الرئيسية / صفحات مميزة / مقالات لكتاب سوريين تناولت معركة الساحل

مقالات لكتاب سوريين تناولت معركة الساحل

معركة الساحل!/ ميشيل كيلو

ليست معركة الساحل كغيرها من المعارك الدائرة على أرض وطننا، لأن حساباتها تختلف عن حسابات غيرها. في مناطق سوريا الأخرى، يقاتل الجيش الحر وتنظيمات المقاومة الأخرى جيشا نظاميا يغلب عليه لون طائفي ومذهبي معين، من دون أن يعني ذلك أنه يقاتل مذهبا أو طائفة بعينها. يفسر هذا، لماذا لم يتحول القتال ضد جيش النظام إلى حرب أهلية، وغلب عليه طابع قتال ضد سلطة استبدادية تستأثر بالحكم، ترفضها قطاعات واسعة من الشعب تضم مزيجا متنوعا من بنات وأبناء طوائف مختلفة، من علويين ومسيحيين ودروز وإسماعيليين وغيرهم.

في الساحل، يختلف الأمر عن ذلك، بسبب كثافة الحضور العلوي في أرجائه، والعدد الكبير من أبناء المذاهب الأخرى الذين نزحوا إليه من مناطق سوريا الأخرى، ويقدر بنيف ومليون مواطنة ومواطن، يتوزعون على قراه وبلداته ومدنه، في دليل إضافي يؤكد أن شعب سوريا لا يحارب بعضه بعضا، ويواصل وسط صعوبات جمة مألوفة في العيش المشترك، ويرفض جهود السلطة التي تعمل على دفعه إلى حال من القطيعة والعداء تجعل أي تماس بين مكوناته انفجاريا وداميا. في المناطق السورية الأخرى، ليست المعركة موجهة ضد كتلة بشرية بعينها، أما هنا، فيمكن لأي خطأ في الحسابات أو أي صدام بين مواطنين متنوعين مذهبيا أن يؤديا إلى كارثة وطنية خطيرة الأبعاد، ستأخذ حتما شكل حرب أهلية مديدة، لن يكون ما جرى إلى اليوم من فظائع وجرائم ارتكبها النظام وأتباعه ومن يتبعون نهجه من المسلحين، غير أحداث بسيطة، بالمقارنة مع ما سيقع فيها.

هنا، في منطقة الساحل، تمس الحاجة إلى فصل الناس عن السلطة، وبقائهم خارج المعارك ضد النظام ومؤسساته، وإلا انقلبت الحرب ضده إلى حرب تستهدف مواطنات ومواطنين عزلا لا يجوز مسهم بسوء، حتى إن كانوا موالين سياسيا للسلطة، التي يجب أن تقترن الحرب ضدها هنا بمواقف وطنية وإنسانية تحترم وتصون حياتهم وممتلكاتهم وكرامتهم وحريتهم، تفصلهم في الوقت نفسه عن النظام، وتقنعهم بالأفعال أن المعركة ليست ضدهم، وأن سوريا الآتية ستكون لهم أيضا بقدر ما ستكون لغيرهم من مواطنيها الآخرين. هذا الفصل يجب أن يتم بضمانات تقدمها مختلف أطياف المعارضة في صورة إعلان وطني ملزم يدعمه الجيش الحر وبقية فصائل المقاومة المسلحة، بما فيها التنظيمات الإسلامية، التي لا يحق لها أن تنحدر إلى مستوى النظام، وعليها أن ترفض القتل على الهوية والشبهة، وتعلن أن سوريا القادمة لن تكون من لون مذهبي أو ديني واحد، بل ستكون وطنا لجميع أبنائها من أي مذهب ولون وجنس ومنبت، على أن تثبت ذلك خلال معاركها ضد النظام في منطقة تتصف بقدر عظيم من الحساسية، أنتجته سياسات النظام الطائفية، وجريمة ربط مكونات مجتمعية بسلطته ومؤسساته العسكرية والأمنية، مما أعطى انطباعا كاذبا بأنها منه وأنه منها، وبأنهما كيان واحد لا يقبل الفصل.

بالنظر إلى هذه التعقيدات والتشابكات، تحفظت في الماضي وأتحفظ اليوم أيضا على ما سمي «معركة الساحل»، واعتقدت دوما أنه ليس من الضروري فتحها في الساحل نفسه، وأنه يمكنها أن تقع في أي مكان غيره من سوريا، بما أن حسمها خارجه لن يترك آثارا كارثية على الثورة وفرص نجاحها كتلك التي يحدثها وقوعها فيه، ولن يقودنا إلى مرحلة نوعية من الاقتتال الداخلي اسمها الحرب الأهلية، التي ستتعاظم فرص حدوثها في حال كان هناك معركة خاصة في الساحل، ستكون أولا معركة طويلة ومكلفة إلى حدود يصعب فظاعتها، ولأن وقوعها سيجعل من السهل على النظام التلاعب بمشاعر الناس، وتأجيج ضغائنهم وأحقادهم، وزجهم من دون كبير عناء في معركته الإجرامية ضد مواطنيهم. بقول آخر.. ليس الحسم ولا يجوز أن يكون في المنطقة الساحلية. ومن الضروري أن يمر بمرحلتين؛ أولى تغطي بقية مناطق سوريا، يتم خلالها تقويض قدرات النظام على الاستمرار والحرب، تحمى خلالها المنطقة الساحلية من سياسات وشرور السلطة، ومرحلة ثانية يكون لأهل الساحل فيها دور في الصراع ضد النظام، الذي ستكون علامات هزيمته جلية للعيان، وقادرة على إقناع الموالين منهم له بالانفكاك عنه، وبحتمية مشاركتهم في العمل الوطني، وتمكينهم من التعبير عن أنفسهم ومطالبهم بالأسلوب الذي يختارونه.

إلى أن يحدث هذا، لا بد من الامتناع عن مهاجمة مناطق الساحل المدنية، ولا مفر من التوجه إليها بخطاب وطني يقوم على المصالحة والاحترام، بينما يجب منع النظام من استعادة المناطق والمواقع التي تم تحريرها خارجها، والتي يمكن استخدامها لممارسة المزيد من الضغوط عليه، ولبناء ميزان قوى يساعد على التخلص منه.

بغير ذلك، يكون ذهابنا لتحرير منطقة الساحل خطأ جسيما سيغرق سوريا كلها في رمال متحركة، ستجرها إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، ستقلص كثيرا فرص إضعاف النظام وإسقاطه، وقد تقضي على البقية الباقية من شعبنا ووطننا المنكوبين!

الشرق الأوسط

في أنّ معركة الساحل حدثت من قبل/ عمر قدور

تأخّر أبو موسى الشيشاني، الذي يُقال إنه أحد قادة الفصائل الإسلامية التي هاجمت كسب، في الوصول إلى منطقة الساحل السوري. والحقّ أن الرجل لا يعدو كونه تجسيداً لأشباح من الشيشانيين وغيرهم من المقاتلين الأجانب، أشباح كانت تؤرق كثيرين من البسطاء في البيئة المؤيدة للنظام هناك، وتُروى طرائف عن حالات من الفزع الشديد جرّاء اقتحام تلك الأشباح قرى نائية لم تُستهدف برصاصة واحدة فعلاً، قبل أن يتبيّن أهلوها مصدر المفرقعات التي أطلقها جيران لهم ابتهاجاً بمناسبة ما.

هذه الأقاويل عن الأجانب الذين يهاجمون الساحل، بمشاركة من «العملاء والمرتزقة» المحليين، كانت سابقة إلى الانتشار على المعارك التي بدأها «الجيش الحر»، عندما لم تكن هناك تنظيمات إسلامية مثل «النصرة» وأخواتها. وهي بالتأكيد لم تكن تستشرف المستقبل إذ تتخيل معركة الساحل على هذا النحو، لكنها بالتأكيد أيضاً كانت تدرك حتمية المعركة يوماً ما، فتبني تخيلاتها على ما هو واقعي بخلاف نسبة كبيرة من أهل المعارضة الذين لم يكونوا يضعون المعركة في حسبانهم آنذاك.

الجدل الذي دار أخيراً في صفوف المعارضة حول فتح معركة الساحل ليس الأول من نوعه، فقد سبقه جدل مشابه تماماً قبل تسعة شهور، عندما سيطرت فصائل إسلامية على مجموعة من القرى في الجبال الساحلية قبل أن يستردها النظام. والجدل يدور في معظمه، كما بات معلوماً، حول رمزية معركة الساحل والتخوف من أن تتحول الحرب بفعلها إلى حرب طائفية معلنة، بينما تتراجع إلى خلف تساؤلات من نوع مدى خدمة معركة الساحل، أسوة بأية معركة أخرى، للإستراتيجية العامة، ومدى أهلية الفصائل المشتركة فيها على الصعيدين القتالي والوطني.

وفق المعارضين الذين يعلون من رمزية المعركة، يكمن رأس الأفعى، أي «النظام»، في دمشق، وينبغي إسقاطه فيها، وعندما يسقط في دمشق فسيسقط تلقائياً في الساحل من دون أن تُطلق رصاصة واحدة. وفق هذا الرأي أيضاً، أية معركة في الساحل ستزيد اصطفاف البيئة المؤيدة حول النظام، وهنا فقط يُشار إلى تململ مزعوم في بيئة المؤيدين لم تُحسِن المعارضة استثماره بسبب حماقتها وتأييدها للمعركة. فضلاً عن ذلك، لا بد من الإشارة إلى ضيوف الساحل النازحين من مدن أخرى «سنيّة» كحلب وغيرها، في دلالة إلى عدم وجود الطائفية ضمن المجتمع السوري.

إجرائياً، ما يعيب التحليلات السابقة أن معركة الساحل بدأت منذ الاقتحام الأول لبانياس والبيضا وارتكاب فظائع فيهما، عندما لم يكن الثوار أطلقوا رصاصة واحدة بعد. ثم بدأ التطهير الطائفي في معركة الحفّة قبل نحو عشرين شهراً، إذ جرى تهجير أهالي الحفة كلهم، قبل أن تعود الميليشيات الطائفية لتضرب مجدداً في بانياس والبيضا بمساندة من ميليشيات طائفية تركية.

استرجاع تلك الوقائع لا يعني حق المعارضة في ردّ مماثل، لكنه ضروري لتوضيح حقيقة فتح المعركة وكيفيتها من أمد طويل، والحديث هنا يدور عن عشرات الآلاف من الذين كانوا ضحية التطهير الطائفي المباشر والواضح.

رمزياً، وهنا لا تعود الجغرافيا بالأهمية ذاتها، بدأت الملامح الطائفية جلية منذ ارتكاب الميليشيات مجازر مثل الحولة والقبير. فالذين ذبحوا المدنيين هناك كانوا يرددون شعارات طائفية لا لبس فيها، وقد وثّقتها كاميراتهم وسرّبوها هم أنفسهم في ما بعد. أي أن الحرب الطائفية المعلنة بدأت فعلاً منذ أمد طويل، ولا ننسى في ما بعد رفع شعارات كربلاء والحسين على مآذن القصير، وكذلك رفع الشعارات الطائفية إياها أثناء اقتحام يبرود أخيراً. نحن أمام سياق طائفي يستحيل إنكاره، والواقعية تقتضي عدم استبعاد ردود فعل من الطينة ذاتها، من دون أن تبني بالضرورة سياقاً ممنهجاً كالفعل المستمر الذي يسبقها، بل إن ما ورد في الاستهلال عن الأقاويل التي راجت بين المؤيدين حول المقاتلين الأجانب وعملائهم المحليين، هو أول تأسيس رمزي للمعركة المقبلة.

أيضاً، الحديث عن الضيوف الآمنين في الساحل لا يجانب الرمزية ذاتها. فهو يتحدث عنهم كضيوف لا كأبناء بلد، ويعلم القاصي والداني أن غالبيتهم من الشرائح الميسورة، أي أنهم يتكلفون نفقات إقامتهم وينعشون الاقتصاد المحلي هناك، أما القلة المعدمة منهم فلاقت اهتماماً إنسانياً من قلة مقابلة من أبناء الساحل، بينما راح الشبيحة يستولون على المساعدات الدولية المرسلة إليهم. لكن الأهم في هذا السياق هو التلميح إليهم كرهان وأنهم سيتعرضون للأذى في ما لو تطورت معركة الساحل، وكتمرين ذهني على المغزى المقصود يُستحضر هجوم الشبيحة الانتقامي على حيّ الصليبة السنّي في اللاذقية إثر مقتل هلال الأسد، على رغم المعلومات التي تفيد بقتله بنيران صديقة.

أثناء الجدل حول معركة الساحل، كانت البراميل العشوائية المتفجرة تستمر في قصف مدينة حلب، وسُجل في آذار (مارس) وحده سقوط 344 برميلاً. والمسألة ليست فقط في المفاضلة بين مدنيي حلب وغيرها الذين يُقتلون وسط صمت عام، ومدنيين آخرين مؤيدين، وإنما في أن أحداً من الطيارين الذين يقومون بمهمات الإبادة لم يتمتع بالحس الأخلاقي ليهرب بطائرته أو بنفسه. لو سُجلت حالة هروب واحدة لربما كانت كفيلة بالتأثير على المزاج الانتقامي العام المؤيد لفتح معركة الساحل بأي ثمن، وكيفما كان، ومن أية جهة أتت.

الإصرار على خصوصية معركة الساحل يصبّ عن قصد أو من دونه في جعلها الطامة التي تهون معها أهوالٌ تعرضت لها باقي المدن، مع أن الحجج التي تُساق تضعف كلما طال أمد الحرب، ومع أن المخاوف تتمحور أساساً حول مواجهة العدالة لا الانتقام. ما حدث حتى الآن أن أصحاب المخاوف يواجهون أسوأها، وهو حال مَن لا يبادر إلى التغلب على مخاوفه بحكمة وتعقل. أما معركة كسب الحالية فلا تأتي ضمن إستراتيجية متكاملة للمعارضة، ولا يُتوقع منها سوى أن تكون تمريناً ذهنياً مبتذلاً على معركة أكبر لن تمنع التمنيات حدوثها، إذا لم تكن المعركة الكبرى حدثت في غفلة منا.

الحياة

غزوة «الأنفال» في الساحل السوري/ منذر خدام

بعد هدوء نسبي شهده ريف اللاذقية الشمالي، والشمالي الشرقي، منذ أن فشل هجوم المعارضة المسلحة على مناطق في ريف الحفة، قبل نحو تسعة أشهر، وتكبدها خلاله خسائر فادحة، بدت جبهة الساحل وكأنها دخلت في ثبات طويل، حتى جاءت ما سمتها المعارضة المسلحة بغزوة «الأنفال» لتعيد تنشيطها من جديد. تركزت «الغزوة» هذه المرة على مدينة كسب الحدودية وعلى معبر «المفرق» القريب منها، وهو المعبر الوحيد مع تركيا الذي كان لا يزال تحت سيطرة القوات السورية. وبحسب ما أفاد به طبيب مقيم في كسب، فإن قوات المعارضة المسلحة المكونة من عدد من الكتائب والألوية ذات التوجهات الإسلامية المتطرفة، تتقدمها قوات «أحرار الشام» و«الجبهة الإسلامية» و«النصرة» لتنضم إليها لاحقاً قوات «جبهة ثوار سورية»، قد هاجمت المدينة صباح يوم الخميس الواقع في 21/ 3/ 2014 انطلاقاً من الأراضي التركية، وقد نجحت في الدخول إليها قبل أن تطردها منها مساء القوات السورية، لتعود من جديد في اليوم التالي قوات المعارضة للسيطرة عليها،

