صفحات العالم

مقالات تناولت الأزمة المصرية

مصروغزة وقضية الحرية

الياس خوري

التزامن بين نهاية العدوان الاسرائيلي على غزة والانقلاب الدستوري الذي اعلنه الرئيس المصري محمد مرسي مثير للقلق.

انتهت حرب غزة بفشل اسرائيلي، فالمقاومة لم تستسلم، والصواريخ لم تتوقف عن الوصول الى قلب اسرائيل حتى اعلان الهدنة. وخرجت مصر من المواجهة بحصاد وفير: عادت لتملأ جزءا من الفراغ الذي انتجه زمن الغيبوبة والاستسلام في عهد مبارك، وتصرفت كوسيط لم ينس التزاماته ضد العدوان، وقادت عملية سياسية معقدة مع حلفائها الاسلاميين في قطر وتركيا اوصلت الى التراجع الاسرائيلي الذي شهدناه على الوجوه الكالحة للثلاثي نتنياهو ليبرمان باراك.

في الجانب الفلسطيني فإن المناضلين الذين نجحوا في اثبات ان المقاومة هي الخيار الوحيد امام الشعب الفلسطيني، مطالبون اليوم بتحقيق الوحدة الوطنية. وربما كانت فرصة ‘عمود سحاب’ هي اللحظة الأمثل كي يعاد بناء هذه الوحدة كمشروع نضالي مقاوم، تأتلف في داخله اشكال النضال المختلفة، كي تبدأ المعركة الكبرى من اجل تحرير الضفة والقدس من الاحتلال.

السؤال الفلسطيني بعد ‘عمود سحاب’ هو سؤال الوحدة الوطنية المقاوِمة، ولن يغفر التاريخ لمن سيضيع هذه الفرصة الثمينة التي صنعتها دماء الشهداء.

لكن بدلا من ان تنصبّ كل الجهود، ومن ضمنها الجهود المصرية، من اجل بناء هذه الوحدة، جاءت قرارات الرئيس المصري الفرعونية لتعيدنا الى زمن ما قبل الثورات العربية.

هل عاد مرسي واللفيف الاخواني الحاكم الى المعادلة القديمة التي صنعت الزمن الاستبدادي قبل ان يتهاوى في ثورة 25 يناير، ام ان المسألة كانت مصادفة؟

جاء الفرمان الدستوري الفرعوني قبل ان يجف الدم في غزة، بحيث بدا وكأن السيد الرئيس اراد ان يضرب الحديد حاميا. خرج من امتحان غزة بصك اعتراف من المقاومة وامريكا واسرائيل، فاعتقد او زُين له انه يستطيع امرار قرار مصادرة الثورة وتدمير استقلالية القضاء والاطاحة بالديموقراطية استنادا الى افتراضه بأنه يستطيع ان ينسب انتصار غزة الى نفسه!

كانت المعادلة القديمة قائمة على تغليب المسألة الوطنية على الحريات العامة. وقد اكتسبت تلك المعادلة شرعيتها من المهانة العامة التي شعرت بها الشعوب العربية بعد النكبة عام 1948.

استندت تلك الشرعية الى انجازات حقيقية كبرى، من الاصلاح الزراعي وتأميم قناة السويس الى بناء السد العالي، وقادها زعيم كارزمي كبير استطاع ان يلتقط نبض الشارع. لكن شرعية الانقلاب/الثورة التي صنعها عبدالناصر والضباط الأحرار سرعان ما بدأت في التآكل، الى ان وصلت الى هزيمة الخامس من حزيران، ثم تحولت الى مسوخ مع مقلدي ناصر من صغار المستبدين العرب في مصر وليبيا وسورية والعراق والسودان…

مشكلة السيد مرسي وهو يحاول ان يصير حاكما اوحد بالغة التعقيد، فهو لا يملك اي انجاز وطني، وموقفه في حرب غزة لم يتجاوز الحد الأدنى المنتظر، بل كان ربما تحت هذا الحد الأدنى، ومع ذلك لقي ترحيبا واسعا من المقاومة الفلسطينية والشعوب العربية التي انفلقت من العار المباركي. كما لا يزال الخطاب الوحيد الذي يملكه هو وجماعته اسير الرطانة الفقهية من جهة، وجزءا من الخطاب النيوليبرالي لتماسيح الرأسماليين المصريين، من جهة ثانية.

ولكن حتى لو حقق السيد مرسي انجازا وطنيا كبيرا، وهذا لم يحصل، فإن ما فاته هو ان الزمن تغير. لم يعد الخطاب الوطني او القومي او الديني بديلا مقبولا من الحرية. وهذا ما تشير اليه الثورة السورية. فعلى الرغم من الدعم الذي يلقاه نظام بشّار السفّاح من معسكر المقاومة والممانعة، وعلى الرغم من استماتة حزب الله في الدفاع عنه، فإن الشعب السوري لم يعد في وارد شراء هذا الخطاب. فالحرية والديموقراطية هما شرط مقاومة الاحتلال. كما ان استغلال دماء المقاومين في غزة او في غيرها لن يكون بعد اليوم ممكناً.

هل يعتقد مرسي ولفيف الاخوان الذين اهدروا اربعة اشهر من عمر مجلس الشعب في مناقشة قضايا فقهية، قبل ان يحل هذا المجلس البائس بقرار قضائي، هل يعتقدون انهم يستطيعون ان يتغطوا بدماء اهل غزة من اجل وأد ثورة 25 يناير، وتحويل السلطة الى اداة استبداد جديدة، عبر اعادة انتاج شخصية الرئيس/الفرعون؟

الاشارات الآتية من مصر تقول إن الشعب المصري لن يخضع لهذه اللعبة. وان تحالفات شباب الثورة ومعها الاحزاب والقوى السياسية تملأ الميادين في حركة تشبه بداية ثورة مصرية ثانية.

الثورة الاولى اسقطت حكم مبارك ونجحت في شلّ الاتجاهات الديكتاتورية في الجيش، اما الثورة الثانية فانها مدعوة الى استكمال تأسيس الديموقراطية وبناء دولة الحرية والقانون.

غير ان الخطر هو ان تكون قرارات مرسي بداية فوضى سياسية كبرى، لم تعرفها مصر حتى خلال مواجهات الثورة الدامية، لأن المواجهة هذه المرة ستكون في الشارع وبين قوى المجتمع.

هل يعني ذلك ان الاخوان بدأوا، من حيث لا يدرون، في العد العكسي لعودة الجيش الى السياسة؟ ام ان قوى الثورة تستطيع بصمودها في الميادين طي صفحة الفرعنة وبناء افق ديموقراطي؟

القدس العربي

مصر تخوض معركتنا

طارق الحميد

سبق أن كتبت هنا، مرارا، أنه إذا صلحت مصر صلح العالم العربي، وإذا فسدت فسدت المنطقة كلها، ولذا فإن ما يحدث اليوم هو أن مصر تخوض معركتنا كلنا، معركة الدولة ضد من يريدون هدم مفهوم الدولة، فما يحدث في مصر ليس ثورة تصحيحية، أو هبّة على فرعون جديد، بل هي صحوة من تنبه لهدم مفهوم الدولة.

والفضل في هذا الموضوع يعود لجشاعة الإخوان المسلمين السياسية التي دفعتهم لمحاولة السيطرة على كل مفاصل الدولة المصرية، فبعد إقصاء العسكر، وتحييد الإعلام، جاء الدور على القضاء، وهو ما حذرنا منه من قبل، وكل ذلك تمثل بالقرارات غير المسبوقة للرئيس المصري الذي قال: أنا الدولة والدولة أنا. وعليه فإن ما يحدث في مصر ليس معركة المصريين، بل معركة كل العرب، وتحديدا المؤمنين بمفهوم الدولة المدنية، وليس الدولة الدينية، على طريقة الدولة الدينية الإيرانية. والقضية هنا ليست إقصاء للدين، أو معاداة له، وعلى القارئ أن يقرأ الآن بكل تمعن، وهدوء.

ففي التاريخ العربي الحديث، مر علينا رجال سياسة من خلفية دينية، لكنهم كانوا رجال دولة، احترموا التعددية، والاختلاف، وأن ما لله لله وما لقيصر لقيصر، لم يكونوا قصيري نظر، ولم يستخدموا الدين لإقصاء الآخرين، بل كان دينهم بينهم وبين ربهم، وعملوا، وواصلوا الليل بالنهار لإحياء مفهوم الدولة، حيث استوعبوا شروط الدولة، ومفهوم رجل الدولة. ولذلك كانت الدولة العربية بعد الاستعمار، مثلا، أكثر تسامحا، وانفتاحا، حتى جاءتنا لعنة الثورة الخمينية التي أيقظت المارد الديني في منطقتنا، وأجبرت كثرا في المنطقة على الدخول في حفلة مزايدات مع إيران الإسلامية. ولذا، فإن معركة مصر اليوم هي معركة كل العرب. فما الذي نريده لمستقبلنا، ودولنا، وأبنائنا، هل نريد دولا محترمة، وساسة يقومون بخدمة مواطنيهم، وحماية دولهم، أم نريد من هم على شاكلة خالد مشعل، وحسن نصر الله، وأسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، أو حتى نوري المالكي، خصوصا وقد ثبت أن الإسلام السياسي، شيعيا وسنيا، نموذج فاشل لإدارة الدولة، ومثلهم العسكر، الحقيقيون والمدعون؟

معركة مصر هي معركة لإيقاظ الإحساس بقيمة الدولة، ورجل الدولة، سواء كان من خلفية متدينة، أو لا، فالدين لله، والوطن للجميع. معركة مصر ليست معركة الديمقراطية، فطريق منطقتنا في ذلك طويل، وخصوصا أننا نرى ملوكا، وشيوخا، وأمراء، يقدمون تنازلات لشعوبهم، بينما نرى رؤساء «إسلاميين»، والمقصود هنا الإسلام السياسي، يريدون إلغاء القضاء، وكل السلطات، لتكون لهم الكلمة العليا. معركة مصر هي معركة الدولة التي تقوم بمفهوم الدولة الحقيقي: الأمن، والتعليم، والدفاع، والصحة، وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين، وليس دولة المرشد، سنيا كان أو شيعيا.

ولذا، فإن ما يحدث في مصر اليوم سيكون مؤثرا على كل المنطقة، فعندما تعسكرت مصر تعسكر جزء كبير من المنطقة، وعندما «تدروشت» مصر «تدروشت» المنطقة، وإذا استيقظت مصر الدولة، وعن حق، فستستيقظ المنطقة كلها، فالقصة هنا ليست عداء مع الدين، بل مع مستغليه، سنة وشيعة، الذين أمعنوا في هدم مفهوم الدولة.

لذلك، هي معركتنا جميعا، وليست معركة المصريين وحدهم.

الشرق الأوسط

الإخوان وشهوة السلطة

 عثمان ميرغني

بعد قرارات مرسي الأخيرة التي منح نفسه بموجبها صلاحيات مطلقة، وأعطى لقراراته عصمة وحصانة تمنع المساءلة فيها أو الطعن عليها، أظهر إخوان مصر ذات المرض الذي أظهره إخوانهم في السودان، وهو شهوة السلطة والتسلط، وعدم القدرة على التعايش مع الديمقراطية وتحمل تعدديتها وتوزع سلطاتها. فالإسلاميون في السودان أنشأوا نظاما استبداديا بالانقلاب على الشرعية والديمقراطية منذ ثلاثة وعشرين عاما، وما زالوا يناورون ويستميتون لبقاء النظام تحت سيطرتهم التامة لسنوات أخرى. وها هم إخوان مصر يحاولون الانقلاب على الديمقراطية مبكرا وانتزاع السلطات والصلاحيات لرئيسهم، وفرض رؤيتهم على مشروع الدستور المزمع، لكي تأتي المرحلة المقبلة مفصلة على مقاسهم وهواهم.

المعركة الدائرة في مصر اليوم تجري على عدة جبهات، وإن كان الهدف فيها واحدا، وهو تمكين الإخوان من الاستحواذ على السلطة والإمساك بكل مفاتيحها. فإخوان مصر على ما يبدو يريدون اختصار المراحل، والاستئثار بالسلطة مبكرا قبل أن تتغير المعادلات في الساحة أو في المنطقة، وتفلت منهم فرصة يرونها سانحة لفرض توجهاتهم وسلطاتهم بأسلوب الصدمات المتتالية. فمنذ أن قفزوا على الثورة التي التحقوا بها ولم يفجروها، وهم يناورون لفرض سيطرتهم على الساحة. تعاملوا مع المجلس العسكري وتحاوروا معه من وراء ظهر القوى السياسية الأخرى أحيانا، وعارضوا الأصوات الداعية إلى إعداد الدستور قبل الانتخابات وألحوا على التعجيل بها لأنهم كانوا الأكثر تنظيما وتمويلا. وعندما تحقق لهم الفوز في انتخاباتها البرلمانية بدأت المحاولات لفرض أجندتهم وإصدار القوانين التي تخدم أهدافهم. وعندما جرت الانتخابات الرئاسية اعتصموا بالميادين وهددوا بالعنف إن لم تعلن النتيجة فوز مرشحهم، وعندما تحقق فوز مرسي بدأت معركة انتزاع الصلاحيات، فكان إلغاء الإعلان الدستوري المكمل وإحالة قيادة المجلس العسكري وبعض كبار قادة الجيش إلى التقاعد، ثم الجولة الأولى من معركة القضاء بمحاولة نقض قرار المحكمة الدستورية وإعادة البرلمان في يوليو (تموز) الماضي، تلتها الجولة الثانية بقرار إقصاء النائب العام من منصبه وتعيينه سفيرا، وهو القرار الذي رفضه القضاة ووصفوه بالعدوان على القضاء، مما اضطر مرسي للتراجع حينها وتأجيل المعركة.

اليوم يستكمل مرسي والإخوان معركة القضاء بمحاولة ثالثة من خلال الإعلان الدستوري الذي حصنوا به قرارات الرئيس بأثر رجعي، وأقالوا به النائب العام من غير منحه سفارة هذه المرة انتقاما منه على رفضه السابق «للعزل المغلف بالتكريم». وإذا تمكن الإخوان من تمرير الإعلان الدستوري أو قسم منه، فإنهم لا محالة سيوجهون سهامهم نحو المحكمة الدستورية العليا.

الطريقة التي صدر بها الإعلان الدستوري توضح أن القرارات كانت جاهزة في انتظار الفرصة لإعلانها. فالقرار صدر مباشرة بعد هدنة غزة التي لعب فيها مرسي دور الوسيط مع «الإخوان» في حماس، وحصل فيها على إطراء غربي ومديح أميركي لا سيما من أوباما. ولم يهدر مرسي وقتا قبل أن يسارع للصرف من هذا الرصيد فأصدر إعلانه الدستوري الذي استحوذ به على صلاحيات لم يحلم بها مبارك. وكان لافتا أنه في الوقت الذي كان فيه المتحدث الرئاسي يقرأ حيثيات الإعلان الدستوري، كان النائب العام الجديد يؤدي اليمين أمام مرسي مما يدل على أن الاختيار كان معدا، والرجل كان جاهزا أمام الرئيس لأداء اليمين. كذلك كان لافتا أنه ما إن فرغ المتحدث الرئاسي من تلاوة الإعلان حتى كان أتباع تنظيم الإخوان يسيرون مظاهرات بدا كأنها معدة سلفا لتأييد قرارات الرئيس.

فإذا كانت القرارات مدروسة ومحبوكة في مطبخ الإخوان، فإن حديثهم الآن عن الحوار، أو عن أنها قرارات مؤقتة إنما هو محاولة لتشتيت المعارضين لها، فيما يعمل الرئيس على محاولة شق صفوف القضاة وكسب الوقت حتى تفرغ الجمعية التأسيسية من مشروع الدستور بعد أن حصنها الإعلان الدستوري مثلما حصن مجلس الشورى الذي يخوضون به أيضا معركة مع الإعلام لترويضه أو السيطرة عليه، وأحسب أن هذه ستكون معركة كبرى مقبلة مثل المعركة الأخرى للسيطرة على النقابات. فمؤيدو الإخوان الذين تظاهروا دعما للإعلان الدستوري حمل بعضهم لافتات تدعو لتطهير الإعلام، وهي ليست المرة الأولى التي يرفعون فيها مثل هذه الشعارات، علما بأن قيادات الإخوان ظلت تنتقد الإعلام وتتهمه بالتحيز ضدها، وتمكنت من خلال مجلس الشورى من تعيين بعض المحسوبين عليها على رأس بعض الصحف ضمن سلسلة التعيينات التي جرت قبل فترة وجيزة. كما بدا لافتا أن الجمعية التأسيسية للدستور رفضت مطلب الصحافيين بالنص صراحة في مشروع الدستور على حظر مصادرة أو تعطيل الصحف وحظر العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر مما جعل نقابة الصحافيين تنضم إلى المنسحبين منها.

الذين يحاولون الدفاع عن قرارات مرسي بالقول إنها اتخذت لحماية الثورة وتسريع تنفيذ أهدافها، ويدعون المعارضين للحوار بدلا من التظاهر، يبدون كمن يحاول حجب شمس الحقيقة بغربال. فهذه ليست أول مرة يتخذ فيها مرسي قرارات يفاجئ بها الناس ويحاول من خلالها انتزاع صلاحيات، أو تغيير قواعد اللعبة. كما أنها ليست المرة الأولى التي يتخذ فيها قرارات مثيرة للجدل والخلاف، من دون أن يتشاور مع القوى السياسية والمدنية الأخرى، مما يجعل حديث مساعديه الآن عن أهمية الحوار بلا معنى. فمرسي وجماعته لو كانوا جادين في موضوع الحوار لكانوا فعلوا ذلك قبل صدور القرارات لا بعدها، ولحرصوا على مبدأ المشورة الذي يزعمون أنه من صميم فكرهم ونهج عملهم. كما أن هذه القرارات تعيد مصر إلى حكم الفرد، ولا تعزز الديمقراطية والتعددية، أو تدعم مبدأ توزيع الصلاحيات والسلطات. فالمصريون عندما انتخبوا مرسي كانوا يريدون طي صفحة حكم الاستبداد، لا استبدالها بحكم يحصل فيه الرئيس بقرار فردي منه على صلاحيات مطلقة وحصانة تامة تعطيه الحق في أن يفعل ما يريد من دون مساءلة من أحد.

إذا كان مرسي وإخوان مصر يتصرفون هكذا الآن، فكيف سيفعلون عندما يتحصنون بالدستور الجديد، وعندما يكملون مشروعهم للإمساك بكل مفاتيح السلطة؟

هذا هو السؤال الذي يخيف الكثيرين ويرسم معالم المعركة الراهنة.

الشرق الأوسط

التأطير الدستوريّ للخلاف مع الإخوان يبقى التحدّي الكبير

وسام سعادة

ما كادَ الرئيس المصري محمد مرسي يبلي بلاء حسناً في معالجة قضية غزّة، مسهماً في تقصير أمد العدوان الاسرائيلي عليها، حتى ابتلت مصر بإعلان “دستوريّ” رئاسيّ مغامر، أدّى فوراً الى اظهار شرخ أهليّ هائل وخطير في المجتمع، والى توليد حالة غضب شعبيّ عارم ضد الإعلان، وضد الرئيس، وضدّ ما يسميه المصريّون “حكم الإخوان”. ومرسي، الذي أجاد البراغماتية، لغة ومسلكاً، حيال غزة – بخلاف شعبوية رجب طيب أردوغان، ما زال يفضّل المكابرة حيال هذا الإنقسام الأهليّ الخطير، وهذا الغضب الشعبيّ العارم، وبدلاً من أن يظهره الإعلان التسلطيّ نفسه كـ”رئيس فوق الجميع” وكمشروع “رئيس قويّ”، كان أن أظهره رئيساً حزبياً بامتياز، في كنف “مرشد الجماعة”، وضعيفاً في أدائه وانفعاليته، رغم كل ما يظهره من عناد حتى الآن في موضوع اعلانه “الدستوريّ”.

ولئن مثّل هذا الإعلان اعتداء صارخ على مبدأ الفصل بين السلطات الدستورية، وبالذات استقلالية السلطة القضائية التي نجحت في الحفاظ على حيثيتها حتى في عزّ “جبروت” (أو “طاغوت”) عبد الناصر والسادات ومبارك، فإنّه جاء ليفجّر نقمة يبدو أنها تراكمت بسرعة ضدّ “حكم الإخوان” في الأشهر الماضية، وهي نقمة عزّزت خوفاً واسع النطاق من أن الإخوان في صدد احلال هيمنة سلطوية على المجتمع والدولة، باتجاه تغيير جذريّ في معالم مصر كي يعاد صياغتها على صورة “الجماعة” ومثالها.

مع ذلك، لا بدّ من الاحتراس من النظرة التسطيحية للوعي. اذ ليس سليماً ابداً القول بأن مرسي والاخوان كانوا في صدد “الانقلاب على الديموقراطية” منذ الفوز بالانتخابات الرئاسية. فأصل المشكلة في نهاية الأمر أنّ الرئيس منتخب من دون مرجعية دستورية واضحة تفصل بينه وبين المؤسسات الدستورية الأخرى، بل من دون سلطة تشريعية تمثيلية بعد أن دبّر العسكر حلّ مجلس الشعب التأسيسيّ. ولما كان قادة المرحلة الانتقالية من العسكر قد أطيحوا بعد قليل من وصول مرسي للرئاسة، دخلت مصر في وضعية خطيرة تغري بـ”الاستئثار” عندما تتراكم المشكلات، الا ان الاستئثار بقصد الهروب الى الأمام لا يلبث ان يصطدم باستفحال الأزمة أكثر فأكثر، وصولاً الى هذا الشقاق الأهليّ الخطير، وهذا الغضب الشعبيّ العارم.

