صفحات الرأي

سوريا: التمييز في ديموقراطية التعليم، من العسكرة إلى الليبرالية/ وجيهة مهنا *

رفع حزب البعث منذ انقلاب آذار/مارس 1963 شعار “ديموقراطية التعليم” والذي اعتبر بأن زمن جامعة النخبة قد انتهى، ولم تعد حكراً على أحد. الاتجاهات اليسارية لدى حكومات البعث الأولى كانت تهجس بربط الجامعة بقضايا المجتمع، والتعليم بخطط التنمية الاقتصادية. دفع ذلك إلى التسريع في إحداث جامعات التقانة والهندسات بغرض “الإعداد للثورة التقنية الصناعية” بحسب أدبيات البعث حينها. ومن جملة الأضرار التي نجمت عن تلك الحمى الفوضوية إهمال كليات العلوم الاجتماعية والإنسانية، وارتجال في استحداث جامعتين جديدتين هما “تشرين” في اللاذقية 1971 و”البعث” في حمص 1979، من دون مراعاة الإمكانيات المحلية. كما صدرت عملية “الاستيعاب الجامعي” بمرسوم تشريعي العام 1970 ونصّت على قبول جميع حائزي الثانوية العامة في الجامعات والمعاهد السورية، وكانت تمثل رغبة سياسية في تحقيق إنجاز سريع للقيادة الجديدة لحزب البعث إثر انقلاب الحركة التصحيحية. ثم صدر قانون “إلزامية التعليم الابتدائي” العام 1981 وجرى استكماله بعد سنوات قليلة بإلزامية التعليم الإعدادي (الذي ظلّ شكلياً). وهما مثّلا ولا شك قفزة في سياق “ديموقراطية التعليم” ومجانيته.

المفاضلة

يقوم نظام القبول في التعليم الجامعي السوري على معدل درجات الثانوية العامة (الدرجة العليا حالياً هي 290) عبر المفاضلة. وهي عملية تبدأ كل عام بإصدار “وزارة التعليم العالي” عرضاً أولياً للكليات والمعاهد المتاحة، وتقييّماً أوليّاً للعلامات المؤَهّلة للقبول بها، ليقوم الطالب بعدها بتسجيل أسماء عشرين كلية أو فرعاً دراسياً كـ”رغبات” يطمح بها على استمارة خاصة. ثم تقوم الوزارة بحساب المقاعد المتاحة لكل اختصاص ومقدار الطلب عليه. حينها تصدر النسخة النهائية من المفاضلة. يصل الفرق أحياناً بين النسختين إلى 20 علامة، ويحدث كثيراً بأن يحصل من يرغب بالهندسة المدنية على الأدب العربي أو الحقوق مثلاً. فالموضوع لا يتعلق بالرغبة ولا بالمقدرة الشخصية ولا حتى بمتطلبات الاختصاص، بقدر الحصول على العلامة المناسبة. المفاضلة بحد ذاتها حملت تمييزاً إضافياً تجلى عبر مفاضلات خاصة لطلاب “اتحاد شبيبة الثورة” المنظمة الرديفة لحزب البعث بين صفوف طلبة المدارس، من الملتحقين بالمعسكرات الإنتاجية ومعسكرات الصاعقة والتي تسمح لهم بالحصول على علامات إضافية، كانت قد وصلت إلى 40 درجة في حالة “المظلييّن”. العلامات المضافة تسمح في الوصول إلى كليات لا تحق لأصحابها في بورصة المفاضلة الطبيعية. كرّست المفاضلة بأنواعها خرق مبادئ الدستور في المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص. كما أن الزمن لم يطل حتى أصبح هناك مفاضلة لأبناء أساتذة الجامعات، وأخرى لأبناء الشهداء. وفي السنين العشر الماضية أصبحت هناك مفاضلة منفصلة لكل من الجامعات الخاصة، والتعليم الموازي والتعليم المفتوح والجامعة الافتراضية.

السُلّمُ التنازلي لدرجات البكالوريا وَافَقَ هرمية موازية للكليات، بحيث يتوضع على عرشها الطب البشري وتتدرج نزولاً إلى المعاهد الفنية. هذا التمييز القائم بين الكليات يستند إلى معايير اجتماعية واقتصادية وإرادة سياسية كرستها المفاضلة. في الوقت عينه فإن تعقيد المفاضلة ونقص ثقة الطلاب في الحصول على مقعد في الجامعات وصعوبة الدراسة في الفرع العلمي، تسببت في تحول عكسي في توجهات طلاب الثانوية العامة. إذ أنه وبين العامين 2000 و2005 انخفضت نسبة طلاب الفرع العلمي في البكالوريا من النصف إلى الثلث. وبشكل موازٍ، انخفضت نسبة الالتحاق بالكليات العلمية والطبية والهندسية من 40.6 في المئة العام 2000 إلى 25.5 في المئة العام 2005. كما لم تتجاوز نسبة الملتحقين بالتعليم الجامعي من حملة شهادة الثانوية العامة 12.5 بالمئة وسطياً للسنوات 1970- 2003. ولم يتجاوز الإنفاق الاستثماري على التعليم العالي نسبة 1.4 في المئة من إجمالي الموازنة السورية أي بواقع 150 مليون دولار للعام 2007.

التعليم الحكومي: مراكمة الخسائر

منذ منتصف السبعينيات بدأت عملية “عسكرة الجامعة” عبر إدخال مقررات التدريب العسكري إلى المناهج الدراسية في الجامعات وتخصيص يوم دراسي أسبوعي لها شتاءً ومعسكرات للتدريب صيفاً. لم تلبث الآليات العسكرية الثقيلة أن دخلت إلى حرم الجامعات بغرض التدريب للطلاب الذكور. ترافقت العسكرة مع انتقال مركز صنع القرار من وزارة التعليم إلى مكتب التعليم العالي في القيادة القطرية لحزب البعث، وإبعاد الكادر التدريسي غير البعثي عن الجامعة.

أدى فرض قانوني الإلزامية والاستيعاب الجامعي إلى ظهور ما يُعرف بـ”جامعة الأعداد الهائلة”. هذه الظاهرة تعزى في أحد وجوهها إلى عامل ديموغرافي يتمثّلُ في تجاوز معدل النمو السكاني في سوريا عتبة الـ 3 بالمئة اعتباراً من منتصف السبعينيات، في ظل غياب سياسات التخطيط الأسري والتنمية السكانية. كما أن العجز الاقتصادي الذي شهدته البلد منذ بداية الثمانينيات، نتيجة انقطاع المعونات الخارجية، تسبب في تعرية الغلاف الشعاراتي لسياسة الاستيعاب الجامعي وتبيان افتقارها إلى المحتوى التنموي، من باب تركيزها الشكلي على الكم.

جامعة الأعداد الهائلة ستصبح سمة الجامعات السورية، وتعبيراً عن انحدار مستواها التدريسي، بحيث انخَفَضَ تدريجياً متوسط الساعات الدراسية التي يحصل عليها الطالب سنوياً لتبلغ أربعة أشهر ونصف في نهاية القرن الماضي. ترافق ذلك مع تدنٍ في مستوى التعليم واكتفائه بأسلوب التلقين، وإجراء امتحانات يكون النجاح فيها للقدرة على الحفظ الأصم لمناهج دراسية تعتمد على كتاب موّحد شبه مجاني لكل “مقرر جامعي”. هذه الكتب تنتمي بمعظمها إلى حقبة الترجمة عن مؤلفات السوفييت في الستينيات، ولم يتم تجديدها أو تعديلها في الكثير من الاختصاصات إلا في ما ندر. كما تتسم كتب المقرر الجامعي بأحادية الرؤية، والاكتفاء بالشرح الوصفي، وعدم التشجيع على النقاش. وعلى عيوب المقرر الجامعي، فإن الطلاب غالباً ما اعتمدوا في دراستهم على مجموعة محاضرات مُبستَرة تعرف بـ”النوط” ويتم تداولها كالوصفات السرية التي تحوي كل المعرفة اللازمة لاجتياز الامتحان. وإذا أضيف كل ذلك إلى نقص المختبرات والورش والدروس العملية، فإنه سيسهم في تشكيل عقلية خاصة لطلاب الجامعة السورية تركن إلى الاعتماد على النص المكتوب، وتتجنب الجدل والمناقشة وتعزز الشعور بعدم الثقة.

وفي ظل التقارب السوري مع المعسكر الاشتراكي، تحول إيفاد الطلاب السوريين إلى دول المنظومة الشرقية والاتحاد السوفياتي بغرض الدراسة الجامعية أو العليا إلى سياسة ونهج حكومي. ولم يطل الزمن حتى تضاعفت أعداد الأساتذة من خريجي جامعات تلك البلدان لتبلغ حوالي نصف عددهم الكلي، بواقع 3000 أستاذ محسوب على ملاك الجامعات السورية للعام 2000. كما مثَّل الإيفاد مكسباً مادياً واجتماعياً للبعثيين على الأخص من أبناء الأقليات والأرياف، وسيطرت على مؤسسته علاقات الواسطة والمحسوبية والتزكية الحزبية والأمنية.

التحول الليبرالي: إدارة الخسائر

ظلَّ التعليم الجامعي الحكومي وعلى الرغم من كوارثه تلك، محابياً للفقراء والمهمشين، ولعب طيلة عقود كما مؤسسة الجيش، دور الرافعة الاجتماعية لأبناء الريف وفقراء المدن. لكن التغيير الذي شهدته سورية مع بداية الألفية الجديدة لامس التعليم أيضاً، وكان انعكاساً لعملية التحول الجارية في وسائل السيطرة. البداية كانت بتخفيف عسكرة التعليم من إلغاء اللباس العسكري الموحد لطلاب المدارس، مروراً بإلغاء التدريب العسكري الشتوي في الجامعات رغم إبقاء المعسكرات الصيفية، وصولاً إلى تخفيف مقرر “الثقافة القومية الاشتراكية”. في الوقت نفسه، لم تُمس سلطة “الاتحاد الوطني لطلبة سورية”، لا بل إن الاتحاد شارك طيلة العقد الماضي في القمع العنيف لبذور الحراك الطلابي المتوجس من نزع مكاسب التعليم العام وتهميش دوره، كما حيال الاحتجاجات الطلابية على المرسوم الرقم 6 للعام 2004 والذي قضى بوقف التزام الدولة بتوظيف خريجي الهندسة في القطاع العام.

سرعان ما طال التغيير مؤسسات التعليم نفسها ووظائفها، ضمن عملية اللبرلة الاحتكارية لبعض قطاعات الاقتصاد السوري والمعروفة لاحقاً باسم “اقتصاد السوق الاجتماعي”. هذه العملية تمت عبر تمكين شريحة رجال الأعمال الجدد (“المئة الكبار”) من خلال علاقتهم النافذة مع كبار موظفي الدولة، من إدارة خسائر القطاع العام عبر استحداث بدائل خاصة موازية له، شديدة الربحية، من دون خصخصته أو إنهائه. الجامعة المنهكة من العسكرة وتسلط الأجهزة الأمنية، وانعدام الاستقلالية، ونزع الحياة الفكرية منها، والسياسية والثقافية، عَبَرَت من دون مقاومة تذكر إلى المحاصصة مع القطاع الخاص عبر “المرسوم التشريعي الرقم 36 للعام 2001” والذي وضع أسس تنظيم الجامعات الخاصة والافتراضية والمفتوحة والمتعددة الوسائط.

تراخيص الجامعات الخاصة توالت حتى وصلت إلى 17 جامعة بحلول العام 2011. وبلغ عدد الطلاب المسجلين فيها للعام 2007 حوالي 6000 طالب. وستكون معظم مجالس إداراتها ورئاساتها مرتبطة بأوساط كبار رجال الأعمال. ولأن تكاليف الدراسة فيها توازي الدراسة في الخارج، فإن التسجيل فيها مثّلَ أول عملية فرز طبقي “علني” تشهده البلاد منذ عشرات السنين على هذا المستوى.

جَسّد “التعليم الموازي” العقلية الجديدة التي حكمت البلاد باتجاه المزيد من التمييز والتفضيل، بحيث تقوم الجامعة بتخصيص 15 في المئة من مقاعدها للطلاب الذين لم يتمكنوا من الدخول لكلية ما، بسبب فرق ضئيل في العلامات قد لا يتجاوز 0.3 في المئة من المعدل العام. هذا الفرق يتطلب مفاضلة جديدة للتعليم الموازي، تكون نتيجتها إذا ما قيض لصاحبها النجاح، هي قبوله في الجامعة الحكومية في نفس الشُعَب والدوام ونظام الامتحانات مع فارق وحيد: رسم التسجيل وكلفة المقررات تصل إلى ما يوازي نظائره في الجامعات الخاصة. يَحصل خريجي التعليم الموازي على حصة تصل إلى 5 في المئة في الدراسات العليا.

التعليم المفتوح ابتدأ العام 2002 كمنفذ تابع للجامعات الحكومية لاستيعاب الطلاب من حملة البكالوريا القديمة. ولا يتطلب هذا النوع من التعليم الحضور، وليس فيه مختبرات أو ورش تطبيقية، ويضم بعض الفروع الأدبية والعلوم الإنسانية، وتكاليفه ظلت ضمن قدرة الطبقة الوسطى. مع الوقت، انحرف المفتوح عن غاياته، بحيث تغيرت نوعية الطالب الذي يستهدفه وتوسعت إلى أولئك الخاسرين في معركة المفاضلة، فوصل عدد الطلاب المسجلين فيه للعام 2007 إلى مئة ألف (في حين وصل عدد الطلاب في الجامعات الحكومية الخمس إلى 250 ألفاً للعام نفسه). كما فَرَضَ الطلاب على وزارة التعليم معاملة إجازة المفتوح مثل إجازة التعليم النظامي، لكنها ظلت ضمن حصص صغيرة تصل إلى 10 في المئة فيما يخص المتقدمين إلى التوظيف والدراسات العليا.

* أستاذة الاقتصاد السياسي من سوريا

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى