صفحات المستقبل

الطائفية بين العـَـرَض ِ والمـرض !


نزار حمود

الفارق بين العـَرَض والمرض كبير للغاية. فالمرض هو الآفة الطارئة التي تصيب الجسم السليم وتستوطن به أما العـَرَض فهو ماقد ينجم عن هذه الآفة من آثار ٍ جانبية قد تكون ملتصقة تماما ً بالعضو المصاب أو بعيدة عنه للغاية. ويعتبر فن التفريق بين المرض وأعراضه أمر ٌ هام ٌ للغاية لابد منه كي يكون الطبيب المعالج ناجحا ً في أداء مهمته الكامنة بمعالجة المريض وإعادته للحياة المنتجة الفاعلة. فإذا ضاع الطبيب في متاهة الأعـراض ولم يســتطع الوصول للداء الأساس، فشل في مهمته وعجز عن معالجة مريضه الذي التجأ إليه، وهو الخبير الحكيم المُفترَض. وكي تتضح الصورة أكثر أقول … إن الوصول لمعالجة العـَرَض لايعني غالبا ً معالجة المرض نفسه بشكل جذري. أما معالجة المرض الأساس فستؤدي حتما ً لاختفاء كل الأعراض الملتصقة به. كونك تعاني من الصعوبة في بلع الطعام مثلا ً لايعني تماما ً أن المرض المسبب لهذا العـَرَض قد توطن في منطقة الرقـبة والبلعوم ! فقد تأتي صعوبة البلع من إصابة دماغية مثلا ً. المرض الأساس هنا هو الأذية الدماغية أما العـَرَض فهو صعوبة البلع.

وكما للحياة قوانينها الناظمة وعلومها الأساسية والتطبيقية …كذلك فإن للمجتمعات البشرية قوانينها وعلومها الأساسية والتطبيقية. لإن المجتمعات البشرية عرضة ٌ للإصابة بالمرض والضعف كما الجسد البشري تماما ً. وإقامة الصلة والشبه بين جسم الإنسان وجسم المجتمع البشري قديم للغاية. وكان قد أتت في السيرة النبوية الشريفة إشارة ٌ واضحة لهذا الأمر من خلال الحديث القائل ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو ٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. من هنا … وانطلاقا ً من فرضية أني أتفق مع معظم أبناء الوطن السوري المعذب في توصيفنا للطائفية على أنها حالة مستعصية فتاكة إن أصابت أمة ً ما، كان مصيرهذه الأمة التشرذم والتشتت والزوال عاجلا ً أم آجلا ً كان لزاما ً علي وعلى كل مهتم بالحالة السورية الراهنة تعيين هذه الحالة الاجتماعية وخيمة العواقب وطرح التوصيف الصحيح لها كي نصل في نهاية الأمر للعلاج السليم الناجع الهادف لأن نبقى نحن سوريين وأن تبقى سوريا لنا جميعا ً…

لن أدخل بتفاصيل التعاريف الأكاديمية للطائفية، فالأبحاث المتعلقة بهذا الأمر موجودة ومتاحة لكل مهتم ، لكني سأكتفي بالقول إن معظم هذه التعاريف تـُجمِع على وصف الإنسان الطائفي بالشخص المنغلق على نفسه، الذي يرفض أن يسمع أو يحلل أو يقبل وجهات النظر الأخرى الموجودة حوله بغض النظر عن طبيعتها، دينية ً لاهوتية ً كانت أم دنيوية. وكمثال على ذلك أورد تعريفا ً واحدا ً هو ذلك الوارد في قاموس لاروس الفرنسي الذي يقول إن الطائفة هي “مجموعة من الناس الذين يؤمنون بعقيدة فلسفية أو دينية أو سياسية واحدة” وإن الطائفية هي “التصرف الذي يتسم بالانغلاق على الذات وفرض الرأي على الآخرين”. واضح من هذه التعاريف أن الطائفية لا تتعلق بالأمور الدينية فقط بل تتعداها لما هو دنيوي. فكل متحزب ٍ متقول ٍ بصوابية ممارساته ومنطلقاته، منغلق على رأيه ورافض للرأي الآخر هو طائفي على طريقته الخاصة. وقد يكون هذا التطرف في الرأي ناجم ٌ عن مصلحة مادية أو معنوية أو عـن الحاجة إلى الشعور بالانتماء في ظل غـياب وفقدان الانتماءات المجتمعية الأخرى لشرعـيتها ووجودها في بعض الأحيان وعلى رأس هذه الانتماءات الغائبة الانتماء للوطن ومبدأ المواطنة. من هنا أستطيع القول وبيسر وسهولة إن البعثي المتزمت والمتشبث برأيه، الرافض لمناقشة مبادئ الأحزاب والتيارات الأخرى لا بل والمسفه لها والمخون لأتباعها … هو طائفي بامتياز، لكن طائفيته من النوع السياسي! كما أستطيع القول إن كل إنسان معتقد بصوابية منطلقاته الدينية اللاهوتية وخطأ منطلقات الآخرين إنما هو طائفي بامتياز إذ يبقى الله عز وجل واحدا ً لكن تختلف الطرق في الوصول إليه كما تختلف طرقنا في حل المعضلات الرياضية …إلا أن الجواب الصحيح يبقى واحدا ً في النهاية. إذا ً المشكلة ليست في الطروحات الفلسفية والسياسية والدينية التي قد تقترب من، أو تبتعد عن المنطق السليم المعافى … لكن المشكلة، كل المشكلة، تكمن فينا نحن عندما نرفض مناقشة طروحات الآخرين ونتمسك بصوابية مانقوله نحن دون غيرنا ونسفــّه ونخوّن ونطلق الأحكام دون احترام للآخر المختلف ووجوده وحريته وكرامته. طبعا ً … أعتقد أني في غـنى عن القول إن الممارسة الإقصائية أو الطائفية العنفية، بالمعنى الذي تم التعرض له أعلاه، في الحكم السياسي ستؤدي بالضرورة لممارسات وتطبيقات إقصائية طائفية عنفية في المجتمع. الطائفية إذا ً، وبالمختصر المفيد، هي نــفي الآخر وعدم الاكتراث به والتعامل معه بشكل عدواني قائم أساسا ً على الخوف والاختلاف وليس على الرغبة بإيجاد نقاط التلاقي. الطــائفية هي مجرد عـَـرَضْ للـمـرض الكامن تحتها والمتمثل بنفي الآخر وتضخم الأنا الاجتماعية / الدينية / السياسية بعيدا ً عن الانتماء الأهم والأول الذي يجب علينا جميعا ً أن نلتف ونقف تحت رايته وهو الانتماء للوطن وحقوق الإنسان المواطن وكرامته.

لايستطيع الطائفي أن يجمع بين ولاءه للوطن الشامل العام وولاءه لطائفته الدينية أو انتماءه السياسي الاجتماعي الصغير … وكما يعد الشرك بالله كفرا ً بالذات الإلهية … كذلك يعد إعلاء الانتماءات الضيقة الدينية أو المناطقية أو العشائرية أو السياسية… كفرا ً بالوطن وتقويضا ً لأسس وجوده وكينونته !

يقول برهان غليون عضو المجلس الوطني السوري ورئيسه السابق في تعريف الطائفية : إنها “مجموعة الظواهر التي تعبر عن استخدام العصبيات الطبيعية، أي ماقبل السياسية، الدينية منها والإثنية والزبائنية المرتبطة بظاهرة المحسوبية أو المافيا، في سبيل الالتفاف على قانون السياسة العمومية أو تحييده، وتحويل الدولة والسلطة العمومية من إطار لتوليد إرادة عامة ومصلحة كلية، إلى أداة لتحقيق مصالح خاصة وجزئية. إنها تشكل مايشبه الاختطاف للسلطة السياسية التي هي أداة تكوين العمومية لأهداف خصوصية. وهي تنطوي لذلك على مخاطر تدمير الدولة نفسها بوصفها بنية عمومية ومنتجة للعلاقة العمومية ومن ورائها على مخاطر زوال الأمة نفسها بوصفها جماعة موحدة سياسيا ً أو ذات قانون سياسي يختلف نوعيا ً عن قانون العصبية الدينية والإثنية ويتجاوزه”.

لم يعد كون النظام طائفيا ً بامتياز … محل شك ٍ أو جدل. فقد تعرى هذا النظام المجرم من آخر أوراق التوت التي كان يستر بها عوراته وانطلق هائجا ً قاتلا ً مجرما ً يســفك الدم السوري ذات اليمين وذات اليسار تحت حجج وذرائع تتعلق بالمقاومة والممانعة. ولست هنا في معرض تفنيد أو الإجابة على مثل هذه الطروحات. إذا ً لم يعد كون النظام طائفيا ً بامتياز محط شك أو جدل. لكن من المؤسف فعلا ً أن أقول إن المعارضة السورية مصابة ُ بنفس هذا العـّـرَض الخطير للغاية والناجم عن المرض الأخطر بالنسبة لتقدم المجتمعات في العالم أجمع … ألا وهو مرض “نــفي الآخـــــر”. يكفي أن يقول ميشيل كيلو، مثلا ً، قولا ً لا يروق لجهة معارضة ٍ مختلفة ٍ معه بالرأي وتقويم الحدث، حتى تنهال الصفات الرهيبة والشتائم على رأسه من كل حدب وصوب كأن يتحول ميشيل من فئة الكيلو إلى فئة الأوقية أو الغرام مثلا ً. هذا طبعا ً إذا لم نتكلم عن الممارسات العنفية الطائفية الدينية على الأرض والتي أستطيع القول بمنتهى الثقة بالنفس … إنها أخرت وبشدة في وصول ثورة الكرامة السورية إلى أهدافها المتمثلة في إحقاق العدل وإخضاع المجرمين في هذا النظام الظالم للمحاكمات والعقوبات التي يستحقونها.

نعم النظام طائفي وبامتياز … فهل نحن كذلك ؟

إذا كنا كذلك فقد فشلت الثورة وضاعـت تضحيات الشهداء …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى