صفحات العالم

خواطر سوريّة

سماح إدريس
مطالبُ الشعب السوريّ كانت مشروعةً منذ انتفاضة أولاد درعا، وتبقى مشروعةً وواجبةَ التحقيق، مهما طال الزمنُ، ومهما حَرَفها المستعمِرون وبعضُ المعارضين.

السياسة الاقتصاديّة الانفتاحيّة «الدردريّة»، ليست وحدها المسؤولةَ عمّا وصلتْ إليه سوريا من بؤس. إنّها جزءٌ لا يتجزّأ من سياسات النظام السوريّ على مختلف الصعد.

المنتفضون السوريون والمعارضة (بأقسامها) تكوينان متقاطعان، وليسا متماهييْن بالضرورة. ولا تمثِّل المعارضةُ (بأقسامها) المنتفضين دوماً، ولا أبداً.

التشبيح ابنُ النظام، ومن مخاطرِه الجمّةِ أنّه تسرَّبَ إلى بعض المعارضين.

أفضلُ المدافعين عن وجود بشّار الأسد ثلاثةُ «معارضين»: 1) بسمة قضماني، بتأكيدها ضرورةَ وجود إسرائيل «أبسولومان» (بشكل مطلق)، كما تقول في حوارٍ تلفزيونيّ (غير مفبرك) في فرنسا، بمناسبة العيد الستّين لتأسيس الكيان الغاصب. 2) محيي الدين اللاذقاني، بتشبيحه الجداليّ، الذي يستدعي إلى الأذهان تشبيحَ أبواقِ النظام، كما بتاريخِه «الناصع» في تلفزيون رفعت الأسد. 3) مأمون الحمصي، بتهديداته الطائفيّة المقزّزة ضدّ العلويين.

بين بشّار وبرهان، أختارُ عبد العزيز الخيّر. بين طالب إبراهيم وبسمة قضماني، أختارُ ميشيل كيلو. بين النظام والمجلس الوطني السوريّ، أختار هيئة التنسيق الوطنيّ.

بين سوريا ديموقراطيّة تعدّدية ولكنْ معادية لحماس وإيران وحزب الله، وسوريا استبداديّة أحاديّة ولكنْ حليفة لحماس وإيران وحزب الله، أختار: سوريا ديموقراطيّة تعدديّة وحليفة ـ في الوقت نفسه ـ لحماس وإيران وحزب الله… ولمقاومي الصهيونيّة والتطبيع من كلّ الأطياف والمشارب والجنسيّات. أن تكون ديموقراطيّاً وداعماً للمقاومة والمقاطعة، ليس من سابع المستحيلات. وهذا يقتضي أيضاً نقدَ المقاومة في كلّ مكان، كلّما انحَرفتْ أو تطيّفتْ أو تمذهبتْ أو استبدّت أو ناصرتِ المستبّدين.

النظام السوريّ، كأيّ نظام عربيّ آخر ـ «أجُمهوريّاً» كان، أمْ ملكيّاً، أمْ جُملوكيّاً ـ يجب أن يتغيّر… لكنْ ليس بأيّ ثمن. فإذا كان الثمنُ تدخّلاً خارجيّاً (وفق منطق «الشيطان ولا بشّار»)، أو حروباً داخليّة جديدةً كالتي نشهدُها الآن، فمن الحكمةِ أن يتغيّر بشكل تدرّجيّ. ذلك لأنّ الضربة القاضية، على الطريقة الليبيّة أو العراقيّة، قد تقضي على عناصرَ «لاحمةٍ» مهمّةٍ في النسيج الاجتماعيّ السوريّ المتقلقل؛ وهي أيضاً أقصرُ الطرق، وأسرعُ الوصفات، إلى خرابٍ بشريّ وعمرانيّ واقتصاديّ عميم.

حمايةُ المدنيين لا تكون بسلاح الناتو، بل بإعادة عمل المراقبين وتكثيفه، وبإدخال الفِرق الطبيّة والمساعدات الإنسانيّة، وبالضغط المتواصل على النظام للسماح بدخول كافّة وسائل الإعلام من دون قيدٍ أو شرط (فلا شيء يُحْرج المجرمين كصور إجرامهم منتشرةً في بيوت الناس).

مشيخةٌ تمتلك أكبرَ قاعدةٍ أميركيّةٍ خارج الأراضي الأميركيّة (العيديد)، وكانت المركزَ الأساسَ لإدارة الحرب على عراقنا الحبيب في 2003؛ مشيخةٌ تصل بالتطبيع مع «إسرائيل» إلى درجاتٍ غير مسبوقة عربيّاً؛ مشيخةٌ تفتتح منذ شهور مكتباً لحركة طالبان، بغيةَ التوسّط بينها وبين الأميركيين (لتحويلها ربما إلى «إسلام معتدل»)؛ مشيخة كهذه لا يمكن أن يُرتجى من مشروعها وتمويلِها لسوريا «الجديدة» أيُّ خير.

في أيّ «تحالفٍ» غير متوازن، الأقوى هو الذي يَفرض رأيَه على الأضعف (والاستثناءُ يبرّر القاعدةَ طبعاً). أوباما أقوى من طيفور، وأردوغان أقوى من برهان، وحمد أقوى من سمير نشار، مثلما كان بوش أقوى من الجلبي والطالباني في العراق. «تقاطعُ المصالح» نظريّة قصيرةُ النظر في أحسن الأحوال، وتبرِّر التبعيّةَ والعمالةَ في أسوإها.

عبارتا «سوريا الأسد» و«المجلس الوطنيّ هو الممثّل الشرعيّ والوحيد للمعارضة السوريّة» ينبغي أن تُسحبا من التداول في الخطاب السياسيّ السوريّ. كلتاهما تعبيرٌ عن عقليّةٍ إقصائيّةٍ استبداديّةٍ واحدةٍ، لا تتلاءم مع «الإصلاح» أو «سوريا الجديدة».

أهناك مؤامرةٌ على سوريا؟ لا جدال في ذلك! لكنّ المفارقة هي أنّ أبرزَ المتآمرين هو النظامُ نفسُه ــ بتحجّرِه وقمعِه وبطئِه في تنفيذ «الإصلاح» الذي وَعَدَ به هو نفسُه قبل عدّة أعوام.

فلسطين بوصلةُ الثائر العربيّ، ومَنْ يؤجّلها سنةً كاملةً يؤجّلها إلى الأبد. بيْد أنّ فلسطين لا تكون بوصلةً حقيقيّةً للثائر الحقيقيّ إلا إذا ترافقتْ مع الحريّة لكلّ طالبيها. الممانعة تجاه العدوّ الإسرائيليّ لا تسوِّغ مَعْسَ الشعب السوريّ. وكما قال تميم البرغوثي: «إنْ كان تحريرُ فلسطين يقتضي تعذيبَ أطفال سوريا، فأبقوها محتلّةً خيرٌ لأطفالِكم وأطفالِها!».

تدويلُ المسألة السوريّة = قتْل الانتفاضة. بالتدويل، ينسى الناس إبراهيم القاشوش وعبد الباسط الساروت وحمزة الخطيب وأطفالَ درعا، ويصبح النضالُ الشعبيّ السوريّ مادّةً للسجال بين أوباما وپوتين وساركوزي.

تسليحُ الانتفاضة = قتْلها. من حقّ المضطهَد الدفاعُ عن نفسه، لكنّ النظامَ متفوّقٌ على خصومه في مجال التسلّح بما لا يقاس. أقربُ الأمثلة: انتفاضة الحجارة في 1987 في فلسطين حقّقتْ ما عجزتْ عنه الانتفاضةُ المسلّحةُ في 2000، تعبئة وتوعيةً ودعايةً وإعلاماً واعترافاً دوليّاً.

مَنْ يرفض إطلاقَ النار على المتظاهرين السلميين بطلٌ وطنيٌّ شريف. مَنْ يأتمر بأوامر الخارج «أنطوان لحد» آخر.

الإصلاح لا يكون بالتنازل عن مبادئ الديموقراطيّة إرضاءً لأحد الخصوم. وتحديدُ طائفة الرئيس في الدستور السوريّ الجديد، مثلاً، طعنةٌ نجلاءُ في صدر الديموقراطيّة، وتراجعٌ عن أجملِ ما في تاريخ سوريا منذ عقود.

الأنظمة العربيّة عصيّة على الإصلاح إلّا بالعصيان.
* رئيس تحرير مجلة «الآداب». النص هو افتتاحية العدد الأخير من المجلة الذي يصدر خلال أيام
الآداب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى