صفحات العالم

جيوش المِلح


حسام عيتاني

ما يرتكبه المجلس العسكري المصري وما يمارسه الجيش السوري، علامتان بارزتان على أزمة يتجاوز عمقها الشهوة العارية الى السلطة، لتصل الى صميم علاقة المجتمع بالدولة وتصور الفئات الممسكة بأجهزتها عن حقوقها ودورها، فإطلاق «البلطجية» لقتل المعتصمين أمام وزارة الدفاع في القاهرة، يعد أحدث حلقة من سلسلة الأعمال الدموية التي يتحمل المجلس العسكري المصري المسؤولية المباشرة عنها، منذ الاعتداء على متظاهرين حاولوا البقاء في ميدان التحرير في الأيام الأولى بعد تنحي حسني مبارك، ووصلت الأعمال هذه الى ذرى شديدة الخطورة في مجزرة ماسبيرو وفي أحداث شارع محمد محمود ورئاسة الوزراء، التي سقط فيها العشرات من المصريين الذين لم يخطر في بالهم انهم سيقتلون بالرصاص الحي في عهد الثورة التي صنعوها ضد الاستبداد.

أمر مشابه تقوم به القوات السورية حيال المتظاهرين السلميين الذين دفعتهم فظاعة القتل وجنون القتلة إلى توسل الدفاع عن أنفسهم بعدما سقط منهم برصاص الجيش النظامي وقوات الأمن و «الشبيحة» المساندين لها حوالى العشرة آلاف قتيل قبل ان تتشكل المجموعات المسلحة المعارضة الأولى.

ومعلوم السجل الشديد التواضع للجيوش العربية في مواجهة القوى الخارجية. وكان القائمون على الجيوش والمسؤولون عن هزائمها يبررون الفشل المزمن إما بالتفوق الكبير للعدو أو بأكاذيب من مستوى «انتظرناهم من الشرق فجاؤونا من الغرب»، او «بالاحتفاظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين» اللذين يظلان أبداً في علم الغيب. النجاح في المواجهات العسكرية في التاريخ العربي الحديث يعود، من دون استثناء تقريباً، إلى قيام المجتمع بتسليح نفسه وتحمله مسؤولية ما تخفق الجيوش في فعله، مع كل ما يرافق ذلك من أثمان باهظة وتعميق للشقاق الأهلي، على ما جرى في الجزائر غداة حرب التحرير، وفي لبنان بعد الانسحاب الاسرائيلي، ذلك ان الجيوش العربية تبدو امام الأجنبي وكأنها شُكّلت من ملح، ولا تنقلب صخراً إلا ضد ابناء البلد المسالمين.

ومما يمكن استخلاصه من تجارب العام الماضي، هو أن قيادة الجيش المصري على أتم الاستعداد لذبح أعداد لا تحصى من المواطنين مقابل الاحتفاظ بامتيازاتها الهائلة وثرواتها التي تشمل ما يتراوح بين 25 و30 في المئة من الاقتصاد المصري. أما الجيش السوري، المتداخل بنيويا بأجهزة الأمن (جهازي الأمن العسكري والمخابرات الجوية التابعَيْن للجيش واللذين يقومان بمهمات «أمنية» تتعلق بالمدنيين أساساً، على سبيل المثال) وبقيادته، التي قُدّت من الفئات الأشد ولاء عائلياً ودموياً للأسرة الحاكمة، فقد اعتادت طوال اربعة عقود على طعم السلطة المطلقة، لذا تحارب القيادة هذه على جبهة إبقاء الحكم، بكل أوجهه ومعانيه، في يد المجموعة القرابية-المصلحية القابضة عليه منذ 1970 (وهي مجموعة لا تنتمي الى طائفة واحدة وإن غلب العلويون عليها). ومن معاني الحكم، نفي أي شرعية لمطالب المعارضين ورميهم بتهم العمالة للأجنبي وصولاً الى تحقير أصولهم الاجتماعية وإثارة أهالي المدن ضد «الأغراب الريفيين». تشبه النظرة التبخيسية هذه ما يردده المتحدثون باسم المجلس العسكري المصري حيال ناشطي المجتمع المدني الذين لوحقوا وطوردوا بتهم تلقّي المال من الخارج، فالمعارضون في الحالتين، لا ينتسبون الى متن البلاد وأهلها، بل هم من هوامشها الريفية والمباعة للخارج.

والحال أن البنية الاجتماعية التي جاءت منها الجيوش العربية، لم تتغير كثيراً منذ ان عرضها صادق جلال العظم في «النقد الذاتي بعد الهزيمة» وياسين الحافظ في «الهزيمة والأيديولوجية المهزومة» و «التجربة التاريخية الفيتنامية». وما زال «العقل» الذي أوصل الى هزائم العرب الكبرى يحاول بكل العنف والتضليل القادر عليهما، البقاء واقفاً في وجه الشعوب التي خرجت الى الشوارع ولن تعود الى البيوت قريباً.

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى