30×14=420


حازم الأمين

يستغيث السوريون في تظاهراتهم، يقولون: “يا الله ما النا غيرك يا ألله”، وفي فيديوات أخرى يخرج هتافهم أقرب الى الحداء. حتى النكات التي تتضمنها الشعارات المرفوعة، هم فيها ضحايا أكثر من كونهم طالبي نصر وفوز. والحال ان لاستعانة المحتجين والمتظاهرين بقاموس مخاطبة دفاعي وتضرعي تفسره الوقائع التي تجري في أروقة التفاوض العربية مع النظام في سورية. فهذا التفاوض قد يكون ضرورياً، لكنه ينطوي على مأساة فعلية. المُهل التي تعطى للنظام هي بالنسبة للمحتجين أرقام قتلى.

حسابات رياضية يجريها النشطاء. مهلة الأسبوعين تعني، إذا كان رقم القتلى 30 سورياً في النهار الواحد، فإن المعادلة تصبح على هذا النحو: 30×14=420.

ربما لم يشهد العالم تجربة لصرف السياسة بالأرقام على هذا القدر من الوضوح. إنها المأساة حقاً، لكنها المأساة مضافاً اليها دقة في النتائج غير مسبوقة.

نعم السياسة قد تستبطن مآسي وقد تترافق مع حروب، لكن جهداً يبذل لاخفاء الأرقام، لا لجلائها. فالمسؤول العربي الذي يفاوض النظام في سورية على تسوية للأزمة هناك، عرف أم لم يعرف، يمنح النظام فرصاً للقتل. الأرجح أن لا مجال لتفادي المفاوضة، لكن ذلك لا ينفي أن مهلة الأسبوعين تعني 420 قتيلاً، وعندما قال المحتجون إن هذا الرقم من القتلى قدمته الجامعة العربية هدية للنظام في سورية، وأرفقوا ذلك بعبارة “يا الله ما النا غيرك يا الله” فهم أصابوا بذلك الإنسانية جمعاء. أصابونا كلنا نحن العاجزين عن أن نكون إلى جانبهم.

لقد صنع السوريون مشهدهم بأنفسهم، فنحن في لبنان ساعدتنا شركات عملاقة لتظهير صورة تظاهرة 14 آذار في عام 2005. وفي تونس تولت الدياسبورا التونسية في أوروبا مهمة نشر الصورة القادمة من القصرين ومن سيدي بوزيد، وفي مصر شاركت الفضائيات العربية والعالمية كلها في تأليف مشهد 25 يناير.

السوريون ومن دون مساعدة أحد صنعوا صورتهم بأنفسهم. ألفوا مشهد ثورتهم من ألفه الى يائه. رسموا حدود التظاهرة بما ينسجم مع قدرات كاميرات هواتفهم على التقاط صورها، وشكلوا لجاناً لضبطها وتحديد وجهة سيرها. كتبوا شعاراتها على نحو بدا واضحاً عدم ارتباطها بطموحات الأحزاب أو بمعارضات الخارج. هم مستقلون تماماً.

المسلمون الممارسون منهم لا يشبهون إلا أنفسهم، والعلمانيون شديدو الاتصال بالبيئة التقليدية للمدن والضواحي والأرياف. لا شيء في سورية يمت بصلة لنوع الانقسامات والاصطفافات التي يشهدها خارج سورية. في حماه، المدينة التقليدية يلومون المفتي على مواقفه قائلين: “قولوا للبوطي ما يخاف يتعلم من مي سكاف” وفي ريف دمشق يحمي مشايخ صوفيون غير مسيسين ولا منظمين ناشطات غير محجبات لجأن من المدينة الى الريف بعد ملاحقات الأمن لهن.

المتظاهرون هم المتظاهرون ولا أحد خلفهم أو أمامهم. هم من يخطط ومن يصور ومن يُقتل ومن يهرب ومن يستقبل الهاربين. وهم أيضاً من يعالج الجرحى ومن يدفن القتلى ليعود ويُقتل في تشييعهم. هم وحدهم ولا أحد معهم، ولهذا عندما يقولون: “يا الله مالنا غيرك يا الله” فهم يعنون ما يقولون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...