صفحات الثقافة

6 أعوام من سينما “الثورة السورية”: معنى الوثائقيّ واختباراته/ نديم جرجوره

 

 

 

مع بداية العام الـ7 لـ”الثورة السورية” (2011 ـ 2017)، يُصبح كلّ سجال نقديّ، يتناول المشهد البصريّ المُرافق لها والطالع منها، مدخلاً إلى إعادة اكتشاف أنماطٍ مختلفة من توثيق اللحظة، وتحوّلات أحداثها. والسجال النقديّ ـ إنْ يبقى أسير الثورة بحدّ ذاتها، وانقلاباتها المدوّية ـ يظلّ ناقصاً، إذْ تبدو نتاجات “سينما ثورية” ما، مصنوعة في سورية الأسد منذ عام 1970، أشبه بتأسيسٍ سينمائيّ ـ ثقافي وأخلاقي وإنسانيّ ـ لأعمالٍ مُنجزة منذ 15 مارس/آذار 2011، تبدأ بالتقاطٍ حيّ للحدث لحظة وقوعه، وتشتمل على أشكال الصُوِر كلّها، وتنطلق من تفكيكٍ بصريّ جماليّ لوقائع العيش في “جمهورية العنف”، ووحشية الردّ الرسميّ على عفوية التظاهر وسلميّته، في البدايات الجميلة للثورة.

ذلك أن استعادة المشهد البصريّ، المرافق لـ”الثورة السورية”، في بداية عامها الـ7، لن تكتمل من دون التنبّه إلى نتاجٍ وحراكٍ سينمائيين، تعرفهما دمشق في أعوام اختطافها على يديّ النظام الأسديّ، منذ 47 عاماً. وهي لن تكتمل، أيضاً، من دون التنبّه إلى اشتغالٍ سينمائيّ آخر، يصنعه مخرجون مقيمون في سورية، يلتزمون مواقف لن تقترب من الثورة، بل تواجهها وتطرح تعابير مغايرة لها، ولوقائع العيش اليومي، من دون تناسي أهمية مناقشة هذا كلّه، بعيداً عن كلّ تشنّج وعصبيّة وتزمّت (ومناقشةٌ كهذه محتاجةٌ إلى حيّز آخر).

ورغم أن عدد الأفلام المُنتجة في تلك الفترة ـ التي تُواجه النظام، وتُعرّي شيئاً من عنفه، وتكشف بعض خصائصه الدموية ـ قليلٌ؛ ورغم أن الحراك السينمائيّ ـ الذي يُنادي بإصلاح سينمائيّ، أو الذي يُجاهد للحصول على حقّ طبيعيّ للسينمائيّ بالعمل والاشتغال، أو الذي يُشارك في تحرّك ثقافي أعمّ وأشمل، يتناول أحوال سورية وتدخّلات نظامها المستبدّ في لبنان، منذ اندلاع حربه الأهلية عام 1975 ـ يبقى بدوره قليل العدد، في مقابل حيوية مضمونه؛ إلاّ أن هذين الإنتاج والحراك يُشكّلان أرضيةً، متينة بصدقها وشفافيتها وواقعيتها وصلابة مواقفها، يُمكن الركون إليها في صناعة صورة سينمائية، تنبض بحراكٍ يتجاوز الفن السابع إلى شؤون الحياة اليومية.

فـ”المؤسّسة العامة للسينما” تبقى النموذج الأوضح لتسلّط سياسيّ أمنيّ على سينمائيين كثيرين، يحول دون حصولهم على ما يُفترض به أن يكون حقّاً طبيعياً لهم، في المستويات كلّها للعمل، أو عرقلة الحصول عليه، أو تأخيره قدر المستطاع (على الأقلّ): إنتاج، خدمات فنية، إجازات تصوير، عروض داخلية، مشاركات في المهرجانات العربية والدولية، توزيع داخلي ـ خارجي، صالات عرض حديثة.. إلخ. وهي، بسيطرتها على مناحي العمل السينمائيّ برمّته، تمنع قيام أي قطاع خاصّ مستقلّ وحيويّ ومُنتج، كي تُبقي زمام الأمور بيديها (وإنْ يظهر بعض القطاع الخاص لاحقاً، الذي يُسمَح له بالعمل التلفزيوني أساساً، والسينمائيّ في شكلٍ أقلّ).