من الصعب جداً تصوّر كيف يمكن لهذا الاعلان “الدستوريّ” أن يمرّ. من الصعب أيضاً تصوّر كيف سيخرج مرسي من عناده. مع ذلك، فالرجاء في تسوية “تهدوية” تلغي الاعلان بشكل أو بآخر وتمهّد لانتخابات مجلس تأسيسيّ، هو رجاء واقعيّ، وربيعيّ بامتياز.

فأهمّ التحديات على جدول أعمال الربيع العربي اليوم هو “التأطير الدستوري” للخلاف بين الاسلاميين من جهة وبين غير الاسلاميين من جهة ثانية. وهذا التأطير الدستوريّ لا بدّ ان يلحظ انّ معظم الاسلاميين العرب صار يسلّم بكتابة الدساتير، واذا كان يحاول ان يلزم الدساتير بـ”أسس الشريعة” أو “أحكامها” أو بأي صيغة أخرى، فالمفارقة انه صار يريد ان يحمي الشريعة الالهية بقانون وضعيّ، وهذه مفارقة تعني في نهاية الأمر بداية تقبل الاطار الدستوريّ.

كذلك، ففروع المدرسة الاخوانية العربية، لا تزال بعيدة عن تقبّل أسس الديموقراطية بالشكل الذي اندرج فيه الاسلاميون الاتراك، الا انه ليس صحيحاً ابداً تشبيه الاخوان بأصحاب المشاريع التوتاليتارية والفاشية. التأطير الدستوري للعلاقة مع الاخوان يحتاج الى جهود مريرة، والى اقصى اجادة للسياسة في مقابلهم، لكنه التحدي الأساسي اليوم.

ما يجري اذاً هو في عمق الربيع العربي.

وما جرى البارحة بالتحديد من غضب هادر ضد مرسي في التحرير هو يوم صحيّ بامتياز في هذا الربيع، يوم كفيل بإخراس منطق الممانعين الأسديين الذين حاولوا ان يضعونا في الايام الماضية بين خيارين، “ظلامية الاخوان، وتنويرية البعث”. لا، الاخوان ليسوا فاشيين. النضال جار في مصر وسواها لتأطير الخلاف معهم دستورياً، ووطنياً .. أمّا “البعث العربي الاشتراكي” فحسابه عسير، ويبدو انه حساب يقترب، على ما يظهره التقدّم النوعي لمقاتلي “الجيش السوري الحرّ”.

المستقبل

سيناريوهات ثلاثة للأزمة المصرية الأخيرة

معهد العربية للدراسات والتدريب

باستثناء التيار السلفي في عمومه، ومن يدور في فلكه، قوبل الإعلان الدستوري الذي أصدره الدكتور محمد مرسي في الثاني والعشرين من نوفمبر الجاري باستهجان واستياء شديدين، من كل القوى السياسية المصرية، عبرت الكثير من التصريحات والفاعليات السياسية التي شهدتها مصر منذ إصدار ذلك الإعلان. إذ اجتمعت القوى السياسية في مقر حزب الوفد لتعلن رفضها القاطع للإعلان الدستوري، والتأم القضاة بعد ساعات من صدور الإعلان ثم انعقدت جمعيتهم العمومية في اجتماع طارئ يوم 24 نوفمبر لتعلن عن رفض الإعلان الدستوري ومحاولات إقصاء القضاء، وأعلن نادي القضاة تعليق العمل في المحاكم والنيابات بدء من 25 نوفمبر، كما شهدت نقابة الصحفيين في 25 نوفمبر اجتماعا للجمعية العمومية أعلن الصحفيون خلاله رفضهم الإعلان الدستوري ومحاولات المساس بالحريات العامة، وكذلك رفضه تيار استقلال القضاء رغم مشاركة بعض رموزه في حكومة قنديل، مصرين على الانتصار للمهنة والقانون على الأشخاص! وكذلك صرح مستشارون كبار ك طارق البشري برفضه لهذا الاعلان، واعتبره غير دستوري، رغم حسبانه على التيار الإسلامي، وهو ما اتحدت فيه نخبة اساتذة القانون والاكاديميين المستقلين كذلك، باستثناء بعض المحسوبين على الانتخابات.

معارضة تتسع

وكما اجمعت الجماعة القضائية على رفض هذا الاعلان الدستوري الاخير، اجتمعت الجماعة الصحافية على رفضه، وكانت الاستثناءات قليلة، ومن ايده من غير الإخوان.

أدانت القوى السياسية والنقابية على اختلافها الإعلان الدستوري الاخير الذي اصدره مرسي قبل يومين، معتبرين أنه اغتيال للديمقراطية وسيادة القانون، وأنه محاولة لصنع ديكتاتور جديد. إذ أعلن الدكتور محمد البرادعي رئيس حزب الدستور، أن الإعلان الدستوري انتهاك واضح للدولة الديمقراطية المنشودة، و يمثل نسفا لمفهوم الدولة والشرعية، كونه يمنح الرئيس محمد مرسى، سلطات تجعله فرعون، مؤكدا أنه على ضرورة التراجع عن هذا الإعلان الدستوري “الديكتاتوري”. أما السيد عمرو موسى رئيس حزب المؤتمر فاعتبر أن يوم إصدار الإعلان الدستور هو يوم أسود في تاريخ مصر، واصفا الإعلان بأنه مذبحة جديدة للقضاء وتحد لإرادة الشعب. كما وصف حمدين صباحى رئيس التيار الشعبي الإعلان بأنه انقلاب علي الديمقراطية واحتكار كامل للسلطة، مؤكدا أن الثورة لن تقبل ديكتاتوراً جديدا. أما الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر قوية فقد أعلن رفضه للإعلان رغم اتفاقه على بعض ما جاء به من محاولة لتحقيق بعض المطالب الثورية، ولكنها جاءت وسط حزمة من القرارات الاستبدادية انتكاسة للثورة. كما رأى الدكتور أيمن نور رئيس حزب “غد الثورة” أن الإعلان يعيد مصر الى زمن ما قبل المؤسسات.

وفيما يتعلق بالقضاة والمحامين، وصف المستشار أحمد الزند رئيس نادى قضاة مصر الإعلان الدستوري بأنه تجريف لدولة القانون ويمثل انتقاصا لاستقلال القضاء وتدخلا في شئونه إلى جانب مساسه بحرية الرأي والتعبير، وأن القرارات التي تضمنها الإعلان ثأرية وليست ثورية. كما رأى سامح عاشور نقيب المحامين أن الإعلان مقدمة لاستيلاء الإخوان المسلمين علي الدولة. كما انتقدت المستشارة تهاني الجبالي، نائبة رئيس المحكمة الدستورية الإعلان مؤكدة أن الرئيس بتلك القرارات يخرج الرئيس عن الشرعية الدستورية، التي أتت به رئيسا للجمهورية. كما قرر قضاة المحكمة الدستورية العليا، جمعية عمومية طارئة اليوم الاثنين لبحث اتخاذ موقف من ذلك الإعلان. كما اتخذت الجمعية العمومية للصحفيين في اجتماعهم في 25 نوفمبر قرارا برفض الإعلان ودعت إلى مسيرة تنطلق من نقابة الصحفيين إلى ميدان التحرير للتضامن مع المعتصمين في الميدان حتى التراجع عن الإعلان الدستوري، وكذلك فعلت نقابة المحامين.

لم تتوقف إدانة الإعلان الدستوري على القوى المدنية فقط، بل إن بعض القيادات السلفية التي عبرت عن اتفاقها مع مقاصد الرئيس من الإعلان، إلا أنهم عبروا عن رفضهم تحصين قرارات الرئيس على اعتبار أن العصمة لله وحده. إذ رأى عبد المنعم الشحات المتحدث الرسمي للدعوة السلفية أنه لا عصمة لبشر بعد الأنبياء ولا يجوز لأحد أن تكون قراراته كلها غير قابلة للطعن بأي طريق وأمام أي جهة، كما طالب اسامة القوصي الداعية السلفي الرئيس عن الإعلان وعن التعدي على السلطة القضائية. وانتقد ياسر برهامي الصلاحيات الواسعة للرئيس. كما اعترض الاستاذ محمد عبد القدوس رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيين وعضو الإخوان المسلمين على الإعلان، مؤكدا أنه باعتباره ابن ثورة الحرية يرفض السلطات المطلقة للرئيس مهما كانت الأسباب.

استقالات من مؤسسة الرئاسة

وعلى صعيد آخر، أدى الإعلان إلى انسحاب عددا من مساعدي ومستشاري الرئيس. إذ انسحب الدكتور سمير مرقس مساعد الرئيس للتحول الديمقراطي، كما انسحب كل من الأستاذ فاروق جويدة والأستاذة سكينة فؤاد، كما تناثرت بعض الأنباء بالأمس (25 نوفمبر) عن استقالة كل من الدكتور سيف الدين عبد الفتاح والدكتور عمرو الليثي ومحمد عصمت سيف الدولة من الهيئة الاستشارية للرئيس. الأمر الذي يعني أن مصر باتت على أعتاب أزمة حقيقية يصفها البعض بالكارثة، خاصة في ظل أولا تمترس كل طرف خلف موقفه وارتفاع سقف المطالب، وثانيا ما تشير إلى العديد من الشواهد من تحول الاختلاف السياسي إلى حالة من العنف المتبادل والتهديد باستخدام العنف حتى أن قيادي الإخوان وهو المهندس مدحت الحداد مدير مكتب جماعة الإخوان بالإسكندرية، وعضو مجلس شورى الجماعة قال مهددا “إحنا مش أقلية لازم الكل يبقى عارف كدة كويس … إحنا عارفين حجمنا أد إيه، وحنتصرف على هذا الأساس والعنف بالعنف”.

سيناريوهات ثلاثة

باختصار، فإن الإعلان الدستوري قد أدخل مصر في أزمة حقيقية وغير مسبوقة في ظل النظام الجديد الذي لم يمر عليه في السلطة سوى ما يقرب من خمسة أشهر. إذ خلق الإعلان حالة قريبة من تلك التي كانت عليها مصر إبان ثورة 25 يناير، حيث أصبح الإخوان أو التيار الإسلامي في جانب بينما الجميع في جانب آخر، وعادت شعارات الثورة مثل “الشعب يريد اسقاط النظام” و “ارحل” إلى الواجهة مرة أخرى. وهنا يثور التساؤل هل من مخرج من تلك الأزمة التي تكاد تعصف بمنجزات الثورة. وفي الواقع فإن الخروج من تلك الأزمة سيأخذ ثلاثة أشكال أو سيناريوهات:

الأول: تراجع الرئيس وسحب الإعلان الدستوري كما تطالب القوى المدنية.

وهو سيناريو على الرغم من صعوبة تصور إمكانية تحققه، على اعتبار أن الموقف الذي أوجده الإعلان الدستوري هو موقف صفري بالدرجة الأولى، بحيث أن كل مكسب يحققه طرف ما يعني خصما أو خسارة بالضرورة للطرف الآخر، فإن سوابق الرئيس في التعامل مع الأزمات التي أجدتها قراراته يشير إلى أنه سيناريو غير مستبعد، بل إن تلك السوابق هي التي تدفع المعارضين للإعلان للتمسك بضرورة التراجع عنه. فالرئيس تراجع سابقا على الاقل في أزمتين؛ الأولى في 8 يوليو الماضي على خلفية قراره بإعادة مجلس الشعب المنحل، والثانية في 11 أكتوبر على خلفية قراره استبعاد النائب العام. ومن ثم فإن الرسالة الأساسية التي خرج بها الجميع من هذين الموقفين هو أن قرارات الرئيس غير مدروسة بالقدر الكافي وأنه يلقي بقراراته لاختبار صلابة المعارضين أو المستهدفين بقراراته، فإذا ما كان رد فعلهم عنيفا فإن الرئيس يتراجع.

الثاني: الإصرار على الإعلان الدستوري بصرف النظر عن رد فعل الشارع.

وهو سيناريو يبدو مستبعدا في ظل رد الفعل المتصاعد من القوى المعارضة للإعلان وفي ظل ما يحدثه الإصرار على الإعلان من انسحابات من الفريق الرئاسي ومن استياء سواء بين بعض عناصر الإخوان أو بين قيادات التيار الإسلامي والسلفي تحديدا. كما أن الإخوان يدركون جيدا أن التداعيات المتوقعة للإصرار على الإعلان لن تكون في صالحهم بأي حال من الأحوال. فالأوضاع الاقتصادية والأمنية في مصر لا تحتمل مثل تلك التوترات التي تحدث في الشارع منذ إصدار الإعلان الدستوري.

الثالث: التراجع الجزئي.

أي أن يتراجع الرئيس عن بعض المواد التي تضمنها الإعلان، مثل تلك المحصنة لقراراته والتي تنال من السلطة القضائية مع الإبقاء على بقية المواد المتعلقة بإقالة النائب العام وإعادة المحاكمات. ويبدو أن هذا السيناريو هو الأقرب للتحقق، إذ تشير الاجتماعات التي عقدها الرئيس مع فريقه الرئاسي والبيان الذي أصدرته الرئاسة لتوضيح الإعلان الدستوري واللقاء الذي سيجمع الرئيس بالمجلس الاعلى للقضاء اليوم (26 نوفمبر)، والذي سيركز بالأساس على البحث في كيفية الخروج من المأزق ومبادرة المجلس الأعلى للقضاء بقصر تحصين قرارات الرئيس على القرارات السيادية، تشير إلى أن ثمة نية فعلية للتراجع الجزئي وأن البحث الجاري في كيفية إخراج هذا التراجع بالشكل الذي لا يضر كثيرا بموقف الرئيس.

وأخيرا، فإن تحقق أي من السيناريوهات السابقة، وبصرف النظر عن القرار الذي سيتخذه الرئيس، سيظل رهنا بموقف القوى السياسية وحالة الاحتقان المتواجدة في الشارع حاليا. وفي كل الأحوال فإن تأخر الرئيس في التعامل مع الغضب المتصاعد في الشارع سيزيد الأمور تعقيدا. فالتأخر سيخلق حالة شبيهة بتلك التي كان عليها نظام الرئيس السابق مبارك إبان ثورة 25 يناير، حيث كانت قراراته أو بالأحرى تنازلاته تأتي متأخرة في وقت يكون سقف المطالب قد ارتفع ولا يجد الثوار أو المعارضون للرئيس سوى التصعيد ورفع سقف المطالب. كما أنه من المؤكد أن ما يحدث في الشارع وفي ميدان التحرير حاليا سيزيد من احتمالات وقوع أحداث عنف خاصة مع الأجهزة الأمنية بما قد ينتج عنه مزيدا من الإصابات والشهداء بما من ِشأنه أن يضعف من فرص التوصل إلى اتفاقات. ومما لا شك فيه فإن محاولات الوصول إلى حل للخروج من المأزق قبل ما حدث بالأمس (25 نوفمبر) من الإعلان عن وفاة جابر صلاح عضو حركة 6 أبريل، وإسلام فتحي مسعود عضو الإخوان المسلمين في اشتباكات دمنهور كانت أسهل بكثير مما هي عليه اليوم.

* الدراسة أعدها صبحي عسيلة

قرارات صعبة

 حسين شبكشي

غير معروف حتى الآن «حجم» الاعتراض على القرارات الرئاسية الأخيرة للرئيس المصري محمد مرسي، ولكن من الواضح جدا أن هذه القرارات «ضربت» على وتر حساس للغاية في المجتمع المصري وأثارت مجموعات سياسية مختلفة تخشى من كابوس عودة بعبع الديكتاتورية واضمحلال تام لدولة المؤسسات (التي كانت هشة أساسا). الرئيس محمد مرسي حين تسلم المنصب رسميا بعد انتخابات رئاسية كان فيها الكثير من الجدل واللغط كان يدرك أنه أمام ثلاثة تحديات رئيسية لكي يحصل له «التمكين» المنشود؛ التحدي الأول هو تحييد القوات المسلحة تماما والخلاص من الصف الأول من القادة المحسوبين على العهد القديم، وقد تم له ذلك كما اتضح من تبعات الأحداث، والتحدي الثاني كان السيطرة على الإعلام الرسمي تماما وزرع العناصر والكفاءات التي تكون مضمونة الولاء للاتجاه الجديد للحكم، أما التحدي الأهم والأعقد كما اتضح بعد ذلك كان معركة السيطرة على القضاء.

مؤسسة القضاء «تاريخيا وتقليديا» في مصر تعتبر أنها ذات طابع مستقل نوعا ما، وهذه المؤسسة على الرغم مما طرأ عليها من ترهل وتأثر بالأوضاع السيئة التي مرت عليها البلاد عموما، فإنها ظلت في معظم الأحيان بمثابة صوت الضمير والحكمة كما كان الحال حتى في السنوات الأخيرة من حكم حسني مبارك، وتحديدا خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت وسادها الكثير من علامات وشواهد التزوير والاحتيال، وكان لموقف بعض القضاة التمهيد «المبادئي» للتشكيك في جدارة ومصداقية الحكم، وبالتالي كانت بداية التطورات التي أدت إلى ما آلت إليه الأمور بشكل متسارع.

واليوم ومع قرارات الرئيس المصري الأخيرة، التي استهدف فيها مؤسسة القضاء بشكل واضح وصريح وتم «إخراج» القرارات المذكورة بشكل فيه الكثير من التحدي والمواجهة وإلى حد كبير «الاستفزاز»، مما جعل الكثير من القوى السياسية الأخرى والمنافسة لجماعة الإخوان المسلمين تتوحد في مواجهة الرئيس وليشتعل الشارع المصري مجددا، ويبدو أن البلاد دخلت في خندق مواجهة «تكسير عظم» في ظل رفض واضح بين الطرفين لتقريب وجهات النظر، إلا أن العناد والتصلب والتشبث بالرأي سيضر بالبلاد أشد الضرر، والذي فاقم تطور الأزمة كان الاستقالات المتتالية لعدد غير بسيط من المستشارين المعينين لرئيس الجمهورية، وهذا التطور بحد ذاته يعتبر كارثيا لأنه يأتي بمثابة اعتراض من الدائرة المقربة للرئيس، مما يعني أن القرارات الرئاسية الأخيرة لم تأخذ نصيبها الكافي من التريث والدراسة للإلمام بالتبعات المتوقعة في ظل جو متوتر وشارع متأجج المشاعر.

تأتي هذه القرارات المثيرة للجدل في وسط جو ملتهب وغاضب ومحبط من أداء وزارة هشام قنديل رئيس الوزراء الذي يوصف بالضعف وقلة الخبرة. هناك انطباع آخذ في التكون، وهو انطباع قاسٍ نوعا ما، بأن هناك مرحلة «تعلم في الحكم» تطبق الآن من الجماعة الحاكمة في مصر على حساب الناس والشعب، وهذه المسألة باتت مكلفة وباهظة الثمن في ظل تقهقر الأمن وتخبط الاقتصاد، كما يظهر ذلك بالأرقام في القطاعين.

مصر بحاجة ماسة وعاجلة للتصالح مع النفس وعلى عجالة لأن الهوة مستمرة في الاتساع بين أطياف المجتمع، والشارع متأزم، وظاهر القرارات يبدو واضحا فيه التسلط الكامل لصالح طرف واحد لا غير، وإعادة شبح الديكتاتورية بشكل جديد (وهو نفس النغمة التي رددها الضباط الأحرار الذين انقلبوا على النظام الملكي ووعدوا بأن ما حصل من تعطيل للدستور وإلغاء للحريات والحكم المطلق للثورة هو مسألة مؤقتة ليكتشف الناس أنه كان كابوسا مستمرا لستة عقود من الزمن).

اليوم مصر تشهد ثورة غير مكتملة وحريات غير محققة وتصارعات بلا تصالح، والنتيجة أن الثورة لا تجد من يفرح بها كاملة إلى الآن، ولكن يبقى الرهان قائما على مجتمع مدني موجود في مصر له إعلامه وله نقاباته وله رجاله وله أصواته، سيكون بشكل أو بآخر قادرا على لجم التسلط والاستفراد بالسلطة. قد يبدو الطرح مثاليا بعض الشيء ولكني أعتقد أنه ما كان مسموحا به ذات يوم لن يكون من الممكن أن يتكرر مجددا.

مصر بحاجة إلى قرارات صعبة أساسها المشاركة بين الجميع.

قرارات مرسى تشعل الحرب مع قضاء مبارك

عمرو أبوالخير

قالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية إن الإعلان الدستورى الذي أصدره الرئيس المصري “محمد مرسي” يوم الخميس الماضي ليمنح نفسه صلاحيات مطلقة ويكبح جماح السلطة القضائية أشعلت من جديد نار الفتنة التي كانت خامدة بين القضاء الذي يعلن ولاءه للنظام السابق وبين الرئاسة الجديدة ويدخلهما في تحدٍ جديد، لاسيما بعد أن أعلن القضاة إضرابا كاملا عن العمل في المحاكم.

وأوضحت الصحيفة أن القضاة المصريين ثاروا أمس السبت على مرسوم الرئيس “مرسي” الذي يمنع القضاء من النظر في أي طعون قضائية ضد قرارات الرئيس، ونددوا بها على أنها محاولة لسلطة مطلقة تُعيد البلاد إلى عصر الاستبداد والديكتاتورية وتخلق “مبارك” في شكل جديد، داعين إلى إضراب عام للقضاة.

وتابعت الصحيفة، قائلة: “إن هذا التنديد الواضح من المنظمات القضائية والقانونية بما فيها نادي القضاة والجمعية الوطنية للمحامين أتى بعد أن وصف المجلس الأعلى للقضاء هذا المرسوم على أنه هجوم غير مسبوق على استقلال القضاء ويحول دون إقامة دولة القانون أو احترامها”.

وذكرت الصحيفة أن الإضراب القضائي الذي دعا إليه نادي القضاة المصريين أمس السبت يُعد هو الخطوة الأكثر تصعيدًا في الصراع السياسي بين القيادة الإسلامية الجديدة في البلاد وبين مؤسسات الحكومة الاستبدادية القديمة حول صياغة الدستور المصري الجديد.

وأشارت الصحيفة إلى أن القضاة الذين تم تعيينهم من قبل الرئيس المخلوع “حسني مبارك” انضموا إلى القادة السياسيين الليبراليين والعلمانيين ليشكلوا جبهة معارضة ضد هذا المرسوم الذي يرون أنه يقلص سلطاتهم التي لطالما تمتعوا بها في ظل النظام القديم.

ولفتت الصحيفة إلى أن التوترات اندلعت منذ أن قال الرئيس “مرسي” في محاولة لتبرير قراراته التي أطلقها يوم الخميس: “لقد اتخذت تلك الخطوات من مبدأ الوصول إلى فترة استقرار من خلال منع المحاكم التي يقوم عليها رجال النظام السابق من حل اللجنة الدستورية المكلفة بصياغة الدستور الجديد والتي قامت بحل نظيرتها في وقت سابق، فضلًا عن حل البرلمان الذي أطلق عليه “برلمان الثورة” فى وقت سابق.

وأضاف الرئيس “مرسي” أن سلطاته الموسعة التي فرضها لنفسه “معلقة ومؤقتة” فقط حتى يتم التصديق على الدستور الجديد بعد عرضه على استفتاء شعبي.

نيويورك تايمز

المأزق في مصر: هل تفشل الثورة الرابعة؟

خالد الدخيل *

ما بين 9 أيلول (سبتمبر) 1881 و25 كانون الثاني (يناير) 2012، شهدت مصر كما يقول المصريون أربع ثورات. «ثورة عرابي»، و «ثورة» 1919، ثم ثورة 23 يوليو، التي بدأت بانقلاب عسكري في صيف 1952، وأخيراً ثورة 25 يناير الحالية. فشلت «الثورات» الثلاث الأولى في تحقيق أهدافها. فشلت ثورة عرابي لأنها انتهت بالاحتلال الإنكليزي لمصر. وفشلت ثورة 1919 بسبب الاستعمار الإنكليزي أيضاً بشكل أساسي وتعاون القصر معه. أما ثورة 1952 فيعود فشلها قبل أي شيء آخر إلى سيطرة العسكر على الدولة. والآن تواجه ثورة 25 يناير مأزقاً حقيقياً. هل تنتهي إلى المصير ذاته؟

عند الإجابة عن هذا السؤال، يجب مراعاة حقيقة أن ثورة 25 يناير هي أول ثورة شعبية في تاريخ مصر، وأنها لذلك تختلف عن «الثورات» التي سبقتها في ثلاثة أمور مهمة: الأول أن محفزاتها داخلية شعبية ضد استبداد النظام السياسي الذي كان قائماً، وأنها ومن دون محفزات خارجية (الاستعمار) كما كانت «الثورات السابقة»، خصوصاً «ثورتي» عرابي و1919. ثانياً أنها مع بقية ثورات الربيع العربي هي ثورة من دون قيادة سياسية أو تنظيمية أو حتى فكرية. وهذا مصدر أساسي من مصادر التوهان، الذي لا تزال تعاني منه. ثالثاً أن النخبة التي فجرت الثورة (شباب الثورة) لم تملك بعد تفجيرها مقومات السيطرة على قيادتها، ومنع الانقسام حولها، والسير بها نحو تحقيق أهدافها. من هذه المقومات التنظيم والقاعدة الشعبية، والتاريخ، والمال، وشبكة العلاقات. ولذلك انتقلت قيادة الثورة مباشرة (ربما موقتاً) إلى قيادات وتنظيمات منقسمة، لا علاقة لها بتفجير الثورة، ولا حتى بمفهوم الثورة ذاته. وهذا لا ينطبق على «الإخوان» وحسب، بل على الناصريين والوفديين والمستقلين الذين التحقوا بالثورة، حتى وإن اختلفت أوقات الالتحاق من فريق لآخر. ربما أن الأقرب لشباب الثورة من هذه الناحية هي حركة «كفاية»، إذ أسهمت هذه الحركة في تهيئة الظروف لها.

هناك إجماع واضح حول الرفض القاطع للاستبداد، والانتقال بمصر إلى مرحلة الديموقراطية وحكم القانون. لكن الاختلاف وانعدام الثقة يهيمنان على المشهد في ما يتعلق بكل شيء آخر تقريباً. ما هي الديموقراطية المنشودة تحديداً؟ وما هي المرجعية القانونية والأخلاقية التي يجب أن تحتكم إليها هذه الديموقراطية؟ أين موقع الدين في هذه الديموقراطية؟ هل يمكن أن تكون الدولة ديموقراطية وهي ترتبط، أياً كان شكل الارتباط، بالدين؟ ما هي العلاقة التي يجب أن تكون بين القانون والشريعة؟ وما هي الحقوق التي يجب على الدولة الالتزام بها وصيانتها؟ وما هي علاقة هذه الحقوق بالقيم والأخلاق، الدينية أو غيرها؟ هذا بعض من أهم الأسئلة التي تقبع خلف الخلافات والانقسامات التي تعصف بمصر هذه الأيام. من الواضح أن الظروف الاجتماعية والسياسية في مصر لا تسمح بمواجهة هذه الأسئلة مباشرة، ولا تعطي مساحة من الحرية متكافئة لكل فريق في أن يجيب عن هذه الأسئلة بحرية تامة. وهذا يعني أن الثورة لم تكتمل بعد أو لم تصل إلى ذروتها. هناك حال ثورية، لكنها لا تزال مسيجة بالمعطيات الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة قبل الثورة. وبما هي كذلك، فإن الثورة التي تمثلها هذه الحال، حتى الآن، هي ثورة سياسية على الاستبداد. هذا واضح. لكن هل هي ثورة على الأسس الاجتماعية والثقافية، التي كان يعتاش عليها هذا الاستبداد؟

«الإخوان» مثلاً ومعهم السلفيون يؤمنون بأن الإسلام دين ودولة، وبالتالي ليس هناك تناقض بين الدين والديموقراطية بالنسبة إليهم. يختلفون في ما بعد ذلك، لكن هذا ليس وقت الاختلاف. ما يجمعهم الآن هو الاصطفاف في وجه التيار المدني. القوى المدنية (العلمانية) لها رأي آخر، لكنه ليس رأياً واحداً، وهي في كل الأحوال لا تستطيع التعبير عن رأيها بالكامل حيال هذه المسألة. هذه القوى منقسمة أكثر من انقسام التيار الإسلامي. وما يجمعها هو الوقوف في وجه التيار الإسلامي، تماماً مثلما جمعت معارضة مبارك الإسلاميين والمدنيين معاً. تجاوز الإسلاميون تحريم الديموقراطية، لكنهم يريدونها ديموقراطية إسلامية لا تتصادم مع ثوابت الشريعة. والمدنيون يؤكدون هويتهم الإسلامية. كل فريق لا يريد مواجهة السؤال الجوهري للخلاف. وبالتالي هناك مساحة لكل فريق تمكنه من الحركة والمناورة. وداخل هذه المساحة هناك معطيات وقوى أخرى لها مصالح في ما يحدث، من بينها المستقلون، وما يسمى بالدولة العميقة، وخصوم للمدنيين والإسلاميين من كل لون. «الإخوان» يتوجسون بعد فوزهم بالانتخابات البرلمانية والرئاسية أن هناك من يريد شل مؤسسات الدولة لضربهم من الداخل. والتيار المدني يتهم «الإخوان» بمحاولة الهيمنة على الدولة أو «أخونتها». وفي خضم ذلك يتجه التياران الرئيسيان بسرعة إلى نقطة المواجهة.

والذي دفع الأمور في هذا الاتجاه هو الرئيس محمد مرسي بإعلانه الدستوري الأخير. كان محقاً في البحث عن مخرج مما يراه شللاً أصاب دولة من دون دستور ولا برلمان، وبمؤسسة رئاسة علاقتها مضطربة مع القضاء والمعارضة. كان بإمكانه قبل إصدار الإعلان الدستوري التوجه إلى الشعب، ومخاطبته مباشرة، والاحتكام إليه، وذلك بطرح الإعلان للاستفتاء. بدلاً من ذلك انفرد بالقرار ضد الجميع، وبالتالي اصطدم مع الجميع، مؤكداً بذلك تهمة خصومه. الآن، حتى لو كان الرئيس محقاً في ما كان يرمي إليه، إلا أنه لا يمكنه تجاهل خروج عشرات الآلاف، وربما مئاتها، تطالب بإلغاء الإعلان. فأكثر ما يميز ثورة 25 يناير أنها ثورة شعبية، وهذا ربما ما يجعلها الثورة الوحيدة في تاريخ مصر. الحضور الشعبي، والنفس الطويل لهذا الحضور على رغم كل الخلافات والانقسامات، وعلى رغم مرور ما يقرب من السنتين على سقوط الرئيس السابق، يعطيها زخماً وقوة دفع ليس من الحكمة الاصطدام معه. ومن حيث إن هذا الحضور الشعبي لا يعني تأييداً لخصوم «الإخوان» بالضرورة، بقدر ما أنه رفض لخيارات «الإخوان» السياسية، فإن الصدام معه في هذه الحال هو صدام مع روح الثورة.

والحقيقة أن الخيارات حسمت الآن على الجانبين. فالتيارات المدنية ألزمت نفسها بإسقاط الإعلان الدستوري، وأنها مستعدة للذهاب في سبيل تحقيق ذلك إلى كل خطوات التصعيد التي قد يتطلبها الموقف. و «الإخوان» من جانبهم يرفضون سحب الإعلان. واختاروا الذهاب إلى الشعب للاستفتاء على مسودة نهائية لدستور صوّتوا عليه مع حلفائهم في جمعية تأسيسية كانت ولا تزال محل نزاع بين الطرفين. صحيح أن الدستور بطبيعته يجب أن يكون محل توافق بين جميع الأطراف. لكن القوى التي تولت قيادة الثورة فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق ذلك على مدى سنتين تقريباً. لم يعد هناك من خيار بعد الآن، إلا واحد من ثلاثة: إما الحوار للخروج من المأزق، أو قبول الجميع بحكم الشعب على مسودة الدستور المطروح للتصويت، أو الصدام الذي قد يتطور إلى ما هو أسوأ من ذلك. وهنا يأتي الاختبار الحقيقي لميزة هذه الثورة، وهي روحها الشعبية. انقسام الشعب بما يعكس انقسام النخبة، كما يبدو الآن، يعني أن مصر تتجه إلى صدام أهلي. إذا حصل ذلك، فهو لا يعني بالضرورة أن الثورة فشلت. لا يزال من المبكر إصدار حكم مثل هذا. لكنه يعني أنها انتقلت إلى مرحلة جديدة، وستكون مرحلة مختلفة تماماً عما قبلها. السؤال عندها: أي الفريقين سيخسر الرهان الذي اعتمد عليه؟ لن يطول الزمن كثيراً لمعرفة إجابة السؤال.

* كاتب وأكاديمي سعودي

الحياة

«البرادعي عميل وحمزاوي فلول»

حازم الأمين

سريعاً ما أقلع كثيرون ممن حملهم «الربيع العربي» الى مواقع التغيير عن كونهم «ثواراً»، وذلك بفعل الهبّة المصرية الأخيرة في وجه الرئيس الإخواني محمد مرسي. أصدقاؤنا الإخوانيون، أو الذين من مجتمع الإخوان، أولئك الذين ربطتنا بهم علاقات سنوات في الظل وفي المعارضة وفي مكابدة سلطات جائرة، المختلفون عنا، لكنْ القريبون والودودون، ها هم اليوم سلطة أنجزت خطابها وتستعد لجولة التهام أين منها تلك الجولات التي صال فيها الحكام العرب الذين أطاحهم ربيعنا وربيع الإخوان المسلمين.

فجأة انتقل «الثوار» الى موقع السلطة، وبضربة «كي بورد» واحدة صار عمرو حمزاوي مثقف الفلول ومحمد البرادعي عميلاً أميركياً تآمر على العراق، وتذكر هؤلاء ان حمدين صباحي فاز في مجلس الشعب بأصوات الإخوان المسلمين. مَنْ قال ذلك هم «ثوار» الإخوان وأقرباؤهم الذين كانوا قبل أقل من سنتين ضحية هذه اللغة. اللغة نفسها تماماً، ذاك أنهم لم يُمضوا أياماً في السلطة تكفي لإنتاج لغتهم الخاصة. سريعاً ما استعانوا بلغة السلطة المندحرة. هم ليسوا مسؤولين في الإخوان المسلمين، وفي السنوات الأخيرة لم يبق من ايمانهم سوى طقوس وممارسات لا تقطع معنا نحن غير الممارسين. انهم صحافيون ومثقفون وباحثون كنا نعتقد ان ما يفرقنا عنهم قليل وما يجمعنا بهم كثير، وإذا بهم يطردوننا من لغتهم ومن سلطتهم لمجرد أننا تظاهرنا ضد السلطان. انه سلطانهم ومن تبقى هم… فلول الثورة.

انها السلطة الجائرة نفسها. محمد مرسي بلغته المستجدة والمتعالية يرفع سُبابته في وجهنا. السُبابة عينها، والتي يبدو ان لا حياة لسلطة من دونها، فكيف اذا كان الحاكم اســلامياً يعتقد ان سلطته غير زمنية وأننا رعاياه ومن يخرج منا عن طاعته لا يستحق إلا ان يكون فلولاً.

والحال ان الإخوان المسلمين كانوا سلطة قبل ان يفوزوا بالسلطة. كانوا سلطة موازية، وسلطة بلا لغة ولا مشروع. الأنظمة المتداعية كانت تركت لهم هامشاً سلبياً أقدموا فيه على التماهي مع المجتمعات النائمة، فأنشأوا فيها تجاراتهم ومؤسساتهم ومساجدهم كجماعة «إحيائية»، واستمروا على ما هم عليه الى ان لاحت الفرصة، فانقضت السلطة النائمة على الفراغ الذي خلفه سقوط الأنظمة، وخرج محمد مرسي رافعاً سُبابته.

لكن المذهل في السلطة الجديدة هو نخبها، ذاك ان الخبرة في المعارضة أو في الثورة لم تُكسِب هؤلاء مناعة تقيهم شر السقوط في فخاخ سقطت فيها قبلهم الأنظمة المتداعية. صور ساحة التحرير خالية على صفحاتهم على «فايسبوك» كانت مهمتها القول إن التظاهرة ضد مرسي (سلطانهم الجديد) فشلت. التقنية نفسها التي استعملها نظام «البعث» في سورية عندما قال ان المتظاهرين في دمشق خرجوا محتفلين بالأمطار بعد أشهر من الجفاف. هل يمكن هذه اللغة ان تكون لغة سلطة منبثقة من ثورة؟ ان تكون لغة مثقفي السلطة وكتابهم ووجوهها؟ لقد جرى ان انتشرت صورة ميدان التحرير وهو خالٍ من البشر قبل التظاهرة على صفحاتهم على «فايسبوك»، وقالوا في تعليقاتهم إنه الميدان في أثناء التظاهرة.

نعم الإخوان سلطة مضاعفة، انهم سلطة مجتمع ما قبل الثورة وما قبل كل شيء، وهم اليوم سلطة الدولة. وسلطة مشحونة بهذا القدر من الطاقة السلبية والرجعية لن تصمد كثيراً، فالتجربة القصيرة للإخوان المسلمين في مصر وفي تونس تؤشر الى حجم الأخطاء والى انعدام المرونة. فشل في الاقتصاد وفشل في التعامل مع الحريات التي أنتجتها الثورات، وانعدام القدرة على الخروج من الثوب الإخواني غير الفضفاض على مستوى اللغة وعلى مستوى الظهور الإعلامي، وعجز مفجع في التمييز بين المواطن وبين المؤمن، وتعثر في مخاطبة مَنْ هم خارج المساجد. وها هو محمد مرسي لم يجد إلا السُبابة ليخاطب بها المصريين، وقد اختار الرئيس أنصاره فقط ليبتسم لهم، ولم يشعر أن من يعتصم في ميدان التحرير انما هم «رعيته» أيضاً. فهؤلاء بحسبه خارج المسجد.

الهبّة المصرية كشفت الكثير من مضامين السلطة الإخوانية، وسقطة الاستيلاء على الدولة وعلى السلطات لم تكن خطأ عابراً. انها جوهر السلطة الإخوانية التي لا تملك الا الخبرة التي حصلتها خلال عيشها في جوار السلطة المندحرة. السلطة كلها في يدنا، والا لا تستقيم «الولاية» على الناس، ثم ان الوعي الإخواني أضاف إلى هذه المعادلة عمقاً جوهرانياً، وهو النص الديني الذي لم يكن يملكه ولا يدعيه الطاغية المتهاوي.

التماهي المطلق مع سلطة ما قبل الثورات، والتماهي المطلق أيضاً مع سلطة ما يتوهمه الإخوان انه «المجتمع»، هذان التماهيان أخرجا الحاكم الجديد من قصره رافعاً السبابة في وجه المصريين.

«لا شيء إلا نحن… ولا أحد إلا نحن»! لم ينتبه أصدقاؤنا الى حجم الغطرسة التي ينطوي عليها ما قاله وما فعله إخوانهم المسلمون. ولن يُصدق المرء ان أقل من سنتين في السلطة خلّفت كل هذه النشوة. لا بد من ان لهذه الغطرسة أصلاً آخر في ثقافتهم، وأن خبرة سلبية في السلطة كانت تنبني في ظل عيشهم تحت جناح الحاكم.

صورة ميدان التحرير خالياً من المتظاهرين، هي الجواب الإخواني الافتراضي عن الهبّة المصرية. تنتمي هذه المعادلة الى ثقافة «فلولية» من دون شك، لكنها أيضاً، في حالة الإخوان المسلمين، تضرب بجذورها في ثقافة أخرى.

الجواب موجود في مسودة الدستور المصري الجديد، وفي تحول حركة «إحيائية»، على ما عرّفها راشد الغنوشي، الى سلطة. وهو ما يعني ان سلطة الإخوان موظفة اليوم لإحياء الشريعة في الدستور وفي القانون وفي المجتمع.

الحياة

عن شعب مصر وقضاتها… والنخب السياسية فيها

محمد مشموشي

تكشف الأحداث الأخيرة في مصر، والتي أدت اليها قرارات الرئيس الإخواني المنتخب ديموقراطياً محمد مرسي، حقيقتين بالغتي الأهمية ليس بالنسبة الى هذه الدولة الكبرى من دول «الربيع العربي» فقط، انما بالنسبة الى البلدان الأخرى أيضاً: أولاهما، عجز النخب السياسية والحزبية والثقافية، الكامل أو الجزئي، عن ممارسة حد مقبول من الحياة الديموقراطية السليمة بعد وصولها الى السلطة من طريق الانتخاب، في مقابل قبول شعبي للعبة بكل تعقيداتها وأعبائها واستعداد للنزول الى الشارع والاعتصام فيه ذوداً عنها. والحقيقة الثانية قدرة السلطة القضائية عندما يتوافر لها حد أدنى من حرية الحركة على الدفاع عن نفسها، ليس في وجه تغول السلطة التنفيذية عليها فقط، بل لضمان سلامة اللعبة الديموقراطية أيضاً.

هل تكفي الحقيقتان هاتان للاجابة عن السؤال المثار، غربياً وحتى عربياً، منذ انطلاق الثورات في هذه البلدان عن استعداد، أو عدم استعداد، الشعوب العربية ونخبها السياسية لممارسة الحياة الديموقراطية، انتخاباً واحتراماً لارادة الناس وتداولاً للسلطة؟

واقع الحال، أن ما ذهب اليه «حزب الحرية والعدالة» (جماعة الإخوان المسلمين) الذي ينتسب اليه الرئيس مرسي، وأخذ شكل «اعلان دستوري» جديد وقرارات رئاسية وصفت بأنها «فرعونية» ولم يسبقه اليها أي من الحكام السابقين، كان دليلاً بيّناً على أن هذا الحزب الجماهيري (سيطر بالانتخاب الشعبي على مجلسي الشعب والشورى ورئاسة الجمهورية) ليس على مستوى موجبات العمل الديموقراطي الذي طالما اشتكى من غيابه في العهود السابقة.

لماذا هذا الانكشاف السريع لعدم أهلية الجماعة والحزب المنبثق عنها، كي لا يقال عجزهما البنيوي بعد الوصول إلى السلطة، عن مواصلة أداء ما يوصفان به من «تقية» سياسية وهما في المعارضة؟

في التقويم الأولي، هناك أكثر من سبب:

– إما أن الجماعة ترى في الـ51 في المئة من أصوات الناخبين مبرراً لإلغاء الـ49 في المئة الأخرى، أو لاعتبارها غير موجودة في الأصل… ما ينفي أهم معاني العملية الانتخابية التي تفترض، سياسياً على الأقل، الاقتراب من هذه الأخيرة بهدف محاولة كسبها في المستقبل.

– وإما أن الجماعة، خوفاً من هذا المستقبل تحديداً، أرادت الاسراع في تجسيد نجاحاتها الانتخابية، وتالياً ايديولوجيتها الفكرية، واقعاً على الأرض منذ الآن، خصوصاً بعد ما اعتبرته انجازاً على صعيد كسر شوكة المؤسسة العسكرية قبل فترة، ثم أخيراً على مستوى دورها المقبول محلياً وعربياً ودولياً في انهاء العدوان الاسرائيلي على غزة.

– وإما أنها تعاني، بين التطرف والمزيد من التطرف والاعتدال بين تياراتها، صراعات داخلية تشدّها في اتجاهات متباينة، خصوصاً أن مرسي نفسه لم يكن خيارها الأول كمرشح للرئاسة، وأن تياراً في الجماعة كان يريد منافسه على الرئاسة خيرت الشاطر رئيساً للحكومة… وهذا ما لم يتم بتولي هشام قنديل المنصب.

– وإما أنها، اضافة الى ذلك كله، لم تجد ما تفعله في حروبها على جبهات متعددة، ضد اليمين الراديكالي الذي يمثله السلفيون من جهة وضد الليبراليين واليسار وحركات الشباب من جهة ثانية، إلا كشف أوراقها في الفترة الرمادية هذه… قبل الانتهاء من صوغ الدستور وانتخاب مجلسي شعب وشورى جديدين، وتالياً فتح أبواب الأسئلة الكبيرة عن مشكلات مصر المتعلقة بالفقر والجوع والبطالة والصحة والتعليم ومستقبل الشباب.

في الوقت ذاته، بدا العجز أو عدم الأهلية بيِّناً كذلك لجهة الأحزاب الليبرالية والحركات الشبابية (أكثر من أربعين حزباً وحركة) التي لم تتمكن على رغم تجاربها المرّة في الانتخابات المتعددة السابقة من أن تتوحد أو حتى أن تشكل ائتلافاً واحداً أو أكثر، مع أنها كلها تتحدث اللغة ذاتها وتردد الأفكار اياها، إن في مواجهة الاسلاميين، على تعدد أحزابهم وتوجهاتهم، أو على صعيد الحرص على ارساء الديموقراطية والمواطنية والحداثة في مرحلة ما بعد إسقاط الديكتاتورية وحكم العسكر.

في ممارسات هذه الأحزاب، قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية وحتى بعدها، ما يدل على أن أهدافها لم تتعدَّ حدود الوصول (بالمعنى السيء لكلمة الوصولية) الى السلطة. ومع أن الرغبة في السلطة ليست عيباً في اللعبة الديموقراطية، وأن التنافس من أجلها ليس خطيئة، فما كشفته الشهور القليلة الماضية أشار بجلاء الى لا أهلية آنية على الأقل لمجمل الأحزاب والحركات الشبابية، ليس في مواجهة الاسلاميين وما يرفعونه من شعارات (تدمير الأهرامات وأبو الهول وفرض الجزية على الأقباط مثلاً) فقط، وإنما أيضاً وقبل ذلك على مستوى العمل الجاد لنقل مصر الى حياة سياسية مختلفة عما كانت عليه طيلة أكثر من خمسين سنة.

وفي المرحلة الأخيرة، بعد قرارات مرسي والضجة التي أثارتها، ما أعلن عن تشكيل «جبهة انقاذ» من غالبية هذه الأحزاب والحركات، وليس كلها كما يفترض، انما يؤكد هذه الحقيقة أكثر مما يدل على وحدة غير الاسلاميين الجادة والفاعلة في موقفهم من تلك القرارات والعمل بكل الوسائل، مع القضاة الذين رفضوها وتوقفوا عن العمل رداً عليها كما مع المتظاهرين والمعتصمين في «ميدان التحرير» وغيره، من أجل إلغائها.

وما يبقى أن «الربيع المصري»، ومعه «الربيع العربي» كله، ليس في أفضل حالاته بعد نحو عامين من بدء تفتّح زهوره، لكن الخريف الطويل الذي عاشته مصر والمنطقة كان يجب أن يصل الى نهايته الطبيعية والمنطقية من جهة أولى، وأن ما تشهده مصر الآن هو جزء لا يتجزأ من المشهد العام في المنطقة… مشهد الثورة التي تمر بمخاض مؤلم، كما حال كل ثورة في التاريخ، مع أنها محكومة في النهاية بنقل المنطقة الى حياة أخرى.

وما تقوله شوارع القاهرة ونوادي القضاة والسلطة القضائية فيها الآن، وعلى رغم لا أهلية بعض النخب السياسية والحزبية والفكرية، إن زمن الفراعنة انتهى… ليس في مصر وحدها بل في المنطقة العربية كلها.

الحياة

ديمقراطية المرة الواحدة

حسن مدن

حتى أكثر الناس تشاؤماً وخشية من إمساك الإخوان المسلمين بمفاصل الدولة والمجتمع في مصر، لم يكونوا يتوقعون السرعة الفائقة في إنجاز ذلك من قبل الإخوان، قبل قرارات الرئيس محمد مرسي التي جعل، بموجبها، من شخصه مصدراً لكل السلطات، فيما وصفه مراقبون بالانقلاب على الشرعية، ورأى فيها آخرون خطوة غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث، التي لم يبلغ بها الانفراد بالسلطة حد ما ذهب إليه الإخوان بقرارات مرسي الأخيرة .

وهناك من هوَّن قبل “انقلاب” مرسي من مخاطر وصول الإخوان للسلطة في مصر وفي بلدان عربية أخرى لأنه يرى أن أقوى سند قُدم ويُقدم لبعض القوى غير الديمقراطية في بنيتها الفكرية والسياسية، هو إبقاؤها في خانة المعارضة، وعدم الدفع بها لأن تضع ما تعد به من برامج على محك الاختبار الفعلي، لأنه من السهل الذهاب بالمعارضة إلى أقصى الاحتمالات، لكن المعضلة تنشأ حين يصبح المعارضون في السلطة، حيث يتعين عليهم إثبات أنهم قادرون على تصحيح ما كانوا ينتقدونه .

وكان هؤلاء المهونون يعولون على الآليات الديمقراطية ذاتها التي عبرها وصل الأخوان إلى السلطة، حين رأوا أنها جديرة بتصحيح الخيارات الخاطئة، فما يبدو نجاحاً قد يتحول مع الوقت إلى مأزق، حين تنتظر الناس التي منحت أصواتها للأخوان تحسناً ملموساً في أوضاعها فلا تجده، ناهيك عن مصادرة الحريات المدنية، ما يوفر فرصة عدم تجديد الثقة لهم في الانتخابات القادمة أو التي بعدها، وتمكين الناس أنفسهم من إعادة توجيه المخرجات الانتخابية في مدار آخر .

هل يكون هذا ما وعاه الأخوان فأرادوا معاجلة التململ الشعبي والسياسي من أدائهم بقرارات مرسي، تمهيداً لفرض دستور وفق مقاسهم، ومصادرة كامل الفضاء السياسي في البلاد، وليثبتوا أن الإسلاميين يؤمنون بديمقراطية المرة الواحدة فقط التي تمكنهم من الوصول للسلطة، ليلغوها بعد ذلك؟

يبقى سؤال: هل آنس الرئيس مرسي في نفسه اطمئناناً قبل إصدار قراراته الأخيرة، إثر نشر الصحافة الأمريكية تقارير الثناء عليه التي تضمنت إشادة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بنظيره المصري، وبما أظهره من براغماتية، أثناء التفاوض لإنهاء الحرب الأخيرة بين حماس و”إسرائيل”، الذي قادته كلينتون بإشراف أوباما نفسه عبر التواصل المباشر بالهاتف مع مرسي؟

الخليج

هل يفشل العقل السياسي الانقلابي؟

سليمان تقي الدين

لم يكن متوقعاً أن تنتقل مصر من عهد إلى عهد ومن نظام إلى نظام آخر بسهولة وأن يحصل الاستقرار فيها لمجرد تنحية فريق سياسي وحلول آخر مكانه .

كان التغيير في مصر عملية معقدة بعد إرث طويل من الاستبداد وفي ظل ظروف إقليمية ودولية متوترة وأمام حجم كبير من المداخلات الخارجية . لم تكن مصر جاهزة لإزاحة الحكم الفردي أو شبه العسكري والانطلاق السلس بالعملية الديمقراطية . هناك تاريخ من المشكلات الموروثة ومنها معوقات تكوين التيارات والأحزاب السياسية .

كان مقدراً سلفاً أن يحتل “الإخوان المسلمون” مقدمة التنافس السياسي وهم الطرف الأكثر تنظيماً وحضوراً اجتماعياً وتجربة سياسية، والأكثر رعاية على مستوى العلاقات الخارجية والدولية . وكان على ثورة مصر أن تواجه تحديات عديدة بصدد بناء نظامها الجديد من تكوين الهيئة الدستورية إلى صياغة الدستور وقانون الانتخاب وشكل السلطات، وصلاحياتها وعلاقتها بعضها ببعض، ودور المؤسسة العسكرية فضلاً عن معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وإعادة تحديد موقع ودور مصر الإقليمي وعلاقاتها بالنزاعات المفتوحة في كل الاتجاهات .

ما كان مفاجئاً أن يقطف “الإخوان المسلمون” معظم مواقع السلطة بعدما وقع الشارع أسير الاختيار بينهم وبين ما يسمى “فلول النظام” أو المؤسسة العسكرية . وكان مؤملاً خاصة مع تجربة “الإخوان” الانتخابية وانفتاحهم على التيارات الأخرى، أن يقيموا شراكة وطنية يفرضها واقع مصر وتعددية مكوناتها الاجتماعية والسياسية والثقافية . لكن سرعان ما ظهرت النزعة الإقصائية والاستئثارية لدى هذا الفريق وسعيه إلى استبعاد المشاركة وظهور أفكار سبق أن قال “الإخوان” بتجاوزها .

تخلّوا سريعاً عن شعار الدولة المدنية أو الدولة الوطنية الجامعة لسائر مكوناتها خصوصاً إزاء المسألة القبطية . وتصرفوا على أن ما كسبوه من مواقع في السلطة يمكنهم من الذهاب بعيداً في تثبيت موقعهم كحزب حاكم، وفتحوا الصراع واسعاً على فكرة تكريس عقيدة للدولة تستجر معها تصفية الإرث التاريخي المدني والمكتسبات العامة على صعيد الحريات .

أداروا المعركة السياسية منذ اللحظة الأولى على نحو يؤكد أرجحيتهم في صياغة مشروع الدولة، ولاسيّما من خلال “الهيئة التأسيسية الدستورية”، ولم يأخذوا بوثيقة الأزهر، وهي ترسم الإطار الوطني الذي يحكم وينظم علاقة الدولة بالمجتمع . لكن ذلك كله بقي موضوع سجال وجدل وحوار إلى أن قام الرئيس الإخواني المنتخب بإصدار قرارات لها طابع دستوري تنيط به شخصياً السلطة مكان الدستور، ويقبض بموجبها على السلطات الأخرى، الأمنية العسكرية ثم التشريعية والتنفيذية والقضائية وتلغي عملياً مبدأ الفصل بين السلطات، واستقلال سلطة القضاء . أظهرت قرارات مرسي جنوحاً خطيراً نحو حكم الفرد وتجديد الدكتاتورية وحكم الحزب الواحد، ولكن هذه المرة مع عقيدة شمولية تهدد مستقبل وحدة الشعب المصري كما تهدد الحريات والاستقرار .

إلاّ أن هذه القرارات واجهتها القوى السياسية كما واجهتها المؤسسات، ولاسيّما “القضاء”، وتصدت لها في محاولة للتراجع عنها وانطلقت في الميادين مجدداً حركة احتجاجية واسعة ضد هذا المسعى الانقلابي على القواعد والمعايير الديمقراطية . قد تكون هذه القرارات فاتحة عهد من الصراع على السلطة وعلى شكل النظام الجديد، وقد تؤدي إلى حال من عدم الاستقرار والفوضى، والأهم فيها أنها تسعى إلى إعادة تشكيل النظام بمعزل عن إرادة جمهور الثورة وغالبية الشعب المصري .

ولعل المسألة الأبرز هي التعاطي مع “الهيئة الدستورية التأسيسية” وكأنها أداة تنفيذية وليست هيئة يجب أن تمثل بصدق وتعبّر بقوة ووضوح عن جميع اتجاهات الشعب وطموحاته . فالهيئة الدستورية يجب أن تتعاطى مع مشروع الدولة لأمد بعيد وليس مع اللحظة السياسية التي استولى فيها “الإخوان” على السلطة . هذا التحدي يفتح الأفق في مصر على مخاطر انقسامات أهلية كما يفتح الأفق على احتمالات تدخل المؤسسة العسكرية مجدداً للانقلاب على المسار الديمقراطي . نحن مع الرأي القائل إن مصر مازالت تمتلك حيوية استثنائية في مجتمعها قادرة على ابتداع حلول واحتواء أزمات وعدم الانزلاق في طريق العنف . فهل يستجيب الإخوان لحاجة مصر إلى نظام المشاركة أم يتوغلون في الاتجاه الاحتكاري ونكون أمام مرحلة من الصعوبات غير العادية؟ عسى أن ينتصر العقل السياسي على العقل الانقلابي فتحل المشكلات بالسياسة لا بالقوة .

الخليج

لسنا ضد مرسي أو الإخوان

عبد الرحمن الراشد

في رأي البعض من الإخوان أنها حملة كيدية ضدهم وليست اعتراضات سياسية صادقة، وأن في عرض العالم العربي وطوله، أمثالنا، همهم التشفي منهم!

طبعا، هذا هروب وفشل في تبرير القرارات الانقلابية التي أعلنها الرئيس محمد مرسي يوم الخميس الماضي، وبها صار الحكومة، وهو مجلس الشعب، وهو القضاء، وهو الذي يقرر للتأسيسية المسؤولة عن الدستور. تهمتا الكيدية والتشفي وسيلة دفاع هجومية لإسكات النقاد، ويتناسى أصحابها حقيقة أن مصر دولة إقليمية كبرى، فإذا قادها مرسي باتجاه حكم شمولي صرنا أمام إيران جديدة. وهذا الانقلاب المرساوي سيجرف العالم العربي نحو الهاوية، وبالتالي ليس غريبا أن يكون الصراخ ضده على قدر الألم.

كنا نرجو أن يقود عقلاء الإخوان مصر نحو نظام مدني سياسي حديث مستقر يشابه أوروبا، أو على الأقل مثل تركيا وماليزيا، لا أن يقود البلاد نحو صيغة الحكم الإيراني. والأكيد أننا لسنا في باب التشفي، ولا الكيد له أيضا، بل على العكس تماما، كنا صادقين راجين أن ينقل مصر من حكم الفرد إلى نظام الدولة وتداول السلطة السلمي، فمصر قدرها أن تكون قائدة للمنطقة لا تابعة، وفي المقدمة لا في المؤخرة. كان، ولا يزال، أمام مرسي فرصة أن يكون حاكما تاريخيا ينقذ البلاد وينقلها إلى عصر أفضل. فمهما اختلفنا معه، أو مع جماعة الإخوان في التفاصيل، إلا أننا لا نختلف في أنه الرئيس الذي اختارته غالبية المصريين لبلدهم، ليكون رئيسا للدولة الأكبر عربيا. الآن هو انقلب على كل المفهوم الذي جاء به للحكم؛ نظام يقوم على توازن السلطات لا الاستيلاء على كل السلطات.

بعد الارتباك الذي ظهر على حواريي الرئيس مرسي، عقب الإعلان عن قراراته الرئاسية، حاولوا تجميل العملية الديكتاتورية وطمأنة العالم بالقول إنها مؤقتة، وأنها في مصلحة الأمة، حتى الانتهاء من صياغة الدستور وانتخاب مجلس الشعب. من حيث المبدأ لا يجوز أن يملك كل السلطات حتى لساعة واحدة؛ حيث إن مصر ليست في حال حرب أو انهيار تفرض الطوارئ. ثانيا، فشل في إظهار الحكمة، حيث مارس السلطات التي استولى عليها في نفس اللحظة وفي نفس البيان، فعزل النائب العام وعين بديلا له، وأقام محاكم ثورية، وألغى محاكم وأحكاما قضائية، وقرر للدستور!

يقول أتباعه اصبروا عليه بضعة أشهر وهو الذي في نصف ساعة مارس صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء وصلاحيات مجلس الشعب.

وعندما يعيد الرئيس مرسي صلاحيات القضاء بعد أربعة أشهر أو أقل للمجلس الأعلى للقضاء، يكون قد عزل قضاة لا يوافقونه، وعين آخرين موالين له، بينهم النائب العام! عمليا يكون قد ألغى المفهوم الديمقراطي للدولة، التي تقوم على توازن السلطات، وارتكب أسوأ مما فعله حسني مبارك في ثلاثين عاما!

أخيرا، هل يستطيع مرسي الإفلات بما فعله مستفيدا من الصلاحيات الهائلة في يده وإمكانات الدولة الضخمة؟

نعم، يقدر على تحويل مصر إلى إيران أخرى، لكنه سيفشل وسيدمر بلاده؛ لأنه لا يملك المزايا الثلاث التي أبقت على نظام الملالي في الحكم؛ الأولى نفط إيران، حيث ترقد على بحر من البترول مكنها لثلاثة عقود من تمويل النظام بالكامل، أما مصر فإن الحكومة عليها أن تجاهد من أجل إعاشة ثمانين مليون نسمة بموارد محدودة، تتطلب استقرارا سياسيا ودعما دوليا. والميزة الثانية عند ملالي إيران هي قدسيتهم، وفق العقيدة الشيعية، الأمر الذي لا يملكه الإخوان، سُنة مصر. وأخيرا، الهيمنة التامة على الشعب كانت ميزة متاحة في زمن صعود آية الله الخميني في 1979، أما اليوم بفضل الإعلام الحديث صار مستحيلا السيطرة على الأفكار وتوجيه البلاد وفق هوى النظام السياسي، وبدون قناعة الشعب ورضاه سيستحيل عليهم البقاء في السلطة.

لهذا السبب نشعر بالأسف، والله ليس بالتشفي، أن يفكر الإخوان في الاستيلاء على الدولة وهم الذين فازوا عبر صناديق الانتخاب. إنهم يدمرون نظاما هو الضامن الحقيقي لهم ولمستقبل بلدهم. كلنا ندرك أن الإخوان حركة لها شعبية كبيرة وتاريخ طويل من العمل السياسي في مصر يجعلها مؤهلة للبقاء ضمن أبرز الأحزاب المتنافسة على الحكم لعقود طويلة وفق نظام التداول السلمي للسلطة، ديمقراطيا. أي أنهم ليسوا في حاجة لتخريب النظام بأيديهم كما يفعلون اليوم.

الشرق الأوسط

مصر: نهاية الإخوان؟

مأمون فندي

بدأت حركة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، فهل تكون نهايتها في مصر أيضا؟ كان واضحا ومنذ الجمعة الماضي أننا أمام مصر منقسمة، مصر الإسلامية التي خطب فيها محمد مرسي أمام قصر الاتحادية، ومصر الكبرى والمدنية المتعددة الأطياف التي ملأت ميدان التحرير وميادين الإسكندرية والسويس التي تطالب بإسقاط حكم المرشد. بكل أسف ما يجري في مصر لا يفهمه الأميركان ولا الإسرائيليون الذين قايضوا في صفقة وقف إطلاق النار الأخيرة مصر بغزة. تلك الصفقة التي قبل فيها الإسرائيليون والأميركان ما قدمه التنظيم العالمي للإخوان كورقة عمل: نتوقف في غزة مقابل أن تطلقوا أيدينا في مصر. وتوقف الإخوان عن إطلاق الصواريخ في غزة وبشروط مجحفة ومهينة لحماس مقابل إطلاق يد التنظيم العالمي للإخوان في مصر. وما إن تم الاتفاق وسافرت هيلاري كلينتون حتى أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما إعجابه ببراغماتية محمد مرسي (والرجل البراغماتي في قاموس الأميركان الذي يقدم لهم ما يطلب منه وهكذا كان مبارك واليوم مرسي)، ولم يتوقف المديح عند أوباما بل قال شيمعون بيريس عن مرسي إنه رجل دولة، وامتدح افيغدور ليبرمان وزير خارجية إسرائيل المتطرف مرسي على أنه رجل دولة أيضا. وعندما يمدحك ليبرمان وبيريس معا لا بد أن تعرف أنك تسير في الطريق الخطأ، أو أن لهذا المديح ثمنا قد دفع مقدما، والثمن الذي دفعه مرسي هو مقايضة مصر بغزة، ويا لها من مقايضة.

يتصور البعض أن حرب بنيامين نتنياهو على حماس في غزة، هي حرب ضد حماس وحرب على غزة، ولكن الحقيقة أنها كانت حربا على مصر لقياس درجة حرارة نظام الإخوان الحاكم. ولما فعل نتنياهو ما فعل بغزة من قتل القائد العسكري لكتائب القسام أحمد الجعبري على الهواء مباشرة وأمام التلفزيونات العالمية وتدمير البنية التحتية لحماس ولم يتحرك نظام الإخوان في مصر، أدرك نتنياهو أن الربيع الإخواني ربيع على أهله كما يقول أهل البلاد. وبعد أن انكشف نظام الإخوان إقليميا جاءت الصفقة التي أساسها الصمت في غزة مع رقابة إلكترونية أميركية على الحدود والأنفاق مقابل إطلاق يد الإخوان في مصر. بعدها أعلن محمد مرسي قراراته التي جعلت منه الفرعون الذي لا يُسأل عما يفعل. أيضا لاختبار الأميركان والإسرائيليين وجاء رد فعل الإدارة الأميركية وأيضا رد فعل الحكومة الإسرائيلية غير مخيبين لآمال الرئيس الإخواني.

بكل أسف أصدر محمد مرسي القرارات التي سماها إعلانا دستوريا على الرغم من أنه لا يوجد رئيس في العالم لديه صلاحية الإعلان الدستوري وأن آخر ما يملكه الرئيس في تقاليد الديكتاتوريات العتيدة هو أن يصدر مرسوما بقانون. أما أن يصدر مرسي إعلانا دستوريا لا يجوز الطعن عليه ولا يُسأل عما يفعل ولا يجوز حتى أن تناقش قراراته أمام القضاء فهذه ديكتاتورية فريدة من نوعها لم ترها المنطقة من قبل، جمع فيها مرسي كما ذكرت في لقائي مع CNN صدام حسين ومبارك في شخص واحد، وقلت أيضا للقناة الأميركية إنه لافت للنظر أن مرسي يتخذ قراراته السلطوية دائما بعد مقابلة مسؤولين أميركيين كبار. فمثلا أقال المشير طنطاوي والفريق عنان بعد أن قابل وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، وألغى الإعلان الدستوري المكمل الذي قلص فيه العسكر صلاحيات الرئيس بعد مقابلة نائب وزيرة الخارجية الأميركية ويليام بيرنز. كان مرسي يسلم الأميركان البضاعة بعدها يمنحونه مساحة حرية أكثر ولا ينتقدونه. الأميركان كل يوم ينتقدون فاشية أحمدي نجاد وعلي خامنئي وبشار الأسد على أنهم رموز الفاشية والديكتاتورية، على الرغم من أن صلاحيات مرسي اليوم في مصر، وبناء على دستوره الجديد، أكبر من صلاحيات نجاد وخامنئي والأسد مضافا إليهم حسن نصر الله إذا أحببت. فكيف تنتقد الديكتاتورية هناك وتطلق ديكتاتورية الإخوان في مصر على هذا النحو غير المسبوق؟ جعلت صلاحيات مرسي في دستوره، عبد الناصر والسادات ومبارك يبدون وكأنهم رموز الحرية والديمقراطية.. مقارنة بمرسي يبدو عبد الناصر وكأنه توماس جيفرسون أبو الديمقراطية الأميركية.

ولكن ما علاقة كل هذا السرد بنهاية الإخوان في مصر؟

نهاية الإخوان تأتي من عدم إدراك مكتب الإرشاد ومعه الرئيس بأن مصر قد تغيرت وانتقلت خطوات بعد الثورة في اتجاه الكرامة الإنسانية على مستوى الإحساس الداخلي للأفراد عل الأقل. ما كان مبارك ليجرؤ أن يتخذ هذه القرارات قبل الثورة وذلك لأن هناك عتبة للمجتمع المصري متى ما تخطاها أي رئيس انقلب عليه الشعب، فإما قتله على غرار السادات أو خلعه كما حدث لمبارك، فما بالك بأن يقدم مرسي على هذه الخطوة بعد أن تغير الشعب المصري بعد الثورة؟ كما شاهد الجميع على شاشات التلفزة، خطب الرئيس مرسي في جماعته وأنصاره فقط أمام قصر الاتحادية ولم يخطب في كل المصريين. مرسي بدا في خطابه ليس رئيس مصر بل رئيس جماعة الإخوان المسلمين أو رئيس تيار الإسلام السياسي فقط. ومن هنا نرى أن الكتلة الحرجة ومركز ثقل المجتمع المصري ومعه ثقل الشرعية يبتعد بعيدا عن مرسي وعن الإخوان. مثل هذه اللحظة هي اللحظة التي وجد مبارك نفسه فيها وحيدا، وحتى أجهزة ديكتاتوريته فشلت في الوقوف في صفه أو في الدفاع عنه، وهذا ما سيحدث مع مرسي أيضا.

اعتماد مرسي على صفقة مصر مقابل غزة ومساندة الأميركان والإسرائيليين له يعني أنه عاد ليرتكب أخطاء مبارك نفسها مضافا إليها ذلك الشعب الذي تغير. فمن كان يسامح مبارك ويمنحه فسحة من الوقت لن يسامح مرسي ولن يفسح الوقت له. ما لم يقرأه مرسي وجماعته في حديث أوباما هو تلك الكلمة المفتاح (براغماتي). وكما أن أوباما وصف مرسي بالبراغماتي كان أوباما نفسه براغماتيا أيضا في موقفه في الأيام الأخيرة لحكم مبارك، عندما تخطى مبارك الحد الذي جعل الكتلة الحرجة من المجتمع تتخلى عنه، ويذكر البعض منكم المطالبة الشهيرة لأوباما التي طالب فيها مبارك بنقل السلطة «الآن»، يومها قال لمبارك إن الآن تعني الأمس (now means yesterday). الأميركان لن يستطيعوا حماية مرسي وجماعته متى من انقلب الشارع عليهما.

في اعتقادي أننا أمام معركة على مستقبل مصر بين الإخوان وبقية الوطن، ومن ينتصر في هذه المعركة سيرسم ملامح مصر المستقبل. ويبدو من المؤشرات أن جماعة الإخوان لن تنتصر وإذا ما فشل مشروع الإخوان في مصر فسوف يفشل في كل مكان آخر.

لماذا يفشل الإخوان؟ يفشل الإخوان لأنه لا يوجد في مصر من سيقبل أن تجرى أي نوع من الانتخابات تحت سلطات الفرعون، كما أنه لن يكون شرعيا أن يكتب دستور حسب إشارات الفرعون الذي لا يسأل عما يفعل ولا يطعن في قراراته حتى أمام القضاء. كما أنه ليس من المعقول أن ينتخب الناس الرئيس بناء على دستور، ثم يكتبون دستورا آخر ويستمر ذات الرئيس. لا بد أن تنتهي صلاحية مرسي بعد كتابه الدستور وينتخب الرئيس حسب صلاحياته في الدستور الجديد. عندما انتخب المصريون محمد مرسي، انتخبوه بصلاحيات محددة ولم ينتخبوا إمبراطورا أو فرعونا. ولو دخل مرسي الانتخابات قائلا للمصريين إنه متى ما انتخبتموني سأجمع كل الصلاحيات في يدي لما انتخبه أحد. إذن الرئيس الذي أمامنا بصلاحياته الحالية ليس هو الرئيس الذي انتخبه الشعب. مرسي بسلوكه هذا ورط جماعة الإخوان، بدأ حسن البنا تاريخ حركة الإخوان في مصر في الإسماعيلية على شواطئ قناة السويس، ويبدو أن محمد مرسي سيكتب نهاية هذه الحركة عل شاطئ النيل هذه المرة. وإن سقط الإخوان في مصر فمعنى ذلك أنهم سقطوا وإلى الأبد، وما تلك بأمنية ولكن من خبر مسارات السياسة، يعرف أن الإخوان ركبوا على الطريق السريع إلى محطة النهاية.. ولكن بكل أسف إلى أن يصلوا إلى نهايتهم سيرتكبون حوادث سير أكثر بشاعة وتكرارا من حوادث القطارات في مصر.

الشرق الأوسط

معارك مرسي وفرصة التراجع الأخير

معهد العربية للدراسات

منذ تولي الرئيس المصري محمد مرسي لمقاليد السلطة في 30 يونيو 2012، كان واضحاً أن الرئيس المنتخب بأغلبية لا تتجاوز 51٪ من الأصوات، يواجه معضلة في التعامل مع مؤسستي الجيش والقضاء، وهو ما كان واضحا منذ البداية مع القسم الدستوري بعد انتخابه، واستمر مغالبة لا مشاركة ضد هاتين المؤسستين، رغم اختلافهما البنيوي، كان مرسي يتمتع بتأييد التيار الإسلامي بكافة أطياف،ه بالإضافة إلى قسم من القوى المدنية التي تحالفت معه انتخابياً في مقابل تيار مدني واسع وقف على الحياد مؤقتاً ترقباً لمواقف الرئيس “الإخواني”.

في المقابل كانت مؤسسة الجيش بقيادتها الثنائية محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري، ورئيس الأركان سامي عنان يمثلان التهديد الأكبر لسلطة الرئيس الجديد ومعهما المحكمة الدستورية العليا، ولكن اتضح منذ البداية أن اصرار مرسي على السلطة الكاملة ثم المطلقة هو الأوضح في سياساته وقراراته حتى الآن وما سوى ذلك فقابل للإزاحة للأسف! هذا ما توضحه هذه الدراسة للكاتب أكرم ألفي.

معارك مرسي الأربعة

عبر 5 أشهر من رئاسة مرسي، تغيرت التحالفات المؤيدة والمعارضة للسلطة “الإخوانية” وكان خيار مرسي و”الإخوان” هو البدء بالصدام مع القضاء، عبر قراره في 8 يوليو بإعادة مجلس الشعب الذي يهيمن عليه تيار الإسلام السياسي.

وهو القرار الذي جعله في مواجهة مباشرة مع “المجلس العسكري” والمعارضة المدنية متمثلة في اقطابها الرئيسية محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى ونادي القضاء الذي منح رئيسه الزند الرئيس 36 ساعة للتراجع قراره.

في المقابل حافظ مرسي على تأييد الإسلاميين بما فيهم المرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح وارتفعت قوة الدعم القادم من التيار السلفي الذي كان متلهفاً للعودة للبرلمان كما ظل قسم من التيار المدني على تأييده للرئيس الجديد. وانتهت المعركة الأولى بتراجع محمد مرسي عن قراره بعد 4 أيام في 12 يوليو في رضوخ واضح لضغوط “المجلس العسكري” والقضاء.

ومن هنا كان قرار “الإخوان” هو التحضير لمواجهة مع القسم الأقوى متمثلاً في قيادة الجيش، وجاء موعد اخراج المجلس العسكري في 12 أغسطس عقب عملية قتل جنود مصريين على الحدود مع إسرائيل على أيدي “جهاديين” متشددين.

وجاء قرار الرئيس المصري بإقالة كل من طنطاوي وعنان وأعضاء المجلس العسكري وإلغاء الإعلان الدستوري المكمل وتعيين نائب للرئيس ليمثل حزمة من القرارات التي اطاحت بالغريم الرئيسي للسلطة الجديدة وهو رأس هرم المؤسسة العسكرية التي تولت مقاليد الأمور منذ 11 فبراير 2011 بعد تنحية الرئيس السابق حسني مبارك.

ونجح هذا القرار في حشد دعم تيارات مدنية بارزة إلى جانب القوى الإسلامية، فيما وقف القسم الأكبر من الشارع المصري على الحياد في انتظار ما ستستفر عنه صراعات السلطة الجديدة والتي انتهت بنجاح مرسي عبر تصعيد القيادات الجديدة في المؤسسة العسكرية والاعتماد على مهارة وزير الدفاع الجديد عبد الفتاح السيسي وعزوف القادة المعزولين عن دخول صراع مفتوح.

برز عقب النجاح في الصراع الثاني لمرسي أن الأمور بدأت تميل لصالحه مع تراجع الأصوات المعارضة ومرور عاصفة “12 أغسطس” بسلام إلى جانب بدء عملية “الشد والجذب” في الجمعية التأسيسية للدستور بين القوى الإسلامية والقوى المدنية والليبرالية.

وفي خضم استمرار التباين، حاول مرسي كسب تأييد المعسكر المدني الذي أيده في الانتخابات الرئاسية عبر تعيينات مستشاري الرئيس.

وجاءت معركة مرسي الثالثة مع القضاء مجدداً، حيث قام بعزل النائب العام عبد المجيد محمود في 11 أكتوبر 2012 مستغلاً الأحتجاتجات على الاحكام الخاصة بقتلة الثوار فيما يعرف إعلامياً بـ”موقعة الجمل” في بداية فبراير 2011. وفي هذه المعركة كان القضاء وفي مقدمته “نادي القضاة” هو رأس الحربة ضد القرار.

وكسب القضاء معركته الثانية مع مرسي في وقت قياسي لم يتجاوز 24 ساعة، حيث ظهر للرأي العام المصري أن الرئيس اساء استخدام سلطاته وكون الإقالة غير شرعية أو قانونية.

وجاء تراجع مرسي للمرة الثانية أمام القضاء وإعادته للنائب العام ليدلل على أن الصراع الرئيسي للرئيس المصري وجماعة “الإخوان” سيكون مع السلطة القضائية التي تبدو في قمتها تأخذ مواقف تعاكس توجهات السلطة الجديدة.

القرارات الأخيرة.. ومخاضات ثورة

كان واضحاً خلال المعارك الثلاثة السابقة غياب الشارع بشكل واضح عن المشهد، حيث حسمت في أغلبها في سياق المؤسسات بين الرئاسة والجيش والقضاء. ومن اللافت أيضاً أن التأييد النخبوي لقرارات مرسي كان بدا يتراجع نسبياً في ظل خشية قسم أكبر من القوى المدنية لمحاولة الرئيس “الإخواني” الانفراد بالسلطة. وخلال 50 يوماً منذ محاولة إقالة النائب العام مرت مياه كثيرة تحت الجسر، حيث بدا أن التأييد السياسي النخبوي لمرسي بدا يتأكل سريعاً.

فخلال 50 يوماً، شهدت الجمعية التأسيسية للدستور احتداماً للخلافات بين القوى المدنية والتيار الإسلامي، مع سعي الأخير إلى فرض تصوراته على الدستور الجديد ومحاولة إرضاء التيار السلفي المتشدد عبر المادة التفسيرية للمادة الثانية المتعلقة بكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

وجاءت نقطة الذروة باعلان الكنيسة المصرية انسحابها من الجمعية التأسيسية ومعها كافة ممثلي التيار المدني، ليصبح التيار الإسلامي وحيداً في جمعية كتابة الدستور.

وهو الوضع الذي يهدد بوضوح شرعية الدستور الجديد حتى لو حصل على أغلبية بسيطة في الاستفتاء. وهنا كان “الإخوان” يرون أن ضيق الوقت أمام الجمعية التأسيسية، التي ينتهي عملها الفعلي بحسب الإعلان الدستوري في منتصف ديسمبر، يهدد بفشلها وبالتالي فشلت الجماعة في قيادة أول عملية سياسية كبرى تتطلب توافقاً وطنياً.

وكان البديل أمام عدد من قادة “الإخوان” هو افساح الوقت أمام التأسيسية والضغط على القوى المدنية عبر تحصين الجمعية لاعادتهم إلى اجتماعات كتابة الدستور الجديد.

في المقابل، برز أمام “الإخوان” مع الفشل في صياغة الدستور – الذي راهنوا على الانتهاء منه قبل نهاية نوفمبر الحالي- خطر حكم المحكمة الدستورية في الأسبوع الأول من ديسمبر بحل الجمعية التأسيسية واعادة تشكيلها بالإضافة إلى حل مجلس الشورى الذي يمثل الواجهة النيابية لابراز أغلبيتهم.

الفرصة الأخيرة أو التراجع المر

في هذا السياق المعقد، معركة مفتوحة مع القوى المدنية والفشل في صياغة الدستور، جاءت قرارات مرسي الأخيرة بالإعلان الدستوري الجديد والذي يمد عمل التأسيسية ويمنع القضاء من حلها أو حل مجلس الشورى واقالة النائب العام وتحصين قرارات الرئيس من المسألة، ليضعه في معركة مزدوجة مع القوى المدنية والقضاء. وربما ما لم يحسب له الرئيس المصري الإخواني أنه نقل أول معاركه للشارع السياسي، وهو ما ظهر جليا في المظاهرات الحاشدة بميدان التحرير احتجاجاً على قراراته الأخيرة.

ففي هذه المعركة، وقف مرسي في مواجهة كافة القوى المدنية التي اتحدت عبر تفاعلات الأشهر الخمس الأخيرة ومعها الطبقة الوسطى الحضرية التي تخشى على مكتسباتها الاجتماعية من “دستور الإخوان” إلى جانب القوى الثورية التي وجدت نفسها على هامش الحياة السياسية رغم الوعد المتكررة للرئيس.

وفي هذا السياق جاء انسحاب عدد من ممثلي القوى المدنية من مؤسسة الرئاسة مثل سمير مرقس مساعد الرئيس القبطي وعدد من مستشاريه المنتمين للتيار المدني في أول شرخ صريح لمؤسسة الرئاسة التي لم تتجاوز بعد شهرها الخامس. في الوقت نفسه، انضم القضاء للمعركة بقوة عبر تهديد بالاضراب عن العمل وهو سلاح ناداً ما يشهره القضاء المصري في وجه السلطة ويهدد بوقف عمل أهم السلطات العاملة والفاعلة اليوم في مصر.

وفي المقابل، مع استمرار تأييد تيار الإسلام السياسي لقرارات الرئيس، برزت انشقاقات لافتة برفض عبد المنعم أبو الفتوح لمجمل الإعلان الدستوري الجديد ووقوف التيار السلفي في موقف الداعم لفظيا وعدم خروجه في مسيرات التأييد للقرارات. وهو ما يجعلنا نرى مرسي ومعه “الإخوان” المنهكين من كثرة المعارك وضد كافة التيارات المدنية والكنيسة والقضاء ويقف السلفيين والشرطة والجيش على الحياد بشكل واضح.

* أكرم ألفي كاتب مصري

مرسي وقراراته الأخيرة رؤية قانونية ودستورية

معهد العربية للدراسات والتدريب

غرد الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، الأربعاء، تغريدة خطيرة في تاريخ الثورة المصرية، حيث كتب في حسابه الشخصي على شبكة التواصل الاجتماعي: “اليوم الخميس 23 نوفمبر عام 2012 البداية الحقيقية للقصاص لدماء الشهداء، وبداية الوفاء بأمانة للثورة”، وأعقب الرئيس تغريدته بإصدار إعلان دستوري جديد، وقع على مسامع المصريين وقع الرصاص الخارق الحارق، أملا أن يكون من أنواع الضربات الساحقة التي لا تصد ولا ترد، في بحر مصري لجي متلاطم الأمواج.

لقد تضمن الإعلان الدستوري المكمل أمس، جملة من القرارات والقوانين الاستثنائية، والتي تهدف وفقا لمصدر الإعلان إلى حماية مكتسبات ثورة 25 يناير المصرية، وفور صدور الإعلان انقسم المصريون كعادتهم في مثل هذه الأحوال إلى مرحب مهلل، وإلى رافض محذر.

وبرؤية دستورية تستند على الحقائق الدستورية، نعرض في دراستنا المقتضبة لأهم المسائل الواردة بالإعلان، والتي باعدت الشقة بين الفريقين المتنازعين: أنصار الرئيس وخصومه.

سلطة الرئيس في إصدار إعلانات دستورية

لا يختلف اثنان عن الأسلوب الانفرادي غير الديمقراطي التي صدر به الإعلان الدستوري المكمل المصري، حتى ولو سعى الرئيس لاحقا إلى تدارك الأمر بعرض ما صدر على الشعب لاستفتائه.

فالقواعد الدستورية لا تلغي أو تعدل إلا بقواعد دستورية أخرى، وهذه نتيجة طبيعية قانونية تترتب على مبدأ سمو الدستور، فالقرارات التي صدرت أمس عن رئيس الجمهورية، وسابقتها التي قضت بإلغاء الإعلان الدستوري المكمل، لا تعدو إلا أن تكون قرارات تنفيذية تخضع لرقابة القضاء، سواء الإداري أو الدستوري.

لقد سبق أن حسمت المحكمة الدستورية العليا في مصر، مسألة دستورية مهمة متعلقة بشكل مباشر بقرارات الرئيس الأخيرة أمس، وذلك في حكمها الصادر في 21 يونيو عام 1986 حيث قررت ( إن مرتبة النصوص الدستورية لا يجوز تعديلها إلا وفقا للإجراءات الخاصة المنصوص عليها في المادة 189 من الدستور).

إن ما صدر عن الرئيس المصري ” قسرا ” على الشعب، لا يعدو إلا أن يكون عملا ناقصا أحاديا و بالتالي فإلزاميته لا تعود إلا على صاحبه ولا تتعداه إلى الغير، وهذه مسألة أولية وجب التعرض لها قبل أن نتناول أهم المسائل الدستورية الأخرى.

تحصين القرارات وتقويض المؤسسات

حصن الإعلان الدستوري المثير للجدل، كافة القرارات التي صدرت وتصدر عن رئيس الجمهورية في مصر ضد أي طعن فيها أمام أية محكمة أو هيئة قضائية في البلاد، وذلك بأثر رجعي أي منذ تولي الرئيس سدة الحكم في البلاد، ما يعني أن قرارات الرئيس وحتى إصدار الدستور الدائم المرتقب للبلاد تكون نهائية نافذة مبرمة وذات حجية مطلقة، وهذا يعني انقضاء أية سلطة للمحكمة الدستورية العليا في رقابة دستورية هذه القرارات التي صدرت عن رئيس الجمهورية، وهي السلطة التي استمدتها المحكمة – دون غيرها- بموجب الدستور الدائم المجمد عام 1971، والإعلان الدستوري الصادر في مارس 2011 ، والقانون الأساسي للمحكمة الدستورية العليا ذاتها.

لقد أثار ذلك التحصين الرئاسي التأسيسي الغضب والصدمة لدى معارضي الرئيس المصري من جميع التيارات، ما جعلهم يتهمون الرئيس بأنه تدرع بحصن الإعلان الدستوري، وتشبث بنظرية الحق الإلهي، ووصفوه بالأوصاف التي كان يخلعها الأباطرة و الملوك في أوربا في عصورها الوسطي : بأن الملك لا يخطئ، والمقولة الشهيرة للملك الفرنسي لويس الثالث عشر ” الدولة أنا وأنا الدولة”.

لقد كانت حجة هؤلاء الذين أنكروا على الرئيس هذه السلطات ، أن الرئيس لا يستطيع أن يخرج عن الشرعية ويهدم دولة القانون وينحرف عن الحكم الرشيد، و أن الرئيس ، و إن كان لم يمارس سلطاته التشريعية إلا في أضيق الحدود ، فانه أيضا لا يستطيع أن يمارس سلطاته التنفيذية و التشريعية دون رقيب أو حسيب ، فكافة السلطات و الهيئات العامة في البلاد لا تمتلك سلطاتها و إنما تمارسها بموجب الدستور.

فوجود السلطة التشريعية إلي جانب السلطة التنفيذية لا يؤذن لثمة حرية، فمن المؤكد أن المآل الوحيد لتركيز الوظائف والسلطات في يد هيئة واحدة هوا لاستبداد والطغيان، فالسلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وحتى لا تقع الإساءة بالسلطة، يتحتم أن توقف السلطة وتحد من افتئاتها سلطة أخرى.

لقد دون الفقيه الفرنسي “مونتسيكيو ” هذه المبادئ الدستورية الراسخة في كتابه ” روح الشرائع ” منذ قرون خلت بمداد من ذهب ، وأصبح الفصل المرن لا المطلق بين السلطات هو الأساس الدستوري الذي تستند عليه كافة النظم الديمقراطية في العالم، والذي يرخص للسلطة القضائية أن تراقب كافة التشريعات والقوانين واللوائح والقرارات التي تصدر عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.

أما الأنصار من مؤيدي الرئيس فقد باركوا هذه الإجراءات بزعم أن الظرف الثوري الاستثنائي الذي تمر به البلاد، هو الذي استدعي الرئيس أن يقوم بإصدار هذه الحزمة من القرارات ،كي يحفظ للبلاد أمنها ويصون نظامها العام، ويحافظ على مكتسبات الثورة وأن البلاد تجابه محنة مستجدة تستلزم مثل هذه الإجراءات الاستثنائية.

يؤكد أيضا أنصار الرئيس أنه وفقا لنظرية الظروف الاستثنائية : فان الظروف الخطيرة الشاذة، التي تعصف بأمن البلاد و تعرض كيان الأمة للزوال ، تعتبر التدابير الإدارية الخارقة للقواعد القانونية العادية و غير الشرعية في الظروف العادية، شرعية في بعض الظروف ، و ذلك لأنها تبدو حينذاك ضرورية لتأمين النظام العام ،و حسن سير المرافق العامة.

واقع الأمر ، أنه لا يستطيع أي أمين أن ينكر نظرية الظروف الاستثنائية التي تفضي إلي تولد ما يعرف “بالشرعية الاستثنائية”، بيد أن الفقه الدستوري يكاد يجمع على أن هناك ثمة شروط يستلزم وجودها حتى يتم إنفاذ هذه النظرية : فيجب أن تكون لظروف الزمان و المكان صفة استثنائية حقيقية و ظاهرة ، و يجب أن تكون التدابير المتخذة متناسبة كليا مع حجم الهدف المطلوب تحقيقه ، و يجب أن يكون الهدف الذي اتخذت لأجله هذه التدابير مهما ، بيد أن السلطات الواسعة التي تمنحها الظروف الاستثنائية للسلطة التنفيذية، يجب أن يقابلها من جهة أخرى، رقابة محكمة من القضاء.

إن اختصاصات المجالس و المحاكم الدستورية في سائر الأنظمة الديمقراطية في العالم يرقي إلي المرتبة الدستورية ، و أن سلطة هذه الهيئات الدستورية الواردة و المحفوظة في الدساتير يستحيل المساس بها إلا بقانون دستوري ، أي بنص تشريعي يسلك مسلك تعديل الدستور كما هو منصوص عليه في الدستور ذاته، و

أن اختصاص المحكمة الدستورية في مصر ليس اختصاصا محصنا فقط لأنه منصوص عليه في القانون الاسمي – الدستور – بل لان المحكمة حين تمارس رقابتها الدستورية …… إنما تساهم بشكل و حاسم في استخراج التعبير الأمثل، و الأدق، و الأصح عن إرادة الشعب الذي هو مصدر السلطات و صاحب السيادة في النظم الديمقراطية.

إن المشرع الدستوري – في سائر أنظمة العالم السياسية – عندما نص على مبدأ الفصل بين السلطات، هدف من خلال ذلك إلي تفادي الوقوع في المحظور الأخطر المتمثل في تعطيل عمل سلطة دستورية مستقلة بفعل سلطة دستورية أخرى خارج الأطر الدستورية.

إن قيام رئيس الجمهورية في مصر – وفقا لإجماع الفقه و القضاء الدستوري – دون إجازة دستورية بكف يد المحكمة الدستورية العليا عن ممارسها ولايتها القضائية الموكولة إليه حصرا في مصر ، تحت أية ذريعة كانت ، إنما يقع باطلا بطلانا كليا لانه يؤدي الى طغيان سلطة دستورية على أخرى، و تعطيل عمل سلطة دستورية مستقلة بفعل سلطة دستورية أخرى.

لقد سبق و أن قضي المجلس الدستوري اللبناني في قراره رقم 1/ 2005 بتاريخ 6/8/2005 :” أن بموجب مبدأ الفصل بين السلطات ، لا يجوز لآي سلطة دستورية أن تتدخل في سير عمل سلطة دستورية أخرى وأن تمنعها من ممارسة مهماتها بشكل منظم. وأن حرمان الهيئة القضائية من النظر في الطعون الدستورية، سواء كان ذلك لوقت محدد أو غير محدد ، هو أمر مرفوض دستوريا لأنه يقوض أركان الدولة عن طريق القضاء على إحدى السلطات الثلاث فيها: السلطة القضائية”.

إن ما صدر عن رأس السلطة التنفيذية في مصر سواء استنادا على سلطته التشريعية أو التنفيذية بشأن تعطيل الهيئات القضائية في البلاد عن ممارسة أدوارها ووظائفها الموكولة إليها ، يجب ألا يكون مسندا إلي وقائع غير صحيحة ، أو أسباب قانونية خاطئة ، أو خطأ ساطع في التقدير ، و لا أن يكون مشوبا بالانحراف في استعمال السلطة ، لأن السلطة التنفيذية هنا تكون قد “فرضت على البلاد و العباد تشريعا سلطويا فاسدا يعطل المصلحة العامة بدلا من أن يسيرها على نحو منتظم ، و أن المشرع الذي تجري إزاءه الرقابة الدستورية على أعماله لا يستطيع ، هو بذاته ، أن يحمي نفسه من مغبة قاعدة دستورية قد وضعت بغية ردعه” .

دكتور أيمن سلامة..

خطوات مرسي تضاعف الحذر من سوريا

    روزانا بومنصف

خلال اشهر عدة وعلى اثر التدخل الغربي في ليبيا الذي ادى الى انهاء حكم العقيد معمر القذافي، تذرعت الدول الغربية بعدم امكان انسحاب موضوع ليبيا على ازمة سوريا ومساعدة الثورة من اجل انهاء سريع لحكم الرئيس السوري بشار الاسد بجمموعة ذرائع كان عنوانها ان ليبيا هي غير سوريا وان روسيا التي تلقت ضربة سياسية وغير سياسية في تمريرها غير المباشر للتدخل الغربي في ليبيا تتشبث بعدم سماحها به مجددا في سوريا تحت اي عنوان. وتخشى مصادر ديبلوماسية ان يشكل التوظيف الفوري الذي قفز اليه الرئيس المصري محمد مرسي لمكسب سياسي حققه في التدخل في غزة من اجل انهاء العدوان الاسرائيلي عليها بالانقضاض لتعزيز صلاحياته ومنحها حصانة كاملة ذريعة اخرى تضاف الى الذارئع التي تخيف من التغييرات في سوريا ايضا. اذ ان مرسي كشف اوراقه سريعا واعاد مصر من خلال القرارات التي اتخذها الى ما اعتبره عدد كبير من المصريين ديكتاتورية جديدة للاخوان المسلمين يخشى ان تزيد تعقيدات الوضع المصري وتخرب الثورة الشعبية. الامر الذي لا يستبعد ان يزيد ايضا  تعقيدات التطلع الى حلول للحرب في سوريا باعتبار ان مصر تشكل نموذجا ولو اختلف وضعها عن وضع سوريا بحيث قد تدفع كثيرين من المتحمسين لنظام بديل في دمشق الى تخفيف الاندفاعات خشية نظام ديموقراطي وهمي آخر قد ينشأ بعد انتهاء النظام الحالي، علما ان هذه الاندفاعات لا يمكن اعتبارها قوية وكافية حتى الآن، خصوصا من جانب الولايات المتحدة.

اذ ان ادارة الرئيس باراك اوباما تثير علامات استفهام حول السياسة الخارجية الاميركية التي اعتقد متابعون انها ستشهد جمودا قد لا يقل عن ستة اشهر في حال فاز المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية باعتبار ان تنصيب الرئيس يحصل في كانون الثاني ثم ان الرئيس الجديد يحتاج الى وقت لانطلاق عمل ادارته في حين ان الرهان كان على استمرار حكم اوباما من اجل تسريع البت في المسائل العالقة. وهو الامر الذي لا يحصل وسط تساؤلات عن طبيعة هذه السياسة مع الرفض الاميركي للتصويت مع قرار في الجمعية العمومية لعضوية فلسطين كعضو مراقب في الامم المتحدة. يضاف الى ذلك التلكؤ الاميركي في موضوع دعم واشنطن ائتلاف المعارضة السورية الذي رعت تأليفه في الدوحة قبل اسابيع قليلة.

النهار

فرعون… وبأمر الله؟!

    راجح الخوري

في غمرة نشوته باتفاق وقف النار في غزة الذي اعطى مصر دوراً محورياً، مع ان الاميركيين هم الذين رتّبوه، ظن الرئيس محمد مرسي و”الاخوان المسلمون” من ورائه، ان الفرصة سانحة للانقضاض على الثورة فأصدر بياناً كارثياً نصّب نفسه من خلاله حاكماً مطلق الصلاحية يتربع فوق الدستور والقوانين ويقول لمصر موتي فتموت وعيشي فتعيش!

لكن مصر ليست افغانستان، ففي اقل من ساعات نزلت الحشود الى ميدان التحرير ترفع مجددا شعار “إرحل” الذي اطاح حسني مبارك، وبسرعة عادت “واقعة الجمل” بسقوط مئات الجرحى، وقد يتطور الامر الى الاسوأ.

لم يكن كثيراً ان يقول محمد البرادعي ان مرسي نسف مفهوم الدولة والشرعية ونصّب نفسه حاكماً بأمر الله وانه اجهض الثورة، في حين قال حمدين صباحي ان مرسي يدفع البلاد الى مزيد من المشاكل وان الثورة لم تحدث لتضع ديكتاتوراً في مكان ديكتاتور. اما عمرو موسى الذي يقول ان “الاخوان” التحقوا بالثورة بعد قيامها، بما يعني انهم سطوا عليها في ما بعد، فقد وصف قرارات مرسي بانها ردّة وانقلاب على الديموقراطية ومذبحة جديدة للقضاء وتحدّ سافر لإرادة الشعب.

وما يحصل الآن في مصر هو ثورة على الثورة ليس من الواضح كيف ستنتهي، على رغم الحديث عن مؤشرات توحي بأن مرسي يبحث عن مخرج للتراجع يحفظ له ولـ”الإخوان المسلمين” من ورائه ماء الوجه، لكن الامور لن تكون سهلة في ارتداداتها ونتائجها المستقبلية، بمعنى ان تراجع مرسي سيمثل اسقاطاً مبكراً لمشروع الاخوان في ادارة السلطة في مصر، وسيحرمهم الوصول الى السلطة مرة جديدة. اما تراجع الذين يعارضونه فقد يجعل من مصر نسخة منقحة عن النظام السوداني الفاشل.

والمواجهة الآن لن تقرر شكل النظام وطبيعة السلطة التي ستحكم مصر وحدها، لكنها في نتائجها واسقاطاتها ستقرر ما ستؤول اليه عملية التغيير في اطار”الربيع العربي”، وخصوصاً لجهة العلاقة التفاعلية بين الديموقراطية والاسلام، التي طالما اعتبر الكثيرون انها مستحيلة تماماً لأن الدولة المدنية لن تجد لها مكاناً مع الشعار الذي يرتفع بقوة هذه الايام “الاسلام هو الحل”.

يبدو هذا واضحاً في الساحة المصرية وخصوصاً عندما يختار مرسي الوقوف امام مناصريه من جماعة “الاخوان” ليؤكد تمسكه بالاعلان الدستوري ولكأنه ليس رئيساً منتخباً لكل المصريين، وايضاً عندما تتم مواجهة معارضيه في ميدان التحرير بالهراوات وقنابل الغاز تماماً كما فعل نظام حسني مبارك، واذا اضفنا ما يرفعه السلفيون في “حزب النور” الذي يدعم مرسي الآن، من دعوات الى تحطيم الاهرام وتدمير أبو الهول كما جرى لتماثيل بوذا في افغانستان، يصبح مفهوماً القول ان مستقبل “الربيع العربي” سيرسو حيث يرسو ربيع محمد مرسي!

النهار

مصر: “الحرب الأهلية” البنّاءة

جهاد الزين

من المواجهات الاخيرة بعد “الاعلان”.

الاعتراض الداخلي الهائل ومعه الاعتراض الذي جاء من مصادر غربية عديدة ينبِئان أن الانقلاب “الدستوري” الذي قامت به حركة “الإخوان المسلمين” في مصر سائرٌ إلى الفشل المحتوم. ولكن الأمر الأكيد أن النظرة إلى “الإخوان” بعد هذه المحاولة باتت داخل مصر وخارجها مليئة بالريبة وعدم الثقة.

الشواهد كثيرة على فداحة  الموقف الانقلابي الذي تسبّبت به حركة “الإخوان المسلمين” في مصر. الشواهد في الشارع وبين النخبة الجديدة والمخضرمة.

بين هذه الشواهد ذات الرمزية الهامة أن شخصيّة كالدكتور طارق البشري كانت محطّ غضبٍ شديدٍ في أوساط العديد بل معظم الليبراليين والعلمانيين المصريين منذ الأشهر الأولى لنجاح الثورة في إسقاط الرئيس حسني مبارك لأنهم كانوا يتّهمونه بالضلوع، وهو القاضي الكبير السابق والفقيه الدستوري والمؤرخ المعروف، بالدور الأساسي في “الهندسة” الدستورية للتفاهمات غير المعلنة الرئيسية بين حركة “الإخوان المسلمين” وبين المجلس العسكري الذي استلم زمام الأمور بعد الثورة. ولم يكن الدكتور البشري، وهو حفيد لشيخ بارز من شيوخ الأزهر في أوائل القرن العشرين، ليخفي نقده أيضا لليبراليين الذين اتهمهم بافتعال وتضخيم السجال بين مشروعي الدولة المدنية والدولة الدينية بما أدّى من وجهة نظره إلى طمس الأولويات “الحقيقية” لدور الدولة في الوضع الجديد.

… حتى شخصية مثل طارق البشري سارعت إلى رفض “الإعلان الدستوري” الذي أصدره الرئيس محمد مرسي والذي تضمّن في مادته الثانية ما يلي حرفيا: “الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة نهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن عليها بأي طريق، ولايجوز التعرض لقرارات الرئيس بوقف التنفيذ أو الإلغاء من قبل أي جهة قضائية”.

الحركات الشبابية التي كانت سبّاقة إلى إشعال ثورة “25 يناير”، معظم الأحزاب القديمة والجديدة، الشخصيات ذات السجل النضالي في مواجهة عهد حسني مبارك كحمدين صباحي أو محمد البرادعي أو سعدالدين ابرهيم، رفضت هذا “الإعلان الدستوري” المدهِشَ في كونه صدر بهذه الخفة عن الرئيس مرسي لاسيما مادّته الثانية التي لا تُصدَّق فعلا من حيث إمكانية أن يفكّر حزب سياسي بعد ثورة ديموقراطية كالثورة المصرية ومهما كان كبيرا بمنح رئيس الجمهورية الذي ينتمي إليه هذه الصلاحيات المطلقة فعلا تحت حجة أنها مؤقتة. والمدهِش أكثر في أن “تطبخه” قيادة “الإخوان” ذات الخبرة الطويلة في العمل السياسي ولكن المعارض فهل يعني هذا “سذاجة” نقصِ الخبرةِ في ممارسة الحكم؟! والمادة الثانية – بالمناسبة – قد تكون أساءت إلى بعض القرارات الأخرى في “الإعلان” والتي كان يمكن أن تكون مقبولة كتغيير النائب العام.

ما يحدث في مصر بعد هذا “الإعلان” هو “حرب أهلية” بالمعنى الإيجابي والبنّاء للحرب الأهلية … على صعوبة إطلاق هذه الصفات على أي “حرب أهلية” لاسيما حين يكون كاتب هذا الوصف من منطقة تشهد حربا أهلية دموية ضارية تمزّق الدولة والمجتمع في سوريا وقبلها في العراق وقبله في لبنان.

“الحرب الأهلية” التي تسبّب بها انقلاب “الإخوان المسلمين” المصريين هي حرب أهلية مطمئنة للمستقبل الديموقراطي لمصر. فهذا المستوى العارم الشعبي والنخبوي، وفي مقدمة القضاة، من رفض “الإعلان” الوقح والذي يتواجه مع قوة شعبية وسياسية كبيرة وحاكمة هي حركة “الإخوان المسلمين” هو أولا رفضٌ ديموقراطيُّ الآليةِ والوسائلِ والأهدافِ ويدخل في سياق الإنجاز الرئيسي الذي حقّقته الثورة المصرية وهو التغيير على أساس الثقافة السياسية السلمية التي طبعت كل الثورات المصرية المعاصرة منذ العام 1919.

لم تخرج مظاهر العنف الذي شهدته شوارع العاصمة القاهرة وبعض المدن الأخرى عن السيطرة والأرجح أنها لن تخرج كما حصل في محطات سابقة. فالنخبة المصرية “تتقاتل” في الإطار القانوني وهي تصنع حاليا، رغم الانشقاق، الأساس الدستوري للنظام الجديد الذي سينتج عن هذا المخاض.

يتواجه اليوم في شوارع مصر التحالفان الرئيسيّان اللذان قاما بالثورة في ” 25 يناير” . إنها ثورة الثورة على نفسها نتيجة محاولة “الانقلاب” الإخواني. صحيح أن قوىً من النظام السابق تجد فرصتَها اليوم للدخول على خط الأحداث لكن بالنتيجة على الضفّتين الذي يسيطر… هي القوى التي صنعت الثورة.

كان العديد من الليبراليين المصريين يقولون أن الإخوان المسلمين “خطفوا” الثورة المصرية التي أشعلها غيرهم (الشباب). صحيح أن غيرهم أشعلها ولكن الإنصاف يتطلّب القول أن هذه الثورة ما كان يمكن أن تنجح بدون انضمام “الإخوان” إليها سواءٌ من حيث مساهمتهم في حماية ميدان التحرير خلالها أو من حيث الزخم الشعبي الذي أمدّوها به.

 الآن فعلا ومع هذا “الإعلان” تتأكّد الاتهامات بأنهم كانوا يخطّطون لخطفها. وبعض المعلومات يقول وعلى لسان مصادر جادة أنه منذ تولّي محمد مرسي لمسؤوليّاته كرئيس للجمهورية، تجري بصمتٍ عملية تبديلٍ “إخوانية” منظّمةٍ لكل المواقع البيروقراطية  من رتب الدرجة الأدنى من وزير والمواقع الوسطى في الإدارة المصرية.

الاعتراض الداخلي الهائل ومعه الاعتراض الذي جاء من مصادر غربية عديدة ينبِئان أن “الانقلاب” سائرٌ إلى الفشل المحتوم. ولكن الأمر الأكيد أن النظرة إلى “الإخوان” بعد هذه المحاولة باتت داخل مصر وخارجها مليئة بالريبة وعدم الثقة.

النهار

ما بعد «الجماهير العربيّة»

حازم صاغيّة

إذا صحّ أنّ مصطلح «الجماهير العربيّة» بدأ يفقد معناه في السبعينات، صحّ أيضاً أنّ ما من «جماهير إسلاميّة» حلّت محلّها.

ما من شكّ في أنّ المنطقة تشهد، منذ عقود أربعة، تصاعداً في الوعي الإسلاميّ يسمّيه أهله «صحوة». وما من شكّ كذلك في أنّ الوعي الإسلاميّ، مثله مثل الوعي القوميّ، عابر لحدود الدول الوطنيّة، واعد بدولة ذهبيّة تستعيد الإسلام الأوّل. لكنْ على رغم هذا وذاك، لم نشهد «جماهير إسلاميّة» تتحرّك على إيقاع قضيّة واحدة ذات ديمومة، يحرّكها قائد كاريزميّ من النوع الذي وفّره جمال عبد الناصر لـ»الجماهير العربيّة». فقد تظهر فورة عابرة للحدود الوطنيّة، تدوم يومين أو ثلاثة، في حال تعرّض رموز الإسلام للإهانة، أو ما قد يُعتبر كذلك. إلاّ أنّ هذا العنف العارض والهائج شديد البعد عن أن يُسمّى قضيّة جامعة وذات ديمومة.

وما ينطبق على القضايا ينطبق على القوى: فهناك فعلاً سلفيّون جهاديّون عابرون للحدود، وقد رأينا الظاهرة هذه بأشكال متفاوتة في أفغانستان وكوسوفو والعراق وغيرها. لكنّ الجهاديّين هؤلاء لم يرقوا مرّة واحدة إلى حالة سياسيّة، فيما عملهم الإرهابيّ نفسه يحول بينهم وبين أن يكونوا جزءاً من حالة جماهيريّة عريضة. أمّا الإخوان المسلمون، وعلى رغم تنظيماتهم «الدوليّة»، فمشدودون إلى الأوضاع المحلّيّة لبلدانهم على نحو نراه ساطعاً هذه الأيّام. ذاك أنّ «حكم الإخوان» لتونس ومصر لا يملك أيّ انعكاس إخوانيّ له خارج البلدين المذكورين. وقد يجد نفسَه رئيس إخوانيّ كمحمّد مرسي في ورطة لا تُحمد عقباها، كالتي يواجهها اليوم بفعل تجاوزه على القضاء وفصل السلطات، من غير أن يملك الإخوان غير المصريّين أكثر من رأي بارد في ما يجري في مصر. وإلى هذا جاء التنسيق الأخير بين الإدارتين الإخوانيّتين في القاهرة وغزّة، لإحلال التهدئة، متساوقاً مع القنوات الديبلوماسيّة والدوليّة ومنافياً تماماً لرغبة الراغبين في استخدام سلاح «الجماهير» العابرة للحدود.

والحال أنّ الفضائيّات العربيّة كانت سبّاقة، في التسعينات، إلى سكّ تعبير بالغ الالتباس والغموض هو «الشارع العربيّ». وهذا الأخير يقول كلّ شيء من دون أن يقول شيئاً محدّداً. ففي «الشارع العربيّ» يتجاور الولاء للمنطقة والطائفة والدين مع الافتخار بالوطن، وتتعايش اللفظيّة المناهضة للولايات المتّحدة وإسرائيل مع السعي الشبابيّ للاندماج في الثورة التقنيّة والمعلوماتيّة التي تهبّ علينا من الغرب، كما تتناظر المشاعر الوليدة عن الحرّيّة والفرديّة وانتشار هتاف «بالروح، بالدم، نفديك» يا أيّاً كان.

وأوّل ما يشي به هذا الكولاج من المشاعر و»الأفكار» ضمور الوعي الإيديولوجيّ على نحو يبرع الإسلام السياسيّ في نقله والتعبير عنه. ففي هذا الأخير يمكن أن يوجد كلّ شيء لأنّ الإسلام يتّسع لكلّ شيء. بيد أنّ رحابة كهذه لا تعني سوى غياب الأشياء جميعاً وسيادة البعثرة والتذرّر.

وبمعنى ما عبّر «الربيع العربيّ» عن هذا المنحى وعن سيادته، هو الذي شهد ثورات وُصفت بقلّة الإيديولوجيا وبضعف الحركات المنظّمة. وهذا منعطف يضعنا أمام احتمال تعدّديّ تنظّمه عمليّة ديموقراطيّة، كما يضعنا، إن لم نُحسن الاختيار، أمام احتمال الفوضى المطلقة التي تنقلب دمويّة بالضرورة. في الحالتين، ما من حاجة للفائض الإيديولوجيّ وما من حاجة لـ»جماهير» عابرة للحدود الوطنيّة.

الحياة

كيف تفكر جماعة مرسي؟

 مشاري الذايدي

يبدو أنه مكتوب على أهل هذه المنطقة، من طنجة إلى بغداد ومن حلب إلى صنعاء، أن يظلوا في حالة دوران مهلك في نفس الحلقة المفرغة. من تجريب إلى تجريب، ومن درس إلى درس، ومن خديعة إلى خديعة، ومن حفلة عواطف وشعارات، قومية تارة ودينية تارات أخرى، للكسب السياسي.. إلى حفلة أخرى، بلا توقف ولا نهاية.

قديما قيل: من جرب المجرب فعقله مخرب.

ونحن جربنا المجرب أكثر من مرة وكرة، وفي كل مرة تنكسر الجرة، ولا من عظة ولا عبرة. سرعان ما نهرع مهطعين مقنعي رؤوسنا خلف كل هاتف في وادي الملح، ونهر السراب.

ما الفرق بين تجربة جماعة الترابي والبشير في السودان، وتجربة نظرائهم في مصر وتونس وربما اليمن والأردن أو الكويت؟! لا شيء، ومع ذلك جربنا المجرب مرة أخرى!

نفس الوعود والشعارات والمداعبة الملحة للوجدان الديني وأحلام الخلاص المهدوي الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما.

مما جرى في بر مصر مؤخرا ما فاجأ به الرئيس المصري محمد مرسي، مرشح حزب الحرية والعدالة الإخواني للانتخابات الرئاسية، حيث نجح مرسي في ما أخفق فيه خصومه! أعني أنه بقراراته «الجذرية» هذه، كشف المغطى وأبان عن وجه التوجهات الحقيقية للجماعة، ووحد المختلفين من خصومه ضده..

أثار مرسي الذعر لدى كل مخالفيه، بما انطوت عليه قراراته القاضية باحتكار «كل» السلطات في مصر، وتحصين قراراته من الطعن، وسريانها بأثر رجعي، وعزل النائب العام، بعد المحاولة الأولى المخفقة، ثم قيامه بالخطابة أمام «الأنصار»، مع ترديد هتافات التكبير والتخوين للمخالفين. كل هذا جعل من كان يملك أثارة من شك أو حسن ظن أو جماعة «نعطيهم فرصة ونشوف» جعل كل هؤلاء يجلسون على كرسي الحقيقة أمام مرآة مصر كما هي الآن وكما يخطط لها «الإخوان» والجماعة ومن خلفهم.

بعيدا عن تفاصيل اليوميات السياسية و«المناورات» التي ستخاض من الجماعة أو مخالفيها، وبعيدا عن جهود وسطاء الخير الذين يبحثون عن «هدنة» شبيهة بهدنة غزة، أي تنويم الخلاف إلى أجل غير مسمى – أو مسمى، لا فرق، فالمهم عبور هذه الأزمة المحتدمة؛ بعيدا عن هذا كله، فهو نقاش مغرق في التفاصيل، يحسن بنا التوقف قليلا عند «الثقافة» الحافزة والمكونة لمرسي، التي تعين من هو محتار في فهم هذه الخطوة الصاعقة للبعض.

الرئيس محمد مصري نتاج ثقافة تكوينية، واضح أن الرجل منغمس فيها ومشدود إليها – (يحسن الرجوع لدراسة نشرت في العدد الأخير لـمجلة «المجلة» اللندنية، نوفمبر «تشرين الثاني» 2012 – العدد 1577، أعدها الباحث السعودي عبد الله الرشيد بعنوان: مرسي شابا.. مرسي رئيسا: قراءة في فكر أول رئيس إخواني في تاريخ مصر).

ثقافة الرجل هي ثقافة الخطاب الإخواني بشكل عام، بالنكهة القطبية – نسبة إلى سيد قطب – وهي المجموعة التي سيطرت على الجماعة منذ المرشد الحاج مصطفى مشهور، وهي ما عرف بجماعة 65، نسبة للتنظيم الذي كان سيد قطب مشرفا عليه في عهد عبد الناصر. وقبل مرسي طبعا، لدينا المرشد الحالي محمد بديع، ورجل الجماعة وأمينها محمود عزت، وغيرهم.

من هنا، فإنه يحسن الحديث قليلا عن المراحل الثلاث في الثقافة الحركية والتربوية السياسية في خطاب «الإخوان» بشكل عام، بكل تلاوينهم. تقوم التربية الإخوانية للفرد والمجاميع على التدرج المرحلي للوصول إلى الغاية الكبرى للجماعة، وهي ليست فقط إقامة الخلافة العظمى، بل و«أستاذية» الجماعة نفسها على العالم.

من أجل ذلك، تتم البداية بما يسمونه مرحلة «التكوين» وصولا إلى مرحلة التمكين، وبينهما درجات، وهي حلقات محكمات تشد العضو إليها شدا وثيقا، ويصعب عليه الفكاك منها، ليس بالشكل التنظيمي والعضوي فقط، فهذا ربما كان الأسهل، على شدته، لكن رأينا شخصيات إخوانية استقلت تنظيميا عن الجماعة واحتفظت بهوامش نقدية، لكن من الصعب جدا، ولا أقول المستحيل، الفكاك من هذه الشبكة المضللة من المفاهيم التي قام عليها خطاب المرشد الأول حسن البنا، حيث من هناك، من النبع القديم، يكمن الخلل المفاهيمي وطبيعة التصور الصحيح للمشكلات السياسية والفكرية التي يجب التركيز عليها.

ظل هذا المنهج التربوي هو القائم في خلايا وأسر وأدبيات «الإخوان» في كل مكان تحركوا فيه في العالم، منذ رسائل البنا في «الدعوة والداعية»، ومؤتمرات «الإخوان»، إلى يومنا هذا.

بل إن المرشد الحالي للجماعة محمد بديع كان من الوضوح بمكان، لدرجة أنه – وربما بسبب نشوة الربيع العربي – كتب رسالة صريحة ومهمة في 29 ديسمبر (كانون الثاني) 2011، بعنوان: (وضوح الهدف والإصرار عليه.. طريق النهضة).

موقعة هكذا: رسالة أ.د. محمد بديع المرشد العام. وهي منشورة في موقع «الإخوان» (إخوان أونلاين)، ومما جاء فيها: «حدد الإمام البنا في (رسالة المؤتمر السادس) غايتين لجماعته المباركة، فقال: (يعمل الإخوان المسلمون لغايتين: غاية قريبة يبدو هدفها وتظهر ثمرتها من أول يوم ينضم فيه الفرد إلى الجماعة، تبدأ بتطهير النفس وتقويم السلوك وإعداد الروح والعقل والجسم لجهاد طويل (ونفْس وما سواها 7 فألْهمها فجورها وتقْواها 8 قدْ أفْلح من زكاها 9 وقدْ خاب من دساها 10 (الشمس)، وغاية بعيدة لا بد فيها من توظيف الأحداث وانتظار الزمن وحسن الإعداد وسبق التكوين، تشمل الإصلاح الشامل الكامل لكل شؤون الحياة، وتتعاون عليه قوى الأمة جميعها، وتتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل لتحيا من جديد الدولة المسلمة وشريعة القرآن».

ثم يزيد بديع الأمر وضوحا فوق وضوح فيقول: «لقد حدد الإمام البنا لتلك الغاية العظمى أهدافا مرحلية ووسائل تفصيلية.. تبدأ بإصلاح الفرد ثم بناء الأسرة ثم إقامة المجتمع ثم الحكومة فالخلافة الراشدة فأستاذية العالم».

إذن، نحن أمام تصور عملي مرحلي مستقبلي، تسير عليه الجماعة وحزبها وثقافتها، وهو باختصار ووضوح لا لبس فيه، بعد تجهيز الفرد وتثقيفه بأناة وإلحاح، أي تسيير عقله وزرع المفاهيم الحاكمة له عميقا في نفسه ووجدانه، السيطرة على الحكم في البلد أو القطر المعني، ثم إقامة الخلافة، أي تصدير المشروع خارج البلد، ثم أستاذية العالم، أي أستاذية الجماعة نفسها على هذا المشروع العابر للحدود.

الجماعة واضحة، لكن المشكلة فيمن يضع النظارات المضللة على عينيه. من أجل هذا كله، وبأسف شديد، فإن توقعي هو استمرار هذه الأزمة السياسية والثقافية في مصر، ربما تهدأ بعض الوقت «هدنة» أو حكمة أو «صلح الحديبية» كما قال محمد البلتاجي، أحد قيادات «الإخوان» في مصر، وعضو الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، خلال المؤتمر الجماهيري، الذي عقد بأوسيم بالجيزة، بحضور المئات، حيث قال: «نحن سرنا مع الجميع من القوى الليبرالية والعلمانية على طريقة الرسول في صلح الحديبية». نشر هذا الكلام في صحيفة «اليوم السابع»، في العشرين من الشهر الحالي.

بكلمة موجزة: نحن إزاء مشكل تكويني وثقافي يتحكم في طبيعة القرار، وعليه فليست المعضلة الحقيقية في هذا الإجراء أو ذاك، ربما تجد الجماعة مخرجا وتسوية تنفس هذا الاحتقان الحالي في مصر، خصوصا أن عشاق المسكنات في العالم العربي ومصر كثيرون، المشكلة أعمق غورا وأبعد أثرا من هذا كله. إنها مشكلة بين العقول.. وطريقة فهم الحياة.

الشرق الأوسط

مصر غزة… ومصر الداخل

عبد الوهاب بدرخان

مصر تغيّرت… لا يكلّ مسؤولون مصريون وعرب ودوليون عن تكرار هذه اللازمة، وهي صحيحة على أي حال، فهل تغيّرت فعلاً، وكيف؟ الجواب ليس في الإخراج الذي اعتمد لـ«التهدئة» في غزة، بل في ما حصل غداة هذه «التهدئة»، سيل من الإشادات لمصر ودورها ورزانتها واعتدالها، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة سيل من البيانات والتصريحات، خصوصاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية تبدي قلقاً من القرارات التي اتخذها الرئيس محمد مرسي للتعامل مع مشاكل الداخل، وقوبلت باحتجاجات واستنكارات واسعة من قوى المجتمع المدني.

في الواقع تغيّر الدور المصري ظاهرياً بالنسبة إلى غزة، لكن هذا لم يمنع من التوصل إلى ما أرادته الولايات المتحدة وإسرائيل، أما القول بأن مواقف القاهرة تعزز نهج المقاومة المسلحة ضد نهج التفاوض والحل السلمي فلا يزال بحاجة إلى اختبار.

ما تأكد في أحداث غزة هو أن مصر باتت معنية بـ«حماس» وأخواتها، أكثر مما هي مهتمة بالسلطة الفلسطينية، بل لم تتردد في تهيئتها، مناسبة في سياق ما تفعله الإدارة الأميركية وإسرائيل من تضييق على هذه «السلطة» بسبب إصرارها على الذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لنيل صفة «الدولة غير العضو» وبالتالي «الدولة تحت الاحتلال» التي توجب على إسرائيل وعلى العالم التعامل معها بما تلحظه القوانين الدولية بهذا الشأن.

لم يكن في نصرة غزة وأهلها ضد العدوان ما يعيب الموقف المصري، لكن نأيه عن السلطة وانكبابه على غزة، حتى قبل العدوان، يثير شكوكاً كثيرة ولذلك تكثر التساؤلات داخل مصر عما «يحاك» لغزة وسيناء وعن علاقة ذلك بمجمل القضية الفلسطينية وحلولها «السلمية».

يبقى التغيير الأهم والأخطر هو ذلك الذي تشهده مصر – النظام، فبعد شهرين من تنصيبه رئيساً انتهز محمد مرسي أحداث سيناء وما أثارته مجزرة الخامس من أغسطس لإطاحة الطاقم العسكري الموجود في القيادة منذ العهد السابق، وأنهى عملياً حكم العسكر متسلحاً بالرأي العام مؤيد للانتقال إلى حكم ذي مرجعية مدنية.

ثم بعد خمسة أشهر استغل المناخ الدولي بعد «التهدئة» في غزة، وبعد الاتفاق على القرض من البنك الدولي، ليطيح السلطة القضائية، ويحصّن مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور من أي حكم متوقع بحلهما. وكان «الشورى» مرشحاً للإلغاء للأسباب نفسها التي ألغت مجلس الشعب، أما «الجمعية» فتهشمت مصداقيتها ولم تعد تمثل سوى تنويعات من اللون السياسي الإسلامي الواحد.

كانت الذريعة «حماية الثورة» بإعادة المحاكمات لرموز العهد السابق وبإنصاف «شهداء الثورة» وأوليائهم، وتحت هذه اليافطة الشعبوية يجري تمرير أجندة كان الجميع يتوقعها، لكن كان الجميع يأمل أيضاً في استيعاب درس الانتخابات الرئاسية التي أظهرت مصر منقسمة إلى شطرين شبه متساويين، وبالتالي لا يمكن الحكم إلا عبر لمّ الشمل واستنهاض كل القوى.

لكن الحكم الجديد لم يعترف بأن صناديق الاقتراع لم تمنحه «شرعية» كاملة، وأن المرحلة لا تزال انتقالية، وعندما أسقط دعامة المؤسسة العسكرية التي كانت ركيزة للحكم طوال ستين عاماً، قوبل بالتفهم، لأن «الثورة» طالبت منذ يومها الأول بـ«دولة مدنية»، إلا أنه لم يتنبه إلى أن «حكم العسكر» نفسه لم يُسقط السلطة القضائية، وإنْ اكتفى بتطويع بعض أشخاصها في حين أن مجمل الجسم القضائي، ظل ضعيفاً باستقلاليته، وخاض مواجهات قاسية مع النظام السابق.

كان واضحاً أن ثمة صراعاً بدأ حول القضاء منذ حلّت المحكمة الدستورية مجلس الشعب، مستندة إلى مخالفات مثبتة لقانون الانتخاب وارتكبها «الإخوان المسلمون» بشكل رئيسي، وتفاقم هذا الصراع غداة الانتخابات الرئاسية التي لاتزال تحوم الشكوك حول نتائجها، ثم بعد الأحكام بالبراءة لمتهمين من رجال النظام السابق بارتكاب جرائم قتل، وأخيراً في المعركة على الدستور.

بديهي أن الرئيس، في نظام رئاسي، وجد نفسه مجرداً من أدوات الحكم ودعامات الشرعية، فقرر حصر كل السلطات في قبضته، لكنه لم يستبق ذلك، ولم يعقبه، بعمل ناشط ودؤوب لتذويب الانقسام الوطني الحاد، الذي يحتاج إلى حتمية فتح حوار واسع مع مختلف الفئات.

كان العرب يأملون بأن يتوصل النظام المصري السابق إلى نموذج يمكن أن يحتذى في التعامل مع تيار الإسلام السياسي، لكنه فشل، وبعد سقوطه أملوا في أن يعطي «الحكم الإسلامي» نموذجاً أمثل يؤكد فيه هذا التيار حكمته وأريحيته، بين مصر وتونس يتأكد أن هذا الرهان كان خاطئاً إن لم يكن وهمياً.

الاتحاد

مصر «الإخوان».. هل تسير إلى المجهول؟!

تركي الدخيل

هل تسير حالة الإخوان المصرية نحو الانكشاف؟ أو نحو الهاوية؟

حين وصل الإخوان إلى سدة الحكم كانت الرؤى المطروحة تتنوع، بين رأيٍ إخواني يرى في وصولهم الانتصار الكبير، وبين رأيٍ يعتبر وصول الإخوان ضرورة من أجل انكشافهم واستبانة مخططاتهم، وبين رأي يقول لماذا نجرب ما جربناه أصلاً في السودان والعراق (حزب الدعوة الإخواني الشيعي) وفي طالبان وحماس؟ والمثل الشعبي يقول:”من جرب المجرب… عقله مخرب”. وأظن أن الرأي الثالث هو أميل إلى الواقع وأصدق وأكثر تلاؤماً مع السياق التاريخي والفكري للجماعة. قرارات الرئيس محمد مرسي الأخيرة كانت عجيبة وغريبة، واستغربها بعض أنصاره ومستشاريه الذين انشقّ بعضهم عنه. أن يوسع صلاحياته على حساب الثورة أو الشعب الذي انتخبه يعني أنه يمارس طغياناً كبيراً في المجال السياسي.

غابت الأصوات الرصينة بمصر كصوت عمرو موسى أو أحمد شفيق أو حتى البرادعي الذي استخدمته الإخوان ثم ها هو ينتقد قرارات مرسي. المشكلة أن مصر الآن تمر بحالةٍ من الغليان الشديد إذ مرت تحولاتٍ خطيرة من بينها أن الحالة الطائفية ازدادت بسبب الاحتقان المتشدد الذي أججته الأحزاب المتطرفة من سلفيةٍ أو إخوانية.

صوت عمرو موسى كان مهماً، وظهوره في هذه الفترة ضرورة ملحة ليقول ما لديه، وفي الجزء الأول من حوارٍ أجرتْه جريدة “الحياة” قبل أمس قال عمرو موسى كلاماً مهماً إذ يعتبر:” مصر سفينة لم تُبحر بعد، ما زالت ترسو في الميناء ذاته الذي رست فيه خلال السنوات العشر الأخيرة، لم تتحرك بعد. ربما يمنعها الضباب أو يمنعها الكسل أو يمنعها عدم القدرة… مصر فيها كوادر هائلة، لكن الخطورة هي أن يكون الارتكاز على أهل الثقة (الإخوان أو مَنْ يتعاطفون معهم فقط) وليس على أهل الخبرة، وأن يكون الولاء معيار الاختيار، ففي مصر أهل خبرة كثيرون جداً”!

هذه الكلمات هي بين الشعر والسياسة والديبلوماسية، نعم مصر لم تبحر بعد، بل إن القرارات التي تتخذ من مرسي قد تخرق السفينة أو تمنعها من الإبحار أصلاً.

بآخر السطر، فإن مصر العظيمة تستطيع أن تكون أفضل مما هي عليه، وبما فيها من قدرات تستحق أن تقاد بأفضل من الصيغة التي تقاد فيها الآن، هذا هو صوت العقل والحكمة في وقت كثرت فيه أصوات الخطابة ومنطق “الحناجر”.

الرياض

مصر بين جنازتين: دماء «ليبرالية»… وأخرى «إخوانية»

القاهرة – أمينة خيري

المكونات واحدة وربما تكون متطابقة في الفصيلة. كرات دم بيضاء، وأخرى حمراء، وبلازما وبضعة أشياء أخرى. وإذا كان لون البشرة وملامح الوجه يمكنها أن تفرق جنساً عن غيره، وعلى رغم أن شكل جواز السفر واسم الدولة المحفور عليه بات قادراً على تصنيف سكان الأرض، فإن مكونات الدم تبقى أحد المؤشرات القادرة على المجاهرة بأن الجميع سواء، سواء كان صاحبها «إخوانياً» أو سلفياً أو ليبرالياً أو «كنبوياً» أو حتى حنجورياً من دون انتماءات دنيوية واضحة.

تبدو المفارقة سخيفة ومحزنة ومؤلمة، لكن تظل مفارقة، فحادث أسيوط الذي قتل ما يزيد على 50 طفلاً مصرياً قبل أيام وحد صفوف المصريين المتشاحنين حول أولويات الوطن، والمختلفين على شكل الدستور، والمنقسمين إزاء أداء الحكومة الضعيف والهزلي، والحالمين بغد أفضل.

مرت ساعات ما بعد صدمة أسيوط، ليعاود المتناحرون تناحرهم، ولتعيد الفضائيات تجييش ضيوفها بين «إخوان» وسلفيين وليبراليين، وليستعيد الشارع صراعه اليومي للاحتفاظ بما تبقى من شعرة تفصله عن جنون انهيار عصبي ناجم عن مرور مشلول وأزمات متتالية. وأخذت كرة الثلج تتنامى وتزدهر وتزداد سمكاً بين «محمد محمود 2» تشعب إلى «يوسف جندي 1»، ومنه إلى «فكلي 1» و «سيمون بوليفار 1»، وبعده «قصر العيني 1» فيما يعد إعادة إنتاج لـ «مجلس وزراء 1 و2»، في محاولة ثورية مدنية لإحياء ثورة بدت عليها ملامح إجهاض واضحة. ولأن الطرف الآخر أبى أن يقبع ساكناً إلى أن تمر سحابة الغضب الليبرالية واليسارية، فقد عمد إلى سلاحه الذي بات يركن إليه، فجيش جيوشه وحشد حشوده وكانت المواجهة القبيحة.

في ميدان التحرير مات الشاب الليبرالي اليافع جابر صلاح قبل أيام في أحداث «محمد محمود 2» الدامية وهو لم يتم عامه الـ18، ويوم أول من أمس مات الشاب «الإخواني» إسلام محمود في أحداث دامية في البحيرة وهو لم يتم عامه الـ16. سالت الدماء على الجانبين الليبرالي و «الإخواني»، لكنهما اختلطا في تربة واحدة.

هذا الاختلاط المؤسف دفع عدداً من الحكماء إلى الدعوة إلى جعل الفاجعتين نقطة عودة إلى توحد صفوف شتتها كرسي الحكم واستحواذ السلطة وعرض القوة.

ورغم صعوبة، أو بالأحرى استحالة تنظيم جنازة الشهيدين، أو بالأحرى الطفلين جابر وإسلام في جنازة واحدة، إلا أن جنازات افتراضية موحدة أقيمت على متن صفحات التواصل الاجتماعي من قبل كثيرين ممن يحاولون رأب الصدع المصري الناجم عن غباء سياسي غير متوقع وحشد شارعي غير مطلوب.

شارات التحرير السوداء التي تم تعليقها في مناسبة جنازة جابر الشهير بـ «جيكا» ومشاعر السواد التي ألقت بظلالها على البحيرة مسقط رأس إسلام وحّدت بعض المصريين في الحزن، لكن تلك المشاعر ليست كافية لتوحيد الصفوف في شوارع التحرير حيث الحشد الليبرالي وحول «تمثال النهضة» حيث الحشد «الإخواني» ومعه السلفي المتوقع.

ولأن المتوقع حدوثه اليوم يمكن استنباطه من مجريات الأمور والأحداث أمس، فإن كثيرين يضعون أياديهم على قلوبهم خوفاً من انفلات الأعصاب، وتأجج المشاعر من قبل الطرفين، لا سيما في ظل استمرار الظهور المريب والغريب للطرف الثالث دائماً وأبداً، لا سيما في تظاهرات التيارات غير المنتمية إلى الإسلام السياسي.

وإضافة إلى وضع الأيادي على القلوب تحسباً لأحداث اليوم، هناك من وضع يده على أجهزة الكومبيوتر باحثاً تارة وسائلاً تارة أخرى ومعلقاً دائماً. هل يخرج الرئيس محمد مرسي بقرار يثلج صدور البعض، حتى وإن أوغر صدور البعض الآخر لتهدأ موجة الغضب الآخذة في التأجج في التحرير؟ ولو خرج الرئيس بقرار كهذا، ما شكل الخطوات المقبلة؟ هل يلوح الحوار الوطني في الأفق أم أن التيارات صاحبة الغلبة والمصرة على المغالبة ماضية قدماً في «لا أرى لا أسمع لا أتكلم» إلا مع من يشبهونني؟

وعلى رغم الانقسام الواضح في صفوف المصريين بين مدني وإسلامي، وهو الانقسام الذي عمقته وجذرته، سواء بقصد أو من دونه، السياسات الرسمية، إلا أن روح الدعابة مازالت توحد الجميع رغم الحزن الطاغي. بعضهم أعاد إصدار مقولة: «قلنا يا نجيب حقهم (شهداء الثورة) يا نموت زيهم، فقررنا أن نموت زيهم، وقد كان». البعض الآخر لفرط الإحباط والاكتئاب قال عن الرئيس السابق حسني مبارك «إحنا كنا بنقول إيه الحل؟ هو سمعها ارحل». قد تكون دعابة، لكنها قاسية وحزينة وترقص على دماء المصريين المدنية و «الإخوانية» بمكوناتها المتطابقة.

الحياة

إسـلاميـو مصـر يواجهــون الـثــورة

سليمان تقي الدين

لم يكذّب الإسلاميون خبراً عن سعيهم للانفراد بالسلطة واستخدامها أداة لنظام شمولي يشبه التجارب الفاشية. أصدر الرئيس المصري «الإخواني» قرارات دستورية تضع في قبضته سلطات مطلقة تصادر كل المؤسسات، وتلغي المسار الديموقراطي، وتعلن «نظام طوارئ» بذريعة «مواجهة كل تهديد يستهدف الثورة ومنجزاتها». باشر الرئيس محمد مرسي وضع يده على القوات المسلحة وأجهزة الأمن، ثم وضع نفسه بديلاً من المرجعية الدستورية المؤقتة للثورة، وألغى استقلال السلطة القضائية، وحصر في شخصه تكوين الهيئة الدستورية والحق في تقرير صحة وشرعية الانتخابات وما ينبثق عنها ومنع الطعن عليها.

هذا الانقلاب «الإخواني» على التحول الديموقراطي في مصر سبقته مناورات أدت إلى السيطرة على الهيئة التأسيسية الدستورية التي انفض عقدها بانسحاب جميع الأطراف غير الإسلاموية، كما سبقته إجراءات فك الشراكة مع مكونات وتيارات الثورة المصرية المختلفة. ولم يكن مضمون هذه الإجراءات بعيداً عن تجديد التحالف المصري الأميركي من أبواب عدّة. بدأت بتثبيت النهج الاقتصادي السابق والاحتفاظ بمنظومة الولاء لصندوق النقد الدولي وتوجيهاته، والتذرّع بالمعونات المالية الأميركية، واستدرار الدعم الخليجي. ومن خلال حركة سياسية التزمت اتفاقات كامب ديفيد والتطبيع الرسمي مع إسرائيل، ولم تنتهِ بلعب دور إقليمي اتخذ لنفسه مرونة لفظية دون أن يمس جوهر الموقف المصري من النزاعات الإقليمية ومن قضية فلسطين. غيّرت الأفعى جلدها وأعطى الإسلاميون شرعية جديدة لأوضاع فقدت شرعيتها مع النخب السياسية السابقة. لكنهم لم يكتفوا بذلك، بل يسعون إلى تحصين سلطتهم في بعد عقائدي إسلاموي يستثمر عواطف الجمهور المتديّن ويصادر حرياته، ويحاصر قوى التغيير الديموقراطي، ويحوّر المطالب الاجتماعية، ويحوّل الصراع السياسي إلى نزاع عقائدي، كما يحصل في موضوع الدستور وهوية الدولة ومرجعية السيادة دينية أم شعبية. كان الحذر من الإسلاميين أكبر بكثير من الاطمئنان لهم. لكن ذلك لم يمنع ولا يمنع أنهم كانوا طرفاً مهماً في التغيير، وشريكاً أساسياً في المعارضة، وأصحاب حق في المنافسة الديموقراطية، ويمثلون واقعاً شعبياً لا يمكن تجاهله أو إنكار دوره ومطالبه. ولم يكن في مقدور أحد أن يتجاوز هذا الواقع أو يستثنيه أو يخرجه من دائرة الفعل السياسي وليس مقدوراً ولا مطلوباً لمستقبل مصر أو أي بلد عربي آخر. إلا أن هذا الإقرار بواقع الأمر وبتحديات تجيير الثورة وتغيير مسارها لا يعني التسليم بإعادة إنتاج أنظمة استبدادية بمضامين وأشكال جديدة. ولم تنتهِ مراحل الثورة المصرية ولن تنتهي في وقت قريب وهي تعزز مشروعها وتطوّره. وليس أدل على ذلك من شرعية الميدان الذي لا يزال يواجه كل سعي لمصادرة الثورة وتبديل مسارها. مصر ليست فقط هذه الانتفاضات الشعبية، بل هي كذلك هذا الإرث الثقافي والحضاري والمدني والمؤسسات والنخب التي لم ينجح نظام الاستبداد في إلغائها أو القضاء على حضورها وتأثيرها. فقد كان قضاة مصر في عزّ مرحلة الترويض والتطويع والقمع أمناء على الحرية وحقوق الناس ومدافعين عن المكتسبات التاريخية التقدمية ومقاومين لمحاولات إخضاعهم لإرادة السلطة المستبدة. ولم تمت أحزاب مصر وتياراتها السياسية والثقافية ولم تقطع مع جذورها الوطنية من تجربة الوفد إلى الناصرية ومن الليبرالية إلى اليسارية، فقد استعادت هذه التيارات حضورها لحظة سنحت فرصة الاستفتاء وحصدت هذه القوى شعبية لا تقل عن رصيد الإسلاميين لولا أنها كانت تواجه قوى خطيرة وقادرة من داخل النظام ومن البيئة الإقليمية والدولية. ولطالما اجتمعت هذه القوى المدنية والتقدمية على مواجهة السعي «الإخواني» لاحتكار السلطة واختطافها إلى اتجاه عقائدي شمولي، فإن التغيير في مصر لا يزال مفتوح الآفاق نحو الأفضل.

وليس من قبيل إيهام الذات أو المبالغة التذكير بحجم التأثير الخارجي الذي حفز التيارات الإسلامية المختلفة على التعاون وقدم لها الدعم لصد التيار الديموقراطي الوطني وتطويقه. بل ان مشيخة الأزهر بما لها من نفوذ وما لها من مصداقية في التعبير عن المصالح الوطنية العليا تعرّضت إلى الحصار ولم يؤخذ بمضمون وثيقتها القادرة على تجديد التضامن بين المصريين ووضع مبادئ الحكم الصالح والعادل. وهي في أرجح التقديرات ستتعرض من السلطة الحاكمة كما غيرها من المؤسسات الوطنية إلى محاولات الاحتواء والمصادرة. هذه التحديات والمخاطر لم تتحول بعد إلى أمر واقع شرعي أو مستقر في ظل الحراك الشعبي الذي لم يغادر الميادين ولم يتوقف عن ممانعة الإجراءات التسلطية الجديدة. فالحكم «الإخواني» لم ينجح بعد في فرض نهجه على الهيئة التأسيسية الدستورية، ولا أن يعزل سلطة القضاء عن دورها وشرعية هذا الدور، ولا أن يخضع الصحافة والإعلام رغم إجراءاته وتوظيفاته وإثارة المشاعر الشعبية ضد الحريات وتعبيراتها المختلفة في الثقافة والفنون.

فالإسلاميون لا يستعدون فقط العلمانيين والقوميين واليساريين والليبراليين، بل هم يستفزون معظم فئات الشعب ويستخفون بوطنية المصريين وتعلقهم بإرثهم الثقافي والحضاري وتمسكهم بإنجازاتهم ومصادر اعتزازهم كما في الدعوة «الطالبانية» التي أطلقها بعض الظلاميين من أجل هدم الأهرامات وسواها من المعالم الحضارية الإنسانية العظيمة. وإذا كان الإسلاميون يظهرون هذا القدر من التعصب والظلامية ويسعون إلى استبعاد مكوّنات إنسانية كبيرة من الشعب المصري سواء أكانت فئات دينية أو ثقافية أو سياسية ويتصرفون بمنطق الإلغاء والإقصاء تجاه الأقباط أو تجاه الجماعات السياسية ويقسمون الشارع ويأخذونه إلى التوترات والمواجهات العنيفة، فهم يهددون سلامة مصر كلها وأمنها واستقرارها وتقدمها، ولن ينجحوا في فرض نظام ذي ملامح فاشية على مجتمع أظهر هذا المستوى المتقدم من الحيوية ومن الاستعداد للمقاومة. فلعلّها موجة جديدة من الحراك الثوري ومرحلة جديدة من الصراع نأمل أن لا يتحول الإسلام السياسي فيها إلى قوة شرذمة للاجتماع السياسي المصري، ولا أن يصير مجرّد ملحق في سياسات غربية لتجديد السيطرة على المنطقة.

السفير

مرسي و«الإخوان» وأسلوب الضربة القاضية

جورج سمعان

شاءها الرئيس محمد مرسي ضربة واحدة. كانت أمامه خيارات أخرى لا تضع مصر على شفا الهاوية. أراد حسم كل الملفات دفعة واحدة بدل اعتماد وسائل أخرى، من دون أي اعتبار لخطورة تعميق الانقسام ورفع وتيرة الاستقطاب. كان أمامه فرصة لاستمرار التفاوض والحوار مع القوى المناهضة لسيطرة التيار الديني. وفرصة لإيجاد تسوية مع المنسحبين من اللجنة التأسيسية المكلفة إعداد دستور جديد للبلاد. لكنه اختار أن يفتح باب المعركة السياسية على مصراعيه في مواجهة التيارات والأحزاب… والقضاء الذي لم يعامله نظام من قبل مثل هذه المعاملة. حتى أيام جمال عبدالناصر لم يتعدَّ الصراع بينه وبين السلطة القضائية سقف إبعاد عدد من القضاة.

أفاد الرئيس مرسي من الجو الدولي الذي وقف خلف القاهرة لترتيب التهدئة بين حكومة بنيامين نتانياهو وحركة «حماس» وشقيقاتها في قطاع غزة. وسهل شعور المتصارعين ومن خلفهم بالحاجة إلى وقف الحرب في تمكين حكومة «الإخوان» من جني رصيد على المستوى الدولي، وعلى المستويين الفلسطيني والمصري. ولم يكن توظيف هذا الرصيد وحده وراء العجلة في «الإعلان الدستوري». كان وراءها أيضاً عجز الحكومة عن معالجة القضايا الاجتماعية في غياب أي برنامج، فيما تتضاعف أفواج المعترضين الذين يملأون الشوارع في كل مكان بعدما أفاضوا في محاسبة الرئيس بعد «مئويته الأولى» في الحكم معبرين عن خيبة أملهم بكل الوعود التي أطلقها. وكان وراءها المأزق الكبير الذي اعترض عمل «اللجنة التأسيسية» للدستور.

كلها عوامل فرضت على «الإخوان» فتح معركة على أكثر من جبهة لعلهم يحسمون الصراع بالضربة القاضية بدل الانتظار فيما رصيدهم الشعبي يتآكل. ولم تغب عن بال الرئيس مرسي في إعلانه فرصة استغلال وقوف السلفيين وراءه في الصراع على الدستور. ولم يعدم الحيلة لاستدرار تأييد الشارع الغاضب. فأمر بإعادة محاكمة المسؤولين عن قتل المتظاهرين أثناء اندلاع الثورة. وأطاح النائب العام المستشار الدكتور عبدالمجيد محمود الذي عزيت إليه الأحكام المخففة على رموز النظام البائد وأعوانهم. ومنح «اللجنة التأسيسية» شهرين لإنجاز أعمالها. ولم ينسَ الدعاء لثوار سورية بالفوز والنصر على «النظام الظالم». لكن هذه «الترضيات» لم تمر على القوى السياسية التي قرأت «الإعلان الدستوري» انقلاباً واضحاً يعيد إنتاج نظام «أكثر ديكتاتورية» من النظام المنحل. وكان سهلاً هنا على هذه القوى أن تقارن ما جاء في «الإعلان» وما كانت عليه نصوص الدستور السابق لإثبات ما ذهبت إليه في اتهاماتها ومخاوفها، فغرفت من القاموس كل ما سيق ضد النظام السابق وكل ما يساق ضد الأحزاب الدينية… وحتى نظام «المرشد» في الثورة الإسلامية الإيرانية!

لذلك، لم تتأخر القوى الشعبية في التوجه إلى ميدان التحرير حيث وافاها قادة المعارضة، المرشحان الرئاسيان سابقاً حمدين صباحي وعمرو موسى ورئيس «حزب الدستور» محمد البرادعي. فيما احتشد مناصرو «الإخوان» والتيار السلفي أمام قصر الاتحادية حيث أطل عليهم الرئيس مرسي لتأكيد انحيازه إليهم. ولتأكيد عزم «الجماعة» على خوض المعركة السياسية ضد الخصوم والقضاء… وبقايا الفلول. وكان واضحاً أن التيار الإسلامي الذي التحق بالثورة قبل نحو سنتين ومنحها زخماً لا يمكن إنكاره، بدا يوم «الإعلان الدستوري» أكثر تنظيماً وأوسع حشداً… لكن ذلك لا يلغي ما رمز إليه الحضور في ميدان التحرير.

لكن هذه «الكثرة» للتيار الديني لا تلغي حقيقة ما يمثل أقطاب المعارضة ومعهم أيضاً الكنيسة القبطية، إضافة إلى بقايا الفلول الذين قد لا يُحسب لهم حساب وازن ما لم يقترن ذلك بحجم المؤسستين العسكرية والأمنية. وقد حظي هؤلاء بهجوم عنيف من الرئيس مرسي. لكنهم ليسوا هم عنوان المعركة التي أطلق شرارتها «الإعلان». فـ «الجماعة» تدرك جيداً أنها لا يمكن أن تلغي كل هؤلاء الخصوم مهما بدت قدرتها على الحشد والتنظيم. تعرف جيداً أن ميزان القوى يكاد يكون متساوياً، وتدل عليه أرقام الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وتعرف أن انتخابات نيابية غداً لن تحقق لها الأرجحية التي تسعى إليها.

عرفت «الجماعة» منذ اندلاع الثورة كيف تدير سياسة التمكين التي نهجتها من دون أن تشعل حرباً. وتمكن الرئيس مرسي إلى حين في «عزل» المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية التي تراقب اليوم من خلف ثكناتها ومقارها مجرى الصراع الدائر بين القوى السياسية المختلفة ومآله. من دون أن يعني ذلك أنها سلمت بالركون التام للسلطة الجديدة، أو أن الحكم الجديد قادر على إلغائها. ربما اختارت تأجيل تظهير موقفها حتى جلاء غبار المعركة. لذلك، لم يكن مفاجئاً مواصلة «الإخوان» سياسة التمكين اليوم بمحاولة «عزل» الخصوم وإضعافهم. لا يريدون بالتأكيد إشعال حرب أهلية مهما كانت محدودة. ولا المعارضة تريدها أو تسعى إليها، مهما بلغت الصدامات بين الجمهورين في هذا الميدان أو تلك الساحة. إنها معركة تحجيم أو بالأحرى معركة اختبار الأحجام.

يحاول كل طرف أن يعزل الطرف الآخر. أو بالأحرى أن يدفع الآخر إلى الاعتراف يحجم قوته ووزنه الشعبي، مع إدراكهما أنه يستحيل على أحدهما إلغاء الآخر. وهي معركة طبيعية وطويلة وشاقة ومؤلمة في مرحلة لا مفر من المرور بها على طريق إعادة تشكيل الدولة وإعادة تشكيل المجتمع. أليس هذا عنوان المعركة على الدستور الجديد الذي يستولد صراعاً محموماً على السلطة؟ يرى كل من الطرفين إلى نفسه عاجزاً اليوم عن تأكيد سيادته أو أرجحيته الشعبية في ظل الانقسام الحالي، وعاجزاً بالتالي عن ضمان الحسم في أية انتخابات نيابية مقبلة يفترض أن يحدد موعدها بعد صدور الدستور الجديد.

لذلك، ليس مستغرباً أن يجهد «الإخوان»، بعد تحييد العسكر والأمن موقتاً، سعياً إلى ترسيخ دورهم وحضورهم في القوة البيروقراطية التي تظل لها في أي نظام قدرة لا يمكن تجاهلها في إدارة أية انتخابات برلمانية مقبلة والتأثير فيها أيضاً. ولذلك، ليس مستغرباً أيضاً هذا الهجوم العنيف الذي شنه الرئيس مرسي على المؤسسة القضائية بهدف تطويعها أو تصفيتها ما دام أي نظام ينيط بها الإشراف على كل مستويات الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية أو المحلية، بل لا يستبعد أن يفتح جبهة أخرى مع السلطة الإعلامية لتطويعها فيعقد له لواء السلطات كلها بيديه بما فيها «السلطة الرابعة»! بل لا يستبعد أن يحرك «قضاءه» الجديد وبعض حقوقييه لملاحقة كثير من الخصوم… مثلما فعل ويفعل بندّه أحمد شفيق وفلوله!

من المبكر التكهن بمآل المعركة الحالية ونتائجها. «الإخوان» يراهنون على تعب الناس بعد نحو سنتين من عدم الاستقرار. ويراهنون أيضاً على وهن الخصوم في معركة قد تطول، وهم فيها الأقدر على الحشد والتنظيم في مقابل جمهور يندفع إلى الميدان من تلقائه من غير تأطير حزبي يوفر له كل مقومات الصمود في الشارع كما هي حال أنصار التيار الديني. لكن عامل الوقت ليس وحده ما يقرر نهاية هذا الصراع المفتوح في أكثر من جبهة. ولئن بدا أن الغلبة في الشارع قد تعقد في النهاية للقوى الدينية، إلا أن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية قد تكون أخطر الأسلحة في وجه مشروعهم للاستئثار والتمكين. ألا يعتبرون مما آل إليه «التمكين» الذي كان للنظام السابق؟ فما حرك الثورة لم يكن التوق إلى الحرية واستعادة الكرامة وأبسط الحقوق فقط، بل حركهم مشروع التوريث للاستئثار بالسلطة وما جر من فساد وسرقات. وحركهم العوز والضائقة الاقتصادية. وإن سكتوا إلى حين عن سياسة التمكين التي يمارسها «الإخوان» فإنهم لن يسكتوا طويلاً. مثلما لن يسكتوا عن المطالبة برغيف الخبز الذي هو الاستحقاق الحقيقي.

وإذا كان الرئيس مرسي انتهز بين ما انتهز الفرصة التي وفرها له سيل الثناء الذي حازه من القوى الخارجية في معالجة حرب غزة الأخيرة، فإنه لا يمكن أن يتجاهل موقف هذه القوى وضغوطها بعدما بدأت تعبر عن مخاوفها وقلقها من الانقسام الذي يعصف بصفوف المصريين ومن سياسة «التمكين»… هي التي تلكأت وتتلكأ في دعم الثورة السورية خوفاً من سقوط دمشق في أيدي القوى الإسلامية المتشددة وسياسة «التمكين» التي قد تمارسها إذا انهار النظام، فيغيب دور كل القوى الأخرى بأقلياتها الطائفية والعرقية والمذهبية. فهل يتمكن «إخوان» مصر من الفوز على كل الجبهات التي فتحوها دفعة واحدة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى