الرئيسية / كتاب الانتفاضة / ابرهيم الزيدي / مقالات تناولت داعش: الدولة الإسلامية في العراق والشام

مقالات تناولت داعش: الدولة الإسلامية في العراق والشام

المسيح يُصلَب في الرقة/ ابرهيم الزيدي

هل هناك مَن يستطيع أن يرجم بالغيب علماً، ويعلم أن المسيحيين سيتخلّون عن الرقة، ويتركون يبابها لغير نسائم شوقهم؟ مَن لهم بعرّاف يهتك ستر الحقيقة، ويتساءل ما الذي يجري للمسيحيين في الرقة، ومن هي الجهات التي وراء إجبارهم على التخلي عن مواطنهم هناك؟ أم أن المسيح على أبواب صلبٍ جديد؟

قبل أن ترتدي الرقة خوفها، وتمضي في المجهول، كان اسم الخليفة العباسي هارون الرشيد، يحتل إحدى حدائقها. ينتصب تمثاله النصفي في مدخلها، مكتفياً بوجوده الرمزي. لم يكن يعلم أن الرموز لا يحميها التاريخ، بل تحتاج إلى قوة واقعية تحميها كي لا تتدحرج بين أقدام المسلحين، كما حدث فعلاً، في حديقة الرشيد! كان يعتقد أن علاقة الرقة مع معطيات حضارة الألف الثامن قبل الميلاد، في تل المريبط، ستجعلها تمنح اسمه المقام الذي يليق به.

قبل أن ترتدي الرقة خوفها، وتمضي في المجهول، كان هشام بن عبد الملك، فرحاً بقداس الرصافة الذي أقيم في كاتدرائية القديس سيرجيوس، بين الأوابد الأثرية، وقد شارك فيه المسلمون والمسيحيون في صلاة موحدة.

قبل أن ترتدي الرقة خوفها، وتمضي في المجهول، كان السنونو يتدثر بأجراس الكنائس، ويطيب للحمام الهديل، على شرفات المآذن.

قبل أن ترتدي الرقة خوفها، وتمضي في المجهول، لم يكن المسيحيون فيها يخشون من أسمائهم. فالرقة لم تكن مراحاً لأي نوع من المغامرات. فهي واحدة من المدن المنسية، مدينة الأسئلة التي لم تحظ بجواب. مدينة صغيرة، ومساحة إدارية تبلغ 19629 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 6،10 من مساحة سوريا، لا يتجاوز عدد سكانها 921 ألف نسمة، 450 ألفاً منهم في مدينة الرقة، وما تبقى في الريف. تتوسد الضفة اليسرى لنهر الفرات، وتنام، في انتظار مواسم الحصاد للمزارعين، ونهاية الشهر للموظفين، وما بينهما ثمة من يتدبر أمور معيشته في الأعمال الأخرى.

في النصف الأخير من القرن المنصرم، أقامت الدولة فيها مشروعاً زراعياً، سُمّي المشروع الرائد، على ألوف الهكتارات من الأراضي المجاورة للنهر. بعد أكثر من ربع قرن، أثبت ريادته فشلاً، بعدما استهلك القائمون عليه، ما رُصد له من أموال، وتم توزيع أراضيه على الموظفين والمتعاقدين مع المؤسسة العامة لاستثمار حوض الفرات وتنميته، لكل شخص 30 دونماً، على أن يحال الموظف على التقاعد، حتى وإن لم يكن قد استكمل الشروط القانونية للتقاعد. انتهت بذلك أهم الأحلام الاقتصادية التي راودت أبناء المنطقة. أما سياسياً، فالرقة لم تكن خاضعة للنظام وحسب، بل كانت خانعة، ولها في ذلك تاريخ. هذا الخضوع أو الخنوع، خدم صيغة التعايش التي كانت سائدة بين سكانها، فوجد فيها الأرمن والأكراد والتركمان والمسيحيون والشركس، والوافدون من أبناء المحافظات الأخرى، محطة لأحلامهم في العمل، والعيش بسلام. صحيح أن الغلبة العددية كانت للعرب المسلمين، إلا أن ذلك لم يحتج له أحد، إذ لم يكن بين الناس فيها خصومات تبرز فيها الكثرة. وقد كان للمسيحيين والأرمن موقع متقدم من احترام الناس. لم يكن لهم أحياء بعينها، على العكس من الأكراد الذين كانوا يرغب بعضهم بمجاورة بعضهم الآخر. وقد نالوا شهرة في الأعمال الصناعية، وخصوصاً صيانة السيارات والآليات الأخرى من حصّادات وتراكتورات وغير ذلك.

كنائس الرقة بين الحاضر والتاريخ

“وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا” (قرآن كريم، سورة الحج)

يعود تاريخ الكنائس في محافظة الرقة إلى ما قبل عام 559 للميلاد، إذ أعاد الأمبراطور جوستنيان (527- 562) في تلك السنة بناء كنيسة القديس سيرجيوس، وسميت حينها كنيسة الشهداء، وهي تعدّ الآن من أهم الكنائس الموجودة في مدينة الرصافة الأثرية. ولأن المنطقة لم تعش انقطاعاً حضارياً، أو ما يشوب العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، فقد استمر وجود هؤلاء في كنف الخلافة الأموية، والعباسية، والأمبراطورية العثمانية، وناضلوا ضد الاستعمار الفرنسي، وبقيت الحال على ما هي عليه حتى العصر الحديث. هذا الوجود الطبيعي للمسيحيين، اقتضى بالضرورة أن تكون دور عبادتهم موجودة أيضاً، وهذا ما كان فعلاً. ففي محافظة الرقة الآن توجد 6 كنائس، واحدة في تل أبيض (كنيسة الاستقلال) وثلاث في مدينة الطبقة، الأولى أنشأها المطران ناوفيطوس ادلبي، رئيس أساقفة حلب للروم الكاثوليك، ثم بنى مجلس كنائس الشرق الأوسط كنيسة القديسين الشهيدين، سرجيوس وباخوس، وأخيرا شيّدت كنيسة آشورية صغيرة، يخدمها كاهن مقيم، إضافة إلى مركز للتعليم المسيحي في كنيسة الروم الكاثوليك، تحت إشراف الراهبات الفرنسيسكانيات، مرسلات مريم. في مدينة الرقة كنيستان، كنيسة الشهداء وكنيسة سيدة البشارة، إضافة إلى مدرستين خاصتين، واحدة في تل أبيض تمتد من مرحلة الروضة إلى نهاية المرحلة الابتدائية، وأخرى في مدينة الرقة، فعدد المسيحيين في الرقة يقارب 3000 نسمة، يضاف إليهم ما يقارب 100 عائلة أرمنية. ولم يكن تسجيل التلامذة في هاتين المدرستين الخاصتين، مقتصرا على أبناء المسيحيين أو الأرمن، بل يحق لكل من يرغب بتسجيل أبنائه فيهما. وقد بقيت هذه الحال حتى تاريخ 4 آذار 2013.

التغريبة الأرمنية

أبانا الذي في السماء… لم يعد لنا آباء في الأرض، نعترف لهم بعجزنا عن حماية أنفسنا.

يمكن القول إن منطقة تل أبيض (105 كم، شمال شرق الرقة) لم تكن موجودة كمدينة قبل عام 1915، فقد لجأ إليها بعض الأرمن الفارين من المجزرة التي وقعت لهم في تركيا، وأقاموا فيها. الاسم ترجمة لاسم المدينة المقابلة لها من الجانب التركي، أخجي قلعة، وأصبحت تل أبيض على يد الأرمن جنة خضراء، ساعد في ذلك وجودها على خط المطر، وكثرة مياهها، فهي لا تبعد كثيرا عن نهر البليخ، من أهم روافد نهر الفرات. ثم تدفق إليها أبناء الريف المجاور من عرب وأكراد، إلا أن نسبة العرب كانت هي الغالبة، وأصبحت نواة مدينة، إذ كان فيها فندقان (ولم يكن في محافظة الرقة آنذاك فندق)، وخمارتان، وثلاثة مقاه، وثلاثة حلاقين، وانتشر فيها البناء الطابقي (جرداق) وهو بناء طيني مؤلف من طبقتين. ولم يكن الأرمن يختلفون عن العرب بشيء، الاختلاف الوحيد في اللباس النسائي، وهو كبير، إلا أن ذلك لم يؤثر في العلاقات الاجتماعية، وقد كان الأرمن يشاركون العرب المسلمين أفراحهم وأتراحهم كما تقتضي العلاقات بين الناس، وهم أول من أدخل السيارة إلى المنطقة لنقل الركاب، فقد كانت لديهم ثلاث بوسطات تعمل على خط تل أبيض – الرقة، وأدخلوا كذلك الآليات الزراعية، مما أدى إلى وجود منطقة صناعية، في وقت مبكر. لا بل وجد في تل أبيض فندق لم يكن في الحسبان، خاص بالعاهرات، تشرف عليه الدولة، بحراسة الشرطة، وإشراف صحي. وكانت الأعراس في المدينة، جميع الأعراس، لا تحلو إلا بوجود الأرمن، فالعرس ينعقد حين يقترب موعد حلاقة العريس، وجميع الحلاقين كانوا من الأرمن، وكلهم يتقنون العزف على آلة العود، ويغنّون أيضا. فكان الحلاّق الأرمني، إضافة إلى حلاقة ذقن العريس، يحيي حفلة العرس أيضا، وكانت غالبية أغانيهم باللغتين الأرمنية والتركية، ولم يكن هذا مهما. المهم أن يكون ثمة مطرب يغنّي في العرس. واستمر هذا التعايش لعقود، لم يتخللها أي انتهاك. ومع ازدياد نسبة العرب في المدينة، والأكراد في ما بعد، أخذ البعض من الأرمن يفكر في الهجرة إلى حلب، فهم غالبيتهم حرفيون يتقنون العمل الصناعي، وبدأت تتوالى أخبار عن هجرة البعض منهم إلى كندا، فتناقص عددهم، إلا أن قسما كبيرا منهم بقي في تل أبيض، فتوزعوا بين تل أبيض وحلب وكندا، والقليل منهم غادر إلى الرقة، واستقر فيها. وقد ساهم هذا الانفتاح على حلب، والتواصل مع الأرمن هناك، في بناء كنيسة جديدة من الأسمنت، كنيسة الاستقلال، بعد كنيسة سابقة من الطين والخشب، إضافة إلى روضة خاصة تستمر حتى نهاية المرحلة الإبتدائية. في تسعينات القرن الماضي أصبحوا أقلية، نتيجة تدفق أبناء الريف من العرب والأكراد على المدينة، وكأن مدّ الهجرة إلى كندا هو الآخر قد انحسر، فصار كل من يريد مغادرة تل أبيض، يغادرها إلى حلب، ليستقر هناك، وخصوصاً أن حلب كمدينة صناعية، في إمكانها أن تستوعب اليد الحرفية الماهرة، وقد اتسم الأرمن بهذه السمة. إلا أن كل ذلك أصبح مجرد ذكريات، فتل أبيض التي سبقت الرقة في سقوطها من يد النظام، لم تلبث أن أصبحت منطقة نزاع بين الكثير من القوى، فالموت الممتد من رحم الأرض إلى رحمة الرصاص، لم يعد سرّاً، فالمعارك الآن على أشدها، بين المسلحين، وكتائب YPG التابعة لحزب العمال الكردستاني. فكان الافتراق بين حساب السوق وحساب البيدر.

– في أي اتجاه سنركض يا أبي؟

– كل الجهات مُلك للنازح يا بني إلا جهة الوطن.

حين سقطت من الحساب الآلام التي تنتظر الزيت المقدس، كتبت الرقة على وجه الفرات أعمدة الحزن السبعة. وأصبح الصمت هو اللغة الأبلغ بين الناس. ولم يعد القصف هو الرسالة الوحيدة التي تنبئ بما ستؤول إليه حال الرقة. فاحتلال الكنيستين، كنيسة الشهداء وسيدة البشارة، في الرقة، جهاراً نهاراً، وتحويلهما مقرّين أمنيين لدولة الشام والعراق، “داعش”، يتضمن أكثر من رسالة. إذ ما معنى هذا الاغتصاب؟ ولماذا لم يتم احتلال المساجد، على سبيل المثال؟ أليس في ذلك إعلان صريح بموقف الكتائب المسلحة، وفي مقدمها دولة الشام والعراق، “داعش”، من الوجود المسيحي بالرقة؟ وهل من سبب آخر يستدعي هذا الموقف من المسيحيين، غير عقيدتهم؟ علماً أن المسيحيين كأقلية، من المعروف عنها أنها تلتزم جانب الحياد، وليس لها أي أثر سلبي سواء في الحياة العامة سابقاً، أو في الثورة لاحقاً. وإذا كان الحديث عن الثورة لا يزال سارياً مفعوله في الرقة، فما معنى أن تتوسط الجهات الثورية لدى الكتائب الإسلامية المسلحة، وفي مقدمها دولة الشام والعراق، “داعش”، لإطلاق النقيب طوني ميشال ملوحي، الذي انشق عن النظام، وقام بتسليم ناحية المنصورة بالكامل إلى “الجيش الحر”، قبل سقوط الرقة، علماً أنه ولا واحد من الضباط أو صف الضباط، من أبناء الرقة المسلمين، قام بمثل ما قام به النقيب طوني ميشال ملوحي، لا بل جميعهم بقي مع النظام حتى آخر لحظة، ولم يتعرض ايٌّ منهم للخطف أو التهديد، وهم ليسوا بمنعة لو شاءت الكتائب المسلحة ذلك. على ما يبدو، ثمة مَن يموت بسبب العقيدة، وثمة مَن ينجو بفضلها.

أليس لأنه مسيحي؟! أم أننا نحتاج إلى معرفة وقائع حياة كل أسرة مسيحية في الرقة، لنستدل على استهداف هذه الفئة من الناس؟! لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ ثمة أخبار تندرج في السياق العادي: طبيب التخدير عبدو شاهين، مسيحي، حوراني، من بلدة صدد، يعمل في الرقة منذ سنوات، وجد مقتولاً، ومرمياً في البرية، قرب قرية الحمام التابعة لمحافظة الرقة، على طريق حلب. لم يكن عبدو شاهين مع النظام، ولم يكن في الرقة من وجود للنظام. فمن قتل الطبيب عبدو شاهين، ولماذا؟ ومن هي الجهة القادرة على الخطف، والقتل، غير الكتائب المسلحة؟ مسلحون أحرقوا كنيسة الاستقلال في تل أبيض، عائلات مسيحية وأرمنية غادرت الرقة، اشتباكات عنيفة بين “المجاهدين” ومسلحين من حزب العمال الكردستاني بالقرب من تل أبيض، حيث استخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.

لم يعد ثمة احتمالات، فالمشهد واضحٌ بيّنٌ جليّ. إما معي وإما أكون ضدّك. الفيصل بيننا هو السلاح. ولم تعد مجدية طريقة سقراط في إثارة الأسئلة. وهذا ما جعل أهل الرقة يدركون البعد العقائدي لما يحدث لأخوانهم المسيحيين، فخرجوا في تظاهرة تندد بالتعرض لهم، وهم يحملون الصلبان التي تم إخلاء الكنائس منها، وقد كانت تلك التظاهرة مغامرة، بكل ما تتضمنه كلمة مغامرة من معانٍ، علماً أن كل التنسيقيات بالرقة وأرباب الحراك المدني حاولوا قبل ذلك جمع الناس في تظاهرة لأسباب أخرى، وفشلوا، إلا أنهم استطاعوا أن يجمعوا الناس، لهذه الغاية، أليس في هذا دليل قاطع على أن الناس تعرف مصلحتها في العيش المشترك، وإن الثورة قامت ضد الظلم، وليس ضد المسيحيين أو غيرهم؟ وقد بثت تلك التظاهرة كل مواقع التواصل الاجتماعي، هذه التظاهرة لم تقم من أجل مسألة عرضية، قامت من أجل قضية تمس بنية الشعب السوري.

تلك هي الرقة التي أربكني لقاؤها، فالخوف الذي يسكنها، يفتك في الحلم والواقع على السواء. أنامل الكلمات ليست قادرة على أكثر من لم الحروف. مشيت طويلاً في شوارعها، التقيت ناسها، طرقت أبوابهم، إلا أن أحداً لم يفتح لي أساريره. في الرقة لا أحد يتكلم عن الموت، الكل يعيشه. لم يبق فيها إلا الفرات متمسكاً بضفتيه. حتى المركز الإعلامي لثوار الرقة، الذي كان من المصادر الإخبارية المهمة، أعلن القائمون عليه انسحابهم من العمل الإعلامي، وأغلقوا صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي. حاولت أن أرسم لحظة لقاء مغايرة بيني وبينها، بعدما تأخرت عليها سبعة أشهر، ولهفة. كنت أعتقد أنني عدت إلى الوطن الذي ولدت فيه، فوجدتني في الوطن الذي نزحت عنه. لم أجد في صباحها مراحاً لأسئلة الشوق، ولا في مسائها مستراحاً للحنين. الحب تضيئه العيون، وعيون من أحببت كانت مطفأة. بحثت عن دهشتي بها فلم أجدها. فتساءلت: هل أنا في الرقة حقاً؟!

النهار

الرقة… قندهار سوريـا الجديدة/ فراس الهكار

 تعمّد الفرات بالدم، والغربان تنعق فوق جثث تقدم الرقة قرابينها كل يوم، كما تقدّم السمع والطاعة لـ«أمراء الموت» في «داعش» و«النصرة» منذ دخولهم المدينة المسالمة وتحويلها إلى أول ولاية في «الدولة الاسلامية في العراق والشام». «الاستبداد» الذي ثار الناس من أجل القضاء عليه عاد إليهم بشكل أشد مضاضة. الرقة اليوم هي «قندهار سوريا»

سقط «الائتلاف» في الرقّة التي لم يدخلها أي ممثل عنه، كما سقطت كل قوى المعارضة التي تركت المدينة منذ أشهر طويلة بسبب نزاعات كتائب «المعارضة المسلحة» على اختلاف عقائدها حتى وقع المحظور. اغتُصبت الرقة غير مرّة، ووصلت إلى مرحلة خطيرة من مراحل «تحرر» مزعوم، أو «سقوط» مشؤوم جرّ عليها الويلات. فالمدينة التي انتفض بعض أهلها لإسقاط النظام السياسي أصبحت اليوم بلا دولة، أبناؤها يصارعون الموت ولا سبيل يفضي إلى حياة كريمة.

ثمانية أشهر انقضت على دخول كتائب المعارضة المسلحة ومقاتلي «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة» الرقة، فجر السبت في الثاني من آذار الماضي. سميت العملية «غارة الجبار»، ولم يبق بعدها في المحافظة سوى ثلاثة مقار للجيش السوري: قيادة الفرقة 17 شمال المدينة بنحو كيلومتر واحد، ومطار الطبقة العسكري غرب المدينة بحوالى 50 كيلومتراً على طريق عام الرقة ــــ حلب، واللواء 93 شمال غرب الرقة بـ 55 كيلومتراً في بلدة عين عيسى.

منذذاك، يكتنف الغموض طريقة سقوط الرقة، فالمعطيات تشير إلى أنها لم تسقط تلقائيا. كما أن الكتائب لم تسقطها أو «تحررها». في المقابل لم يكن هناك ثقل عسكري حقيقي في المدينة التي كانت تطوّقها الحواجز الأمنية من جهاتها الأربع، لكن رغم ذلك لا يُمكن أن تسقط مدينة في ثلاث ساعات!

انسحب حاجز «المشلب» صبيحة يوم الهجوم وسلّم مدخل المدينة الشرقي إلى عناصر«لواء المنتصر بالله» ومقاتلي «جبهة النصرة»، فأصبح الحي الشرقي كاملاً بيد المهاجمين. كان عناصر الشرطة العسكرية والهجانة ينقلون عتادهم بكل طمأنينة من مقرهم وسط المدينة إلى داخل الفرقة 17. فيما يتقدم المسلحون على محاور عدة في أحياء المدينة، قبل أن تدخل الكتائب من الحي الغربي للمدينة وتسيطر على ثكنة الهجانة الخالية.

ما حدث كان مُريباً، ويبقى السر في صدر محافظ الرقة اللواء حسن جلالي وأمين فرع حزب البعث سليمان سليمان اللذين أسرهما مقاتلو «جبهة النصرة» بعد يومين من العملية ولم يُعرف مكانهما بعد، ويُشاع أنهما في جوف سد الفرات الذي تتخذه الجبهة مقراً لها.

في الوقت نفسه، تؤكد القرائن أن خيوط العملية بيد رئيس فرع أمن الدولة العميد خالد الحلبي (ابن محافظة السويداء) الذي اختفى هو الآخر ولم يعرف له أثر، باستثناء شائعات عن وجوده في جبل لبنان.

انسحبت الفروع الأمنية جميعها من مقارها إلى داخل الفرقة 17، باستثناء عناصر فرعي الأمن العسكري والسياسي الذين قاوموا حتى اللحظة الأخيرة ليقتل بعضهم ويُمثل بجثته ويُطاف بها في شوارع المدينة، فيما سلم البقية أنفسهم بـ«ضمانة» عشائرية قادتهم لاحقاً إلى معتقلات «النصرة» و«لواء التوحيد»، إثر كمين نُصب لهم، وما زالوا حتى الآن أسرى في مدينة الطبقة ينتظرون صفقة تبادل مع النظام.

يروي الناشط الإعلامي المدني عقبة لـ«لأخبار» كيف تم التمثيل بالجثث. يقول: «ما رأيته كان مؤثراً ومروعاً جداً، قتلوا أبو جاسم، وهو مساعد في الأمن العسكري. رفض الاستسلام وقتل الكثير من المجاهدين. تكاثروا عليه فقتلوه ورموا جثته من فوق البناء فتهشم رأسه تماماً، ثم وضعوه في سيارة وطافوا بجثته في أحياء المدينة، قبل أن يلقوها مع جثث رفاقه قرب مكب للقمامة، مانعين دفنهم. وبعد أيام دفنت الجثث في الخفاء».

حصار مزمن

مرت أشهر طويلة والكتائب والألوية تحاصر مقر قيادة الفرقة 17 شمال الرقة، والتي تتلقى المؤونة عبر الطائرات. ومن المحاصِرين «لواء ثوار الرقة» بقيادة «أبو عيسى». كما يُرابط حولها مسلحو «حركة أحرار الشام الإسلامية»، وكتائب من «لواء المنتصر بالله» الذي اتخذ من مقام أويس القرني في المدينة مقراً له، ويقوده ابن الرقة النقيب المنشق كريم الكريم (أبو الليث). إضافة إلى «كتائب حذيفة بن اليمان» و«الأصالة والتنمية» و«الناصر صلاح الدين» و«أويس القرني» و«الإيمان» و«جبهة الوحدة والتحرير الإسلامية» وقائدها الطبيب عدنان العرسان. وانضمت اليها أخيرا بعض الفصائل التابعة لـ«الدولة الاسلامية في العراق والشام».

حسن عيسى، طالب في الأول الثانوي، التحق بإحدى الكتائب المسلحة. يروي كيف شارك في اقتحام الفرقة 17: «لم يكن الأمر سهلاً، انضممت إلى الكتيبة التي يقودها ابن عمي، اقتحمنا سواتر الفرقة 17 وشاركنا في السيطرة على كتائب عدة داخلها محققين تقدماً ملحوظاً». يتابع: «كان الأمر أشبه بالحلم، لم أدرك ما حصل إلا حين بدأت القذائف تنهال علينا. لم تعد هناك فائدة للبندقية التي أحملها. حمم النيران والشظايا حولنا. قُتل العديد من عناصر الكتائب في الخط الأول». ويضيف: «بدأت الخلافات على تقاسم الغنائم. بدءاً من السيارات الصغيرة والآليات الثقيلة التابعة للمؤسسات الحكومية. وانتهاءً بمناطق النفوذ داخل أحياء المدينة». خاف حسن من الموت فترك «الجهاد» وعاد إلى دراسته.

يدرك الرقّيون أن الفرقة 17، بكل ما فيها من جنود وعتاد، لا تحتاج كل هذه المدة لتسقط. وفيما يجزم بعضهم بأن الحصار ليس جدياً بل حفظ لماء الوجه. يبرر«المرابطون» أن معركتهم الجديدة مع القوات الكردية في شمال الرقة (مدينة تل أبيض وقراها) أخّرت إسقاط الفرقة، ولا ينكرون أن خلافاً بين الكتائب أدى إلى تأخر السيطرة على ما تبقى من الفرقة. فيما يرى ناشط اعلامي رفض الإفصاح عن اسمه أن «سقوط الفرقة 17 بيد المعارضة المسلحة يفرض عليها الانتقال إلى محافظة ثانية وفتح جبهة قتال جديدة، وهذا ما لا يحبذونه. فما وجدوه في الرقة من رفاهية في ساحات القتال غير متوفر في جبهات أخرى».

وسط هذا الجو، تعيش أغلبية الأهالي تحت وطأة الخوف والجوع والعطش والفقر. وما يتفق عليه الجميع هو أن الرقة ضاعت بكل ما فيها. تلك المدينة التي عانت على مدى عقود التهميش والنسيان، يعمّها اليوم الخراب، وباتت بين ليلة وضحاها «قندهار الجديدة».

الفرقة 11

بعد شهر من السيطرة على المدينة لم تبق أمور المسلحين على ما يرام. فقد غادر مقاتلو «النصرة» الرقة في الثامن من نيسان الماضي إثر انشقاق أمير «داعش» ابو بكر البغدادي ومعه الكثير من أتباعه عن أمير «النصرة» ابو محمد الجولاني، واتخذوا من سد الفرات وقلعة جعبر التي تقع على مسافة 53 كيلومترا غرب الرقة، مقراً لهم، فيما سيطرت حركة «أحرار الشام الإسلامية» على المدينة لأيام معدودة لتنقل ثقلها بعد ذلك إلى مدينة تل أبيض شمال الرقة، على الحدود التركية وتقضي على «كتائب الفاروق» في أيار الماضي وتفرض سيطرتها على البوابة الحدودية في تل أبيض، إضافة إلى محافظتها على وجودها القوي إلى جانب القوى الأخرى في المدينة.

تسلمت «داعش» زمام الأمور في مدينة الرقة بعد إعدامها ثلاثة مواطنين في ساحة الساعة وسط المدينة في 14 آيار الماضي بتهمة التجسس لصالح النظام، لتخمد بعد ذلك جذوة الحراك المدني السلمي العلماني العلني، وتندثر تيارات مدنية عدة لم يعد يُسمع لها صوت.

دعا الناشطون إلى مظاهرات سلمية ترفض العنف والقتل واللثام والاعتقال التعسفي والخطف، إلا أنها بقيت مجرد محاولات خصوصاً بعد اعتقال معظم شباب الحراك المدني، فعاد العمل الثوري إلى السرية والأسماء المستعارة على شبكات التواصل الاجتماعي.

استنجد المواطنون بكتائب وألوية «الجيش الحر» العاملة في المدينة، وُزّعت منشورات ضد «الدولة الإسلامية» تستنهض همم «الجيش الحر». فأعلنت كتائب وألوية هذا الجيش العاملة في المدينة، من أبناء محافظة الرقة، توحدها وشكلت الفرقة 11 في تموز الماضي، وضمت ألوية «ثوار الرقة» و«المنتصر بالله» و«أمناء الرقة» و«الناصر صلاح الدين». وتشكل هذه القوة نحو 80 % من المعارضة المسلحة في الرقة، أما أهدافها فهي، وفق البيان العسكري الصادر عنها، تحرير الفرقة 17 ومطار الطبقة العسكري واللواء 93، ثم «الجهاد» خارج المحافظة، حماية المواطنين، العمل والتنسيق مع بقية الكتائب والألوية في المحافظات الأخرى، يمنع منعاً باتاً تشكيل أي كيان عسكري إلا تحت لواء الفرقة 11، تنظيم الحياة المعيشية للمدنيين، تفعيل المجلس المحلي، توسيع «الهيئة الشرعيّة».

لكن أياً من هذه البنود لم يتحقق. دارت المعركة بين «الدولة الإسلامية» و«لواء أحفاد الرسول» لأيام وقتل خلالها العديد من المدنيين. في 13 آب الماضي استهدفت «الدولة الإسلامية» محطة القطار حيث مقر «أحفاد الرسول» بسيارة مفخخة وتحول البناء بما فيه إلى رماد. ومنعت المدنيين من إسعاف الجرحى أو انتشال الجثث التي وصل عددها إلى نحو 25 جثة.

تلاشى وجود اللواء في الرقة واعتقلت «داعش» من بقي من أفراده حياً، وأعلنت قيادته العامة في سوريا أنها لن ترد حرصاً على «رص الصفوف».

عودة «النصرة»

عاد مقاتلو «النصرة» إلى الرقة في 12 أيلول الماضي، واعلنت الجبهة في بيان العودة «أنها أنجزت معسكراً شرعياً لإعادة تأهيل المجاهدين بعد أن لاحظت وجود انحراف في سلوكيات بعض الأخوة. ونتعهد بالعمل لخدمة الإسلام والمسلمين وقتال النظام النصيري». كما أكد البيان أن هناك من استغل اسم الجبهة للقيام بعمليات اغتيال وخطف وسلب ونهب «وهذا ما لا تقبله».

شقت عودة «النصرة» صفوف الفرقة 11 فانقسمت على نفسها، إذ سارع «لواء المنتصر بالله» الى مبايعة الجبهة، وتبعه «لواء ثوار الرقة»، فيما بايع «لواء الناصر صلاح الدين» «داعش»، وبايع «لواء أمناء الرقة» حركة «أحرار الشام الإسلامية».

لم يمض على عودة «جبهة النصرة» إلى المدينة سوى أيام معدودة حتى اختطف مسؤولها الأول «ابو سعد الحضرمي». وبعد أيام وُجدت سيارته وفيها الحزام الناسف الذي يرتديه في بلدة دير حافر التابعة لمحافظة حلب. ويؤكد الناشطون أن «داعش وراء خطفه، وقد نقلت سيارته إلى دير حافر لإبعاد الشبهة عنها لا أكثر». والحضرمي هو محمد سعيد العبدالله من أهالي الرقة، كان يعمل في الحدادة.

انتهى رسمياً أي وجود لـ«الجيش الحر» في مدينة الرقة في 15 أيلول الفائت، ووضعت لوحات كبيرة عند الحدود الإدارية للمحافظة كُتب عليها، «دولة الإسلام في العراق والشام ـ ولاية الرقة»، وبذلك تكون الرقة أول مدينة تخرج عن سيطرة النظام، وأول ولاية في «الدولة الاسلامية في العراق والشام».

المعركة المقبلة

أزعجت عودة «النصرة» إلى المدينة «داعش». وزادت التوتر بعد الذي ينذر بحرب شعواء قد تندلع في أية لحظة بين الطرفين.

الكل يترقب المشهد بصمت، عاد «الرجل البخاخ» إلى المدينة، كان يزين شوارع المدينة بعبارات مناهضة للنظام السوري تُطالب برحيله. بدأ الآن يكتب عبارات مناوئة لـ«الدولة الإسلامية»، وتُطالب بالحرية والديمقراطية وبناء الدولة المدنية المنشودة.

يقول الناشط المدني البارز، ولقبه «فيديل السوري»: «إن حراكنا المدني هو حراك على حافة الموت، لم تترك لنا داعش مجالاً لأي نشاط مدني سلمي. يخطفون أي ناشط يبرز دوره أو اسمه في أي حراك أو تظاهرة. حالياً الحراك بدأ يسير ببطء شديد وقد عاد إلى السرية كما كان على أيام النظام».

ويضيف «فيديل» الذي يرتدي حزاماً ناسفاً تحسباً لأي كمين قد يقع فيه: «لا حل إلا في قيام ثورة مضادة تُعيد الحياة إلى مدينة الرقة، والموت أخف وطأة علي من الوقوع في ايديهم».

إلا أن «الدولة الإسلامية» أعدمت شخصين مجهولي الهوية بذريعة أنهم «نصيرية كفار» رمياً بالرصاص في «دوار النعيم» وسط حضور شعبي حاشد كما تم تنفيذ إعدامات ميدانية في مدن تل أبيض والطبقة ومعدان.

هجرة المسيحيين

لم يسلم المسيحيون من الاعتداءات. أول اعتداء كان في أيار الماضي عندما صادر عناصر «جبهة النصرة» محصول الشعير من أراضي الآغا آكوب صاغتليان في مدينة تل أبيض. وقبل أيام وجدت جثة شاب مسيحي مُلقاة على طريق الطبقة الصفصافة بعد اختطافه من مدينة الطبقة، ما أثار استهجان أبناء الرقة الذين يعتبرون المسيحيين جزءاً لا يتجزأ من نسيجهم الاجتماعي. وقد شارك عدد منهم في الحراك السلمي المعارض للنظام. فالنقيب المنشق طوني الملوحي، مدير ناحية المنصورة، سلم الناحية إلى كتائب «الجيش الحر» في الأول من شباط، أي قبل دخول المسلحين الرقة. فدهمت قوات النظام قريته «جوار العفص» في حمص وألقت القبض عليه ونقلته إلى مطار الطبقة العسكري ثم إلى فرع الأمن الجنائي في الرقة، قبل أن يأسره مقاتلو لواء «الناصر صلاح الدين» عند دخولهم المدينة، ويسلموه الى «داعش» بعد مبايعة اللواء لها.

وقد قررت «داعش» إعدام الملوحي، وبعد تدخل بعض الوجهاء أفرج عن النقيب المنشق بعدما أشهر إسلامه وأصبح اسمه محمد نور الملوحي.

تبع هذه الحادثة تكسير للصليب أمام كنيسة سيدة البشارة وسط مدينة الرقة من قبل مجهولين. احتج الناشطون المدنيون ودعوا إلى تظاهرات طالبت بحماية الكنائس، فأنزل مسلحون مقنعون الأجراس والصلبان من فوق كنيسة الشهداء وكسروا محتوياتها وحرقوا مكتبات الكنيستين، ورفعوا عوضاً عن الصلبان علم «دولة العراق والشام الإسلامية».

يقول الناشط يوسف: «كان الموقف صعباً. لم نستطع الدفاع عن إخواننا الذي نعيش وإياهم منذ سنوات. تألمنا كثيراً وشعرنا بالعجز والخجل. المسيحيون جزء من تاريخنا منذ عشرات السنين. عاشوا بيننا ولم يُكن أمامنا سوى النحيب ونحن نرى ألسنة النيران وأعمدة الدخان تتصاعد».

غادر المسيحيون الرقة التي دخلوها حسب المراجع التاريخية منذ عقود مضت، وآخرها في العصر الحديث عبر هجرة عشرات الأسر الأرمنية عام 1915، إثر المذابح التي تعرضوا لها على يد العثمانيين الأتراك.

يسيطر الخوف على الناس ولا أحد يجرؤ على الانتقاد. حتى التذمر من الوضع أصبح في الخفاء. فللدولة الجديدة مخبرون وبصّاصون في كل حارة وزقاق. وتُضرب أمثلة عن أشخاص اختفوا لأنهم انتقدوا قراراً أو أبدوا امتعاضهم من تصرف معين. الهيئة الشرعية التي أنشئت لضمان حقوق الناس غير قادرة على حماية نفسها، إذ خطف قاضيها عبد الله العساف ثالث أيام عيد الأضحى ولم يظهر له أثر حتى اللحظة. والهيئة لم تستطع حماية أحد أو تسيير شؤون المدينة حالها حال المجلس المحلي الذي اعتقل بعض أعضائه غير مرة من قبل بعض الكتائب.

هواجس مدينة

يعيش الناس في الرقة تحت وطأة القصف المتقطع، إذ تغير الطائرات الحربية بين الفينة والأخرى على مواقع المسلحين، فيما يستهدف جنود الفرقة 17 المدينة بقذائف الهاون، إلا أنها لا تحقق دوماً إصابات، فتصيب أحياناً بيوت المدنيين العزّل. يستهجن الناس هذه الأخطاء التي أودت بحياة العشرات، فبعد القصف الذي استهدف الثانوية التجارية في 29 أيلول الفائت وراح ضحيته نحو 17 طالباً وطالبة ومعهم أحد الموظفين، استهدف الطيران الحربي في 26 تشرين الأول الماضي حياً سكنياً قرب سوق الخضار في الرقة فأخطأ هدفه ودمّر منزلين فوق رؤوس أصحابهما وخلف نحو سبعة قتلى معظمهم أطفال.

لا أمان للمسيحييين عند «داعش»

توجد في محافظة الرقة أربع كنائس، اثنتان في المدينة هما سيدة البشارة والشهداء، وكنيسة القديسين الشهيدين سرجيوس وباخوس في مدينة الطبقة، وكنيسة في مدينة تل أبيض.

ويبرر من أحرق الكنائس هذا العمل بأن «الإسلام حين جاء وجد كنائس لذا أمر الرسول والخلفاء بعدم هدمها. أما الكنائس التي بُنيت بعد الإسلام فقد بُنيت على باطل، لذا وجب هدمها وإزالتها».واوضح أحد مسؤولي تنظيم «داعش»، وهو غير سوري، في إحدى خطب الجمعة في جامع أسامة بن زيد في حي الثكنة، ان حرق الكنائس «جاء استناداً إلى فتوى شرعية مأخوذة عن عبد الله بن عباس، مفادها أن المدن التي فُتحت عنوةً تُحرق كنائسها وتُهدم صلبانها. أما المدن التي فُتحت صلحاً ودفع أهلها الجزية فالمسلمون لا يؤذون الكنائس والمعابد فيها ويلتزمون بالعهدة العمرية ويمارس غير المسلمين شعائرهم ولكن بشكل سري». وهذا حسب «الخطيب المهاجر» «لا ينطبق على الرقة التي فُتحت عنوةً ولم يدفع المسيحيون فيها الجزية فلا أمان لهم عندنا، ومع ذلك فمن لم يتعامل مع بشار الأسد فلن نقتله».

الأخبار

الرقة: «الحياة» في ظل «دولة الإســلام»

لم تعد الرقّة تشبه نفسها. المحافظة التي اختارها المنصور العباسي عاصمة صيفية لخلافته، وحذا هارون الرشيد حذوه، وتحوّلت مركزاً علمياً وثقافياً مهماً، باتت منذ سيطر عليها مسلحو «الدولة الاسلامية في العراق والشام» أقرب ما تكون الى «تورا بورا السورية»

رشا أبي حيدر

«سلامي على الدولة كالسيف مسلولة، يا نعمة المولى ودولتنا منصورة… سلامي على بغداد وأبطالها الاساد فرسان الاستشهاد ودولتنا منصورة…». على وقع هذه الكلمات التي ترافقها موسيقى عالية، تجوب سيارة ترفع راية «الدولة» في أحياء «ولاية الرقة الاسلامية» التابعة لـ «الدولة الاسلامية في العراق والشام».

تتوقف السيارة الى جانب أحد المقاهي. يترجّل منها شاب يلبس ثوباً قصيراً يحمل مكبّراً للصوت، وينادي بلهجة غير سورية: «ويللي ما يصلي تعبان، منه ربنا غضبان، ونبغي نصلي يا الله». ثم يبدأ «خطبته» متوجهاً الى «معاشر الشباب والفتيات» بـ «اسمع يا طيب ويا طيبة»، ويسرد أحاديث نبوية عن الصلاة ووجوبها وفضلها، ويُقاطع بين فينة واخرى بالتكبيرات والشعارات المطالبة بإسقاط النظام.

هكذا يمارس «المطاوعة» في «قندهار سوريا» نشاطهم «الدعوي». يجول «رجال الدولة» على الأحياء يومياً، والمقصود بـ «الدولة» هو «الدولة الاسلامية في العراق والشام»… هكذا ينبغي أن توصف «الدولة» هنا. أما من يجرؤ على التلفظ بالاسم المختصر، «داعش»، فعليه أن يتوقّع حساباً عسيراً على أيدي «المجاهدين».

ومنذ أن دانت لها الرقة، فرضت «الدولة الإسلامية في العراق والشام» مفاهيمها وقوانينها على «الولاية». آخر «انجازاتها» منع الشبان من ارتداء سراويل «الجينز» والكنزات، فيما فرض على النساء ارتداء اللباس الاسلامي (العباءة والبرقع) وحظر عليهن وضع المكياج وزيارة طبيب ذكر أو مغادرة المنزل من دون مرافقة أحد محارمهن الذكور، كما منع تدخين السيجارة والنرجيلة، والاعلانات التي يظهر فيها شعر نسائي، وعرض الملابس النسائية في واجهات المحال (يجب أن تكون البائعة أنثى)، ومحال الخياطة النسائية إذا وجد رجال فيها. وبطبيعة الحال، منع الاختلاط في المدارس والمعاهد، وفرض الحجاب على الفتيات بدءا من الصف الخامس الابتدائي، وووزّع عليهن مجاناً. وقد اقتحم مسلحو «الدولة» الاسبوع الماضي مدرسة حكومية للإناث في حي طريق الباب بسبب الاختلاط بين المدرسين والمدرسات والتلميذات، وطردوا عشرين من الكادر التعليمي، وأعلنوا اغلاق المدرسة حتى قيام مديرية التربية بتعيين مدرسات إناث فيها.

يقول عمار، الشاب الجامعي الذي يعمل بلاطاً بعدما ترك دراسته ليعيل أسرته: «تكاد لا تعرف المدينة لحظة دخولك إليها، حتى الهواء مختلف تماماً عما ألفناه في مدينتنا. قطعت الأشجار المعمرة في مدخل المدينة وبيعت لتجار الأخشاب، القمامة تملأ الشوارع وتحولت ضفاف نهر الفرات إلى مكبات، تلال من القمامة تحرق في مكانها ليخنق الدخان الأسود المدينة». ويشير الى «أن معظم الآليات التابعة لمجلس مدينة الرقة أصبحت خارجها. أسطول ضخم من السيارات والجرارات وضاغطات القمامة جرى بيعه، حتى أسلاك الكهرباء والمحولات جرى الاستيلاء عليها وبيعها».

بالنسبة الى عبد الله (31 عاماً)، لم تعد الرقة مدينته التي عرفها. «الحياة أصبحت مستحيلة. وضع المدينة سيئ جداً. الدولة كشّرت عن أنيابها، وكل من يعارضها يكفّر، ثم يقتل!»، يقول عبد الله الذي كان عنصراً فاعلاً في اندلاع «الثورة» في الرقة، وقرّر أخيراً أن يرحل عنها نهائياً.

يروي عبد الله «كانت الثورة مميزة رغم الاخطاء القليلة التي كانت تحصل. لم تُسجّل اعمال سرقة او نهب. وقد أنشأ الاهالي حينها لجان حماية. كانت الحياة رائعة». ويضيف: «كل شيء كان متوافراً ورخيصاً، حتى الماء والكهرباء. الى ان تغيّرت حياتنا على نحو جذري بعد إعلان ضم جبهة النصرة إلى الدولة الإسلامية في العراق. ساد الخلاف في المدينة وانقسم الناس. قسم بايع الدولة، والقسم الآخر خرج مع النصرة من المدينة. وللاسف، أسوأ عناصر النصرة هم الذين التحقوا بالدولة».

محمد (36 عاماً)، وهو أب لاربعة أطفال، لم ينتظر كل هذه المدة حتى يغادر المدينة الى حمص، وخصوصاً انه كان متطوعاً في الشرطة. ظل شهراً كاملاً يحاول الخروج من المدينة. يقول: «عند دخول داعش لاحق المسلحون الموظفين الحكوميين. من كان يعتقل كان يُصفّى او يخطف ويبقى مصيره مجهولاً. كان الوضع كان مأساوياً. كنا نخاف حتى من أن نُضبط ونحن نشاهد القنوات السورية»!

وأكثر ما يخيف أبناء الرقة اليوم عمليات الخطف التي ارتفعت وتيرتها أخيراً، وطاولت أساساً من كانوا «من خيرة الناشطين في الثورة» بحسب عبد الله، ومن أبرز هؤلاء المحامي عبد الله الخليل، فراس الحج صالح، وابراهيم الغازين، والأخير «احد أهم المحركين والفاعلين في المدينة منذ بدء الثورة»، كما خطف أخيراً الناشط حازم الحسين. ويقول عبد الله ان غالبية الناشطين «إما هربوا من المدينة بعد التهديد بالقتل، أو خطفوا او قتلوا». وآخر الذين جرت تصفيتهم الناشط المعارض الملقّب بـ «مهند حبايبنا». وقد تظاهر الاهالي مراراً مطالبين بالافراج عن الناشطين الموجودين لدى «الدولة»، التي تحتفظ بهم في سجن «سد البعث»، في قرية المنصورة، الذي غيّرت داعش اسمه الى «سد الفاتح».

والى الناشطين، طاولت عمليات الاعدام، بطبيعة الحال، كثيرين بتهمة «التعامل مع النظام». يقول عبد الله: «رأيت بأم العين ثماني عمليات إعدام علني في ساحة الساعة وساحة النعيم وسط صرخات: نصيرية، علوية، شبيحة…». ويضيف: «هؤلاء لا علاقة لهم لا بالانسانية ولا الدين. لقد شوّهوا الاسلام ونفّروا الناس منهم بسبب تصرفاتهم»، جازماً بأن «نسبة المنسجمين معهم لا تتعدى الـ 25 في المئة من سكان المدينة».

وعود بـ «الإنماء»

يقرّ مصدر جهادي بوجود «بعض التجاوزات»، ويعزوها الى «لصوص يدّعون أنهم ثوار»، مؤكداً لـ «الأخبار» أن «عناصر الدولة يقاتلون هؤلاء». ويتابع أن «الدولة» في صدد «القيام بمشاريع إنمائية كثيرة في المدينة، وخصوصاً ان المنطقة تحتوي على مصادر للموارد الطبيعية، كالنفط والقطن والقمح والشمندر السكري». وبالفعل، تؤمّن «الدولة» المحروقات لشركات الاتصالات مقابل جباية 200 ليرة عن كل مشترك!

الباحث الفرنسي في «المعهد الفرنسي للشرق الأوسط» رومان كاييه، المتخصص في الشؤون الاسلامية، يصف «داعش» بـ «المنظمة التي يقودها قادة ذوو خبرة طويلة». ويقول لـ «الاخبار» ان عناصر «الدولة»، على اختلاف جنسياتهم (سوريين، خليجيين، فرنسيين، شيشانيين، صينيين…)، «يتميّزون بالانضباط والتنسيق الاستراتيجي التكتيكي»، ما ادى الى نجاحهم في القضاء على بقية الجماعات المسلحة.

ويلفت كاييه الى ان «الدولة»، في سبيل تثبيت أقدامها، تركّز على تربية جيل جديد من «المجاهدين»، لذلك تنشط خصوصاً في صفوف «الاطفال والشباب في تطبيق الدعوى في المناطق الحضرية». وقد افتتحت في الرقة، أخيراً، مدرسة لتعليم القرآن الكريم يلقن فيها الأطفال الخطوات الأولى حول دولة الخلافة الإسلامية.

ازدهار تجارة السيارات… والقمامة

رغم سيطرة الموت على المشهد اليومي للحياة في الرقة، إلا أن الناس ما زالوا يحاولون إيجاد سبل للبقاء على قيد الحياة.

تجارة السيارات هي الرائجة بعد تجارة النفط، وقد انتشرت مكاتب بيعها في معظم أرجاء المدينة. وتُباع سيارات بلا ضريبة للرفاهية كانت تأخذها الحكومة سابقاً عن السيارات السياحية، وفيما عادت المدينة الصناعية إلى العمل ونشطت فيها الحركة على نحو ملحوظ بسبب ازدياد عدد السيارات، يستورد التجار بضائعهم من تركيا، إلا أن الأسعار مرتفعة جداً.

أما البسطاء، فقد اختاروا سبلاً للحياة مستقاة من بساطتهم، فاشترى بعضهم صنارة صيد أو شباكاً، حسب قدرته المادية، وقصد نهر الفرات وامتهن صيد الأسماك. وتحول سوق الهواتف الخلوية في شارع الوادي وسط المدينة إلى سوق للأوراق المالية وتصريف العملات، وخصوصا أن انقطاع شبكة الاتصالات عن المدينة قد يستمر أسابيع في بعض الأحيان. واستورد بعضهم أجهزة للاتصال الفضائي لضمان تواصل المغتربين من أبناء الرقة مع أهاليهم بأسعار مرتفعة للدقيقة الواحدة.

تربية «داعش» والمرسوم الرئاسي

فراس الهكار

بدأ العام الدراسي في «ولاية الرقة»، ولا يريد الأهالي أن يفوتوا على أطفالهم عاماً دراسياً آخر. التحق بعض المعلمين بالمدارس، ووزع المجلس المحلي، على الأطفال في مناطق الرقة كافة، حقائب زرقاء قدمتها منظمة اليونيسف لتلاميذ المدارس وقد خصت الرقة بنحو 60 ألف حقيبة مدرسية مع دفاتر وأقلام.

أرسلت وزارة التربية السورية الكتب من دمشق إلى الرقة لجميع المراحل الدراسية باستثناء كتابي مادتي التربية الإسلامية والقومية الاشتراكية، فيما طبعت «الدولة الإسلامية» كتباً خاصاً لمادة التربية الإسلامية وألغت مادة القومية الاشتراكية من المناهج الدارسية كافة.

وأخلت بعض كتائب المعارضة المسلحة المدارس التي كانت تشغلها كمقارّ لها أو مشافي ميدانية أو معتقلات للتوقيف والتحقيق، بينما بقيت مدارس أخرى مشغولة بكتائبها. وقضى بعض الأطفال عطلة الصيف في حفظ القرآن وتعاليم الدين الإسلامي، بعدما نشطت هيئات وجمعيات كثيرة في هذا المجال.

وأصدرت «الدولة الإسلامية في العراق والشام» قراراً فرضت بموجبه الحجاب والعباءة على الفتيات من الصف الخامس الابتدائي، أي من عمر 11 سنة فما فوق، ومنعت لبس البنطلون للفتيات والتبرج والعطر الصارخ، كما منع سماع الأغاني، وإقامة حفلات الزفاف، وضرب الدف في الموالد على الطريقة الصوفية. ومنع الشبان من ارتداء القلائد، وأُعلن أن عقوبة كل من يشرب الخمر أو لا يصوم شهر رمضان الجلد. وسبق أن أصدرت «الدولة الإسلامية» قراراً منعت بموجبه «الأراكيل» في المقاهي. بعد ساعة من صدور القرار اختفت «الأراكيل» من المدينة، رغم أن القرار ذاته كان قد صدر بمرسوم رئاسي رقمه 62 لعام 2009 لكن أحداً يطبقه أو لم يلتزم به.

الأخبار

حرب باردة بين «داعش» و«النصرة»

لم يُقطع نزاع «داعش» و«جبهة النصرة». خلاف «إخوة الجهاد» استحال جمراً كامناً تحت الرماد. وما تردد من أخبار عن اشتباكات مسلّحة دارت بين أبناء «المشروع الواحد» خلال الأيام الماضية، تدحضه فتاوى تحريم الاقتتال ودعاة وحدة الصف. ورغم أن العديد من العمليات العسكرية تجرى بقيادة مشتركة في ميدان «الجهاد»، غير أنّ حرباً من نوع آخر تدور رُحاها في ميدان الإعلام بين حملة الفكر «القاعدي»

رضوان مرتضى

لا يختلف عاقلان، عارفان بشؤون بلاد الشام، على أنّ الإمرة في الميدان السوري المعارض للنظام هي للجهاديين الإسلاميين. تنظيم هؤلاء وخبرتهم القتالية منحاهم الغلبة على بقية فصائل المعارضة المسلّحة، ومنحا مشروعهم «إقامة الدولة الإسلامية على منهاج النبوة وحاكمية الله في الأرض» فرصة حقيقية، في مقابل ضياع مشروع المعارضين المشتتين المنادين بالدولة المدنية.

ولا يختلف اثنان، أيضاً، على أنّ الخلاف المستجدّ بين أُمراء «القاعدة» على أحقيّة القيادة والإمارة منذ نيسان الماضي، يصبّ في خدمة النظام. ورغم ظهور ذلك جلياً في ساحات القتال، أعيا داء السلطة والإمارة، ولا يزال، المصلحين من «قادة الجهاد» الذين توافدوا للتقريب بين «أمير جبهة النصرة الفاتح أبو محمد الجولاني» و«أمير الدولة الإسلامية في العراق والشام أبو بكر البغدادي». وكذلك بين زعيم «القاعدة» الشيخ أيمن الظواهري والبغدادي الذي بات أتباعه يُطلقون عليه رسمياً لقب «أمير المؤمنين». لم تُفلح محاولات المصلحين، وجزء لا بأس به منهم مقيم في لبنان، في سحب النزاع من التداول الإعلامي بعد استحالته مناظرات صوتية عبر رسائل مسجّلة على هيئة ردّ وردّ مضاد. بل تُسجّل نقطة لـ«جبهة النصرة» التي صمتت، رغم استيلاء مقاتلي «الدولة» على مقارّ ومستودعات أسلحة وذخيرة عائدة لها في حلب والرقة. عدا عن سكوت أتباع الجولاني عن استيلاء «الدولة» على بئر نفط كانوا يسيطرون عليها في دير الزور، لتفادي تطوّر الأمر بين إخوة الخط الواحد. وبحسب معلومات الإسلاميين، تمكّن المصلحون من إرساء هدنة مرحلية، خفتت خلالها السجالات الإعلامية. وبعض الاجتماعات عقدها ممثلون عن الطرفين، مع الوسطاء، في لبنان، بحسب مصادر إسلامية.

في موازاة ذلك، جهد أمراء الأحياء لدى كلا التنظيمين في سحب نقاش «أحقية الإمرة» من بين العناصر، ولا سيما بعد انعكاسه فرقةً بين المسلّحين الإسلاميين الذين انقسموا إلى معسكرين، يتّهم كل منهما أمير الآخر بـ«خطيئة الخروج عن طاعة الأمير». فالجولاني خرج عن طاعة أميره البغدادي لمّا لم يُذعن لإعلان اندماج «الجبهة» و«دولة العراق» تحت مسمّى «الدولة الإسلامية في العراق والشام». وبدوره، خرج البغدادي عن طاعة أميره الظواهري عندما رفض إلغاء الدمج وإبقاء القديم على قدمه. محاولات لملمة الخلاف نجحت جزئياً بين حملة السلاح، بعدما ترافقت بـ«فتاوى تشدد على حرمة إهراق الدم المسلم»، ورواج مقولة «تقديمُ الكبار العقلاء، وتأخيرُ الصغار الذين تشتعل بهم الفتن». غير أنّ الخلافات انتقلت من ميادين السلاح إلى منتديات النقاش والإعلام. واستعاض البعض عن التصريح بالتلميح، فوُجّهت سهام النقد إلى كل من «الجبهة» و«الدولة» من دون تسميتهما، فيما اختار آخرون تسمية الأمور بمسمياتها من دون أن يعبأ بشعارات «وحدة الصف وانفراط العقد». وجاء أكثر هذه النقاشات حدّة في رسالة عُنوِنت بـ«من مجاهد إلى الشيخ أيمن الظواهري». انطلق المُرسِل فيها باعتذار من مخاطبته أميره علانية بعدما ضاقت به السُبل لإيصال صوته. وخاض بعدها في ما سماه «إمارة السُّفهاء». لم يُسمِّ المرسِل الذي وقّع رسالته باسم «أبو بكر الدمشقي» جهة محددة بعينها، لكنّه لمح إلى الممارسات التي تُرتكب في المناطق الخاضعة لسيطرة مقاتلي «داعش». وتحدّث عن «غلاظة وسطوة لدى الجهة الحاكمة تتسبب بنفور كثير من المسلمين منهم»، مشيراً إلى استسهال إقامة الحدّ والإعدامات الميدانية بشكل عشوائي. وفي السياق نفسه، خاض آخرون في «توافر شروط بيعة أبو بكر البغدادي إماماً»، مشككين بتوافرها ولا سيما لجهة «غياب شرطَي وجوب التمكين في الديار ومبايعة أهل الحل والعقد من قادة الجهاد له». وتحدّثوا عن «انحراف الدولة عن المنهج بممارساتها» واتّهامهم لها بـ«التسبب بتشكيل الصحوات نتيجة أفعالها».