أما الخلافات القائمة بين سينمائيين سوريين عديدين والمؤسّسة، فلن تُختزل ببعض “المشاغبين”، أو بأمورٍ تُصوَّر ـ من قِبل المؤسسة وحلفائها في السلطة ـ على أنها “شخصية”. ذلك أن كلّ صوتٍ مخالفٍ لن يعثر على مكانٍ له بسهولة، وإنْ يحصل على بعض مستحقاته، فهو يُحارَب بقسوة في مستويات عدّة.

وإذْ يؤخذ على بعض السينمائيين السوريين انفضاضهم عن العمل الدائم، وركونهم إلى “كسلٍ” ما، بحجة غياب الإنتاج والعراقيل الرسمية، إلاّ أن نتاجات هؤلاء شاهدة على المحاولات الدؤوبة لـ”المؤسّسة العامة للسينما”، باسم السلطة، لإقصائهم وإبعادهم ومنعهم ـ أحياناً ـ من العمل. والأسماء معروفة، والأفلام أيضاً، ومصائر هؤلاء غير خفيّة على أحدٍ. فالموقف المناهض للسلطة الأسديّة يؤدّي بصاحبه إلى غيابٍ أو تغييب، في المنفى أو التهجير أو العزلة. ولعلّ فرض العزلة داخل البلد يبقى أقسى أساليب الإلغاء، عبر الحؤول دون حصول السينمائيّ على حقوقه في الإنتاج والتمويل والاشتغال والتوزيع والمشاركة، مع أن سينمائيين عديدين، ممن تحاربهم المؤسّسة، يُنتجون ويعملون ويحتالون على المفروض عليهم، فيُقدِّمون بعض أجمل أفلامهم وأعمقها، وأكثرها سجالية وجمالياتٍ.

في هذا الإطار، تُستعاد أسماء الراحلين عمر أميرالاي ورياض شيَّا ونبيل المالح، وأسماء مُقيمين في المنفى، كأسامة محمد وهيثم حقّي وغيرهما. والأسماء المذكورة لن تُلغي أسماء آخرين، ينتمون إلى أكثر من جيلٍ سينمائيّ، ويبذلون جهوداً لتحقيق ما يصبون إليه، رغم المعوقات كلّها، والتحدّيات كلّها، والمصائب كلّها. وإذْ يحاول محمد ملص إيجاد توازن بين ارتباط إنسانيّ ذاتيّ بمدينته دمشق، فيُقيم فيها لغاية الآن، ومحاولاته الدائمة لإنجاز أعمالٍ يمزج فيها أسلوبه البصري بمقتضيات اللحظة؛ فإن غالبية المهاجرين والمنفيين قسراً تحاول الاستفادة من واقعها الراهن، فتُنجز أفلاماً تواكب أحوال البلد وناسه، ومنعطفات الثورة وانقلاباتها، وانفعالات المُقيمين فيها والخارجين منها، في أشكالٍ سينمائية مختلفة.

أسئلة

لن يكون سهلاً تعداد الأشرطة كلّها، التي تخوض ـ بدورها ـ معركة الكرامة في سورية، قبل أن يورِّط بشّار الأسد ونظامُه البلدَ والناسَ في حربٍ طاحنة، تُشبه “حرب إبادة” ضد البشر والحجر، والتاريخ والحاضر معاً. فمنذ اللحظات الأولى، تلتقط العدسات المختلفة (بدءاً من أجهزة الهواتف المحمولة، التي تتعرّض، بدورها، لمطاردات الأمن السلطويّ، وللاعتقال والتنكيل أيضاً، لـ”ذكائها” الذي يُخيف أجهزة القمع الحاكمة) وقائع المواجهة الشعبية السلميّة للنظام، الذي يُسارع إلى إغراق البلد بدماء أبنائه، وبأنقاض منازلهم ومدنهم.

لكن السؤال النقديّ يقترح قراءة، قابلة لكلّ نقاشٍ، ترتكز على أمثلةٍ تجمع اختباراتٍ فنية مختلفة، تعرفها أفلام “الثورة السورية”، في 6 أعوام متتالية.

ولأن الفيلم الوثائقيّ يغلب على الإنتاجات السينمائية السورية تلك، فإن الأسئلة المطروحة، التي يتداولها كثيرون في نقاشاتٍ عديدة (بعضها الأول يميل إلى الافتراء والتشويه، وبعضها الثاني يُطلق اتّهاماتٍ بالتزوير والمُصادَرة، وبعضها الثالث يسأل عن معنى الاحتيال في الصناعة الوثائقية)، تتعلّق بـ”أخلاقية” المهنة: أيجوز للمخرج الوثائقيّ أن “يخدع” الآخرين، كي يُنجز ما يُريد؟ أيحقّ للمخرج الوثائقيّ أن يحقِّق مُراده، على حساب أناسٍ غير مُدركين ما يصبو إليه، بتصويرهم ومحاورتهم أمام كاميراه؟ أيُمكن للمخرج الوثائقيّ، المُقيم في المنفى، أن يصنع فيلماً من لقطات ومشاهد مُصوَّرة في الداخل بكاميرا أناسٍ آخرين، أو مبثوثة على “يوتيوب” وغيره من وسائل التواصل، وينسِب الصنيع له؟

تُشكِّل تجربتا اللبناني محمد سويد والسوري أسامة محمد مدخلاً إلى إجاباتٍ، لن تكون حاسمة، بقدر ما ترغب في نقاشٍ حيوي. فالأول يستعين بصُوَرٍ لمهنّد النجّار، الذي يلتقطها في حلب على مدى 8 أشهر، كي يصنع “بلح تعلق تحت قلعة حلب” (2013)؛ والثاني يتعاون مع الناشطة الكردية وئام سيماف بدرخان، التي تبقى أشهراً طويلة في حمص لعملٍ مدنيّ إنقاذيّ، والتي تُرسل إلى أسامة محمد، في منفاه الباريسي، صُوراً وحكاياتٍ عنها وعن المدينة، فيُنجز “ماء الفضّة” (2014)، مستفيداً من كمٍّ هائلٍ من الأعمال المبثوثة على “يوتيوب” أيضاً.

تجربتان مثيرتان للاهتمام النقديّ، بعيداً عن حساسية الحدث وراهنه وقسوة يومياته. فالفيلمان يطمحان إلى مواكبة “ثورة” سلمية تواجَه بالقتل والتدمير والإبادة، عبر توليف صُورٍ ومشاهد لن يُصوِّرها المخرجان، ولن يلتقطانها بشكل مباشر، لكنهما سيذكران أسماء مُصوّرين ومساعدين ومشاركين؛ ويسعيان إلى توثيق اللحظة، بإضافة سماتٍ فنية وجمالية تنسجم وأسلوبيهما في مقاربة أحداثٍ ووقائع وانفعالات؛ ويُقدّمان اختباراً يرتكز على كيفية إنجاز عملٍ وثائقيّ سينمائيّ لمن يُقيم على مسافة جغرافية (فقط) من مكان الحدث، بالاعتماد على ما يُصوِّره آخرون.

بهذا، يُحقِّق المخرجان فيلمين، يمتلكان حساسية جمالية في صناعة لغة بصرية، توثّق اللحظة، من دون التغاضي عن مفردات إبداع الصورة ومتطلباتها الفنية والبصرية. وإذْ يوغل “بلح تعلق تحت قلعة حلب” في توثيق شهادة فردية (مُضر النجّار) في انتقال صاحبها من مشاركة سلمية في التظاهرات والحراك المدنيّ، إلى عمل عسكريّ بعد اشتداد وطأة العنف؛ فإن “ماء الفضّة” لن يكتفي بأرشفةٍ بصرية سينمائية ليوميات القلق والتمزّق والتوهان والأمل، لأنه يطرح تساؤلاتٍ عديدة، عن معنى الصورة والبقاء والهوية، وعن ثنائية الماضي والحاضر، وعن وحشية النظام الظاهرة، أيضاً، في صُوَر “فيديو” تعكس قذارة التعذيب وعنفه.

