الرئيسية / صفحات مميزة / الدروز والثورة السورية –مقالات مختارة-

الدروز والثورة السورية –مقالات مختارة-

الدروز والوطن السوري: معادلة الصوت والصدى/ صبحي حديدي

ياسر خنجر شاعر سوري جولاني، ابن مجدل شمس، البلدة السورية الأبية، وابن المقاومة الوطنية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، سجين هذا الاحتلال طيلة سبع سنوات ونصف السنة، والخاضع للإقامة المنزلية الجبرية منذ العام 2011؛ كتب النصّ التالي، تعليقاً على ما شهدته مؤخراً بعض مناطق الجولان المحتل من وقائع محزنة: «التعرّض لجريح أعزل والتنكيل به هو افتقار للحد الأدنى من الأخلاق. القتل بناء على شبهة هو العهر وجريمة قذرة. نعم، الجريمة قذرة، ومرتكب الجريمة تجسيد بشع للأسباب التي دفعته لارتكاب جريمته، شبيح، داعشي، طائفي، أو كلّ أشباههم أو قلْ عنه ما تشاء. ولكن هذا ليس كافياً لأنّ الجريمة لم تبدأ هنا، لقد سبقها تحريض طائفي أعمى مهّد لانفلات هذا الوحش، سبقها لعق أحذية القتلة الآخرين والتباهي بانحطاطهم وبشاعتهم، وسبقها رجال دين وسياسة ومجتمع تحولوا إلى شياطين خُرس حين سكتوا عن الحق ونطقوا عهراً وتشبيحاً. وسبقها صمت كلّ من صمتوا عن الدموية التي مارسها النظام منذ الرصاصة الأولى التي صوبها إلى رأس متظاهر أعزل ثم أعقبتها البراميل وسواطير الدواعش. لقد سبقت الجريمةَ جرائم كثيرة…».

وقد يكون هذا الصوت بمثابة النموذج الأوضح على حسّ وطني، سوري جولاني، نقدي وعقلاني بقدر ما هو ديمقراطي وثوري، أثبتت وقائع كثيرة سابقة أنه الأعلى، وأنه المعياري التوافقي، منذ انطلاقة الانتفاضة الشعبية السورية في آذار (مارس) 2011.

المرء، على سبيل اقتباس مثال ساطع، يعود إلى الشهر ذاته، أي ذلك البيان الذي وقّعه «سوريون مِن الجولان المحتل»، وصدر بعنوان «أنتم الصوت ونحن صداه»؛ وجاء فيه: «لأننا جزء لا يتجزأ مِن وطننا السوري ونسيجه الاجتماعي، لنا ما له وعلينا ما عليه، نعتقد جازمين أن الوضع السوري لا يشكل استثناء عن مثيله العربي، وأنه الأجدر بالحرية ونفض غبار الذل والإرهاب الذي يُمارس بحقه، معلنين أن كلّ مَن يعتدي على شعبنا السوري، قتلاً أو بطشاً أو اعتقالاً أو تعذيباً أو تشريداً أو نهباً هو بمثابة عدوّ، لا يختلف عن الاحتلال الإسرائيلي قيد أنمله، كائنا مَن كان هذا الأحد».

وفي ربط مباشر، وثاقب، بين استبداد النظام وحال السوريين تحت الاحتلال الإسرائيلي، تابع البيان: «نعلم يقينا ما قد تشكّل هذه المبادرة لسكان يعيشون في أرض محتلة مِن حساسية؛ لكن ثقتنا مطلقة بحصانتنا الوطنية وموقفنا الواضح الرافض للاحتلال الإسرائيلي وأبعاد المشروع الصهيوني على أرضنا. فالنظام ليس هو الوطن بأي حال؛ حتى لو حاول تصوير نفسه على هذا النحو. إن منبع تحركنا ينطلق مِن مسؤولية تاريخية وقناعة أكيدة أنّ ‘العيب على مِن يصنع العيب’ وليس على مَن ينتقده أو ينفض الغبار عنه! نحن صمدنا في أرضنا وقاومنا محتلنا بصدورنا العارية، دافعين الغالي والنفيس للمحافظة عليها سوريّةً كما ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، لكن إبقاءنا تحت الاحتلال ليس معناه أن نكون شياطين خرساء على ما يمارسه النظام السوري بحقّ شعبنا مِن انتهاكات. فالاحتلال والقهر هنا صنو للذل والبطش والقمع هناك، وازدواجية الأحكام والمعايير ليست مِن شيمنا وأخلاقنا بشيء».

لكنّ النصّ ذهب أبعد، وأعمق في الواقع، من حيث استدخال الاعتبارات السياسية والاجتماعية في المشهد الوطني المشترك، على خلفية الانتفاضة وبنية نظام الاستبداد والفساد والنهب والتوريث: «إن واجبنا الوطني والإنساني والأخلاقي يحتم علينا الانحياز الكامل لشعبنا ضدّ جلاديه، وأن نكون صدىً صدّاحاً لصوته، مع وضع أنفسنا بتصرّفه وتقديم كل ما عزّ في سبيل حريته وكرامته وعيشه الكريم. فلم يعد مقبولاً، بأي شكل، التصرف بالوطن ومقدراته على أنهما مشاع ومزارع خاصة، يعيث بهما الفاسدون، ويتوارثها الأبناء عن الآباء». وأيضاً، في فقرة تفضح زيف ادعاءات «المقاومة» و»الممانعة»، تابع البيان: «إن التلطّي خلف أنظمة الطوارىء وتأبيدها بحجة المقاومة والممانعة والصراع مع العدو، أثبتت زيفها وعجزها عن استرجاع حبة واحدة مِن تراب الجولان، مبيحةً سماء الوطن وبحره وبرّه للعدو يجوبه في أربع جهاته، ومشرعةً أبوابه لشتى أنواع الفساد والإفساد والنهب المنظم! ويقيننا، أنّ تحرير الجولان لن يكون ممكنا إلا بتحرير الوطن مِن قيده. فشعب محتلّ، مقموع ومقهور داخل وطنه، لن يقوى على تحرير أرضه مِن أعدائه!».

أهمية هذا النصّ تسوّغ اقتباس فقرات مسهبة منه، على هذا النحو؛ لأنها تخدم في إضاءة سجال أوسع لا يتصل بإشكاليات مواقف هذه الشريحة أو تلك من أبناء الطائفة الدرزية، في سوريا والجولان المحتل وفلسطين، تجاه الانتفاضة الشعبية السورية، وتجاه النظام أيضاً، فحسب؛ بل هي صالحة لقراءات أعمق في مفاهيم غائمة، أو ملتبسة، مثل «الموالاة» أو «المعارضة» داخل فئات شعبية تُلحَق ـ على نحو تصنيفي مطلق، جماعياً، وعشوائياً ـ بهذه الأقلية أو تلك، مذهبية كانت أم دينية أم إثنية. ذلك لأنّ ايّ تصنيف لا يأخذ بعين الاعتبار سلسلة السياقات الاجتماعية ـ الاقتصادية والتاريخية، أسوة بتلك السياسية والعقائدية، التي تحكم ذلك الطراز الجَمْعي من ذهنية التكتل الأقلوي، الطائفي أو المذهبي أو الديني أو الإثني؛ لن تمسّ، في نهاية المطاف، إلا مستوى السطح، ولن تقترب كما ينبغي من الذهنية، وربما الذهنيات، العميقة.

صحيح أنّ بيان الصوت والصدى شوّشت عليه، موضوعياً، تطورات كثيرة؛ تخصّ احتقانات الجسم الوطني السوري عموماً، وفي محورَي محافظة السويداء وبلدات وقرى الجولان المحتل خصوصاً. وصحيح، كذلك، أنّ بعض تلك التطورات كان دامياً، حتى إذا ظلّ خارج إرادة التيارات الوطنية والديمقراطية التي ينتمي إليها أصحاب البيان (كما في مجزرة قرية قلب اللوز ذات الأغلبية الدرزية، التي ارتكبتها «جبهة النصرة» في ريف إدلب؛ أو الاعتداء على جريح سوري بالضرب، حتى الموت، أثناء نقله في سيارة إسعاف إسرائيلية، قرب مجدل شمس…). إلا أنّ الصحيح، أكثر، أنّ تلك التطورات لم تُجْهِز على معادلة الصدى والصوت، في علاقة المواطنين السوريين، أبناء الطائفة الدرزية، بالانتفاضة.

من جانبه ظلّ النظام، في أعين غالبية ساحقة من هؤلاء المواطنين الدروز، على شاكلة غالبية ساحقة من السوريين، منظومة استبداد وفساد، آن أوان طيّ صفحتها مرّة وإلى الأبد. وليست خافية تفاصيل التوتر بين أجهزة النظام وأبناء السويداء (التنصل من تعهد رأس النظام بأن يخدم المجندون من أبناء المحافظة في مناطقهم، وإفراغ المنطقة من السلاح الثقيل، واعتقال بعض شيوخ العقل، وسحب الاحتياط لإرساله إلى اللواء 52 قبيل سقوطه…). وليست خافية، في المقابل، ألاعيب أنصار النظام داخل الطائفة، سواء في سوريا أم انطلاقاً من لبنان، فضلاً عن الجولان وفلسطين، من حيث إثارة النعرات الطائفية، وإشاعة كوابيس الرعب عبر مسخ جميع معارضي النظام إلى محض «تكفيريين» أو «دواعش» يستهدفون طائفة الموحدين!

وفي كلّ حال، كيف تُنسى سلسلة المفارقات المأساوية، حين ترافت الذكرى الثلاثون للإضراب الوطني الكبير في الجولان المحتل (14/2/1982) ضدّ الاحتلال الإسرائيلي؛ مع القصف الوحشي الأعنف، حتى تلك الساعة، الذي استهدف أحياء مدينة حمص؛ ومع ذكرى المجزرة الهمجية التي استهدفت مدينة حماة، سنة 1982؛ وترافقت، أخيراً، مع ذكرى قرار الكنيست الإسرائيلي بضمّ الجولان المحتلّ؟ وقياساً على خسّة نظام «الحركة التصحيحية» إزاء العربدة الإسرائيلية، في بطاح الجولان المحتلّ، كما في أجواء سوريا طولاً وعرضاً، على امتداد 45 سنة؛ كيف سينجح هذا النظام في كسر المعادلة العريقة العتيقة، الأصيلة والمكينة، بين الصوت والصدى؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

 

 

 

 

المأزق الدرزي في سورية/ غازي دحمان

لا يمكن وصف الحالة الحاصلة في جنوب سورية بغير المأزق، ذلك أنه، وبعد مرور أربع سنوات من الأحداث، تبين أن المكونين الأساسيين في المنطقة، السنة والدروز، لم يطوروا صيغاً للتنسيق والتفاهم، لتجاوز أي قطوع قد تحصل، كما أنهم لم يطوروا آليات لاحتواء النزاعات التي قد تحصل، وهي احتمالات واردة على الدوام، في ظل بيئة طائفية مستفزة ومستنفرة، وخلاف سياسي لا يخفي نفسه.

دروز سورية، شأنهم شأن غالبية الأقليات في سورية، وقف كثير منهم منذ بداية الثورة مع نظام الأسد، بسبب طبيعة فهمهم للثورة على أنها نوع من التقية السنية، للوصول إلى السلطة، ولكونها ستهدد امتيازاتهم السلطوية في الحاضر، ونمط حياتهم في المستقبل. لذا، لم تبهرهؤلاء كثيرا شعارات الحرية ولا الكرامة، وتمنوا، منذ البداية، وأد هذه الثورة بأسرع وقت ممكن، بشعاراتها وثوارها تجنباً للحرج الذي بدأ يزداد يوماً بعد آخر، حين لم تعد تكفي ذرائع محاربة الإرهاب والتصدي للمؤامرة، لتبرير السكوت عن المذبحة التي تتعرض لها الأكثرية في سورية.

وبالطبع، كان هناك أفراد الدروز من التنويريين واللامنتمين طائفياً، لكنهم، فضلا عن قلتهم، كانوا معزولين عن بيئاتهم وعديمي التأثير، ولا سلطة لهم أمام سلطة رجال الدين الذين أصروا على الوقوف ضد الثورة ومساندة نظام الأسد. ولكن، أمام حجم المقتلة الكبير والدمار الحاصل، لجأ الدروز والعلويون من قبلهم إلى فتح الأبواب لاستقبال اللاجئين، وذلك نوعاً من التعويض النفسي واستثمار مستقبلي، لإثبات أن وقوفهم ضد الثورة لم يكن يعني وقوفهم ضد البيئة التي أنتجتها، وربما شجع رجال الدين هذه الخطوة، لإسكات كل الأصوات المخالفة لهم في الطائفة.

غير أن الثورة التي ستعاند محاولات وأدها ستظهر تحدياً أمام المكون الدرزي، هو أن نتيجة استمرار دعم بشار الأسد ستكون خسائر صافية على مستوى القوة البشرية الدرزية، بعد أن قتل آلاف الشباب الدرزي في مواجهة الثوار، في حين أن الوضع الطبيعي هو احتفاظ الطائفة بمقاتليها لصد الأخطار المباشرة التي بدأت تلوح من جهة الشرق، حيث تتقدم داعش أمام تهاوي دفاعات نظام الأسد عن هذه المنطقة. ومن الجهة الغربية، حيث يقتنع الدروز أن المكون الأساسي لقوات المعارضة هي الكتائب الإسلامية، وتحديداً جبهة النصرة. من هنا، بدأت تظهر أصوات تطالب بمنح محافظة السويداء أسلحة ثقيلة، للدفاع في مواجهة القوى المتطرفة التي ستنتقم، يوماً ما، لقتلاها ولخذلانها. وفي هذا الإطار، ظهرت الحركة الاعتراضية للشيخ وحيد البلعوس، وهي حركة لا لها علاقة بالثورة من قريب أو بعيد، ولا تتعاطف مع الثوار، وليست معنية بمطالب الثورة السورية وأهدافها، بمقدار ما هي خلاف مع سلطة بشار الأسد، فيما يخص قضية تسليح الطائفة بأسلحة نوعية.

“المأزق الدرزي أنه قد يؤدي إلى اشتعال حريق واسع في المنطقة، يشمل مناطق في سورية ولبنان وفلسطين، وحتى الأردن، نظراً لتجاور السنة والدروز في هذه المناطق، والتداخل في أماكن انتشارهم”

لكن، ليس ذلك وحده المأزق، بل تحتوي محافظة السويداء على قطع عسكرية عديدة يستخدمها نظام الأسد في حرب الإبادة الممنهجة ضد سكان الريف الشرقي لمحافظة درعا، في حين تبين أن أهل السويداء يعتبرونها نوعاً من الحماية لهم، وينظرون إلى تحرير الثوار لها بمثابة تهديد وإهانة لهم، وقد أضفت حادثة قلب لوزة مزيداً من التعقيد والشك في العلاقة بين الأطراف، ولا يلام الدروز في تحوطهم، في ظل حالة الفوضى وعدم وجود ضمانات تحميهم، وبعد إعلان زعيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، نيته تصحيح معتقداتهم! وربما هذه واحدة من أخطر المشكلات التي أفرزتها الثورة، وهي عدم القدرة على السيطرة على التفاعلات على الأرض، وتوحيد الخطاب والسلوك الثوري، ووضع الأقليات في مستقبل سورية بعد الأسد.

ولعل المشكلة الأكبر أن جغرافية توزع الدروز تقع على طريق الثوار إلى دمشق، سواء من جهة درعا، عبر صحنايا، أو من جهة القنيطرة، حضر وقطنا، ما يضعهم درعاً لحماية دمشق من السقوط بيد الثوار، ويجعل إمكانية الصدام أكبر. ولا شك في أن استمرار التوتر وتراكماته بين الطرفين من شأنه أن يؤدي إلى ما هو غير محمود، ما لم يلجأ الطرفان، وبأسرع وقت، إلى إيجاد تفاهمات واضحة، وهو ما لا يبدو ممكناً حتى اللحظة؟ ويتزامن ذلك مع تدخلات خارجية قام بها حزب الله، وخصوصاً في منطقة السفح الشرقي لجبل الشيخ، وتحديداً في مثلث حضر- جباثا الخشب، حيث توجد سبع قرى درزية، وكتلة سكانية تبلغ الأربعين ألف نسمة، وقد شكّل حزب الله في هذه المناطق كتائب تحت مسمى “المقاومة السورية”، وهي، في حقيقتها، ليست سوى أنساق دفاعية في مواجهة الثوار، ولحماية ظهر الحزب في منطقة البقاع الغربي، ولقطع طرق الإمداد عن الثوار من لبنان، وتملك هذه المنطقة طرقاً مفتوحة مع مناطق الدروز في حاصبيا، تعمل على تغذية الكتائب الدرزية بمقاتلين وأسلحة من دروز لبنان، وخصوصاً المؤيدين لوئام وهاب وطلال أرسلان، اللذين لديهما موقف سلبي تجاه الثورة السورية.

المشكلة أيضا في المأزق الدرزي أنه قد يؤدي إلى اشتعال حريق واسع في المنطقة، يشمل مناطق في سورية ولبنان وفلسطين، وحتى الأردن، نظراً لتجاور السنة والدروز في هذه المناطق، والتداخل في أماكن انتشارهم، على امتداد حيز جغرافي، يمتد من الأزرق في الأردن إلى جبل العرب، وصولا إلى جبل الشيخ والجولان والبقاع الغربي، حتى جبل الكرمل وحيفا في فلسطين. والمشكلة أن المتطرفين الدروز في إسرائيل يضغطون، ليل نهار، لدفع الحكومة الإسرائيلية إلى التدخل ضد الثوار السوريين، بذريعة مواجهة القوى التكفيرية، كما يهددون بتشكيل فصيل محارب لمساعدة أشقائهم، والمعروف أنهم يخدمون في الجيش الإسرائيلي، واكتسبوا خبرات قتالية جيدة، سواء في مواجهة الانتفاضات الفلسطينية، أو عبر القتال في جنوب لبنان، والمشكلة أنهم لا يعيرون أدنى اهتمام لمأساة الأكثرية السورية، ولديهم تصورات مشوّهة عن الثورة السورية منذ بدايتها، وقد عبروا عن ذلك في تظاهرات مؤيدة لنظام الأسد، ودعواتهم لسحق الثورة السورية، حتى قبل أن تظهر مؤشرات الصدام بين الثوار والدروز في المناطق السورية.

حتى اللحظة، يرفض دروز السويداء أي مساعدة يكون مصدرها إسرائيل، حتى لو كانت من أشقائهم الدروز، لإدراكهم أن فتح هذا الباب سيوسع شقة الخلاف مع شركائهم في الوطن، كما يعتقد كثيرون منهم أن من شأن السير في هذا الاتجاه فتح الباب أمام خيارات وسيناريوهات، مثل الدولة الدرزية على الشريط الحدودي بين لبنان وسورية من جهة، وإسرائيل من جهة، وهذا أمر ترفضه الغالبية الدرزية السورية حتى الآن.

لكن، لا يمكن الركون إلى المشاعر وحدها، فهي لا تشكل ضمانة حقيقية، كما أن الوقائع على الأرض، والتداعيات المصاحبة لها، ذات قوة تقريرية أكبر لمسارات الأزمة، ولها فاعلية أكثر وضوحاً في إحداث تحولاتها. عليه، المقصود بالمأزق الدرزي الوضعية التي يجد الدروز أنفسهم تجاهها، وكيفية مواجهة التحديات التي ستواجههم، والضغوط التي يتعرضون لها من أكثر من جهة، وكذلك الوضعية التي ستؤول إليها التطورات اللاحقة، وكيف يمكن إدارة الأزمة بطريقة لا تؤثر على ميزان العلاقة الهش بين الأطراف، وقد رأينا أن حادثة قلب لوزة أوقفت العلاقات السنية الدرزية على قدم واحدة؟ وهي حادثة مرشحة لإعادة التكرار في مناطق التماس العديدة، نتيجة خطأ ما أو سوء تقدير، أو حتى سوء نيات بعض الأطراف. نعم ثمة مأزق درزي، صنعته الأحداث وخليط من الظروف، وهو يزداد توسعاً بسرعة خيالية، لن يخفيه السكوت عنه، وتحتاج معالجته إلى صبر وعقل، وترفّع عن الحساسيات، فهل ثمة من ينتبه قبل فوات الأوان؟

العربي الجديد

 

 

 

تطمينات للموحدين الدروز/ راتب شعبو

مع التراجع العسكري للنظام السوري في جنوب سوريا، وسيطرة فصائل”الجبهة الجنوبية” المعارضة، على اللواء 52 خلال ساعات وبدء معركة السيطرة على مطار الثعلة في درعا، عاد الحديث عن التطمينات، هذه المرة باتجاه الموحدين الدروز بعد أن كان خط التطمينات أساساً يتجه صوب العلويين. فصائل “الجبهة الجنوبية” تنشر بياناً لتطمين أهالي السويداء بأنهم جيران وأخوة وأن عناصر الجبهة لن يقاتلوا إلا من يقاتلهم.

الحديث عن التطمينات يعني الحديث عن صدوع وتشققات واعتلال الثقة الذي يعكس اعتلال السياسة. التطمينات هي المادة اللاصقة التي يرجى منها جبر الثقة المكسورة، وهي غالباً ما تفشل في مهمتها هذه، مرة لأن هشاشة الثقة لا تقبل الجبر السهل، ومرة لأن تجربة الناس بينت أن التطمينات كثيراً ما تبخرت أمام نشوة النصر وانفلات غريزة السيطرة ورغبة الانتقام المتراكمة.

ما كان للجبهة الجنوبية أن تطلق بيان التطمين لولا معرفتهم بأن لدى أهل السويداء ما يخشونه منهم، وما كان لأهل السويداء أن يحتاجوا إلى تطمينات لو كانت الجبهة الجنوبية خالية مما يخيفهم، وما كان من حاجة للتطمينات أصلاً لو أن الشعب السوري بخير، لو أن انتفاضة السوريين حافظت على منصتها الوطنية بعيداً عن إسلام سياسي غذاها بالطاقة ولكنه أنهكها بالمعنى، أو الأصح أنه غذاها بالطاقة لكي يسلب معناها ويدمر بعدها التحرري.

يجد أهالي السويداء، والحال هذا، أنفسهم مشدودين بين نظام يريد أن يستثمر مخاوفهم ليجعلهم وقوداً له في حربه المعممة على المجتمع، وبين فصائل إسلامية ترى في الدرزية خروجاً على “الإسلام الصحيح” ينبغي تقويمه، كما يجري تقويم القرى الدرزية في ريف إدلب، فليس في التطمينات ما يضمن حرية المعتقد.

ظل أهل السويداء، إجمالاً، على الحياد طوال سنوات الصراع السابقة، تخلف أبناؤها عن الالتحاق بالجيش (تتكلم الأرقام عن 27 ألف شاب لم يلتحق بالجيش)، ولكنهم في الوقت نفسه لم يلتحقوا بفصائل المعارضة (مع ملاحظة أنه حدث تشكيل وحدات عسكرية معارضة من أهل السويداء، لكنها لم تلق الترحيب، وذلك لأنها مغايرة للنسق الإسلامي المطلوب من الدول الداعمة، وانتهت هذه الوحدات إلى التلاشي بسبب غياب الدعم، كما جرى للمجلس العسكري الثوري في السويداء الذي شكله العقيد مروان الحمد الذي انتهى به المطاف في الأردن، وكما جرى لكتيبة يوسف العظمة التي شكلها حسام ذيب في الغوطة الشرقية ثم تبعثرت لغياب التمويل، كما قال مؤسسها الذي انتهى به المطاف في النمسا). بين نظام القتل العام وفصائل إسلامية طائفية، يفُرض على أهل السويداء الاختيار. وإزاء هذا الواقع المركب يتصرف أهل السويداء تصرف الجماعة المتمايزة عن الطرفين. التمايز يعني هنا شعور الجماعة بكيانية ذاتيه لم تتمكن من التماهي بقوى المعارضة ولا بقوى النظام، ولم تجد ممراً سالكاً يفضي الى التماهي الوطني. لهذا السبب يتخذ الموحدون الدروز موقفاً دفاعياً، ويعملون على تشكيل قوة حماية خاصة بهم، قد تستند أو تميل إلى هذا الطرف أو ذاك، لكنها لا تتخلى عن استقلاليتها.

هذا الوضع يجعل منطق السياسيين من أبناء الموحدين الدروز في تناول المعضلة الحالية، محكوم لمنطلق واحد لا علاقة له بمستقبل سوريا كوطن للجميع، بل بحاضر ومستقبل الموحدين الدروز، بما يناسبهم وما لا يناسبهم، طالما أنهم لا يجدون ذاتهم في أي من طرفي الصراع. الفكرة التي تحكم هؤلاء جميعاً هي أن أهل السويداء لا يتحملون أن يكونوا مع الطرف الخاسر، وفي ذلك تختلف الرهانات. على هذا، لا يختلف في المنطلق جنبلاط عن أرسلان مثلاً، لدى كليهما تغيب سوريا الوطن ويحضر الهم الخاص بالموحدين الدروز وكيفية حمايتهم، وليس هذا عيب في الرجلين أو بالجماعة الأهلية التي ينشغلون بحمايتها، بل هو نتاج السيطرة الإسلامية الكاسحة على المسعى التغييري في سوريا. وهذا ما أغلق السبيل أمام وحدة الشعب السوري بعد أن كانت انتفاضة السوريين ضد نظام الأسد قد بادرت إلى فتحه.

هنا صوتك

 

 

 

 

تفكيك دينامية الفتنة في جنوب سوريا/ غازي دحمان

تحتاج معارك الجنوب في سوريا إلى إدارة من نمط خاص، ذلك أنها عدا عن كونها معركة من شأنها تقرير مسار الاحداث في كامل سوريا وقلب التوازنات بشكل دقيق لأنها تقرر مصير العاصمة دمشق والحكم كما أنها معركة تدور في قلب المشرق على تخوم ثلاث دول الأردن لبنان واسرائيل، فإنها تجري في وسط بيئة طائفية معقدة تجمع بين جناحيها السنة والدروز.

في منطقة الجنوب يكاد يتشكل هلال درزي يمتد من الأزرق في الاردن والسويداء مرورا بجبل الشيخ الذي يشكل عقدة ربط بين دروز حضر وراشيا بنظرائهم في الجولان وجبال الكرمل الفلسطينية، في الجانب السوري، تبدو منطقة السويداء ذات حدود أوضح بعكس مناطق ريف دمشق وسفوح جبل الشيخ الشرقية التي تختلط فيها اماكن سكن الدروز والسنة من صحنايا الى قطنا وصولاً إلى حضر.

لا تكمن القضية بتضاريس التداخل والتخارج بل في الاساس في الموقف من الاحداث الجارية في سوريا من ناحية ودرجة التوتر والتطرف التي سمح لها بالتغلغل على مدار السنوات الماضية بحيث شكلت دينامية يصعب لجمها، وذلك نظرا لدرجة التضليل، ويتقاسم الطرفان المسؤولية بالتوازي. ففي الوقت الذي عمل وئام وهاب وحزب الله وعصام زهر الدين على تأليب الجانب الدرزي لم يكن الوضع أفضل حالا عند بعض الفصائل ذات النهج الإسلامي المتطرف.

ثمة نقاط إيجابية عديدة في وسط هذه البيئة المشحون بالتوتر يمكن البناء عليها، النقطة الأولى وجود نوع من التوازن في السويداء التي قدمت العديد من المبادرات الإيجابية من ضمنها استضافة اعداد كبيرة من النازحين من ريف درعا الشرقي واحتضانهم وكذلك تشكيل شريان إمداد لقرى درعا الواقعة تحت الحصار ورفض جزء كبير من أهالي السويداء الإنجرار وراء رغبات النظام بتسعير الحرب الطائفية مع جيرانهم في درعا، وقد أصدر الجيش الحر بيانات عديدة يعتبر أهل السويداء جزءاً من النسيج الوطني ويحرم بالتالي اي محاولة للمساس بهم وقد إستطاع الطرفان تجاوز قطوعات عديدة كان من شأن الانجرار وراءها إشعال فتنة طائفية.

لكن المشكلة تتأتى من عولمل اخرى تشكل مصادر خطر حقيقية على الطرفين:

تهديد داعش للسويداء من الشرق في هذه المرحلة وإمكانية ان تغريه الحرب الدائرة في درعا بين النظام والفصائل الجنوبية وإنشغالهم عنه بشن هجوم على السويداء وخلط الاوراق في المنطقة الجنوبية بحيث يتحول الى منقذ للنظام ويشوش على معركة دمشق القادمة من الجنوب، وخطورة هذا الامر تتمثل بتحول الصراع الى نمط من صراع طائفي شامل لا يميز بين داعش وغيرها. والمشكلة أن داعش لا تعنيه مسألة الوطنية السورية وتالياً لا يهتم كثيرا لمسألة التعايش الدرزي السني في هذه المنطقة في إطار بحثه عن انتصارات ترضي المتطرفين وتوسع دائرة سيطرته الجغرافية.

والمصدر الثاني للخطر يتمثل في قرى سفوح جبل الشيخ وإذا كانت السويداء تحتكم على قيادة عاقلة وواعية بخطورة المرحلة وأهداف نظام الأسد في المنطقة وبالتالي قيامها بلجم تحركات أصحاب الرؤوس الحامية وعزل تأثيرهم، فإن دروز جبل الشيخ يبدون أقرب الى توجهات بعض المتشددين في حاصبيا كما أن تأثير حزب الله يبدو واضحا بينهم اذ يشرف على تنظيمهم في اطار ما يسمى المقاومة السورية في الجولان وفي الحقيقة هو مجرد إطار لإنخراطهم ضد الثوار في تلك المناطق.

المصدر الثالث للخطر يتأتي من دروز فلسطين الذين لديهم تصور مشوه عن الحدث السوري ويعتبرون أن الاحداث أدت الى وقوع الدروز السوريين بين كماشة الفصائل المتطرفة من الشرق والغرب وان مصيرهم معرض لخطر الإبادة ولا بد من نجدتهم، وبحسب المصادر الإسرائلية فإن هناك ضغطاً من اجل تشكيل قوة حماية من دروز فلسطين تتشكل من متطوعين خدموا من قوات الجيش الإسرائيلي ويبدون إستعدادهم للإنخراط في الحرب السورية لحماية إخوتهم الدروز.

إسرائيل نفسها تتحول إلى واحدة من اخطر مصادر التهديد في هذا الإطار وذلك في ظل تبجحها في حماية دروز سوريا من خطر تعرضهم لهجوم من قبل مواطنيهم السوريين في درعا، وذلك في إطار تشويهها للحدث السوري ومحاولة إستباق الاحداث لتغيير خارطة سوريا القادمة بعد سقوط نظام الاسد الذي وفر لها مناخ من الهدوء والإستقرار على مدار أربعة عقود.

حتى اللحظة يقاوم اهل السويداء كل محاولات جرهم إلى الحرب مع جيرانهم وتشكلت قوة رافضة لهذا التوجه وهي تكبر يوماً بعد يوم في مواجهة قوة من الرؤوس الحامية، كما ان الجيش الحر في درعا يشكل ضمانة لعدم الإنزلاق إلى الحرب الاهلية، وحتى اللحظة يرفض دروز السويداء اي تدخل خارجي وأي مساعدة تأتيهم من دروز فلسطين حصرا لما تحمله من شبهة تدخل اسرائيلي، ويجب تعزيز هذا الإتجاه أكثر وعزل تأثير كل القوة المتطرفة من الخارج.

لكن ذلك لا ينفي وجود ديناميات تفجيرية داخل منطقة الجنوب السوري وفخاخ يتوجب تفكيكها والعمل عليها بشكل واع بقدر العمل على تحرير المنطقة الجنوبية والوصول إلى دمشق، وثبت في هذا الإطار ان التوافقات الاهلية خير ضامن في ظل غياب اطر سياسية تجمع الطرفين ، المطلوب من القوة الثورية في الجنوب مراعاة واقع دروز السويداء وتفهم مخاوفهم وحماية السلم الاهلي وإبعاد القوى المتطرفة عن مناطق التماس بين الطرفين وخاصة في سلسة القرى الشرقية من درعا، بنفس الوقت اعتبار خطر داعش تهديداً للسلم في منطقة الجنوب وإبعاد خطرها ليس عن قرى درعا وانما عن ريف السويداء الشرقي الذي بات يئن تحت ضغط جحافل داعش، والاهم من كل ذلك يستلزم بناء آليات تفاهم للسيطرة على أي أخطاء قد تحصل في سياق تحرير منطقة الجنوب.

المستقبل

 

 

 

 

السويداء… داعش في براميل المازوت/ ممدوح عزام

حتى الآن لا نعرف شيئاً عن الحقيقة، فمنذ أكثر من سنتين يردد الناس هنا حكايات غريبة ومرتعشة عن تحركات مشبوهة لأرتال من السيارات في البادية التي تحد محافظة السويداء من الشرق. لا تقدم الحكايات أي تفصيل عن مسار الحركة، بل يترك للخيال أن يملأ الفراغ السردي بما يشاء من الصور. أعتقد أن الرواة شاؤوا عامدين ترك الحكاية دون رتق، أو اختاروا أن يقدموها لنا مشبوكة بالغطاء الليلي الذي يخفي، ويرعب، أكثر مما يظهر ويطمئن.

وسريعا ما تم ربط التحركات الليلية للسيارات في أطراف البادية باسم داعش، ولأول مرة يحدث أن تكون السيارات مصدر رعب، أعتقد أن الأفلام التي عممتها داعش، وسوقتها الفضائيات العربية والأجنبية عن طريقة تحرك المجموعات الداعشية ، قد ساعدت في إيقاظ عناصر الذعر في الحكاية: فالجميع شاهدوا في نشرات الأخبار أرتال  السيارات الداعشية وهي تسير واحدة وراء الأخرى في مكان ما، صحراوي في الغالب، وقد لطخت بالوحل، أو رفعت فوقها الأعلام السوداء، نحو أهداف غير معروفة.

هذه هي الصورة التي تم تخزينها في ذاكرة الناس الذين يتابعون الأخبار. أعتقد أنها أخرجت بهذه الطريقة الهوليودية  كرسائل، ومن بين المرسل إليهم خص المخرج السوريين الذين ظلوا في البلاد، ولم تصل إليهم بعد نيران المدافع. ومن بين هؤلاء قد يكون سكان محافظة السويداء الذين يستضيفون أكثر من مائتي ألف  مهجر من جميع المحافظات السورية.

وها قد توفرت عناصر جديدة للفيلم الهوليودي، البادية الشرقية الشاسعة وغير المحمية من أي قوة عسكرية وازنة، عدا بضعة مخافر للشرطة، أو بعض قوات الهجانة التي لم ير أحد هنا أي واحد من أفرادها. الغموض الليلي. السرية والكتمان المغلفين بكثير من التكهنات التي لا تجد تأكيداً أو نفياً من قبل طرف عارف ومطلع.

الغريب أن أي أحد من أبناء المنطقة لم يذهب لاستطلاع الأمر. هل منعوا؟ من الذي منعهم؟ من يريد إبقاء الرسالة في الزجاجة؟ الحقيقة أن المرسل قد نجح حتى الآن في إثارة الشكوك فقط، كما أنه نجح في تعميد المنطقة الشرقية بالاسم الداعشي. لم نصل إلى مرحلة الذعر، تظل الحياة اليومية لأبناء المنطقة تمشي وفق إيقاعها العادي: الأسواق ممتلئة بالبضائع. ازدحام للسيارات ، والمارة. الموظفون في أعمالهم.

في البداية وصلت داعش معبأة في براميل المازوت. هذه هي المعلومة التي تسربت إلينا. بدأ المهربون يأتون بالمازوت الثقيل غير المكرر الذي سمي فورا “مازوت داعش”  لبيعه في المحافظة، وسط شتاء طويل وقاس، من جهة، وغياب متكرر لدفعات الوقود المنزلي من مراكز التوزيع الحكومية من جهة ثانية. سوف نصدق الهوية دون تردد: فداعش وحدها هي التي تقوم بتكرير بدائي للنفط  في المناطق التي استولت عليها.هل هذا حقيقي؟ لا نعرف.

ومن الصعب أن نعرف كمواطنين أي معلومة مؤكدة من المهربين، وقد صار عدد من أبناء المنطقة شركاء في عمليات التهريب. يحلو للمهرب أن ينشر الغموض ويفتح الطرق ويضيع الآثار و يبشر بالخرافات، هذه سرديات يقدمها المهربون بمصاحبة أعمالهم، والمرجح بالنسبة للتجار أن تكون لديهم ،عادة، رغبة في استرضاء المشتري، غير أن داعش لا تحسب حسابا لهذا، تبدأ الشائعات بالانتشار هنا، داعش موجودة في الطرف الشرقي للمحافظة، ماذا تفعل؟ ماذا تريد؟

لا تجيب القوى المستطلعة عن السؤال، فهم لا يعرفون، هل رأى أحد منكم داعشيا؟ لا، يكفي أن ترى أرتال السيارات وهي تتنقل في البادية ليلا، كي تعرف أن داعش تتموضع هناك. فهل داعش تجار المازوت، هي داعش فعلا؟ لا نعرف، وسوف يزيد جهل أهل المنطقة بأغراض داعش الجديدة المجردة من البزنس في رعب الحضور الذي يستمد من الغياب قوته. وهو ما يدفعهم إلى جملة خيارات : منها خيار التكهنات ، وفيه يتم رسم الأجندات والحسابات لداعش ولكل من يحتمل أن يستفيد بطريقة ما من تقدم داعش، وهنا أيضا يقال أن داعش ليست سوى البعبع الذي تمكنت قوى كثيرة من حشوه بالرصاص.

داعش هي  القاتل المأجور في الفيلم الأمريكي. ومنها خيار التسلح والمراقبة خوفا من المفاجأة على غرار كوباني، وهنا سوف يبحث الناس في الانترنت وفي الفضائيات عن الأصدقاء الداعمين، أو الذين يحتمل أن يقدموا الدعم  العسكري أو اللوجستي لهم في مواجهة القوة الغاشمة. في الغالب لا يجدون أحدا، وضع الأكراد كان مختلفاً حسب المشاعر السائدة. لا نعرف. سوف تبقى خيارات أخرى، منها خيار التجاهل والإنكار، حيث تستمر الحياة اليومية العادية، يذهب الناس لأعمالهم، تتواصل مشاريع العمران، تظل المطاعم والمقاهي والكافتيريات مفتوحة تقدم الطعام والقهوة والأغاني. أي كل ما ينقض وجود داعش.

سوف ننتظر ونرى.

 

 

 

 

طائفة بلاد الشام/ محمود الريماوي

يحرص الدروز على تسمية أنفسهم بالموحدين الدروز. بينما يحرص أحد أبرز قادتهم، وهو وليد جنبلاط، على وصفهم بأنهم مسلمون، على الرغم من أن جنبلاط زعيم سياسي، وليس زعيما دينياً، لكن زعامته تحظى بمباركة دينية. وفي مقابلةٍ معه، أشار إلى أن مناطق الدروز في لبنان كانت تضم مساجد، ودعا إلى إعادة إحيائها. تسمح هذه الطائفة لأبنائها بالاطلاع على تعاليمها (أسرارها) بعد بلوغ سن الأربعين، وليس قبل ذلك. معنى هذا أن ابن الطائفة سيكون معذوراً من ناحية عملية، إن لم يتقيد بالتعاليم قبل تلك السن، غير أنه يتلقى هذه الأسرار شفوياً من الأسرة الصغيرة على الأقل، وضمنياً باندراجه في نمط حياة الطائفة التي تحظر الزواج من غيرها. لكن الزواج يتم، أحياناً، وفق القانون المدني خارج لبنان. والطائفة إلى ذلك مغلقة، لا تفتح أبوابها لمن يرغب بالانتساب إليها (صديق سياسي مقرب من جنبلاط قال له متفكهاً: إنكم تغلقون الأبواب، حتى لا يخرج أحد، وليس حتى لا يدخل أحد!).

في لبنان، الطائفة محفوظ مقامها، وفق التعاقد الطائفي القائم، ولا أحد يخرج منها أو عليها. لذلك، حضورها لا يتوقف، وأخبارها لا تنقطع في وسائل الإعلام. وفي فلسطين، حرص المحتل الإسرائيلي، منذ عام 1948، على تقريب زعماء الطائفة الدينيين إليه، بهدف عزلهم عن محيطهم. وقد نجح في ذلك ضمن أجواء الهزيمة المخيمة آنذاك. وبعد ذاك، عندما تم فرض التجنيد بقرار من رئيس الحكومة، ديفيد بن غوريون، عام 1956، وعلى الرغم من حالات رفض القرار داخل الطائفة، إلا أن القرار أخذ طريقه إلى التنفيذ مع أواخر الخمسينيات. وفي مقابل طلبات دائمة للطائفة التي شهدت بالفعل حالة أقرب إلى الانغلاق عن محيطها الفلسطيني والعربي، بدت زعامات دينية وكأنها قد استمرأت وضعها أقلية دينية. وقد امتد هذا الوضع نحو ثلاثة عقود، وذلك في أجواء الانتفاضة الفلسطينية (انتفاضة الحجارة)، والتي أوكل فيها لجيش الاحتلال، ومن ضمنه جنود وضباط من الدروز، قمع الانتفاضة، حيث أخذت أصوات داخل الطائفة ترتفع مطالبة برفض التجنيد داخل الجيش. وبينما واصلت الزعامة الدينية تحبيذ التجنيد، طمعاً في امتيازات ومكاسب للطائفة، فإن هذه الزعامة، في الوقت نفسه، لم تخض في حالة عداء مع مبادرة رفض التجنيد، كما حافظ أصحاب المبادرة، لجنة المبادرة العربية الدرزية والمعروفون الأحرار (كان منهم الشاعر الراحل سميح القاسم)، على عدم المساس بالمقامات الدينية، على الرغم من الاختلاف السياسي معهم، اعترافا بخصوصية الطائفة، أو تكريسا لها، وقبل ذلك من أجل وحدتها. وبينما توزع مرشحون من الطائفة على أحزاب مختلفة في انتخابات الكنيست، فإن انتخابات مارس/آذار الماضي شهدت انضمام سياسي درزي إلى القائمة العربية المشتركة، عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي (سعيد نفاع).

“طائفة عربية ذات جذور إسلامية. هجست زعاماتها منذ البداية (على وقع النضال ضد المستعمر) بالهاجس الأقلوي، وشاركت، في الوقت نفسه، في النضالات ضده، كما في الثورة السورية الكبرى على الاحتلال الفرنسي”

بصورة إجمالية، دروز فلسطين المقيمون في 18 بلدة وقرية ناشطون، على الرغم من توزع ولاءاتهم، ولهم حضور دائم في المشهد السياسي، وقد انتهت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي حالة شبه الانغلاق على محيطهم القومي والوطني داخل فلسطين وخارجها، ومنذ عام 1995، تواصل ناشطون سياسيون دروز من فلسطين مع أقران لهم في لبنان في العاصمة الأردنية. وأخيراً، ارتفعت بين هؤلاء أصوات تدعو إلى نصرة أشقائهم دروز سورية، بعد مجزرة قلب اللوز، وقد استغلت حكومة نتنياهو هذه النداءات لمحاولة التدخل، وإظهار نفسها في مظهر حامي الأقليات أمام الأكثرية العربية المسلمة. وقد حاولت الطائفة استثمار خصوصيتها من أجل الحماية الذاتية، ولكن، مع جراح نفسية واضطراب في الهوية، ومع نفور شديد مع الرازحين تحت الاحتلال من وجود ضباط وجنود في جيش الاحتلال ومن ممارساتهم.

بخلاف لبنان وفلسطين، ظل دروز سورية بعيدين عن السمع والبصر، فالنظام الشمولي في دمشق لا يسمح للمكونات الاجتماعية والدينية والقومية بالتعبير الحر عن ذاتها، ضمن سياق حرمان المجتمع كله من المشاركة في التدبير السياسي، مع استمالة بعض الزعامات والرموز للمشاركة في كعكة السلطة. الانتفاضة أو الثورة السورية هي التي فتحت الأعين على وجود الدروز في هذا البلد، على الرغم من أن سورية هي المعقل الأول لهم.

هناك، تبدو الطائفة منقسمة على نفسها، بين زعيم الطائفة، يوسف جربوع، المقرب من النظام، وشيوخ الكرامة، وفي مقدمتهم وحيد بلعوس الأقرب إلى الانتفاضة، لكن الطائفة تستخدم على العموم التقنية نفسها: السعي إلى الحماية الذاتية، ومنع الاستفراد بها، والجمع بين وحدة الطائفة وتنوعها السياسي، كما هو الحال في لبنان. فحين يتعلق الأمر بخطر على الدروز وزعاماتها، فإن وليد جنبلاط وطلال أرسلان يتقابلان، كما حدث في عام 2007، حين حاولت ميليشيا حزب الله المس بمعقل جنبلاط. حتى وئام وهاب المقرب من دمشق يبدو أنه لا يبتعد عن وحدة الطائفة والتضامن مع خصومه داخلها، إن بدا أن هناك استهدافاً لها، أو لأحد زعاماتها.

في سورية، لن يختلف الأمر، ثمة تعايش داخل الطائفة بين الاختلافات السياسية، واتفاق على الحماية الذاتية ومنع استهداف الطائفة من أي طرف، النظام أو قوى قد تحسب على المعارضة، غير أن عهداً طويلاً امتد أربعة عقود ونصف العقد أسهم في بناء شبكة مصالح مع النظام. والراجح أن المخاض سوف يستمر داخل الطائفة على وقع التغييرات وموازين القوى. وسوف تتجه الطائفة إلى الحياد في المواجهات الدائرة، ولا فرق كبيراً في هذه الحالة بين تصنيفه حياداً إيجابياً أم سلبياً، وليس كما يتمنى جنبلاط ويؤمن، وكذلك ليس كما يريد زعيم الطائفة في سورية جربوع.

من لبنان إلى سورية وفلسطين، فإن هموم طائفةٍ عربيةٍ عريقة وصغيرة (يتراوح عددها بين 200 إلى 250 ألف نسمة، من دون احتساب المغتربين منها) تعكس، في المحصلة، وحدة الحال السياسي ووحدة المصير في هذه المنطقة. ثمّة وجود قديم للدروز في الأردن يعود إلى تأسيس إمارة شرق الأردن، وقد تولى درزي من لبنان، هو رشيد طليع، رئاسة أول حكومة أردنية، وكان ينتمي لحزب الاستقلال المناهض للوجود العثماني، غير أنه ليس ثمة حالة درزية في الأردن، باستثناء وجود جمعيات اجتماعية لهم، لضآلة عدد أبناء الطائفة فيه (نحو 15 ألف نسمة)، ومن وجوههم البارزة الأديب الراحل جمال أبو حمدان.

أجل، إنها طائفة بلاد الشام. طائفة عربية ذات جذور إسلامية. هجست زعاماتها منذ البداية (على وقع النضال ضد المستعمر) بالهاجس الأقلوي، وشاركت، في الوقت نفسه، في النضالات ضده، كما في الثورة السورية الكبرى على الاحتلال الفرنسي عام 1925 التي قادها سلطان باشا الأطرش، وضريحه في السويداء. ومنذ أيام، أغلقت السلطات الضريح “للترميم”، علماً أنه سليم ولا يحتاج ترميماً، وهناك ما لا يُحصى، وما لا حصر له، مما يحتاج إلى ترميم في سورية، والسلطات منهمكة في تهديم ما لم يُهدم بعد، لا في ترميم أي شيء.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

الدولة الدرزية”.. بين الوهم والحقيقة/ لؤي توفيق حسن

ما إن تلوح أزمة ملتبسة يكون فيها الدروز أو بعضهم طرفاً فيها، حتى يذهب البعض الآخر إلى وضع سيناريوهات تحتمل «الدولة الدرزية». كما تلك التي رأيناها إثر مجزرة قلب لوزة في إدلب ثم استهداف محافظة السويداء. أصحاب هذه السيناريوهات كانوا مشدودين لأغراضها الدعائية من غير التدقيق في إمكانيات إقامة هذه الدولة، ولا في استعدادات مكوّناتها للقيام بالوظيفة المفترضة بموجب هذه السيناريوهات، لا سيما أن الأمر برمّته يفتقد الخلفية التاريخية، حيث المهيمن على الدروز نزعتهم القومية تشدهم إلى ذلك جذورهم التنوخية العربية.

لم يسجل التاريخ وجود كيان خاص بالدروز، بل اجتماع منخرط بشدة في قضايا وهموم الأمة منذ استيطان أجدادهم الأوائل الساحل اللبناني أيام العباسيين وحتى العصر المملوكي، حيث كانت الوظيفة العسكرية هي أساس هذا الوجود للدفاع عن الساحل اللبناني في وجه غزوات البيزنطيين ثم الصليبيين فالمغول، وبالتالي جاء ولاء أمراء الدروز للدول التي تعاقبت على حكم المنطقة من عباسية إلى فاطمية وصولاً للدولة العثمانية. والحالتان اللتان جرى فيهما كسر هذا الولاء وقعتا خلال إمارة فخر الدين المعني الثاني، ثم بعدها بقرون جراء الانخراط في «الثورة العربية الكبرى» بعدما ضاق دروز سوريا بوجه خاص بظلم الأتراك. ومن المهم الإشارة إلى أن دولة فخر الدين لم تكن قط درزية، كما لم تكن لبنانية كما تصور كتب التاريخ المدرسة بل مشرقية الهوية، سواء في رقعتها الجغرافية ـ وقد اشتملت على مساحة واسعة من بلاد الشام ـ أو في تكوينها الديموغرافي حيث ضمت طوائف شتى إسلامية أو مسيحية تشكل منها جيشها ومؤسساتها المدنية على حد سواء.

الدولة الوحيدة التي عرفها التاريخ خاصة بالدروز جاء بها الانتداب الفرنسي لسوريا بالقسر (دولة جبل الدروز) العام 1921، ومن ضمن لعبة تقسيمية مفروضة جرى فيها تجزئة سوريا إلى خمس دويلات ثم لاحقا إلى ثلاث. وهذه الدولة الدرزية كانت محل رفض وريبة قطاع واسع من الدروز برغم المغريات والرشى التي بذلتها فرنسا. يقول سلطان الأطرش بهذا الصدد في مذكراته: «تزايد نشاط أنصارنا في سائر أنحاء الجبل، وأعلنا في كل مناسبة استنكارنا لهذا الاستقلال المحلي وتجزئة بقية أرجاء الوطن.. ما أقلق السلطة الفرنسية وجعلها تضغط على أعوانها ليثيروا الرأي العام ضدنا». وبعد ذلك، ومع اندلاع الثورة السورية الكبرى، جاء مما جاء في بيانها الذي خطه سلطان: «الى السلاح أيها الوطنيون. إن حربنا هي حرب مقدسة ومطالبنا هي: 1ـ وحدة البلاد السورية ساحلها وداخلها والاعتراف بدولة سورية عربية واحدة مستقلة استقلالاً تاماً» وبالفعل، وعلى يد هذه الثورة التي كان معظم جهدها الحربي على كاهل «جبل العرب»، تقهقر مشروع الدويلات الطائفية.

عاد الحديث عن «الدولة الدرزية» و «الدولة العلوية» العام 1957 في إطار بروباغندا مركبة غايتها استثارة غرائز الشارع ضد «حلف بغداد» باعتبارها الوصفة الناجعة في مجتمع تسوقه الغرائز الطائفية. جاء هذا لمجرد ضلوع شخصيات درزية وعلوية في انقلاب مسلح آنذاك غايته تحويل سوريا عن تحالفها مع مصر تمهيداً لضمها إلى حلف بغداد. وكان من أبرز الأسماء الدرزية «الأمير» حسن، ومن الأسماء العلوية غسان جديد ومحمد معروف وحامد المنصور، زعيم عشيرة المتاورة في مصياف. واستعرت التهمة باعتبار المذكورين من «أقليات» طائفية، من غير الوقوف على هويتهم السياسية، حيث كان العلويون منهم من أقطاب «الحزب السوري القومي»، فيما الأطرش كان مناصراً له. وهذا وحده كاف لبيان نياتهم غير التقسيمية، فكيف وهم جزء من مجموعة ضمت العديد من الشخصيات السورية، مشتملة عسكرين وسياسين وبرلمانيين من مدن عدة، منهم على سبيل المثال منير العجلاني وفيصل العسلي وسامي كبارة من دمشق، وميخائيل اليان وسامي الحكيم من حلب، وصلاح الشيشكلي من حماه، وفيض وعدنان أتاسي من حمص (الأخير ابن هاشم الأتاسي رئيس سوريا الأسبق). والحقيقة أن تهمة الدولة الدرزية أو العلوية التي طفت على السطح آنذاك كان لها وظيفة إعلامية نفسية كما أسلفنا، اخترعها ثعلب السياسة السورية أكرم الحوراني. ويا لها من مفارقة أن يرث اليساريون والقوميون في ما بعد من فرنسا لعبة الشد على الوتر الطائفي. ألم تكن هذه من ألاعيب عبد الحليم خدام في لبنان وقد سمعه كثيرون وهو يقول: «أسانسور الطوائف أسرع» لتفسير بعض الممارسات السورية في لبنان؟ ومن قبيل العجائب أن يكتشف المدقق أن هذا السلاح استخدم لغايات غير نبيلة، منها استبعاد شوكت شقير، القومي العربي، من رئاسة الأركان على أبواب معركة السويس، بوصفه «درزياً لبنانياً غير موثوق»، وهي البروباغندا التي أطلقها عبد الحميد السراج ومعه شيوعيون للأسف، برغم التاريخ الوطني المشرف للرجل، فيما الخلفية الحقيقية كانت أنه حال دون تدخل العسكر في السياسة، فرأت فيه الأطراف كما أورد باتريك سيل «عقبةً كأداء في طريق مطامحهم في فترة النزاع الشرس».

وقد انطلقت السيناريوهات التي تحدثت عن مخطط اسرائيلي لإقامة كيان درزي على خلفية كتاب «خنجر اسرائيل» للصحافي الهندي كارانجيا العام 1957 وهو عبارة عن وثيقة تتحدث عن إحاطة اسرائيل بدول طائفية متناحرة على ان يكون سياج حدودها الشمالية «دولة درزية»، ولقد انطلق الإسرائيليون من تجربتهم مع دروز فلسطين التي سهل عليها تصيدهم مستغلة جهلهم، واضطهاد محيطهم «السني» لهم. غير أن اسرائيل أدركت أن إمكانية تعميم تجربتها على باقي دروز سوريا ولبنان لتأطيرهم في دولة حامية لحدودها مسألة صعبة بالنظر للتفاوتات في المستوى التعليمي والثقافي، وفي الوعي الذي شكلته الأحزاب القومية واليسارية على مدى ثمانين عاماً، حيث وجدت في الأوساط الدرزية أرضاً خصبة لنشاطها، هذا فضلاً عن الذاكرة التاريخية الثورية ـ ولا سيما في جبل العرب ـ الحافلة بالنضال والثورات. بينما كان دروز فلسطين في بيئة سياسية مختلفة تماماً. وقد لمست اسرائيل بؤس تفكيرها في تسخير الدروز غير الفلسطينيين لمخططاتها من تجربتها مع نظرائهم في الجولان الذين رفضوا الجنسية الإسرائيلية، وهم الآن يشكلون رأس الحربة في مقاومة احتلالها. هذا إلى جانب رياح التغيير التي أخذت تلفح دروز فلسطين والذي تبدى في انتعاش الوعي القومي لديهم وفي اعتكاف أعداد غير قليلة منهم عن الخدمة الإلزامية في جيش العدو. بالنظر لما سبق، ولاعتبارات جغرافية لا مجال لشرحها، تدرك اسرائيل أن مثل هذا الكيان الدرزي لا يمكن إلا أن يكون عالة عليها. كما يدرك وليد جنبلاط أن ضم دروز جبل العرب إلى زعامته لا يشكل إضافةً لها، بقدر ما يشكل عبئاً ثقيلاً عليها، بالنظر للتفوق العددي للجبل، مع وجود زعامات تاريخية له لا تقبل بالزعامة الجنبلاطية منافساً أو شريكاً لها. غير أن مناكفة أي قيادة سياسية درزية عبر قصفها بتهمة «الدولة الدرزية» أسلوب نمطي يدركه الإسرائيلي، وكثيرا ما يستدرج الآخرين إليه كما فعل رئيس كيانهم ريئوفين ريفلين مؤخراً، عندما أبدى «قلقه» على دروز سوريا، لتنطلق بعدها الألسن والأقلام من المحسوبين على المقاومة هذه المرة، زاعمة وجود أيد جنبلاطية وإسرائيلية تعبث في محافظة السويداء، وواضعة بكل ثقة! سيناريو لدولة درزية تمتد من جبل العرب إلى الشوف، من دون النظر إلى ثمن هذا الضجيج وإساءته المعنوية التي تلحق بطائفة وطنية عروبية، وتأجيج عدم الثقة التي تصبح مرتعاً لألف شيطان!

السفير

 

 

 

 

 

الدروز.. معركة البقاء/ ثائر عباس

حلم الدولة لا يراودهم.. لكن الحرب السورية تضعهم أمام تحديات مصيرية

يقع الدروز في «عين العاصفة» هذه المرة. فالطائفة الصغيرة، المتماسكة، التي أثبتت قدرة لافتة على البقاء، تواجه اختبارا مهما يتعلق بمصيرها، في منطقة تمزقها الحروب التي لم تعد بعيدة عن عقر دارها، فيما تتنازعها قوى أكبر منها، تريد كل منها جرها إلى الموقع الذي تراها فيه، مما يجعلها في مواجهة تحدي البقاء متماهية مع نسيج المنطقة – كما استطاعت لقرون – أو الذهاب في مغامرات غير محسوبة قد تؤدي بها إلى مواجهة هذا النسيج الطائفي المحيط بها.

وهذا الواقع يقلق رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط، الذي يخوض معركة «بقاء» الطائفة ضد قسم كبير من أبنائها في سوريا الذين يميلون إلى صف النظام السوري، فيما دخلت إسرائيل على الخط لتزيد الأزمة تعقيدا، مكررة محاولة سابقة قامت بها في عام 1982 لاستمالة دروز لبنان إلى صفها، فتصدى لها جنبلاط آنذاك واستطاع أن ينأى بطائفته عنها. وها هي إسرائيل تحاول تكرار التجربة، وها هو جنبلاط يتصدى مجددا، لكن موقفه يبدو ضعيفا هذه المرة.

يتميز دروز بلاد الشام عن سواهم من الأقليات بابتعادهم عن «النزعة الاستقلالية»، وميلهم نحو الأطراف الأقوى في مناطق وجودهم، أي الدول. وهكذا نجدهم ينخرطون في مشاريع الدول، مع الاحتفاظ بخصوصياتهم. ولعل أبرز دليل على ذلك هو غياب المرجعية الدينية التي تجمع أبناء الطائفة، واستبدال مرجعيات بها تتعدد حتى في البلد الواحد. وهكذا التصق دروز سوريا بنظامها، إلى حد بات من الصعب عليهم معه الخروج من فلكه. وأدى خوفها من التنظيمات المتشددة، وغياب الخطاب المطمئن من المعارضة السورية، إلى وضع نفسها في خندق واحد مع النظام السوري في معركته للبقاء، وهو ما بدأ بعض أطياف هذه الطائفة التحذير منه، لأن ذهاب النظام قد يؤدي إلى ذهاب الطائفة بأكملها معه، وما حصل في جبل السماق في ريف إدلب دليل على هذا التخوف، مع وقوع الصدام الأول بين «جبهة النصرة» التي تسيطر على المنطقة وأهالي المنطقة الدرزية الذين لا يزيد عددهم على 20 ألف شخص، مهددين بالترحيل عن قراهم.

أما في السويداء التي تعتبر أكبر تجمع للدروز، فقد باتت المنطقة على حافة الصدام مع المعارضة المسلحة التي تقضم مواقع النظام، مما يجعل أهل المنطقة أمام خيار من اثنين: القتال إلى جانب النظام السوري أو فك الارتباط معه. وكتب جنبلاط عبر «تويتر» أمس يشكو «مشروع الفتنة المشترك السوري الإسرائيلي، للإيقاع بين العرب الدروز وأهل حوران والسنة بشكل عام مستمر». وقال: «زار السويداء المدعو (رئيس مجلس الأمن القومي) علي مملوك، واجتمع مع مشايخ العقل محرضا، وهذه وظيفته التحريض على القتل والإجرام». وأضاف: «من جهة ثانية، أحد أبرز رموز الإدارة الإسرائيلية، أيوب القرا القريب جدا من نتنياهو، ينشط يمينا وشمالا عارضا خدماته أي خدمات إسرائيل لمساعدة دروز سوريا. يا له من تلاق غريب ومدروس بين علي مملوك وأيوب القرا!». وختم جنبلاط قائلا: «على عقلاء جبل العرب أن يستدركوا حجم المؤامرة التي ترمي إلى الإيقاع بينهم وبين أهل حوران والعرب البدو في السويداء».

وتشهد السويداء مخاضا لافتا في الآونة الأخيرة مع اقتراب المعارك منها. وفي حين يمتنع نحو 27 ألف شخص منها عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، يبقى الموقف العام لدروزها أقرب إلى النظام، منه إلى المعارضة التي تقترب من حدود المنطقة. وبعد مغامرات سريعة لضباط منشقين دروز، ظهر مؤخرا شيخ درزي يدعى وحيد تمرد على النظام وأنشأ وحدة عسكرية خاصة به، غير أن معارضين سوريين دروزا يرسمون علامات استفهام على تحركه، ومنها أنه ما يزال يحتجز عددا من أبناء درعا مطالبا بمبادلتهم بجثث لدروز سقطوا في مواجهات جرت قبل نحو عام، ومطالبا أيضا بفدية مالية.

أما النائب جنبلاط فما يزال مصرا على ضرورة انضمام دروز سوريا إلى الحراك المعارض رغم إدراكه صعوبة مهمته. وقال جنبلاط لـ«الشرق الأوسط» لا خيار أمام الدروز السوريين إلا ملاقاة الثورة السورية، والمصالحة ووحدة الموقف مع أهل حوران، وإدانة عملاء النظام الذين من خلال ما يسمى «درع الوطن» وهو تشكيل يوازي «الدفاع الوطني» حيث قام هؤلاء العملاء بخطف ثلاثة من البدو وقتلهم في إطار مشروع النظام المتراجع، والهادف إلى خلق الفتنة مع البدو ومع أهل حوران.

وعما إذا كان خائفا على دروز سوريا، قال: «خائف طبعا. دروز سوريا وأهل حوران قاموا معا بالثورة السورية الكبرى لتوحيد سوريا، وأنا اليوم خائف على تراثهم، وعلى الوقوع في مؤامرة تفتيت سوريا، وهم أضعف حلقة في المجتمع السوري». وأضاف: «النظام يتهاوى، وأخذ معه الطائفة العلوية العربية إلى الهلاك، إنه نظام لا يبالي بأحد».

ويتركز الدروز أساسا في منطقة بلاد الشام، وهم طائفة صغيرة، يفضل أبناؤها تسمية أنفسهم بـ«الموحدين». ويعود وجودهم في هذه البلاد لأكثر من ألف عام.

في العام 408 للهجرة، أي في العام 1000 ميلادي، انطلقت «دعوة التوحيد» من مصر باتجاه بلاد الشام، حيث كانت الدولة الفاطمية تنشر سيادتها على مناطق كثيرة فيها.

انطلقت عملية «الدعوة» من مصر إلى فلسطين، ثم وادي التيم وجبال الأشواف (الشوف اللبناني) وفي اتجاه حوران وحلب وصولا إلى ما يعرف اليوم بجبل السماق. ولاقت الدعوة المدعومة من الدولة إقبالا في تلك المناطق، ويقول الباحث اللبناني الدكتور رياض غنام بأن الدعوة «كانت عقلانية» مشيرا إلى أن الفكر الذي حملته الدعوة كان مشبعا بالفكر الشيعي وملقحا بالحضارة الهندية واليونانية. لكن بعد تقويض الدولة الفاطمية، بدأ التضييق على هؤلاء، فارتد عنها بعض من انضموا إليها من السنة والشيعة، خصوصا عندما قامت الدولة المملوكية باستئصال «الباطنيين» من جبال كسروان في لبنان، فتقوقعت الطوائف، ليذهب الشيعة باتجاه البقاع شرقا وجبل عامل جنوبا، فيما انحصر الوجود الدرزي في بلاد الأشواف وجبل السماق وصفد وجوارها.

العلاقة بين دروز لبنان وسوريا، هي علاقة فيها الكثير من الإشكاليات. ففيما يعتبر دروز جبل السماق هم الأصل في سوريا، يتحدر نحو 90 في المائة من دروز السويداء من لبنان. ويتحدث غنام عن ثلاث هجرات درزية، كانت أولها في العام 1711. بعد معركة عين دارة التي كانت بمثابة الحرب الأهلية الدرزية في جبل لبنان، والتي قامت على أساس الانقسام القيسي – اليمني. خسر اليمنيون المعركة، وكانوا أمام خيار الهجرة أو الموت، فانتقلوا إلى الداخل السوري وسكنوا في جبال حوران، مثبتين حضورهم بين سكانه بالقوة. أما الهجرة الثانية فأتت بعد حرب العام 1960 بين الدروز والمسيحيين، حيث هرب عدد من دروز لبنان نحو أقاربهم في المنطقة التي باتت تعرف بـ«جبل الدروز» أما الهجرة الثالثة فأتت في العام 1915 إثر المجاعة التي ضربت لبنان في الحرب العالمية الأولى.

وهكذا انتقل العدد الأكبر من الدروز مع مرور الزمن من لبنان إلى جبل الدروز الذي سموه لاحقا جبل العرب، حيث تسكن الآن الكتلة الدرزية الأكبر في العالم بتعداد يقارب 700 ألف نسمة، فيما يسكن لبنان نحو 260 ألف درزي، فيما أن الكتلة الثالثة الأكبر تقيم في فلسطين ويبلغ تعدادها نحو 150 ألفا. ويقدر عدد الدروز في العالم بنحو مليون ونصف المليون. ويتشارك دروز السويداء مع دروز لبنان نفس أسماء العائلات التي ما تزال تجمعها قرابة واضحة، فيما بدل آخرون أسماء عائلاتهم لتأخذ أسماء قراهم الأصلية في لبنان.

وبخلاف الطوائف أو الديانات الأخرى، لا يوجد لدى الدروز مرجعية دينية موحدة. ففي كل منطقة من مناطق وجودهم يوجد «شيخ العقل» وهو منصب له طابع سياسي أكثر منه ديني، حيث استحدث خلال العهد العثماني كنتيجة لنظام الملل العثماني الذي اعترف بالطوائف الموجودة على أرض السلطنة العثمانية. ويقوم رجال الدين الدروز بإدارة شؤونهم الدينية عبر مجموعة من كبار رجال الدين، لا يوجد الكثير من المعلومات حول كيفية تنظيمهم. أما فيما خص منصب شيخ العقل فهو منصب يعتبر بمثابة صلة الوصل بين السلطات الرسمية في الدول التي يتواجد فيها الدروز وعامة أفراد الطائفة. ونظرا للانقسام السياسي بين الدروز في لبنان بين الزعامتين الجنبلاطية والأرسلانية، يوجد حاليا شيخ عقل رسمي هو الشيخ نعيم حسن، وشيخ عقل أمر واقع هو الشيخ ناصر الدين الغريب. أما في سوريا فيوجد ثلاثة شيوخ عقل، تعترف الدولة السورية بهم جميعهم بشكل رسمي على قدر المساواة، فيما يوجد شيخ عقل واحد لدى دروز فلسطين.

وكما في الدين كذلك في السياسة، لا يوجد قيادة دينية موحدة، تمتلك التأثير المباشر على كل الدروز. فقد أنشأ الدروز زعاماتهم المحلية التقليدية. لكن يسجل للنائب اللبناني وليد جنبلاط قدرة لافتة على التواصل، فيما يبني النائب طلال أرسلان علاقة مميزة مع دروز السويداء الذين يقتربون منه في المفهوم السياسي لجهة التحالف مع النظام السوري، فيما يقوم الوزير السابق وئام وهاب بدور في دعم تشكيلات عسكرية صغيرة تقاتل إلى جانب النظام السوري، كما تحدثت مصادر كثيرة عن دور ميداني لافت للسجين اللبناني المحرر من السجون الإسرائيلية سمير القنطار في تنظيم جماعات مسلحة درزية تعمل بالتعاون مع «حزب الله» في منطقة القنيطرة.

ويتجلى هذا الانقسام السياسي في عدم وجود فكرة «الدولة الدرزية» التي قيل بأن غنام «يعمل عليها من قبل غير الدروز ويعارضها الدروز أنفسهم». ويقول غنام: «الدروز لديهم انتماء جغرافي وبيئي، ولا انتماء خارجيا لهم» مشيرا إلى أنهم «يعملون على المحافظة على الخصوصية في كل مكان يتواجدون فيه» جازما بأن فكرة الدولة غير موجودة لديهم ولا شيء يجمعهم سياسيا. ويوضح غنام أن الفرنسيين كان أول من عمل على فكرة الدولة الدرزية، عندما حاولوا تقسيم سوريا إبان انتدابهم عليها. وقال: «قسم الجنرال غورو سوريا إلى أربع دول، هي دولة العلويين ودولة حلب ودولة دمشق ودولة جبل الدروز، لكن الدروز كان أول من ساهم في إحباط هذا المشروع مع إطلاقهم بقيادة سلطان باشا الطرش شرارة الثورة السورية الكبرى في العام 1925 التي انتهت إلى إعادة الوحدة إلى سوريا».

أما الكاتب اللبناني، ورئيس تحرير صحيفة «المدن» الإلكترونية ساطع نور الدين فيرى بدوره أن الدولة الدرزية ليست حلما للدروز، فلا العدد يسمح، ولا الجغرافيا تسمح. وأشار إلى ميزة خاصة لدى الدروز في لبنان وسوريا، وإلى حد ما في فلسطين، حيث يكون الدروز متقدمين في الدفاع عن الوطنية التي ينتمون إليها، ويزايدون برفض الطائفية، معتبرا أن الطموح الأكثر عقلانية لديهم هو الانخراط في مشاريع الدول التي ينتمون إليها.

ويقول نور الدين: «شعرت بالقلق في تلك اللحظة التي تم التعامل فيها مع الدروز على أنهم أقلية». وقال: «أنا أتحفظ على هذا التعريف لأن الأقلية عادة تكون كتلة واحدة بالوقف السياسي والاجتماعي، فيما أن هناك أقليات أخرى في سوريا أكثر التفافا حول قياداتها أكثر من دروز سوريا».

وأشار نور الدين إلى أن سلوك النائب جنبلاط ينبع من إحساسه بالخطر في لحظة شعر فيها بأنه يجري تمزيق الدروز وتحويلهم كبش محرقة من قبل مجموعات تتنازع عليهم. ولهذا أتى ليقول لهؤلاء اتركوا النظام السوري واتركوا إسرائيل واذهبوا إلى محيطكم موضحا أن جنبلاط بذل مجهودا كبيرا لرد الدروز عن النظام وإسرائيل والخيار الانتحاري. لكن نور الدين شكك في إمكانية تجاوب دروز سوريا مع جنبلاط، معتبرا أن غالبية الطائفة هناك ليست معه.

وأوضح نور الدين أن ثمة محاولة إسرائيلية جرت في العام 1982 مع دروز لبنان عندما اجتاحت إسرائيل لبنان وأتى دروز من إسرائيل يمهدون لفكرة الدويلة الدرزية، وحينها قام جنبلاط بأخذ الطائفة بأكملها نحو الخيار الوطني المقاوم لإسرائيل. وعن تفسيره لوجود غالبية دروز سوريا مع النظام يقول نور الدين بأن ثمة اعتبارات عدة، منها حضور الدروز في الجيش السوري، وحضورهم في الإدارة الرسمية السورية وأجهزة الأمن، مشيرا إلى أن لدى الدروز إحساسا بأن المشروع الذي تقدمه المعارضة غير جذاب، مشيرا إلى أن ما قام به زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني من دعوة الدروز إلى تصحيح أخطاء عقيدتهم وطريقة التعامل معه في إدلب غير مشجعة واستفزازية.

* دروز السويداء…الدفاع عن النفس

* اتخذ دروز السويداء قرار القتال دفاعًا عن النفس فقط، دون المشاركة في قتال بالوكالة عن النظام السوري، أو في صفوفه. تقول مصادر المعارضة في الجبهة الجنوبية لـ«الشرق الأوسط»، إن قرار السويداء «حظي بشبه إجماع في المحافظة، رغم وجود استثناءات قليلة مثل محازبي الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي قتل اثنين من عناصره الأسبوع الماضي، وآخرين من ميليشيات الدفاع الوطني»، مشيرة إلى أن القرار «ظهر عمليًا في 25 مارس (آذار) الماضي، حين شنت قوات المعارضة هجومًا على بلدة بصرى الشام التي تسكنها أغلبية شيعية، وأفضى إلى سيطرة قوات المعارضة عليها». وتوضح: «يومها، رفض دروز السويداء الدفع بتعزيزات لمؤازرة قوات النظام، وهو ما دفع النظام لسحب قواته باتجاه السويداء، وترك البلدة بهدف التقليل من الخسائر البشرية».

غير أن القرار، كانت له تبعات أخرى بعد نحو شهرين. وتضيف المصادر: «حين شنت قوات المعارضة هجومًا على مقر اللواء 52 في ريف درعا الشرقي المتصل بالسويداء، الذي يعتبر خط الدفاع الأخير عن مطار الثعلة العسكري، انسحبت قوات النظام منه بشكل دراماتيكي، ما يوحي أنه ترك الخطر يقترب من السويداء، كون النظام يتعاطى مع المعارك العسكرية بخلفية أمنية أيضًا». وتشير إلى أن قوات الجيش السوري الحر المهاجمة «وجدت نفسها تلقائيًا قرب مطار الثعلة، الذي لم يكن ضمن مخطط الهجوم، ودخلت إلى أسواره، وانخرطت في معارك أدت إلى تعطيله، ووجدت أن النظام مارس سياسة تسهيل نقل المعركة إلى مطار الثعلة، بغرض الضغط على الدروز للقتال في المطار، على قاعدة أنه خط الدفاع الأول عن السويداء، وباتوا بخطر، وهو ما دفعهم إلى حشد الطاقات لمواجهة الجيش السوري الحر فيه».

وكان عضو المجلس العسكري في الجيش السوري الحر أبو أحمد العاصمي الذي يتحدر من درعا، أبلغ «الشرق الأوسط» في تصريحات سابقة أن مقاتلي الحر المهاجمين وجدوا أنفسهم بمواجهة 1500 مقاتل من السويداء احتشدوا في مطار الثعلة، وهو ما دفع مقاتلي «الحر» لإيقاف المعركة، بهدف منع النظام من التضحية بالدروز، ووضعهم في مواجهة مع جيرانهم من أهل حوران.

لكن مصادر مطلعة على المعركة من السويداء، كشفت لـ«الشرق الأوسط» عن وساطات دخلت على خط المعركة بهدف إيقافها، مشيرة إلى أن أطرافًا درزية لبنانية ساهمت في منع استمرار المعركة، لمنع النظام من زيادة التوتر بين أهالي السويداء وجيرانهم من حوران، فاتخذ «قرارا حكيمًا من قيادات الحر التي تتحدر من ريف درعا الشرقي بشكل أساسي، لإيقاف المعركة، ونقل الجهد العسكري إلى جبهة مدينة درعا البلد».

الشرق الأوسط

 

 

 

 

الغضب السوري/ يوسي ملمان

كانت إسرائيل هذا الاسبوع قريبة أكثر من أي وقت مضى من دوامة الحرب الاهلية في سوريا، والخطر لم يتلاشى بعد. مر 53 شهرا على هذه الحرب. والقيادة السياسية والقيادة العسكرية، برئاسة بنيامين نتنياهو – وزير الدفاع اهود باراك وبالذات موشيه يعلون وقادة الاركان بني غانتس وغادي آيزنكوت ـ تتصرفان بحكمة ومسؤولية وحذر من اجل عدم التدخل في ساحات القتل. وباستثناء حوادث معدودة لاطلاق خاطيء إلى داخل إسرائيل وبضعة أحداث إرهابية ضد جنود إسرائيليين، فان الهدف الذي من اجله وضعت السياسة ـ الحفاظ على الهدوء في الحدود الشمالية ـ قد تحقق. القصف الجوي الذي نسب لسلاح الجو الإسرائيلي ضد قوافل السلاح المتطور من سوريا إلى حزب الله، لم يضر بهذه الاستراتيجية الحكيمة.

قبل اسبوعين كتب هنا، تحت عنوان «الشيطان طائفي»، أنه إذا اضطرت إسرائيل للتدخل في الحرب الاهلية، فان ذلك سيحدث بسبب الطائفة الدرزية في إسرائيل والجولان وسوريا. وقد ظهر يوم الاثنين بأن الامور تخرج عن السيطرة وأن إسرائيل قد تجد نفسها منجرة، بعكس رغبتها، إلى التدخل في الطرف الثاني للحدود.

بدأ ذلك في يوم الاثنين صباحا، في قرية حورفيش في الجليل الاعلى، عندما أغلق بعض العصبيين طريق سيارة الاسعاف التي نقلت مصابين سوريين إلى المستشفى. وقد استطاعت سيارة الاسعاف التملص وأصيب أحد المهاجمين. كان يجب أن تضيء هذه الحادثة الضوء الاحمر. بل وقبل ذلك كان يجب أن يضاء الضوء الاحمر في الاجهزة الامنية: في نهاية الاسبوع الماضي تظاهر عشرات الدروز أمام المستشفى في نهاريا احتجاجا على العلاج الذي يتم تقديمه لمصابي الحرب من سوريا. لكن الجيش والشرطة المسؤولين عن حفظ النظام، وبدرجة أقل «الشباك» المسؤول عن الاستخبارات، لم يفهموا المغزى مما يحدث.

ومع مرور بضع ساعات على أحداث حورفيش، حدثت الحادثة الاصعب. خلال مظاهرة بالقرب من مجدل شمس شارك فيها 150 شخصا، قام المتظاهرون بايقاف سيارة اسعاف عسكرية وضربوا حتى الموت أحد الجرحى السوريين وأصابوا الآخر اصابات بليغة وكذلك أصيب الجندي والضابط باصابات طفيفة. كانت هذه هي المرة الاولى التي يحدث فيها «لينش» في دولة إسرائيل. كانت في السابق أحداث قليلة قام بها مواطنون إسرائيليون بالتنكيل بجثث المخربين. لكن هذه هي المرة الاولى التي يُنكل بها مصابون. وهذه بالتأكيد المرة الاولى التي يكون فيها المصابين تحت حماية الجيش الإسرائيلي ومسؤوليته.

منذ ايلول 2013 تقوم إسرائيل بتقديم العلاج الطبي للمصابين من سوريا. المصابون باصابات طفيفة يتم علاجهم في مستشفى ميداني أقامه الجيش في شمال الجولان. والمصابون الاكثر خطورة يتم نقلهم في سيارات الاسعاف إلى المستشفى في صفد، نهاريا وحيفا. هكذا حصل 1600 مصاب على العلاج – نساء واولاد ورجال ومقاتلون من المعارضة ايضا.

الدافع وراء القرار الإسرائيلي تقديم المساعدة الطبية واحيانا المساعدة في تقديم الغذاء والاغطية والادوية، هو انساني. إسرائيل هي دولة الشعب الذي عانى من اللامبالات التي تسببت بالكارثة، ولا تستطيع الوقوف عند رؤية الناس وهم يقتلون وراء الحدود.

هذا قرار اخلاقي حظي بالتأييد لدى الإعلام والجمهور، وهو يمنح إسرائيل نقاط استحقاق لدى الرأي العالمي. اضافة إلى ذلك، تنجح إسرائيل في جمع المعلومات حول ما يحدث في الطرف الآخر للحدود، وتقوم من خلال المصابين بنقل رسائل مهمة.

ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي سئلوا عن هذا الامر وقالوا المرة تلو الاخرى إن العلاج يقدم لكل مصاب دون السؤال عن هويته أو انتمائه التنظيمي. وحتى لو كان هذا صحيح، فان هذا التفسير ليس في صالح إسرائيل. شيئا فشيئا انتشرت الشائعات التي حظيت بالاهتمام في وسائل الإعلام العربية والدولية، بأن اغلبية المعالجين هم مقاتلو جبهة النصرة، الذراع السوري للقاعدة. هذا غير صحيح. يمكن أن مصابي جبهة النصرة عولجوا في إسرائيل، ولكن لا يتجاوز الامر حالات استثنائية.

إن الذي ساهم في الشائعات هو تقرير مراقبي الامم المتحدة في الجولان الذي نشر قبل بضعة اشهر، الذي وثق لقاءات على الحدود، في القنيظرة، بين ضباط الجيش الإسرائيلي وممثلي التنظيمات المتمردة. ولم يحاول التقرير معرفة التنظيمات أو التمييز بينها، لكن حقيقة أنه على طول الحدود تعمل بضع تنظيمات لجيش سوريا الحر وجبهة النصرة، تسببت بذلك. وهكذا ثبتت المعادلة: إسرائيل تريد الحفاظ على الهدوء في الحدود. جبهة النصرة تسيطر على الحدود. ومن هنا فان إسرائيل وجبهة النصرة متحالفتان.

لهذه المعادلة انضمت مؤخرا متغيرات ترتبط بتراجع وضع الدروز في سوريا. الجالية التي تضم أقل من مليون شخص، أيدت دائما النظام العلوي، لكن العلاقة بينها وبين النظام ساءت في الاونة الاخيرة، هذا النظام الذي كان ركيزتها. بدأ مقاتلو داعش بالتقدم وتهديد المراكز الكبيرة في جبل الدروز، وادلب في الشمال حيث قتل 20 درزي من قبل جبهة النصرة. وكان هذا يكفي لخلق شعور حقيقي أو وهمي بأن الجالية الدرزية في سوريا في خطر.

الدروز، بالمناسبة، ليسوا صدّيقين. من التقارير التي وصلت هذا الاسبوع تبين أنهم قتلوا في جبل الدروز بدو اشتبه بأنهم متعاونين أو يمكن أن يتعاونوا مع داعش. في قرية خضر ايضا في جبل الشيخ السوري، التي تقع على مفترق طرق مهم لدمشق، سجلت بعض الاحداث. إنها قرية يؤيد ابناءها نظام الاسد ويخدمون في الجيش واجهزة الامن التابعة له. وليس صدفة أن حزب الله حاول في الماضي ويحاول الآن أن يقيم لنفسه في تلك المنطقة موقع عسكري للعمل ضد إسرائيل. ومن هناك حرك حزب الله بالتعاون مع النظام بضع عمليات ضد إسرائيل.

في التقارير في الصحف العربية قيل هذا الاسبوع إن حزب الله قد عين مصطفى مغنية قائدا لقطاع الجولان السوري. واذا كانت التقارير صحيحة فانه يخلف شقيقه جهاد الذي قتل قبل بضعة اشهر في قصف نسب لسلاح الجو الإسرائيلي. جهاد ومصطفى هم ابناء عماد مغنية «وزير الدفاع» لحزب الله الذي قتل في دمشق في كانون الثاني 2008 في عملية نسبت للموساد. وهما أولاد شقيق من يعتبر اليوم القائد العسكري لحزب الله، مصطفى بدر الدين، صهر عماد. كل شيء يبقى داخل العائلة.

على خلفية التقارير حول الخطر على دروز سوريا، بدأ التضامن الدرزي وطبول «الدمدم» بالعمل ساعات اضافية. وقد استغل الاسد وحزب الله هذا الوضع وبدآ في نشر معلومات كاذبة للتحريض في الشبكات الاجتماعية ومكالمات هاتفية مباشرة وبث تلفزيوني، وكأن إسرائيل توجد في صف واحد مع جبهة النصرة وداعش ضد الدروز. الاجهزة الامنية والاستخبارية الإسرائيلية التي كانت على علم بالحملة الدعائية لنظام الاسد وحزب الله، لم ترد، أو أن ردها لم يكن بالمستوى المطلوب.

رسائل الكذب وصلت إلى بعض أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل، وبعض قادتها، ولا سيما شباب الطائفة، وبدأوا بالحديث بصوت مرتفع أن هناك خطر وجودي على اخوانهم في سوريا. هذا الخطر اضطر المستوى السياسي والعسكري، بدءً من رئيس الحكومة، وزير الدفاع وقائد الاركان، بنشر رسائل حول «وحدة الدم» بين إسرائيل والدروز مواطني الدولة، وتم التلميح بأن إسرائيل ستتحرك من الناحية الانسانية على الاقل لمساعدة الدروز في سوريا، إذا كان هناك خطر كبير. وقد نشرت رسائل حول خطط للجيش في حال حاول آلاف الدروز التوجه إلى الحدود الإسرائيلية. والقلق على مصير اخوانهم قد ولد الغضب والرغبة في الانتقام التي لبست شكل مهاجمة سيارات الاسعاف.

في اعقاب احداث هذا الاسبوع أبدى الزعماء الدروز في إسرائيل وعلى رأسهم الشيخ موفق طريف، تحفظهم مما حدث، وعملوا على تهدئة الخواطر. وفي الجيش والشرطة و»الشباك» ايضا بدأوا في استخلاص العبر. تم اعتقال عشرة مشبوهين في مجدل شمس وحورفيش، والجيش يدرس الآن امكانية مرافقة سيارات الاسعاف التي ستنقل المصابين. وتغيير خط سيرها بل وأخذهم في جوا. يمكن أن يزيد «الشباك» من اهتمامه ومتابعته للدروز في البلاد، الذين يشتبه بأنهم على صلة مع النظام في دمشق.

الامر الأكثر أهمية هو أن إسرائيل لا تنوي وقف المساعدة الانسانية. ومهم ايضا عدم تدخل إسرائيل في الحرب. هذه سياسة تخدم المصالح الوطنية لإسرائيل.

معاريف 26/6/2015

القدس العربي

 

 

 

 

إسرائيل تقتحم الساحة/ ميشيل كيلو

بعد الثورة، حصرت إسرائيل فترة طويلة دورها السوري في الأمن، ووجهته بصورة خاصة نحو سلاحين: الكيماوي السوري والنووي الإيراني، ونجحت في نزع الأول، وتوشك أن تنجح في نزع الثاني، حسب رواية سفيرها السابق في واشنطن الذي كشف عن دوره ودور وزير أمنها، شتاينيتز، في العمل لمنع الضربة العسكرية الأميركية ضد نظام بشار الأسد، والسرعة التي بادرا بها إلى التواصل مع روسيا وأميركا، من أجل عقد صفقة تسليم الكيماوي السوري، وبالتالي، الإبقاء على النظام في دمشق. وستكشف مقبلات الأيام الدور الإسرائيلي في صفقة النووي الإيراني، ورسم دور إقليمي جديد لطهران، تبدو علامات التفاوض حوله، والقبول بجوانب منه جلية في المشرق العربي واليمن.

وكنت قد أكدت أن دور إسرائيل سيتركز من الكيماوي فصاعداً على الجانب السياسي من دورها في سورية، انطلاقا من مسلمةٍ لا يدانيها شك، هي تصميمها على ضرب الثورة، إن بقيت متمسكة بالحرية وإقامة نظام ديمقراطي بعد إطاحة الأسد، ورفضها أي نظام إسلامي، لا ينضوي في الصراع السني/ الشيعي، ويكون “جهاده” موجهاً ضد إيران، وإصرارها على الحصول على الضمانات الأمنية نفسها التي منحها لها “بطل التحرير والممانعة”، حافظ الأسد، وتمسك بها خليفته بشار، ومكّنت رئيس وزرائها الأسبق، اسحق رابين، من أن يقول لمستوطني الجولان: أنتم هنا أكثر أمنا من سكان تل أبيب.

بتحقيق أهدافها الأمنية التي أتاحها لها النظام في حالتي قوته وضعفه، صار من المتوقع أن تركز تل أبيب على أهدافها السياسية في سورية، التي يبدو أنها ستتطلب، من الآن فصاعداً، تدخلها المباشر فيها، وتحولها إلى طرف أصيل في صراعاتها، يمسك ببعض أوراقها، ويفيد من نقاط ضعف كثيرة، ظهرت في نسيج بلادنا الاجتماعي واندماجها الوطني، فاقمتها سياسات النظام العسكرية التي استهدفت، بالتحديد، تعميق الهوة بين مكونات جماعتنا الوطنية، وتحويلها إلى شروخٍ، يصعب رأب صدوعها، تستطيع استغلالها لخدمة مأربين، أولهما: طي موضوع احتلال الجولان بصورة نهائية، وانتزاع اعتراف سوري من النظام الحالي، أو الذي سيليه، باعتباره أرضاً يهودية، وجزءاً عضوياً من “دولة إسرائيل”، لا يقبل الانفصال عنها. وثانيهما: إقامة نظام صديق في دمشق، يتعاون مع إسرائيل إلى درجة التحالف، تطوي بعلاقاتها معه حقبة الصراع مع العرب، وتفتح بلدانهم أمامها كقوة مقررة فيها.

“دلائل وتلميحات تؤكد أن إسرائيل تفكر بالانتقال من الأقوال إلى الأفعال في الأيام القليلة المقبلة، وباستخدام جيشها لحماية من تسميهم “دروز المناطق المجاورة لها””

إذا كان تحقيق الهدف الأول يتوقف على شكل الحكم الذي سيقوم في دمشق، فإن تحقيق الثاني مرهون بقدرتها على التحكم في مسار التطورات الجارية، وعلى ممارسة قدر من النفوذ عليها، يحيل تل أبيب إلى ما سمّيته قبل قليل “طرفا أصيلا فيها”، ينشر حمايته على بعض الجهات السورية المتصارعة، أو يقدم العون إلى بعضها الآخر. وقد اختار قادة إسرائيل جعل مدخلهم إلى دورٍ هذه مفرداته ما سمّوه “حماية الدروز” في المناطق المجاورة لها، وهم في مكانين يقع أحدهما على حدودها الجولانية، في جبل الشيخ وبلدة حضر، وثانيهما في جبل العرب، البعيد نسبياً عنها، والذي أعلنت أنها لن تسمح لـ “داعش” بالدخول إليه، وهددت بتدخل مباشر للقضاء على أية قوة تتحدى قرارها.

لا داعي للقول إن ما تفعله إسرائيل يتقاطع مع سياسات الأردن ومصالحه ودوره، ويتوافق مع سياسات واشنطن التي تركز أولوياتها على جنوب سورية لقربه من دمشق، وما بلغه الجيش الحر فيه من تنظيم وانضباط سياسي وعسكري، وحققه من نجاح في معظم معاركه ضد جيش النظام. وهو يتقاطع، أيضاً، مع ميل خارجي متنوع إلى فرض حمايات خارجية على مكونات الجماعة الوطنية السورية، باعتبارها تكوينات ما قبل مجتمعية، أو طوائف تحتاج إلى حماية بعضها من بعضها الآخر، يعني فرض الوصايات الخارجية عليها صياغة علاقاتها في ضوء مواقف ومصالح حماتها، على غرار ما كان يحدث في القرن التاسع عشر، حين كانت كل طائفة سورية محمية من قوة خارجية.

تفكك هذه الحمايات شعبنا إلى تكوينات ما قبل وطنية، فإن أعيد لحمه من جديد، حدث ذلك باعتباره مجموعة كيانات متعادية، من المحتم أن يفصل بينها تدخل خارجي دائم يضبط صراعاتها، ويلطف طابعها العدائي الذي يفضي انفلاته من الرقابة إلى تهديد أمن المنطقة والعالم وسلامهما، ويجعل من المحال تعايش السوريين بعضهم مع بعض. ثمة علامات تشير إلى بدء صياغة داخل سوري مقطع/ متناحر، تتم إقامته بدعم خارجي، لا يعلن عنه، لكنه يطبق بهمة على أرض الواقع، مثلما نلاحظ في شمال بلادنا، حيث ترسم قنابل أميركا حدود كانتون ما يسمونه غرب كردستان، ويبدو أن “داعش” قبلتها. لذلك، انسحبت من دون قتال من مدينة تل أبيض ذات الأغلبية العربية، وسلمتها إلى حزب البياده، بينما يلفت النظر أن مناطق “داعش” الرئيسة لا تتعرض لأعمال عسكرية أميركية مؤثرة، وأنها وسعتها، أخيراً، باندياحها نحو مناطق قريبة من دمشق، وضعتها، في الوقت نفسه، على حدود الأردن والسعودية، وأضفت مخاوف كثيرة على ما يحكى عن مشاريع إيرانية، تستهدف حماية علويي الساحل، بعد دخول قوات “داعش” خلال شهر رمضان الحالي إلى دمشق… وها هي إسرائيل تفرد حمايتها على المناطق المجاورة لها، في تطور نوعي، سيكون كارثي النتائج على دولة سورية ومجتمعها.

تواجه بلادنا تحديات مصيرية، يعني فشلنا في ردعها انعدام وجودها، ناهيك عن فشل الثورة. وهناك دلائل وتلميحات تؤكد أن إسرائيل تفكر بالانتقال من الأقوال إلى الأفعال في الأيام القليلة المقبلة، وباستخدام جيشها لحماية من تسميهم “دروز المناطق المجاورة لها”، علما أن غالبيتهم ليست في مناطق كهذه، بل في جبل العرب الذي يتطلب العمل العسكري فيه تحييد جبهة حوران الجنوبية للجيش الحر، والتي يعلق السوريون آمالهم عليها، في كل ما له علاقة بإسقاط النظام.

نحن أمام ثورات مفصلية، قد لا يبقى بعدها شيء كما كان قبلها.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...