كذلك يؤخذ على أنصار البغدادي مبايعتهم لرجل مجهول الهوية. وانعقاد البيعة، بحسب الجهاديين، تشترط الإشهار والمعرفة. لذلك نشط المناهضون للدولة في بثّ حملات التشكيك بجواز البيعة. وإزاء ذلك، أصدرت «الدولة الإسلامية» ملخّصاً عن سيرة حياة «أمير المؤمنين البغدادي». فسردت أصله وفصله، مروراً بمآثره وسعة علمه واطّلاعه في المجال الديني والشرعي، لسحب الذرائع من المشككين.

كذلك ردّ أنصار «الدولة» على الاتهامات الموجهة إليهم، فاستعادوا الأحاديث النبوية، لإثبات مشروعية دولة البغدادي وصحّة بيعته، مشيدين بسعيه لإقامة الخلافة الإسلامية. وبرّروا القسوة بـ«ضرورة وجود سلطان قاهر قائم بأمر الدنيا والدين يُخضع الأقران». وذكّر أحدهم بأن «بن لادن كان زعيم تنظيم جهادي في أفغانستان من بين ثلاثة وعشرين تنظيماً، لم يخضع له الكثير إلا بعدما أحدث أثراً غيّر مسار التاريخ، وهذا من سنن اجتماع البشر، مؤمنهم وكافرهم». ليس هذا فحسب، بل نُشرت في المنتديات الجهادية كُتب للشيخ أبي همام الأثري تُشجع المقاتلين الإسلاميين على بيعة البغدادي (كتاب «مدّ الأيادي لبيعة البغدادي» نُشر على منتدى «التوحيد والجهاد»، وكتاب «موجبات الانضمام للدولة الإسلامية في العراق والشام» نُشر على شبكة «المأسدة»). وشهدت حسابات بعض الجهاديين المنتمين إلى كل من «الجبهة» و«الدولة» على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً على حساب تويتر، الكثير من الانتقادات والاتهامات التي تطعن بمشروعية بعضها بعضاً وصحة مرجعيته الفقهية. لا بل في بعض الأحيان كان يقوم مؤيد للدولة بالتقليل من قيمة عملية قامت بها الجبهة، مشيداً بتنظيمه عبر استعادة عملية ضخمة سبق أن نفّذها.

رسائل الشكوى الموجّهة إلى الظواهري لم تنته. إذ لم تقتصر على الخلافات القائمة في الساحة السورية. فقد نقلت شبكة «أنا مسلم» نص رسالة من الشيخ أبو بكر الزيلعي المعروف بـ«إبراهيم أفغان» إلى الظواهري، تحت عنوان «إني أنا النذير العريان»، تطرّق فيها إلى «النزاعات الداخلية مع الأمير في حركة الشباب الصومالي»، متحدّثاً عن «انحراف داخلي يُهدد بضياع ثمار التمكين». يُشار إلى أن الزيلعي كان أكثر المقرّبين من الشيخ عبد الله عزّام. وقد رافق بن لادن في جبال تورا بورا أثناء تعرّضها للقصف، علماً بأنّه أوفد في ما بعد من قيادة القاعدة إلى الصومال في أواخر ثمانينيات القرن الماضي لـ«إحياء فريضة الجهاد في الصومال»، حيث افتتح أول معسكرات التدريب هناك.

حزب الله و«النصارى»

تداولت منتديات جهادية رسالة صوتية لـ«أمير كتائب عبد الله عزّام في بلاد الشام» الشيخ السعودي ماجد الماجد، تحت عنوان «نُصِرت يا شام». تطرّق فيها إلى النزاعات القائمة بين الكتائب الإسلامية في سوريا، داعياً إلى «تقديم الانتماء للأمة على الانتماء للجماعات»، باعتبار أن «النزاع فرقة لا يستفيد منها سوى أعداء الأمة الإسلامية». وخصّص الماجد القسم الباقي من رسالته للداخل اللبناني، قائلاً: «لقد أبرأنا ذمَّتَنا، وقدَّمْنا الإعذار»، معتبراً أنّه رغم ذلك لم ينسحب حزب الله من الأرض السورية. وخلص إلى أنّ «حزب الله الإيرانيّ ومصالحَه في لبنان أهداف مشروعة لنا وللثوار»، مضيفاً: «وما وصل إلى مناطقكم من صواريخَ في البقاع والهرمل والضاحية وغيرِها، لم يكن إلا مناوشات». كما وجّه رسائل أخرى؛ إحداها إلى السياسيين، داعياً الى أن يتدخّلوا لسحب مقاتلي الحزب من سوريا لتجنيب لبنان الحرب. وأخرى إلى «تكتلات النصارى التي تصطفّ في صف حزب الله بأن تبتعد عنه صوناً لدماء المسيحيين». وسمّى المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم بالاسم، معتبراً أنّه «يعمل ليلَ نهار في حرب أهل السنّة في لبنان ومطاردتهم وقتلهم واعتقالهم». وختم رسالته بدعوة صريحة إلى «العسكريين من أبناء أهل السنّة» بترك الجيش كون «قيادته عميلة لإيران»، مخاطباً إياهم بـ«إيقاظ ضمائركم وغسل ما مضى بتوبة نصوح ترجعكم جنوداً لأمّتِكم».

“داعش” من رحم النظام وإليه: قادتها خريّجو سجون الأسد

ضحـى حسـن

بيروت – “طلبوا هويّتي، سألوني إذا كنت أعمل مع الجيش السوري الحر أو المجلس العسكري”، قال المصوّر عبد الحكواتي، راوياً قصته يوم أوقفه رجلٌ ملثّم على الحاجز عند مدخل مدينة الرقّة السورية المحرّرة “مبدئياً”. تحدّث معه الرجل بلهجة عراقية: “لا يمكنك الدخول إلى الرقّة قبل الحصول على موافقة الأمير”!.

ويكمل الحكواتي حديثه: “بعد قليل جاءني ملثّم آخر سألني مع أي مؤسسة أعمل، وماهي القنوات الإعلامية التي أتواصل معها. أخذ منّي عنوان الشخص الذي سأذهب إليه في الرقة، وسبب زيارتي له، ثم منحني الإذن بالمرور. أحسستُ بأنني أدخلُ بلداً غريباً، أزوره لأول مرة، كأننا عدنا إلى أيام النظام السوري بكل استبداده وقمعه، لكن بشكل إسلامي متطرف”.

 تمخّض عنف نظام الأسد في مولوده”داعش”، التي بسطت سيطرتها بصيغة عقائدية حدّها السيف على المناطق التي سمُيت يوماً بالمحررة. حمل الحكواتي كاميرته في بداية 2012 وبدأ بتصوير أفلام وثائقية قصيرة في منطقة الشمال السوري. “في الميادين بدير الزور، جاء رجل ملثم وشدّني من شعري وأخذ يشتمني ويهدّدني بالذبح، أدخلني إلى الهيئة الشرعية، حاول صديقي التدخل وقال لهم: نحن أولاد ثورة واحدة، فأجابه الملثم: أنا ما دخلني بكل ثورتك”.

ويتابع الحكواتي: “بعد أكثر من 5 ساعات تعرّضنا فيها للإهانة والتهديدات داخل المحكمة الشرعية، جاء أمير جبهة النصرة، ألقى نظرة على الصور التي التقطناها وذهب، تدخل المحامون الأحرار ومجلس المدينة وتم إطلاق سبيلنا. وقبل مدة أرسلوا لي تهديداً بقطع رأسي عن جسدي”.

منذ أيام أصدرت الدولة الإسلامية في الشام والعراق بالاتفاق مع الهيئة الشرعية بياناً تضمن جدول”المحرّمات” و”طرق القصاص والعقوبات” التي ستنال من كل من يخالف تعليماتها، بمن فيهم من يلقّب “داعش” بهذا الاسم.

“كافرة، علمانية، زنديقة، هي الكلمات التي وصفني بها عناصر “داعش” مع نعرة بالبندقية، أثناء مشاركتي في الاعتصامات، لم أخشَهم، كنتُ أقول لهم أنتم رجال النظام بلحية وقناع”. سعاد نوفل من أوائل الناشطين في محافظة الرقة قبل تحرير المدينة من جيش النظام السوري وبعده. عندما تتحدث إليك تشعر بقوتها وصدقها وعفويتها. “كنتُ أحمل الكرتونة كل يوم أكتب عليها ما حدث في اليوم السابق وأرفعها في وجه الملثمين”.

خرجت تظاهرات كثيرة رداً على قيام “داعش” بإنزال الصليب عن كنيستي سيدة البشارة وكنيسة الشهداء وإحراق محتوياتهما. فكان الردّ على هذه التظاهرت إطلاق النار عليها واعتقال المتظاهرين. “حملتُ كرتونة كنت رسمت عليها الهلال والصليب سوياً، وكتبت عليها “دولة الشرّ”. هجم علي شاب عمره 16 عاماً تقريباً تحدث بلهجة تونسية وقال: هذه الإمرأة تدافع عن بيوت الكفرة والنصارى، وهي كافرة مثلهم وحدُّها القتل، بعد ذلك جاءت سيارة فيها عدد من المسلحين التونسيين وأحاطوني، قاموا بتلقيم البنادق وتوجيهها نحوي”، أضافت نوفل.

في 29/9/2013 قُتل 15 طالباً من مدرسة التجارة في الرقة جراء قصفها بطيران النظام، تقول نوفل: “توجهت إلى مقر الدولة، وانهالت علي الشتائم من قبل التونسيين الملثمين. سحبوا اللافتةمن يدي، فهرعت مسرعة إلى بيت إحدى صديقاتي. اليوم أنا ملاحقة من قبل داعش التي هدر أميرها دمي، وهدد عائلتي. ما لا أفهمه لماذا يقصف النظام المدرسة ولم يقصف مراكز الأمن التي تتمركز فيها داعش وجبهة النصرة؟”.

أبحاث كثيرة وتقارير تفيد بأن سجون النظام هي البطن التي أطلقت معظم الإسلاميين المتطرفين الذين أصبحوا اليوم قادة “داعش” و”النصرة” وغيرهما.

يقول الناشط ماهر إسبر : “رأيت سجناء كانوا معي في سجن صيدنايا بمعظم  الفيديوات التي نشرت على اليوتيوب منذ بداية ظهور جبهة النصرة، ومن ثم داعش والكتائب الإسلامية الأخرى”.

اعتقلت قوات النظام السوري ماهر إسبر في 2006، وحكمت عليه بالسجن لمدة سبع سنوات، قضى خمساً منها في سجن صيدنايا قبل أن يشمله العفو الرئاسي الذي صدر في بداية الثورة.

يؤكد إسبر أن “هناك شخصاً رأيته في فيديو مبايعة 14 عشيرة في الرقة لدولة الإسلام في العراق والشام، وهو كان ينام في السرير فوق سريري تماماً. لقد أطلق النظام سراح هؤلاء على الرغم من تورطهم بعمليات قتل حتى داخل السجن، وكل من رأيتهم أصبحوا جزءاً أو قادة لداعش مثل نديم بالوس، أو للنصرة مثل بهاء الباش، أو لجيش الاسلام مثل زهران علوش، أو حسان عبودلأحرار الشام، وأحمد عيسى الشيخ لألوية صقور الشام”.

ازدادت عمليات خطف النشطاء والإعلاميين والمصورين من قبل “داعش”، التي تسير على نهج النظام السوري باعتقال وقتل كل من يحمل الكاميرا، إذ خطفت في الآونة الأخيرة المصور زياد الحمصي بتاريخ 28/10/2013 في ريف الرقة.

زياد ناشط من دوما، والده معتقل في سجون النظام، ووالدته محاصرة في معضمية الشام بريف دمشق. أسماءٌ عديدة نشرت لإعلاميين وصحافيين اختفوا في المناطق المحررة ليكتشف لاحقاً أنهم في قبضة الدولة الإسلامية في الشام والعراق، مثل الصحافي عبيدة البطل وفريق الأورينت في إدلب وريفها، والصحافي اللبناني سمير كساب وفريق سكاي نيوز في حلب وغيرهم، ولم تتوقف داعش عند الخطف بل بدأت بتصفية الإعلاميين وكان آخرهم الصحافي محمد سعيد في حلب.

بتاريخ 14/8/2013 خُطِف الناشط المصوّر محمد نور مطر من مواليد 1993 في الرقة.يقول الصحافي عامر مطر، شقيق محمد نور: “خطفت داعش أخي للمرة الثانية، ولم نستطع الحصول على أية معلومات عنه حتى اللحظة، اختفى محمد نور خلال معركة الدولة الإسلامية في الشام والعراق مع “لواء أحفاد الرسول” في 14 آب الماضي بالرقة. وجدنا كاميرته متفحّمة في المكان ولا أثر له، حينها بحثنا في مشفى الرقة الوطني بعدما وصل نبأ وصول الجثث والأشلاء إليها، لكننا لم نجد شيئاً يدلنا إليه، ليصلنا بعد ذلك خبر وجوده في سجن داعش”.

محمد نور مطر، ناشط إعلامي من مدينة الرقة، صوّر العديد من الأفلام التي عرضت على قنوات التلفزة، منها فيلم قصير بعنوان “سقط الكابوس هنا”، وآخر بعنوان “أعرف قبري جيداً”،كما له فيلم قيد الإنجاز عن تحرير مدينة الرقة بعنوان: “جثة واحدة هناك”.

فهمنا “النصرة”.. لكن “داعش”؟!/ محمد دحنون

لا يمكن وسم العلاقة بين قوى “الجهاد العالمي”، التي وجدت لنفسها مكاناً في خريطة الصراع السوري، وبين المجتمعات الأهليّة الثائرة في الأرياف السوريّة وضواحي المدن الكبرى، بالطفيليّة. ثمّة تقبّل أهلي لتواجد تلك القوى، لكنّه لم يرق يوماً إلى مستوى الاحتضان، إذ أنّه بدا مشروطاً بمسألتين على أقل تقدير: الالتزام بمحاربة النظام، واتبّاع منهج تدّرجي في نشر “الأدلوجة السلفيّة” بما يجنبها الصدام مع القوى التقليديّة لتلك المجتمعات والتي اضطلعت بأدوار مركزيّة خلال صراعها المستمر منذ عامين ونصف ضد النظام السوري.

من جهة أخرى، يُرجّح أن تكون السلفيّة السوريّة الجهاديّة “سلفيّة مُمانِعة” إن صح الوصف. فهي سلفيّة معوّلمة على مستوى الخطاب، لكنها محليّة على مستوى الممارسة… الجهادّية طبعاً وحصراً. قد يُؤوّل هذا بالتأثير التاريخي الذي مارسه الإسلام الشامي المديني، السلفي والإخواني، بتجلياتهما الدعويّة والسياسيّة، على الإسلام السني الريفي، وتسيّده كامل الفضاء الإسلامي السوري في حقبة الوجود الفرنسي، فدولة الاستقلال، ثم اخلائه الساحة للقادم الجديد والأوحد، إسلام السلطة الذي تشكّل في الفضاء المادي والرمزي لسوريا: البعثيّة، الأسديّة، العلمانيّة، والمرتبط عضويّاً مع “باني سوريا الحديثة”، حافظ الأسد الرجل الذي دشّن عقده الثاني في سدّة الحكم بالتدمير الكامل لمدينة سوريّة هي حماة “الإخوانجيّة”.

تأسيساً على ما سبق، يمكن القول أنّه ثمّة اليوم إسلاماً سوريّاً سنيّاً يجد في مشروع الجهاد العالمي فرصة له كي يشارك في صياغة عالمه المحلي والأهلي من دون أن يكون مهجوساً بالطموحات العالميّة لذاك المشروع. القبول بـ”جبهة النصرة” جاء على هذه الخلفيّة.

كان يمكن لـ”النصرة” أن تحوز قبولاً شعبيّاً وسياسيّاً طالما أنّ التناقض الرئيسي بقي مع نظام بشار الأسد. وطالما أنّها نجحت، إلى حد كبير، في تحييد نفسها عن البيئات الأهليّة الثائرة وأبلت بلاء حسناً في القتال. هذا من دون إغفال الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها بعض مجموعاتها من دون أن تتحوّل تلك الانتهاكات إلى عناصر أساسيّة في السياسة الرسميّة للجبهة.

 رغم ذلك، لم تشكّل “النصرة”، في التركيبة والخطاب والأهداف، جزءاً عضويّاً من الثوّرة السوريّة إلاّ في مسألة مقاتليها السوريين، الذين من المرجّح أن يكون انضمام جلّهم إلى صفوفها قد حدث لدواع لا تتعلق أساساً بالإيديولوجيا وإنما بحيازة “النصرة” تفوّقاً في التسليح والتنظيم والانضباط، وبالتالي الفعاليّة التي لا تتمتع بها عموم كتائب الجيش الحر.

لكن، ما يصّح على “النصرة” لا يصّح على “داعش”!

 غداة الخلاف الشهير الذي نشب بين أبي محمد الجولاني- زعيم “النصرة”، وأبي بكر البغدادي- “رئيس الدوّلة”، حدثت عمليّة غربلة للأولى انحازت بموجبها غالبية المجاهدين المهاجرين إلى العراقي في مواجهة السوري. وبدأت قصة “داعش” السوريّة!

 تشكّل “داعش” في التكوين والمشروع والوسائل والأهداف، حالة الاغتراب المطلق عن الثوّرة، في تكوينها الاجتماعي ومشروعها الوطني وأهدافها. والأصل في اغتراب قوى الجهاد العالمي عن الثوّرة هو غربتها الجغرافيّة بما يعنيه هذا من جهل، لا يبدو على تلك القوى أنّها بصدد تلافيه، بمجمل الشروط الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة لمجتمع الثوّرة السوري.

 عبر عموم سياستها على الأراضي السوريّة، لا يمكن النظر إلى “داعش” إلاّ باعتبارها تشكّل فك الكماشة الآخر لبشار الأسد، في محاولته المستمرة منذ عامين ونيف لوأد الثوّرة. فالأخير، عبر ميليشاته وجيشهن حطم، أو كاد، مجتمع الثوّرة السوري اجتماعيّاً واقتصاديّاً وبشريّاً. وتضطلع “داعش” بتحطيم القوقعة الأخيرة، والوحيدة، التي يحتمي بها هذا المجتمع: ما تبقى من كتائب الجيش الحر، وعموم التشكيلات العسكريّة المسلحة التي شكلت رأس حربة مجتمع العمل السوري الثائر منذ باتت الثوّرة مسلّحة.

لا تتفوّق ضرورة مواجهة النظام على مواجهة “داعش” وسحقها، إن أمكن وكلما أمكن. كلاهما ينهلُ من منبع عدميّ واحد. العطش الذي لا يرتوي للطغيان، مع ما يعنيه ذلك من “سلبطة”: سلبٌ، وتسلّطٌ، ولبطٌ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...