الرئيسية / صفحات مميزة / قضايا في شأن الثورة السورية واليسار

قضايا في شأن الثورة السورية واليسار


ياسين الحاج صالح

من شأن تفكير ماركسي مستنير أن يضيء الثورة السورية على نحو يكشف عن محركاتها الأساسية أكثر مما يمكن لأي مقاربة أخرى أن تفعل.

1

لقد قادت سياسات “تحرير اقتصادي” فوقية زامنت عهد بشار الأسد وأُقِرت رسميا في صيف 2005، إلى تراجع حاد في وظائف الدولة الاجتماعية (العامة)، وليس في سلطاتها (الخاصة). وبفعل هذه السياسة نشأت سوق عمل جديدة، متجهة بصورة جوهرية نحو الخدمات (مصارف، وكالات أجنبية، إعلام جديد، فنادق ومطاعم…) لا نحو الإنتاج الصناعي أو الزراعي، واستفادت منها تفاضليا شرائح محدودة من الطبقة الوسطى التجارية والمهنية في المدن الكبرى، فضلا عن شريحة أضيق من كبار الأثرياء المرتبطين بشراكات مع نافذين في الحكم، والمنتظمين في كارتلات خاصة (مجموعتا الشام وسورية القابضتين على نحو خاص). بالمقابل تدهورت مواقع ومقدرات شرائح أوسع في الأرياف والأحياء الطرفية من المدن، وقد أبعدت إليها أيضا مجموعات كانت تشغل حيزات مكانية مركزية في المدن، ترغب البرجوازية الجديدة في الاستيلاء عليها. وعلى نحو متواتر تحقق ذلك عبر سياسة التخطيط العمراني للدولة. وفوق تراجع الخدمات العامة، بما فيها التعليم والاستشفاء، افتقر سكان هذه المناطق إلى شبكات محسوبية فاعلة تتوسط بينهم وبين السلطات المحلية والمركزية، وتسهل تسيير مصالحهم المشروعة.

على أن هذه التحولات لم تجر لأن بشار الأسد أو “الفريق الاقتصادي” في الحكومة في سنوات ما بعد 2005 “اختار” أن يتبنى سياسة “تحرير الاقتصاد” أو التحول نحو “اقتصاد السوق الاجتماعي”، على ما يفضل أن يتصور شيوعيون تابعون (بخاصة الكومبرادوري الواسع الثراء قدري جميل وجماعته، وهو وزير في الحكومة اليوم ونائب لرئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية، ويريد مع ذلك أن يعتبر معارضا!). كان الاقتصاد السوري الموروث عن نحو أربعين عاما من الحكم البعثي متدهورا، وكان لازما إصلاح اقتصادي جدي، لكن بينما جرى تحرير الاقتصاد، فقد بقي النظام السياسي مغلقا، والجهاز القضائي تابعا وفاسدا، وتوفير المعلومات وتداولها مقيدا بشدة، واللبرلة الاقتصادية ذاتها منحازة وغير تنافسية. في المحصلة آلت الضرورة الاقتصادية إلى خدمة مصالح الشرائح الأوثق ارتباطا بالنظام، والمزيد من تهميش وإفقار الشرائح الأضعف إلى التسبب بمشكلة اجتماعية متفجرة، دون معالجة المشكلات الاقتصادية.

بفعل تحولات اجتماعية جيلية، كانت تشكلت تدريجيا طبقة جديدة من أثرياء السلطة، بدءا من النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين، وزادت نفوذا وظهوراً اجتماعياً في النصف الثاني من العقد التالي، ثم في مطلع التسعينات مع صدور قانون الاستثناء رقم 10. لكنها انتقلت إلى موقع السلطة السياسية مع موت حافظ وتوريث ابنه، فيما أطلقتُ عليه في مواد سابقة “الجيل البعثي الثالث”. واقترن ذلك بتراجع أجهزة التعبئة الاجتماعية ذات الجذور الشعبوية التي اعتمدها الأب، مثل حزب البعث ومنظماته الشعبية واتحادي العمال والفلاحين، وكذلك الجبهة الوطنية التقدمية، وصعود البرجوازيين الجدد المُنعمين الذين يعرفون ضواحي نيويورك أو لندن أو باريس أكثر من ضواحي دمشق.

قبل الثورة كان نظام بشار الأسد أقرب شيء إلى لجنة إدارة أعمال هذه الطبقة العليا أو هيئة أركانها.

2

قادت هذه التحولات الاجتماعية السريعة إلى سخط اجتماعي منتشر، كان سهل التعبئة عند تفجر الثورة.

على أن الثورة لم تتفجر لأسباب اقتصادية فقط، بل إن هذه الأسباب ذاتها تندرج في تدهور غير مُعاوَض لتحكم السوريين في مصائرهم وشروط حياتهم، دون أن تكون في متناولهم أدوات سياسية لمواجهة هذا التدهور بفعل طبيعة النظام الأسدي الاستبدادية المتطرفة، الطغيانية في الواقع، وقد تسبب كما هو معلوم في تجفيف سياسي متطرف للمجتمع السوري الذي كان بالغ الحيوية السياسية قبل الحكم البعثي. ودون أن يكون هناك إيديولوجية وطنية جامعة تساعدهم على إضفاء معنى وطني عام على معاناتهم، وتكون عونا لهم على تحمل انفلات أوضاعهم من بين أيديهم وإضفاء صفة مرحلية أو نسبية عليها. كانت هذه الإيديولوجية تقول: سورية في مواجهة مستمرة، وعرضة لمؤامرات الأعداء وخيانة الإخوة، وليس لنا إلا الصمود والتضحية في سبيل الوطن، وتعزيز وحدتنا الوطنية، وعزل المتآمرين والخونة في الداخل. وفي أوقات سابقة كانت قد استخدمت بإفراط لتخوين المعارضين، وحث الشعب على “التضحية”، وحجب الطابع الطائفي للنظام أو اعتماده الطائفية أداة حكم أساسية. وقد بلغة ذروة إفلاسها كشرح عام ومعنى عام للأوضاع السوري في سنوات بشار.

على أن التدهور المتسارع للمقدرات المادية لقطاعات متسعة من السوريين في الأرياف والضواحي والأحياء الطرفية هو العنصر المستجد في انفلات الحياة العام من أيدي العامة، فيما الحجْر السياسي على عموم السكان قديم، ومثله تداعي الإيديولوجية الوطنية، وإن تكن هذه أمعنت في التدهور بعد “تحرير الاقتصاد”، مضمونا وهياكل (حزب البعث وما تبعه من منظمات سبقت الإشارة إليها)، وفقدت أي مضمون إيجابي.

يبقى أن هذا المزيج من تدهور معيشي ومن إفقار سياسي ومن غياب أي غطاء معنوي عام لهذا التدهور هو ما خبره السوريون في السنوات الأخيرة كانكشاف عام وفقدان جذري للكرامة والاعتبار. كان يمكن للإفقار المتسع أن يكون نسبيا هو ذاته لو وازنه تحرر سياسي للجمهور وقضية عامة مشتركة.

ولقد كان الثائرون السوريون واضحين في بداية الثورة حين هتفوا: الشعب السوري مو جوعان! ردا على النظام الذي فكر في رشوتهم بزيادة في رواتب الموظفين. “الجوع” عنصر في مركب أوسع، يشمل السياسة والمعنى، ومحصلتها الافتقار إليها جميعا هي الاغتراب بمعنى واسع للتعبير، أعني انفلات شروط الحياة من أيدي الناس ووعيهم، ومحاولة المستفيدين من هذا الانفلات، “النظام”، إلى جعلها وجعل أنفسهم أقدارا ثابتة لا تتغير.

ضد هذه الأقدار ثار السوريون.

3

انطلقت الثورة السورية كاحتجاج اجتماعي سلمي من الشرائح المعرضة للفقر والتهميش على أوليغارشية حاكمة بالغة الثراء والعجرفة، تعاملت مع هذه الشرائح دوما باحتقار وقسوة، ولم تترك لها أية مخارج بديلة من تدهور أوضاعها. ومعلوم أن مجتمع “السوريين البيض” هذا باشر منذ بداية الثورة حربا على الجمهور الثائر، الذي اعتمد في بداية كفاحه وسائل مقاومة سلمية، وتكلم بلغة احتجاج وطنية وعامة. منذ أكثر من 600 يوم لم يمض يوما واحدا لم يقتل نظام بشار الأسد فيه سوريين، عموم السوريين وفقراءهم تحديدا.

ولا يغير من هذا الشرط التحولات اللاحقة التي عرضت على الثورة السورية، بما فيها ظهور المقاومة المسلحة، وكذلك ظهور مجموعات دينية متشددة في أوساطها. فالسوريون المجردون من السياسة، ويحتكر النظام السلاح والحرب لتجريدهم منها، أي من المبادرة والتنظيم والاعتراض والحرية، لا يسعهم غير كسر احتكار النظام للحرب كي يجعلوا من أنفسهم طرفا أو أطرافا سياسية. وهم يتوسلون من أجل هذا الغرض المتاع الإيديولوجي المتاح في متناول اليد. علما أن ما تعرضوا له من إفقار سياسي مديد جعل الدين سياسة بديلة في أوساط قطاعات واسعة منهم، ويضفي على عنائهم معنى لا يأتيه من مصدر آخر. وهو ما حصل مثله في مجتمعات عربية أخرى، حكمتها أنظمة تشبه النظام السوري، وإن اختلف نقابها الإيديولوجي.

ومن ألفباء الماركسية في هذا الشأن أنه لا يلزم أن يطابق وعي الجمهور في أي صراع تاريخي المحركات الاجتماعية لهذا الصراع، ويوجه كفاحه وفقا لها. لكن هذه المطابقة هي ما يفترض أن يعمل عليه اليساريون الذين يفترض أيضا أن مشاركتهم في الثورة أمر بديهي.

4

كيف يحصل تالياً أن يساراً محلياً وعربياً ودولياً، ينسب نفسه إلى الماركسية، يقف ضد الثورة السورية، وبعداء موتور أحياناً؟

هنا أيضا ثمة شرح ماركسي قريب لهذا الموقف. نبدأ من اليسار السوري.

ارتبط اليسار الشيوعي السوري بشرائح اجتماعية كانت صاعدة أثناء سنوات الحكم البعثي: عمال في القطاع الحكومي، موظفون في إدارات الدولة، مثقفون في أجهزة إعلام حكومية أو تابعة، وطلاب ينحدرون من هذه الشرائح نفسها. لم تكن هذه الشرائح في مواقع ممتازة في ظل نظام الأب، لكنها كانت آمنة اجتماعياً على العموم، وموالية للنظام.

بدءاً من النصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين، أخذ يتشكل تنضّد اجتماعي مغاير، يشغل سكان الأحياء الطرفية والفائضون من سكان الأرياف المواقع الأدنى فيه. وعند مطلع القرن الحالي كان القطاع غير النظامي، أي الذي يعيش خارج الدولة والاقتصاد المنظم، يُشغِّل نحو 42% من اليد العاملة، ويشكل نسبة مساوية من حجم الاقتصاد المحلي. وحتى الشرائح المشار إليها قبل قليل، والتي كانت التنظيمات الشيوعية تستقطب أنصارها من أوساطها، أخذت أوضاعها تتدهور خلال السنوات المنقضية من هذا القرن، وإن بإيقاع أبطأ من تدهور أوضاع من تدهور أوضاع العمالة غير الماهرة خارج القطاع الحكومي وأصحاب الملكيات الصغيرة من سكان الأرياف، وعموم من يتدبرون أمورهم في القطاع غير النظامي.

اليسار الشيوعي الذي ظل مشدودا إلى تعريف نظامي للطبقة العاملة كان منفصلا عمليا عن أية طبقات أو شرائح اجتماعية. فالنظام وحزب البعث هو من يتحكم بالطبقة العاملة، ويترك للشيوعيين التابعين له سياسيا خيالها الإيديولوجي يتلهون به.

ولا يرتد ذلك إلى التكوين الاستبدادي للنظام الذي يفصل التنظيمات السياسية جميعا عن القوى الاجتماعية فقط، ولا كذلك إلى ضعف التمايز الطبقي بفعل تواضع مستوى التطور الرأسمالي فقط، وإنما يعود أيضا إلى تضخم البعد الخيالي أو الرمزي في كل تفكير وسياسة شيوعية، وبخاصة في بيئاتنا العربية التي تتميز بمستوى متواضع من التحكم بإنتاج شروط حياتها المادية والرمزية، وبضعف تملّكها معرفيا أيضا. الشيوعي النمطي في بلداننا كان يتحدث على لا موجودات وعلى لا وقائع، ويثبت وجودها وواقعيتها بأدلة “مادية” مأخوذة من كتب ألفها أناس عاشوا في أطر خبرة مغايرة كثيرا في تكوينها وتاريخها وعوالمها الرمزية. كانت ماديتنا كلاما على المادية، مديحا في الغالب، وليست تفكيرا ماديا. هذا دون قول شيء عن أن تلك المادية اختزالية كثيرا في طبعاتها الأصلية بالذات، خطية أيضا وأحادية البعد في تصورها للعالم وتفاعلاته، وتأويلهما.

ومن تلك اللاموجودات واللاوقائع طبقة عاملة وجماهير شعبية كادحة تتعرف على مصلحتها الحقيقية في الحزب الشيوعي والنظرية الماركسية اللينينية. ومنها أيضا الأممية البروليتارية، ودكتاتورية البروليتاريا في الاتحاد السوفييتي. ومنها النظرية الماركسية اللينينية بالذات، وهي إيديولوجية وعلم في آن معا.

والأصل المعرفي لذلك أن الشيوعي النمطي يرى بنظريته وليس بنظره، أي أنه يجري خفض قيمة الشهادة والمعاينة والتجربة الحية والخبرة، لمصلحة “نظرية” انقلبت إلى عقيدة معصومة لا يكاد يتجاسر أحد على نقدها أو مراجعتها أو تطويرها. والمستوى المتواضع عموما لعضو الحزب يجعله محتاجا إلى العقيدة المقدسة المسكونة بالأرواح، وغير قادر على نقدها أو التشكك فيها. وحيث حصل أن اكتسب معارف ومؤهلات تمكنه من النقد فإن البنية المتصلبة للحزب و”النظرية” لا تتيح له فرصة غير الانشقاق، وهو ما يضعه خارج الشرعية الفكرية والسياسية الشيوعية. في سورية كان هذا مصير ياسين الحافظ وإلياس مرقص، ولهما مساهمة عظيمة في إنقاذ الكرامة الفكرية لليسار السوري.

ومن المفهوم أن يقود خفض الاعتبار المعرفي للخبرة الواقعية لمصلح علم ناجز، قد يسمى “المنهج” أو “المنهج العلمي”، إلى خفض الاعتبار الواقعي للمعرفة، أي لهذا المنهج أو ذاك العلم. ليس الأمر أن هذا “فكر مستورد” من الخارج، كما يفضل مزاج محافظ أن يقول، بل هو فكر خارجي قياسا إلى حقل الخبرة الحية، أي أن الرابط بين التفكير وبين الخبرة منفصم، ولا تكاد تشكل الخبرة الواقعية غير “براهين” عارضة على صحة علم سابق لها، وهو صحيح وعلمي بصرف النظر عن شهادتها.

5

خلال نحو 3 عقود من التحالف مع النظام البعثي حتى مطلع هذا القرن خسر الرفاق الشيوعيون أية إرادة سياسية مستقلة، وتحولوا، أفرادا وتنظيمات، إلى ملحقات بيروقراطية منتفعة من النظام بصور مختلفة: امتيازات في مجال الخدمات والسكن والسيارة وشبكة الهاتف الأرضي، وكان هذا امتيازا حتى وقت متقدم من تسعينات القرن الماضي (في عام 2001 عرض عليّ اللواء هشام اختيار، وكان رئيسا لـ”فرع المنطقة” التابع للأمن العسكري، تسهيلا لتمديد الهاتف إلى بيتي المستأجر في قدسيا؛ تجاهلت الأمر، وبعد شهور جاء التسهيل من صديقة عضو في أحد حزبين شيوعيين في “الجبهة الوطنية التقدمية”). وغير ما سبق هناك تسهيلات سفر، توظيف مضمون، مقاعد جامعية…

إلى ذلك كان الرفاق يحوزون عموما موارد معرفية ومهنية مرنة، توسّع شبكة علاقاتهم ودوائر الصحبة والمحسوبية الخاصة بهم، ويحصل أن تتيح لهم مواقع إدارية أو شراكات اقتصادية مجزية جدا. إنهم جزء من الطبقة الوسطى الدنيوية الحسنة التعليم عموما، المضمونة الموقع في نظام الاقتصاد المدول بحكم التبعية للنظام، ثم النافذة بيسر في سوق العمل الجديد بحكم تأهيلها ومواقعها الاجتماعية الراسخة في الطبقة الوسطى المتعلمة. وهي خلافا لأكثرية السوريين تتحكم بقدر طيب بشروط حياتها، ولا تتشوق إلى تغيير سياسي أو اجتماعي أو تعمل من أجله، ولديها نظام معنى يخصها، صحيح أنه متآكل، لكنه يلبي لها الحاجة إلى تعريف نفسها، وإن لم يعد مؤهلا لتغيير العالم أو حتى لتفسيره. التغيير الوحيد الذي باتت تتطلع إليه منذ تسعينات القرن العشرين هو “تغيير ثقافي”، يقارب تعميم نمط حياتها وأذواقها اجتماعيا. ومع إدراكها عسر هذا التغيير (إمكانيات سورية الاقتصادية لا تتحمله دون تغيير مهم في نظامها الاقتصادي الاجتماعي)، فإنها تنزوي على نفسها وتشكل أوساطاً جزئية تتفوق تفاعلاتها الداخلية على تفاعلاتها مع الغير، ومع المجتمع ككل. “طوائف” مغلقة أو تكاد.

وهذا المزيج من انفصال عن أية قوى اجتماعية حية مع تعليم جيد ونزعة دنيوية في المعاش والتفكير، ينطبق أيضا على أكثر اليسار الشيوعي المعارض، ومحصلته المشتركة هي الانعزال عن المجتمع العام. فضلا عن كون اليسار المعارض شريكاً في الهزيمة الإيديولوجية بفعل سقوط الشيوعية، هزيمة تتناسب شدة مع أرثوذكسيته قبلها، كانت سنوات السجن الطويلة فككت التنظيمات الشيوعية المعارضة، أو ردّتها إلى تجمعات صغيرة لا تكاد تتماسك إلا بقدر ما تتخلى عن محالة تأكيد نفسها سياسيا.

على أن الشيوعيين السوريين المعارضين كانوا في الأصل أقل أرثوذكسية شيوعية، وتعامل كثيرون منهم بمرونة أكبر مع تداعي الشيوعية عالميا. في أصل هذه المرونة، على الأرجح، أنهم يستندون إلى رصيد سياسي من معارضة النظام هو ما يشكل، وليس العقيدة الشيوعية، مركز ثقل تعريفهم لأنفسهم ودورهم العام. ليس لدينا، وأنا من هذه الفئة، عقدة نقص أو شعور بالضآلة نحاول التغلب عليه عبر اعتناق عقيدة كبيرة كاملة. لقد قاومنا نظام طغيان، استطاع هزيمتنا سياسيا، لكن ظلت هذه المقاومة العنصر الأساسي في تكويننا ومنبع كرامتنا. وهذا قاد أكثرنا إلى مواقع غير شيوعية، وحتى من بقى ماركسيا بصورة ما بيننا تحول موقع الماركسية في تفكيره من مقوم حصري لهويته إلى مورد فكري من موارد تفكيره، ليس الوحيد، ولا القيادي بالضرورة.

يتوفر للعديد من السجناء اليساريين القدامى مؤهلات فكرية ومهنية مرنة تضعهم في مصاف الطبقة الوسطى، أو ما سنسميه بعد قليل البرجوازية الاجتماعية. إلا أن منازعة النظام متأصلة في تكوين أكثرهم، يمكن تسميتهم معارضون محترفون، ومنذ بداية الثورة كانوا في صفها، وإن بدرجات متفاوتة من التكرس. هذا لا يمنع أنه ظهر موقف وسطي في أوساط اليساريين المعارضين والسجناء السابقين: لا يليق أن تكون ضد الثورة، لكن ليتها كانت ثورة أخرى! بل وحتى مواقف موالية للنظام. واللافت أن الوسطية، وأكثر منها القرب من النظام، شائعان بين من ظلوا أقرب إلى الأرثوذكسية الشيوعية في تعريفهم لأنفسهم، أقرب أيضا إلى العالم الخيالي والرمزي الذي أشرت إليه فوق.

وحال اليساريين السوريين، الموالين منهم أم المعارضين، لا يغايره حال شيوعيين عرب وأجانب فيما يبدو. الجميع شركاء في الانفصال عن أية طبقات أو شرائح اجتماعية واسعة، والجميع جزء من الطبقة الوسطى المتعلمة في مجتمعاتهم، والجميع دنيويون ومتذوقون لمباهج الحياة وحريصون عليها، والمعاناة الشخصية ليست مما لدى أكثرهم استعداد لتحمله. وفي المحصلة يصعب اعتبارهم قوة ثورية أو فاعلي تغيير اجتماعي. هم في أحسن الأحوال قطاع مسود من النخبة السائدة (إن استعرنا تعبير بيير بورديو عن الأكاديميين والمثقفين في فرنسا)، قطاع انعزالي وفاقد كليا لأية طاقة هيمنية، ولا مستقبل له.

وقلة بين الجميع هم من يطرحون على أنفسهم حتى تحدي فهم التحولات التي جرت خلال ربع القرن الأخير، أو محاولة استيعابها معرفيا بأية صورة، دع عنك محاولة استعادة زمام المبادرة لمصلحة سياسة يسارية من نوع ما. يعتصم العموم بموقف سلبي، فلا يجيبون على المسائل الاجتماعية والسياسية والفكرية المستجدة، ولا هم يحاولون الإجابة، ويغلب عليهم التشكّك السينيكي في أي إجابات تطرح.

6

كانت الشيوعية إيديولوجية صلبة ولها مضمون اجتماعي قوي، وإن يكن اسمياً أو آل إلى أن يكون اسمياً في الغالب. وقد قاد انهيارها إلى فقدان اليسار لوجهته الاجتماعية، الانحياز للمحرومين والمهمشين. وفي هذا الشأن لا فرق مهماً بين شيوعيين موالين وشيوعيين معارضين، ولا بين شيوعيين أرثوذوكس وشيوعيين هراطقة، لا في سورية ولا في غيرها.

كانت تطورات اجتماعية واقتصادية متنوعة قادت في الغرب منذ ستينات القرن العشرين إلى وضع لم تعد “الطبقة العاملة الصناعية” فيه هي العنوان الحصري للحرمان، أو حتى عنوانه الأساسي، على ما عكست منذ ستينات القرن العشرين أعمال هربرت ماركوز بصورة، وروجيه غارودي قبل فصله من الحزب الشيوعي الفرنسي بصورة أخرى، ثم في السبعينات أعمال نيكوس بولنتزاس بصورة ثالثة، وكذلك مجمل الكتابات عن المجتمع ما بعد الصناعي (ألان تورين وآخرين).

في سورية، كان اكتمل تحول الشيوعيين الموالين إلى جزء من البيروقراطية التابعة، الفاقدة لأية إرادة سياسية، تعيش حياة الطبقة الوسطى المتعلمة والمهنية، وتُولي البيت والسيارة والسلع المعمرة وسبل قضاء أوقات الفراغ أهمية أكبر بكثير من “تغيير العالم”.

والشيوعيون السابقون المعارضون من أمثالنا، وبصرف النظر عن إخلاصهم الذاتي، لم يعودوا ركيزة فاعلية تغيير عامة، بخاصة من داوموا على عقيدتهم الشيوعية منهم، وهذه المداومة أسوأ حلول أزمة الشيوعية في تصوري. وكما سبق القول فقد وجد هؤلاء أنفسهم بصورة نسقية أقرب إلى النظام الذي كان حبسهم واضطهدهم. ومن تحولوا عن الشيوعية لم يتبلور لهم دور محدد، وإن كان لهم دور بالغ الأهمية في المعارضة السياسية والحياة الثقافية. من الوجهة الاجتماعية ينطبق على الجميع القول إنهم قطاع مسود من النخبة أكثر مما هم نخبة مضادة.

وبشيء من المفارقة، قد يمكن القول إنه لا أحد أكثر برجوازية، اجتماعيا وثقافيا، من شيوعي، مثابر أو سابق، وسواء تسلى أم لم يتسل بمعاداة الامبريالية. وهذه واقعة سوسيولوجية مهمة، لا تقول شيئا فقط عن الشيوعيين وتحولاتهم، وإنما أكثر منهم عن تشكلات اجتماعية جديدة، لدينا ولدى غيرنا، في الغرب واللاغرب، تشغل فيها أنماط الحياة قيمة تفوق أنماط الإنتاج، و”المكانة الاجتماعية” الفيبرية تتفوق على “الطبقة الاجتماعية” الماركسية.

شرط الطبقة الوسطى المتعلمة هذا، ووضع القطاع المسود من النخبة الاجتماعية السائدة، يلقي ضوءا على اختلاط التفكير اليساري في بلداننا بالإيديولوجية الحداثية اليمينية، المنشغلة كثيرا بقضايا “الذهنيات” و”التغير الثقافي” الذي سبقت الإشارة إليه، وفي صيغ نضالية أحيانا، موجهة ضد “القدامة” أو “الأصولية”. هذه الإيديولوجية هي الأنسب للبرجوازية الاجتماعية والثقافية إن صح التعبير، البرجوازية المعنية بأنماط العيش وليس بأنماط إنتاج العيش، وبالفرص الشخصية وليس بتساوي الفرص الاجتماعية، وبـ”المادة” وليس بـ”المادية”، تمييزا عن البرجوازية الاقتصادية، الملتصقة في سورية بطغمة النظام، والأقرب إلى عالم الإنتاج المادي، والتي تشكل مكونا أساسيا لمجتمع “السوريين البيض”.

ولا يميز ضرب من “اليسار” بين القضية الاجتماعية بالمعنى القديم (العمال والكادحين) والقضية الاجتماعية الجديدة المضادة للقدامة، والتغير الاجتماعي القديم (الاشتراكي) والتغير الثقافي الجديد (الحداثي)، وبخاصة أن أكثر دعاة الإيديولوجية الحداثية اليوم هم يساريون أو شيوعيون سابقون، ويتواتر أن تكون “العلمانية” هي الجسر الواصل بين الموقعين، والوسيط الذي لا يستغنى عنه لتضليل النفس والغير.

في الأصل التقى في الشيوعية العربية نازعان: نازع اجتماعي وشعبي متطلع إلى المساواة والعدالة، وعامل من أجل التغيير الاجتماعي والسياسي، ونازع سلطوي وجد فيها عقيدة تميز وتفوق على الغير، ومتطلع تفضيليا إلى السيطرة والسلطة. هذا النازع الأخير هو ما اتجه عموما إلى الحداثية اليمينية.

التباس النوازع هذا منبع إضافي للتحفظ على الثورة السورية أو معاداتها. الشيوعي الذي كان يبحث عن تفوق وعقيدة تفوق، وهو اليوم من الطبقة الوسطى المسيطرة على شروط حياتها (البرجوازية الاجتماعية)، يجد عقيدة التفوق اليوم في التفسير الثقافوي للتاريخ، وفي الحداثية كإيديولوجية كونية بديلة.

وما يميز “سياسة” هذه “البرجوازية الاجتماعية” هو فصل الحريات الاجتماعية (ما يتصل بنمط الحياة من زي ومأكل ومشرب واختلاط بين الجنسين…) عن التحويل الاجتماعي وما يتصل بقضايا إنتاج وتوزيع الثورة، وأكثر منها عن الحريات السياسية. البرجوازية الاجتماعية معادية جهاراً للعامة وللديمقراطية، على ما تشهد كتابات كبار مثقفيها العضويين السوريين (عزيز العظمة، جورج طرابيشي، أدونيس… من دعاة الاستبداد المستنير).

ومن هذا الباب فإن سياسة يسارية تستحق اسمها بعد الثورات هي السياسة التي تجمع بين الدفاع عن الحريات الاجتماعية، وهذا موضوع سيكتسب أهمية مضاعفة مع الموجة الراهنة من صعود الإسلاميين، والحريات السياسية التي تتجه إلى الارتباط بصورة وثيقة بالحريات الاجتماعية بفعل السيطرة السياسية الواقعة أو المحتملة للإسلاميين، وربط الاثنين بإعادة نظر واسعة في نظم إنتاج وهياكل توزيع الثروة القائمة لمصلحة الشرائح الاجتماعية الأشد حرمانا.

وإذا كانت السياسة اليسارية التقليدية تتطلع إلى تغيير الملكية من طبقة إلى طبقة أو من أيد إلى أيد، فإن السياسة اليسارية الجديدة تتطلع إلى تملك التغيير، أي السيطرة الاجتماعية على شروط إنتاج الحياة المادية والسياسية والرمزية.

7

منذ هزيمة الشيوعية قبل نحو ربع قرن، لم يظهر جديد فكري يساري، محليا وعربيا. وما كان له أن يظهر في الأوساط نفسها دون نقد جذري للتجربة الشيوعية، وجذوره في الماركسية ذاتها (مفهوم دوغمائي وخلاصي للعلم، غائية التاريخ ونهائيته، الدور الخلاصي للبروليتاريا…)، وهو نقد لم يمارس بصورة نسقية في حدود ما نعلم. بل جرى التراجع على مستوى نظرية المعرفة من أولوية التجربة الواقعية والممارسة الحية إلى نسبة الحقيقة (أو “العلم”) إلى الفكر الماركسي في أحسن الأحوال، أو إلى عقيدة شيوعية غثة ودوغمائية إلى أبعد حد، كانت سفحت كرامتها الفكرية والسياسية على أعتاب الاتحاد السوفييتي أيام الحرب الباردة، قبل أن ترتد بعد تداعي الشيوعية إلى غريزة ماضوية، لا تكف عن تكرار نفسها: معاداة أعداء الاتحاد السوفييتي السابقين. وهنا، أعني في عالم الغريزة المعتم هذا، يقع الأساس المعرفي لعالم الجن الشيوعي الذي كان مسكونا بحشد من الأبطال والكائنات الأسطورية، سبقت الإشارة إلى بعضها.

وبقدر ما إنه لم يتطور أي تفكير جديد، صارت هذه الغريزة هي الموجه الفكري لعامة الرفاق وخاصتهم. وأسهم مفهوم الامبريالية في تثبيت هذه العادات الفكرية، بخاصة لدى يساريين غربيين أو عرب وآسيويين مقيمين في الغرب، يحتاجون إلى “العداء للامبريالية” لإقناع أنفسهم أنهم يفعلون شيئا، لأنهم في الواقع لا يفعلون أي شيء غيري أو يفيض على رعاية سيرهم الخاصة.

وهذه مناسبة للفت الانتباه إلى نقطة مهمة: منذ سقوط الشيوعية قبل نحو ربع قرن، باتت الصراعات التي يتكلم عليها المثقف والناشط الشيوعي صراعات بعيدة عنه شخصيا، وعن حزبه إن كان لا يزال في حزب، ليس هو منخرطا فيها، والمنخرطون فيها ليسوا مثله ولا من أشباهه. إنه أقرب إلى متفرج في لعبة كرة قدم، لا يلعب ولا يجيد اللعب ولا مكان له في الملعب. يحصل أن يجيد الهتاف، والحق يقال.

وما كان عالما خياليا قبل انهيار الشيوعية تحول إلى عالم خيالي مضاعف، لكن دون موارد حية للفكر والخيال، ودون مفاهيم ورموز جديدة، عالم أشلاء، فقير وبائس ومندحر.

لقد تواطأت شروط معرفية مع شروط اجتماعية كي ينزع اليسار الشيوعي النمطي إلى التشكك في الثورة السورية. ففيما عدا أنهم لا يمارسون التحليل الاجتماعي الاقتصادي، وهو الأساس المنهجي لأية سياسة اليسارية (أو يمارسونه رمزيا ومن باب تعريف النفس: قليل من الكلام على الجماهير الشعبية…)، وفوق أنهم تحولوا إلى يسار بيروقراطي على مستوى التفكير والروابط الاجتماعية ونمط الحياة وإدارة النفس، وإن ليس بالضرورة على مستوى المهنة؛ يسار ماضوي أيضا، منفصل منذ أمد طويل عن منابع الحيوية الاجتماعية والفكرية، ومتخاذل سياسيا، ولا ينتج قيماً مضافة مادية أو معنوية، فإن الثورة السورية تفجرت ضد نظام كانوا يوالونه، أو يوالون من يوالونه، أو يوجهون له نقدا خفيفا وعموميا يتكثف في كلمة واحدة: استبداد؛ هذا قبل أن يسارعوا إلى تخفيف هذه الكلمة ذاتها بطرق متنوعة (الأنظمة العربية الأحرى استبدادية، الاستبداد نتاج جوهري وحصري للثقافة العربية والإسلامية حسب النظرية القياسية للبرجوازية الاجتماعية…).

8

لكن يبدو أن المأخذ الأقوى على الثورة السورية في هذه الأوساط هو ما يبدو من أن قوى إقليمية محافظة ودولية مهيمنة تقف ضد النظام اليوم.

يلزم التذكير هنا أنه قبل الثورة كانت علاقة جميع هذه القوى بالنظام حسنة أو تسير نحو الأحسن، وأن مخاصمتها للنظام، وهي القوى القادرة، لم تنعكس دعما للثورة، بل محاولات لاحتوائها وتوجيهها في وجهات تناسب تلك القوى، وأنه لا يزال صحيحا ما كان صحيحا طوال العشرين شهرا الماضية: إن نظاما فاشيا، يمثل “مجتمع السوريين البيض” ومن يتبعهم، يقتل فقراء سوريين يوميا، بينما يتوسل هؤلاء في مواجهته ما يتاح في متناول أيديهم من عتاد سياسي وفكري وعسكري.

يميل أصحاب هذا المأخذ إلى إلحاق الموقف من الثورة السورية بالصراع ضد امبريالية لا يصارعونها هم بأية صورة عملية، ولا تعرف لهم حتى مساهمات فكرية ذات قيمة في شأنها. وغالبا يعتبرونها جوهرا متركزا في أميركا أو في الغرب، وليس نظاماً متحولاً للعلاقات الدولية، يحصل أن تنسخ بنيته ذاتها قوى إقليمية توسعية مثل إسرائيل التي هي محطة تقوية للهيمنة الأميركية في “الشرق الأوسط”، ومثل “سجن الشعوب” القديم الجديد على ما وصف ماركس روسيا في زمنه، ومثل إيران، ومثل النظام السوري نفسه. هذا الأخير هو نسخة طبق الأصل في تعامله مع السوريين من النظام الدولي في صيغته الأشد أحادية قطبية واستبدادا، وموقعه حيال عموم السوريين هو نسخة طبق الأصل عن موقع إسرائيل في النظام الشرق الأوسطي.

وتساند دول الخليج العربية الثورة السورية في سياق تعظيم وزنها الإقليمي والدولي (قطر) أو المواجهة على النفوذ الإقليمي مع إيران (السعودية)، وفي الحالين لملاقاة تطور لم يكن لها دور في نشوئه، لكنها تحاول التأثير عليه في اتجاهات تناسبها. هذا غير أن التعاطف مع الثورة السوري هو قضية شبه إجماع داخلي في البلدين، خلافا لما كان الحال لو كان الموقف عكس ذلك.

ولا ريب أن الثورة السورية ستضطر إلى مواجهة هذا الواقع الذي قد يطلق موجة جديدة من الصراع الإقليمي والدولي على سورية. وفي حين أن النظام لا يزال الطرف الأقوى في الصراع السوري فإننا لسنا في وضع جيد لمواجهة هذا الاحتمالات مباشرة، ولمساءلة من قد يدعم الثورة السورية عن دوافع دعمه لها.

9

ماذا يمكن أن تكون سياسة يسارية مستنيرة اليوم حيال الثورة السورية؟

نفترض أنها الانحياز الحاسم وغير المشروط إلى مقاومات السوريين المتنوعة ضد مجتمع السوريين البيض الفاشي، والعمل على ترجمة المحركات الاجتماعية للثورة إلى توجهات سياسة ملائمة لمصالح الشرائح الأكثر تضررا من النظام، وبناء السياسة اليسارية الجديدة ككل على هذا الأسس.

نفترض أيضا تصورا للصراع الاجتماعي أكثر تركيبا وتعدد أبعاد من “الصراع الطبقي”، يأخذ في اعتباره الاستقطابات الطائفية والنزاعات الإثنية والمنافسات الجهوية، وأوضاع النساء والعلاقة بين الجنسين (قضية مرشحة لأهمية متزايدة اليوم) والصراعات الجيلية. ولا تقبل هذه الصراعات الإرجاع إلى عنصر واحد محدد، هو الطبقات. هناك مسحات تقاطع ومساحات تخارج من شأن تحليلها أن يساعد في رسم اللوحة الاجتماعية المعقدة في بلداننا، وفي كل مكان.

ولعل من شأن هذا التصور المتعدد الأبعاد أن يسهم بحد ذاته في ضبط الصراعات ووضع قواعد عامة لها، وتجنب صيغة الصراع المطلق والتناقضات التناحرية.

وبينما لا تملك الثورة حلولا ناجزة لأي من هذه الصراعات والاستقطابات، فإنها على الأقل ستفرض على السوريين مواجهتها مباشرة بعد طول تجنب أو التفاف عليها. أوضاعنا صعبة في كل حال، لكن لم تكن المشكلة في ظل النظام الأسدي أن أوضاعنا صعبة فقط، وإنما أننا ممنوعون من محاولة فعل شيء في مواجهتها، ولو إثارة نقاس عام صريح في شأنها.

10

وختاما، إن كان لنا أن نلخص العناوين العريضة لسياسة يسارية في المستقبل القريب، نحيل إلى ما سبق قوله من الجمع بين الحريات الاجتماعية والحريات السياسية وتحويل هياكل إنتاج وتوزيع الثورة لمصلحة “السوريين السود”. هذا الأسس تأخذ في حسابها احتمالات السيطرة السياسية للإسلاميين، وليس فقط مواجهة الفاشية الأسدية.

الحوار المتمدن

/p

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...