وهي اليوم ساحة معارك عنيفة بين القوات المهاجمة والقوات السورية مدعومة من قوات الدفاع الوطني وبعض الأهالي، خصوصاً من الأرمن سكان المدينة الأصليين. تقع مدينة كسب في الزاوية الشمالية الغربية من الساحل السوري بالقرب من الحدود التركية التي تحيط بها من ثلاث جهات هي الشمال، والشرق، والغرب، في حين تطل على البحر من جهة الجنوب الغربي، الذي تسيطر عليه القوات السورية، إضافة إلى المناطق الواقعة جنوب المدينة وإلى الغرب من طريق اللاذقية ـ كسب. وإذا علمنا أن المناطق التي تقع إلى الشرق من طريق كسب ـ اللاذقية، وجنوب الحدود التركية، أي بلدة ربيعة وريفها، هي مناطق تسكنها غالبية تركمانية، وتسيطر عليها قوات تركمانية، وهي ممنوعة، بتعليمات تركية، من الخروج خارج مناطقها، فلا يبقى من ممر للهجوم على كسب إلا من داخل الأراضي التركية، وبدعم وتنسيق مع القوات التركية التي أمنت لها تغطية بنيران المدفعية، كما تؤكد مصادر إعلامية مختلفة وكذلك معلومات من الميدان.

من الواضح أن الهجوم على كسب يجيء في سياق تنشيط جبهات عديدة في سورية، منها جبهة درعا، وجبهة شمال حلب، وجبهة شمال حماه، وذلك من أجل تخفيف الضغط عن جبهة القلمون التي تتقدم فيها القوات السورية. غير أن تنشيط جبهة شمال الساحل من بينها تحتفظ بخصوصيات عديدة، إن لجهة تأثيرها المباشر على معنويات ونفسيات مناصري النظام في الساحل عموماً، أو من الناحية العسكرية لجهة احتمال وصول قوات المعارضة إلى البحر، وهذا ما لا يمكن أن يسمح به النظام.

وبالفعل بدأت التأثيرات النفسية لمعركة الساحل تظهر على السكان، إذ أخذ القلق والخوف يرسم معالمه على الوجوه ويسيطر على أحاديث الناس، خصوصاً المقيمين في مدينة اللاذقية التي بدأت تطالها صواريخ المعارضة المسلحة. لكن من جهة أخرى كان لمعركة الساحل تأثيرات معنوية معاكسة، إذ زادت من التفاف مناصري النظام حوله، بعد أن كانت تراخت بعض الشيء في الأشهر القليلة الماضية جرّاء الثمن الباهظ الذي دفعه أبناء الساحل (شهداء ومصابين) في معارك النظام التي يخوضها على امتداد رقعة الوطن، وليس من أفق على ما يبدو لوقفها. معركة الساحل حفّزت الكثيرين من شبابه على التحاق بقوات النظام العسكرية وشبه العسكرية التي تتوجه إلى شمال اللاذقية لصد وهزيمة غزاة «الأنفال». وفي هذا السياق يجيء مقتل هلال الأسد قائد قوات الدفاع الوطني في اللاذقية، ليزيد المشاعر التهاباً حتى بات كثيرون يخشون فعلاً من حصول صراعات طائفية لا يمكن السيطرة عليها. وبالفعل بدا أن اللاذقية قد تحولت إلى ساحة حرب، بُعيد الإعلان عن مقتل هلال الأسد في المعارك الدائرة في كسب بحسب رواية الإعلام الرسمي للنظام، أو جراء سقوط قذيفة (أو تفجير) على مكان وجوده في قرية النبعين إلى الجنوب الغربي من كسب، مع مجموعة من قادة قواته ومنهم بعض أقربائه، بحسب ما تناقلته شائعات كثيرة في اللاذقية، ولكن تمت السيطرة عليها بسرعة لحسن الحظ.

بغض النظر عن النتائج العسكرية لمعركة الساحل التي سوف يحسمها النظام لصالحه مهما طالت، فهو لا يمكن أن يسمح بوصول قوات المعارضة إلى البحر، مع أنها سوف تكلفه ثمناً باهظاً نتيجة طبيعة ساحة المعركة المعقدة، وعدم قدرته على المناورة، واستخدام سلاح الطيران على نطاق واسع جرّاء قربها من الحدود التركية، إلا أن النتائج السياسية بدأت تظهر، وهي عموماً تصبّ في صالح النظام. بداية زادت معركة الساحل من التفاف مناصري النظام حوله، وهذا ملموس من الاستنفار الكامل، ومن كثافة المتطوعين للقتال في صفوف قواته، أو إلى جانبها. أضف إلى ذلك سوف يستفيد النظام من معركة الساحل كذريعة قوية لتأخير تسليم ما تبقى من سلاحه الكيماوي، بل ربما للتوقف عن تسليمه موقتاً إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية التي يُعَدّ لها. وثالثاً بدأ النظام يستثمر سياسياً خوف ضيوف اللاذقية الذين يزيد عددهم عن المليون مواطن أتوا إليها من مناطق مختلفة من سورية، خصوصاً من حلب وإدلب وحماه لزيادة كرههم للمعارضة المسلحة، بل إنه، وبحسب بعض المعلومات، بدأ يجنّد بعضهم في صفوف قواته شبه العسكرية.

ومهما تكن نتائج معركة الساحل العسكرية والسياسية، بل جميع معارك النظام والمعارضة المسلحة، مع أو ضد مصالح أحد الطرفين المتصارعين، فإنها سوف تظلّ كارثية على مستقبل سورية وشعبها. ألم يحن الوقت بعد لإدراك أن العنف لن يحلّ الأزمة السورية، وأنه لا بديل عن الجلوس إلى طاولة المفاوضات بنيّة وإرادة صادقتين لإنقاذ سورية؟ سوف يأتي حين تتوقف فيه المعارك، وهذا لا شك فيه، لكن عندها، هل ستكون سورية لا تزال تحمل اسمها؟

* كاتب سوري

الاخبار

من الذي يهلل للأنفال؟/ علي ديوب

«يُقبل منا انتقاد النظام، ولكن لا يقبل انتقاد الثورة». قال أحد الناشطين المثقفين. وهو معارض ينحدر من الطائفة العلوية، هلل للثورة وعلّق عليها آماله المؤجلة التي حبسها خلف فمه المكموم، على مدى عقود. وكان يقصد بكلامه، هذه المرّة، زملاءه في المهنة وشركاءَه في الحلم، بإسقاط نظام الطغيان الأسدي، وإقامة سورية الحرة الديموقراطية.

وفي توضيحه كتب: يكفي اعتراضٌ واحدٌ على معركة الساحل، حتى يشكك في ثلاث سنوات من الدأب والهمّ اليومي، لترمي المثقف العلوي بالشبهة أو بـ «العودة إلى الأصل»، بتعبير أحد الناشطين الأكثريين، ممن يزعمون العلمانية، ورفض التشدد و العنصرية.

يفسّر الناشط طبيعة الخلاف، بتناقض الرؤى السياسية، نتيجة لعبة النظام، التي لدى الأسد منها الكثير، وتفاوت من يعارضون على مبدأ ردّ الفعل. ولعل أهمّ أرباح النظام، تعود لهذا النوع من المعارضة، التي جرّت أصحابها، المرة تلو المرة، ومن حفرة إلى حفرة، من دون أن يتعظوا…!

في معركة الساحل الأولى، ضرب النظام عصافير عدة بحجر واحد. فأصاب، للمرة الأولى، هدفاً لطالما استعصى عليه، ويتمثّل بالجسد الصلب للمعارضين المستقلين والمكون من مثقفين وناشطين، ذكوراً وإناثاً، يجمعهم موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك. وعلى ما في فاعليتهم من ضعف، ظلوا، خاصة بأصوات العلويين بينهم، دلالة تقضّ مضجع النظام بفشله في تفتيتها، وضربها ببعضهابعضاً؛ قبل أن تمكّنه معركة الساحل من هذا لأول مرة، حيث انتقل المعارضون المثقفون من المواقف المتطابقة إلى المواقف المتناقضة.

وما كان للمطابق أن ينتج غير المناقض، فتجلت الخلافات حادة، في موجة من الحجب الفايسبوكي المتبادل أعقب صدامات أليمة ارتفعت فيها النبرة الطائفية بصورة نزلت بمثقفين إلى سوية المتعصبين الطائفيين. واستخدمت فيها تهمٌ وأحكامٌ كانت سابقاً من آليات عمل النظام، ضد المعارضين، بلا تمييز، ثم من المهمات الموكلة إلى الموالين المتشددين، لملاحقة المعارضين من أبناء الطائفة العلوية، بتهمة خيانتهم النظام الذي يواجه مؤامرة عالمية، أو خيانة الطائفة (وفق المتكلم).

الخلاف الذي تفاقم في الرأي، بخصوص معركة الساحل الأولى، ومنذ حدوثها على يد الجماعات الجهادية المتطرفة، قام على اعتبار أن الموقف من المعركة تظهير لحقيقة معارضة أبناء الطائفة العلوية، من دون أية مراجعة لما يكتنز هذا المنطق من الاستبداد، بخاصة أنه يقوم على تحدٍ/ تعليل، يقول إن تقبّل مشاركة الأقليات (العلويين) في المحنة يقتضي منهم التحمّل الفعلي للآلام الواحدة، والخسائر المماثلة والمصاب المشترك كبرهان صادق على مزاعم «الأخوة في الوطن». في حين تمّ اتهام الرأي الآخر، لمجرّد ميله إلى ضرورة التيقظ أكثر لخطط النظام، وبالذات تلك التي تنفذها جماعات إرهابية ضخّها في جسد الثورة، فأحدثت أكبر الضرر فيها، ممثلاً برفض تلك الكتائب لمبادئ الثورة وأهدافها، وتكفير كوادرها وقادتها، ونقل الثورة من حيّز التعاطف الدولي إلى حيّز العداء للعالم. ما يوجب في المعارضة رفع منسوب التماسك، والتمسّك بالعقل، طرداً مع زيادة ضغوط النظام، لتحويل الثورة إلى صراعٍ طائفيّ محض، وأن هذا يقتضي استتباعاً ضرورة حشد حملات معارضة لاتساع دوائر الموت والتدمير، حملات يمكنها كسب حتى التأييد العالمي، لكي تأخذ دول العالم دورها، حين تطمئن إلى سلامة البديل.

«راحت، وجاءت الفكرة»، كما يقال. لكن القابلية للسّكْر بقيت على حالها، لدى الطرف المصاب بمعارضة رد الفعل. اكتشف الجميع أن معركة الساحل الأولى كانت معركة من تحريك المخابرات، لتشديد التفاف الأقليات حول النظام الذي أقنعهم وأقنع الغرب بأنه ﻻ بديل منه غير الإرهاب. لكن هاهم يقعون اليوم في الحفرة إياها، منجرّين خلف قيام الكتائب الجهادية، بقيادة النصرة، المصنّفة منظمة إرهابية، بمعركة الأنفال، في الساحل. وعلى رغم الخطر الذي يلوح خلفها، وسواء كانت سهماً من جعبة الملالي أم من سهام النظام أم من اجتراحات كتائب تجاهد بالأجرة، فمن الجائز أن يحمل الأمر تطهيراً عرقياً للساحل، من جملة عدد من النتائج الأخرى المدمّرة. ولا يحتاج المرء إلى طول تفكير كي يخمّن من هو المستفيد من تحقيق مناطق نقية طائفياً يصبح معها التقسيم تحصيل حاصل، يفرض واقعاً جديداً على السوريين وعلى العالم، ولكنْ بعد مجازر ﻻ يعلم فداحتها أحدٌ، في ظل وجود مئات آﻻف الحلبيين السنة المهجرين في الساحل حيث يتخذهم النظام درعاً ورهينة لآخر أوراقه التي قد تكون أكثر تخويفاً للعالم من الكيماوي.

الخلاف يشتد أكثر من ذي قبل، حول مكان وجود رأس الأفعى: هل هو في القرداحة (الساحل)، أم في دمشق. ومعارضو النظام صاروا معارضين لبعضهم بعضاً بحيث تضيع صرخةٌ عاقلة تطالب بضرورة حشد المقاتلين تحت قيادة واحدة – هي قيادة الثورة المعترف بها دولياً، والتي تم انتزاعها بدم سوري غزير، تحت طائلة اتّهام من يرفض ذلك من المجاهدين بتهمة الإرهاب، وإﻻ فسوف تبقى هذه الكتائب حزام الأمان للنظام. هذه البديهة ليست بدعة، وهي تعود إلى بدايات الثورة، متلازمة مع انتقاء النظام للسلميين من المعارضين، اعتقالاً وتصفية تحت التعذيب أو طرداً… الخ؛ فيما يزيد رصــيده من تشكيلات متطرفين يفرج عنهم من سـجونه، بعد إعداد طويل.

* كاتب سوري

الحياة

حقيقة ماجرى في “كسب”/بيتروس بيتروسيان

بالعودة قليلا إلى الوراء في محاولة لقراءة تاريخ الشعوب التي عانت من الاضطهاد، الظلم، القمع، الإبادات، التطهير العرقي وإلغاء الهوية بكل ما في معانيها وعلى جميع أصعدتها، العرقية، الثقافية، الإجتماعية، الدينية، السياسية والإنسانية.. نجد أن التراجيديا هي نفسها والصورة في نقطة معينة لا تريك إلا المشهد المأساوي ذاته، والمعادلة بين الإنسان والسلطة صعبة في ظل غياب الأخلاق والقيم وغياب الإنسان بعينه، وبروز الإنسان الغريزة ونزاعه مع نفسه وحبه في السطو والحكم والتفرد لا يختلف باختلاف لونه ولا دينه ولا عرقه…

بدءاً من كوني إنسان في البداية وليس بدءً من كوني أرمني أنتمي إلى هذا الشعب الذي عانى منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وواحد من أحفاد الذين عاشوا تلك الحقبة السوداء من محاولات قتل وتهجير قسري وعمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي طال ذلك الشعب بدون استثناء، أحاول النظر للصورة من المنطلق الإنساني البحت لعلي أرى تفسيراً لما حدث بعيداً عن التراجيديا الذي عاشه شعبي من مجازر وظلم وحرمان، فلا أجد نفسي بعيداً عن الواقع الذي ينقلني في كل مرة إلى ذات الصورة المظلمة وإلى النقطة السوداء نفسها في تاريخ الإنسانية، لأن ما حصل من جرائم لم تكن جرائم ضد الشعب الأرمني فقط، لا بل جرائم بحق الإنسانية أجمع..

أما بكوني أرمني سوري وبناء على ذلك أريد أن أوصل رسالتي لشعبي الذي عانى من كل ما ذكرته سابقاً، واليوم يتم استجراره مجدداً إلى داخل لعبة من الممكن أن تتسبب بأضرار كبيرة له..

 إلى كل سوري أرمني ترعرع وعاش في هذا البلد الذي أعطاه الكثير كما هو أعطى لهذا البلد.. هناك عمليات تصعيد وتضخيم ولعبة تجري في الخفاء بما يتعلق عن الأحداث الجارية في كسب في يومنا هذا، وعن الأكاذيب التي تروج لها يومياً عن المجازر التي ترتكب بحق الأرمن هناك، أتمنى أن نحكم عقولنا وأن لا نستدرج ونكون جزءً من هذه اللعبة التي يحاولون من خلالها تغيير الواقع والماضي الأليم الذي عاشه هذا الشعب، في محاولة استخدام المأساة والعاطفة الأرمنية وذلك التاريخ الأسود الذي أصبح جزءً من شخصية كل فرد في المجتمع الأرمني أينما كان، واللعب على هذا الوتر لاستدراجهم في لعبة لتشويه الحقائق وما حصل في الماضي من خلال استعمال الحاضر، لعبة سيخرجون منها الأرمن خاسرون.. هناك أطراف تلعب على أساس قوة اللوبي الأرمني في الخارج وعلى أساس أفراد من أصل أرمني لهم نفوذهم في العالم، هذه الأطراف التي تعمل على الحقن الطائفي وعلى فبركة مقاطع مصورة ومن ثم نسبها كذباً للوبي الأرمني، على أساس مجازر جديدة أرتكبت ضد الأرمن في مدينة كسب ذات الغالبية الأرمنية، وهي جزء من سوريا التي تعاني من حرب دامية… والعملية بحد ذاتها لا تعتبر إلا تصعيد للوصول إلى غايات معينةً..

ما هي أسباب دخول مدينة كسب؟.. ولماذا بهذا الوقت بالتحديد؟.. وهل تعتبر كسب منطقة استراتيجية؟.. ومن المستفيد من هذا الدخول؟..

تعتبر “مدينة كسب” مدينة تاريخية للأرمن وتعود للقرن العاشر قبل الميلاد، وهي آخر معقل لهم بعد احتلال مملكة كيليكيا وانهيارها على يد العثمانيين الأتراك، والأرمن فيها يعودون إلى تلك الحقبة ولهجتهم الأرمنية منفردة، ولهذه المدينة طابع خاص لدى الأرمن.. تقع المدينة في منخفض تحيطه الجبال من كل الأطراف، ولا تعتبر منطقة استراتيجية تستطيع أن تلعب دوراً في قلب موازين القوى في الصراع الجاري في سوريا، مع العلم أن كسب هي معبر للوصول إلى نقاط أخرى من ريف اللاذقية، ولكنها ليست الوحيدة.. كما لم يكن لسكانها أي دور في الحرب القائمة في المنطقة، فسلمية أهل هذه البلدة أبقتهم في الحياد الوطني ولم يقفوا مع أي طرف من أطراف النزاع.. إذن من البداية كان الهدف من دخول هذه المدينة وافراغها من سكانها لعبة سياسية قذرة لعبت بحنكة، غايتها زج الأرمن في الصراعات المسلحة والطائفية من طرف، ومن طرف آخر جر اللوبي الأرمني في الخارج إلى داخل هذه اللعبة لتشويه الماضي الذي لا تستفيد منه إلا حكومة أردوغان، وعلى علم الجميع وعلى قول المثل الشعبي السوري” على عينك يا تاجر” لعب الجيش التركي دوراً كبيراً في نجاح عملية دخول هذه المدينة، كما أيضاً هناك بعض الأطراف الأخرى الموجودة على أرض الواقع تلعب في الخفاء لها مصالحها وغاياتها من هذه العملية، وهذا كله قبيل الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية!!..

إذن كل شيء واضح حيث بدأ الإعلام يلعب دوره في نشر هذه الصورة التي تبين أن اللوبي الأرمني بدء في تصعيد الأمور، بينما في الحقيقة، الواقع يختلف مع هذه الرؤية، لأن ما تفعله الجاليات الأرمنية في الخارج ما هي إلا عبارة عن حق مشروع لكل شعب يدافع عن حقوق شعبه في البلدان التي تتواجد فيها هذه الجاليات، مثلها مثل غيرها من الدول والأقليات الشرق أوسطية والعالمية، مع أني لا أحبذ ذكر مصطلح “الجاليات”، لأن الأرمن أينما وجودوا، أية دولة كانت، أعتبروا أنفسهم جزء لا يتجزء من نسيج هذه الدولة، لهم واجبات مثل ما لهم حقوق، والشعب الأرمني إن كان في سوريا أم في غيرها من البلاد، مخلصون للأرض التي ترعرعوا فيها، كما قدموا لهذه البلاد في جميع المجالات وعلى جميع الأصعدة، الثقافية، السياسية، الأقتصادية، الاجتماعية والكثير غيرها، ولبنان ومصر ودول أخرى كثيرة شاهدة على ما أقول…

إن ما يحصل في الآونة الأخيرة، من تصعيد دولي ومن فبركة مقاطع مصورة، غايتها ليست إلأ تأجيج الوضع العام والعمل على جر الأرمن للدخول في الصراع المسلح القائم، كما أستطيع أن أقول أن ما حدث من دخول مسلح إلى هذه المدينة وتفريغ سكانها وأهلها منها كما حدث هذا سابقاً في مدن سورية أخرى، بعيدة كل البعد عن كل القيم والأخلاق الإنسانية، من أي طرف كان، وفي نفس الوقت أنوه أيضاً أن المدينة كانت فارغة تقريباً عند دخول المسلحين إليها، وعمليات النزوح كانت قد تمت قبل ساعات من دخول تلك الجماعات إلى كسب، هذا يعني أنه ليست هناك أي عمليات قتل أو مجازر أرتكبت ضد الشعب الأرمني في مدينة ” كسب “.. لذلك يجب أن يكون الشعب الأرمني في الداخل وفي الخارج متيقظاً وأن لا ينجر إلى ما قد خطط له مسبقاً منذ بدء هذه العملية، وأن لا يكون ورقة تحرق بعد أستعمالها، وأن نتريث قبل أي فعل وقبل اتخاذ أي قرار أو أي خطاب من الممكن أن يدخلنا في معمة نحن بالغنى عنها..

هناك لعبة خفية تدور خلف الكواليس، والأيادي فيها كثيرة ولكل منهم غايته ومصلحته، وما أخاف منه أن نكون من سيدفع الثمن ثانية، وأن يكون هذا كله مجرد تحضير لتراجيديا مأساوية جديدة تضعنا مجدداً أمام مجازر دموية، وهكذا يعيد التاريخ نفسه، ونكون كبش الفداء لتغيير الوضع القائم تحت غطاء حماية الأقليات…

هذه رؤيتي الشخصية.. ولكم الحق في طرح ما أنتم ترونه..

ايلاف

عن جبهة الساحل والائتلاف/ غسان المفلح

كل مرة يجد المرء نفسه مضطرا لتوضيح موقفه من الثورة السورية وآفاق الحل. السبب أهلي هناك. ما قصدته بأهلي شعبنا السوري كله دون استثناء. هو من يدفع ثمن سلطة مجرمة وموقف دولي سافل ومعارضة ارتجالية انفعالية مريضة على مستوى الصورة والحضور, صغيرة على مستوى الفعل السياسي.

منذ أكثر من عقدين ونحن نعزف نفس المعزوفة, النظام الدولي أتى بهذا النظام, ومن دون النظام الدولي هذا لا يمكن اسقاطه, لا بسلمية ولا بعسكرة.مع ذلك العسكرة فرضها سلوك السلطة, وهي تتحمل كامل مسؤوليتها, كامل ما نتج عنها وسينتج. النظام الطائفي لا يمكن أن يكون عنده حل سياسي. وأكبر دليل أنه رغم مرور ثلاث سنوات من عمر الثورة, رغم القتل والدمار والتشريد, لايزال مصرا على أنه بالقتل وحده يبقى بالسلطة. هذه بداهة تغيب في كثير من الاحيان عن رموز هذه المعارضة الارتجالية. بالمناسبة الرئيس الاميركي القادم إما يعيد بشار للحظيرة الدولية على طريقة ساركوزي 2008 أو يسقطه أو يقسم سورية. لدى شعبنا مخاض عسير حتى نهاية ولاية اوباما. لهذا مطلوب أن يصمد بشار بالساحل, ومطلوب منه ألا يتنازل سياسيا ومطلوب دعم مدروس للمعارضة..لكي يتم تنفيذ أي من السيناريوهات أمام الرئيس الاميركي الجديد بسلاسة. هذه رؤية ليست تشاؤمية وليست تفاؤلية, إنما محاولة لاستقراء الموقف الاميركي صاحب اليد الطولى في مصير شعبنا. الافلات قدر الامكان من هذا الوضع الصوملي, يقع على عاتق المعارضة السورية. لكن للاسف هذه المعارضة يتزعمها عقل تابع من جهة, وارتجالي من جهة أخرى. مثال:

جبهة الساحل فتحت قبل اسبوعين واستطاعت قوى المعارضة المسلحة أن تحقق تقدما على هذه الجبهة احرج النظام وحلفاءه. ركضت ايران لتركيا لكي توقفها. خرج علينا استاذنا ميشيل كيلو بموقف ناري ضد هذه الجبهة, برفضه لفتحها من جهة, ولأنها تحول الثورة إلى حرب اهلية. علما ان أي ثورة تسلحت بالتاريخ هي حرب أهلية. لسنا بصدد الدخول في تعريف الثورة. واتهم مقاتليها بتهم شتى. موقف فاجأ الجميع, واعقبه بعض قيادات الائتلاف, بموقف شبيه, بينما رئيس الائتلاف ومعه قسم من هذه القيادة واعضائه, يزورون جبهة الساحل دعما لثوارها. من المعروف حتى قبل فتح جبهة الساحل بأسابيع كان ميشيل كيلو الرجل الاول بالائتلاف. ما الذي جرى خلال الشهر الاخير? لا احد يعرف! مع ذلك هذا يوضح بما لا يقبل الشك, كم هذا الائتلاف ارتجالي ومفكك, ولا يملك أية ستراتيجية تخص الثورة. بعيدا عن المثاليات التي تستخدم عادة, لتغليف موقف سياسي ما. الساحل هو الخزان الاساسي لعسكر السلطة وشبيحتها. هذا من منظار عسكري على الارض رضينا بذلك أم لم نرض, قلنا النظام طائفي أم غير طائفي ليس مهما في موازين قوى العسكر على الارض. الثورة ثورة صحيح, لكنها في وضعيتنا ميزان قوى بالنهاية. فتح جبهة الساحل يربك النظام على الأقل. صحيح هو لا يهتم بمن يموت من اهلنا بالساحل من جهة ولكن هم خزان وقوده العسكري هذا من جهة أخرى. الحل كما قلت في مقال سابق, إما أن تفتح جبهات دمشق وحلب والساحل, بشكل منسق ومغطى سياسيا واعلاميا, أو ان هذه المعركة مثلها مثل بقية المعارك, ربما تضعف النظام لكنها لا تسقطه.. لكن أن نتفلسف كمعارضة على الناس, ونحن من جهة اخرى لا نملك خطا سياسيا واضحا, فهذا منتهى السخرية الدموية. ماذا ينتظر ميشيل كيلو وجماعته? لا يريدون تدخلا عسكريا, ويتغنون بالسلمية وهم ممثلون سياسيون للثورة التي منها العسكرة- وعملوا العمايل- كما يقال بالعامية من أجل أن يصلوا لهذا الموقع…جميل أن ينظر المرء لنفسه بالمرآة ويسأل نفسه, عن جملة مواقفه كلها.

* كاتب سوري

السياسة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أكاديمية التعفيش/ عمر قدور

    الصور التي تتوارد من مخيم اليرموك، وتُظهر قوات الأسد وهي تنهب كل ما ...