أشكالٌ أخرى للبوح

رغم قسوة الواقع السوري، ووحشية الحرب المفروضة على الناس، يخرج الأخوان السوريان أحمد ومحمد ملص من تراجيديا اللحظة إلى فنّ السخرية السوداء، باستفادتهما من الفُكاهة المرّة، في مقاربة أحوال بلدهما وناسه. فهما، في “كأس العالم” (2016)، يذهبان بعيداً في تفكيك حالاتٍ ووقائع، عبر النكتة والضحك المغلَّفين بأقسى أنواع المرارة والقهر والغضب، ويرسمان لوحات متتالية عن الحب والخديعة والمواجهة والاحتيال السياسي، ويدفعان الصورة إلى جمالياتها السينمائية، كي يضعان الحكاية في تحدٍّ بصريّ مع اللغة والنبض والنبرة والبوح.

في مقابل هذا كلّه، يطرح “الرقيب الخالد” (2014) لزياد كلثوم و”ذاكرة باللون الخاكي” (2016) للفوز طنجور سؤال صناعة الوثائقيّ، في ظلّ الخراب الحاصل. لكن المخرجين السوريين يختلفان تماماً، أحدهما عن الآخر، في مقاربة الحدث السوريّ، مع أنهما يلتقيان عند السؤال المركزيّ، المتعلّق بمفهوم الصناعة الوثائقية، التي تمتلك حساسيتها السينمائية، لا تلك المنصرفة إلى تقنية التسجيل.

فالأول ـ باستفادته من تصوير “سلّم إلى دمشق” (2013) لمحمد ملص، بتصويره فيلماً عن تصويره، مُضيفاً إلى عمله مقتطفات من حكايته الذاتية ـ يضع سؤال “أخلاقية المهنة” على المحكّ، ويجعل من الحيلة أداة لتحقيق ما يرغب فيه. والثاني ـ بلقاءاته مع شخصيات سورية تروي شيئاً من علاقتها بدمشق، قبل اندلاع الثورة وأثناءها، كما عن الثورة وأسبابها ومنعطفاتها وأحوالها ـ يلتزم مفاهيم التجديد الوثائقيّ، بمزجه بساطة التوثيق بجمالية الصورة، وبوضعه اللقاءات المباشرة في مواجهة ذاكرة شخصية، واختبارٍ فرديّ، وارتباطٍ بجماعة.

والحيلة ـ إذْ تكون ضرورة سينمائية، غالباً، خصوصاً في ظلّ حكمٍ ديكتاتوريّ ـ تكشف عن قدراتٍ بصرية هائلة وجميلة في مقاربة أحوالٍ، وفضح تفاصيل، وكشف وقائع مخبّأة، لن يتمكّن السينمائيّ من مقاربتها كلّها، إنْ يتخلّى عنها (الحيلة). مع هذا، فقبول الحيلة كأداةٍ وحيدة لصناعة الوثائقيّ، يضع السجال في موقف حرج، لأن كثيرين يسألون: أيجوز للسينمائيّ أن “يكذب”، كي يُحقِّق وثائقياً؟

تبدو الإجابة صعبة. في حين أن جوهر الصنيع الوثائقيّ وشكله يغلبان، لأنهما أساس الفعل السينمائيّ، وترجمة بصرية لهاجس صانعه. لكن الصعوبة تختفي، عندما تكون أفلامٌ سورية كثيرة، مصنوعة بوحي من الثورة وعنها ولها، شهادات حيّة عن واقعٍ فردي وجماعي، وعن لحظة مصيرية، وعن مصائر ومسارات.

* ناقد سينمائي من أسرة “العربي الجديد”

ضفة ثالثة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى