التوجه نحو معالجة القضية السورية، ولهذا فإن جهودا دولية وأممية لتقريب وجهات النظر بين وفدي النظام والمعارضة، وقد بدأ الأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي والدولي أول خطواته في هذا المجال لجمع الطرفين للتفاوض في غرفة واحدة وربما على طاولة واحدة.

وإذا كان من الصعب القول بتخلي أي طرف عن الجوهري في موقفه من طراز قبول وفد النظام فكرة انتقال السلطة، وتنحي الأسد، أو قبول وفد المعارضة ببقاء الأسد أو وجود دور له في مستقبل سوريا، فإن ثمة مراهنة على عاملين اثنين مع تواصل المفاوضات؛ الأول فيهما حصول متغيرات ميدانية تبدل موازين القوى في الداخل السوري، تترك آثارها على طرفي الصراع فيتقدم طرف ويتراجع آخر، ولا شك أن النظام أولى بالأخير، أما العامل الآخر فهو حدوث تبدلات إقليمية ودولية، يمكن أن تؤدي إلى انقلاب المواقف الحالية، ولا سيما الأكثر تأثيرا على مسارات القضية السورية وتطوراتها.

غير أن انتظار تلك المتغيرات لا يمكن أن يكون مقبولا من جانب المعارضة السورية، لأن الوقت عندها يعني مزيدا من خسائر بشرية ومادية تصيب السوريين وسوريا، وكلاهما أمر لا يعني النظام بالقدر ذاته؛ لأن ما يعنيه هو الحفاظ على وجوده، ولهذا السبب فإن النظام لن يمانع في استجرار الوقت وفي كسبه على نحو ما فعل في السنوات الثلاث الماضية، وهذا قد يدفع المعارضة إلى مغادرة المفاوضات وإعلانها فشل «جنيف 2» بما يعنيه من إغلاق بوابة الحل السياسي، وإذا حدث ذلك، فإن الأمر سيكون سيئا بالنسبة للمجتمع الدولي الذي لا شك أنه سوف يعزز مساعيه لحل القضية السورية ويعمل على تحقيق تقدم على خط المفاوضات، لأنه لا يرغب في رؤية تداعيات حادة للقضية السورية أقله في المستويين الإقليمي والدولي، خاصة لجهة امتداد النزاعات إلى دول الشرق الأوسط، وتفاقم مشكلتي الإرهاب والهجرة، ولا سيما إلى البلدان الغربية.

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

«التعفيش» في سياسة نظام الأسد/ فايز سارة

  لعله مما يبدو غريباً، قيام سلطةٍ ما تدّعي مشروعية وجودها، باستباحة ممتلكات «مواطنيها»، والأغرب ...