صفحات سوريةعلي العبدالله

إيران: خفّي حنين


علي العبدالله *

تواترت التصريحات الإيرانية الداعمة للنظام السوري، مع رفع النبرة والحدة. فقد وصف خامنئي ما يجرى في سورية بمواجهة مع «الكفر»، وقال: «إن إيران ستحمي النظام السوري بجيوشها». وتحدث نجاد عن المتمردين السوريين الذين يشكلون «ضمانة لهيمنة إسرائيل في المنطقة»، بينما اعتبر صالحي الحديث عن حكومة انتقالية في سورية «وهماً»، وجدد الدعوة إلى حوار بين النظام والمعارضة ترعاه طهران. وذهب وزير الدفاع والجنرال جزائري إلى التهديد بضرب الأعداء ضربات ساحقة، مع تلميحات إيرانية إلى تفعيل اتفاق الدفاع المشترك بين إيران وسورية.

لمَ هذا التصعيد الإيراني، ولمَ الآن؟

على رغم الحدة والنبرة التصعيدية الهجومية فإن حقيقة الموقف الإيراني دفاعية، فإيران التي نجحت في استثمار الظروف الإقليمية والدولية، وحققت مكاسب إقليمية من أفغانستان إلى البحر المتوسط، خصوصاً على حساب الأمن العربي، وقد تبجح عدد من قادتها بسيطرتها من بحر قزوين إلى المتوسط، تواجه الآن أخطار تراجع يعيدها إلى حجمها الطبيعي، مع احتمال أن يكون وضعها المتوقع في ضوء المعركة السياسية والاقتصادية والعلمية الدائرة، حتى مع استبعاد مواجهة عسكرية، كوضع دولة في أسفل السلم الدولي وعلى كل الأصعدة.

بدأ التراجع الإيراني منذ بعض الوقت، وقد ظهرت بوادره بهزيمة حزب الله في الانتخابات البرلمانية في عام 2009، وانطلاق المعارضة الإيرانية، التي عرفت بالموجة الخضراء، ما دفع النظام الإيراني إلى استخدام خطوطه الخلفية وقدراته الأمنية في مواجهة عناصر الضعف التي برزت على السطح فحركت بيادقها في دمشق لاحتواء هزيمة حزب الله بإسقاط حكومة الحريري، وانقضت على المعارضة الإيرانية: قتل بإطلاق الرصاص الحي على تظاهرات المعارضة، والاعتداء على قادتها وإهانتهم، ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، وختمت بتزوير الانتخابات الرئاسية لتضمن نجاح ممثل المشروع الإمبراطوري الإيراني.

كنت خلال هذه المواجهة في سجن دمشق المركزي أتابع المواجهة بين النظام الإيراني والموجة الخضراء من خلال الصحافة المتاحة وقد هرّبت إلى خارج السجن تصريحاً نشرته وكالة الأنباء الإيطالية آكي (18/6/2009) قلت فيه: «لقد شكلت التظاهرات الحاشدة التي خرجت في مدن إيران الرئيسة رداً شعبياً على التلاعب بالانتخابات الرئاسية الإيرانية التي قام به النظام الإيراني في محاولة منه لتثبيت التوازن الاستراتيجي الإقليمي القائم، والذي عمل على إقامته في العقدين الأخيرين، بعد أن اهتزت أركانه بهزيمة حزب الله اللبناني في الانتخابات النيابية اللبنانية الأخيرة، والذي كان سينهار بهزيمة التيار المحافظ في الانتخابات الرئاسية الإيرانية». حُكمت فيما بعد عاماً ونصف العام بسبب نشر هذا التصريح، وقد ازدادت مؤشرات الضعف الإيرانية مع العقوبات الاقتصادية والعمليات الاستخبارية (قتل العلماء، واختراق حواسب البرنامج النووي) في ضوء تعقيدات المشروع النووي وتمسك إيران بالبرنامج، والإبقاء على أجزاء منه خارج رقابة وكالة الطاقة الذرية، ورفعها التخصيب إلى 20 في المئة. وقد شكل انفجار الثورة السورية وتداعياتها المحتملة سورياً وإقليمياً ودولياً، تهديداً جدياً بإطلاق رصاصة الرحمة على المشروع الإيراني، لأن انتصار الثورة وسقوط النظام سيعني، ليس فقط خسارة تابع في منطقة مهمة وحيوية، بل فرصة كبيرة لإطلاق حركة دومينو تطاول بقية مواقع النفوذ في الإقليم. وقد بدأت بوادره بخسارة حركة حماس، تقود إلى طي المشروع الإيراني والعودة إلى الوضع الطبيعي بعد عقود من المغامرات، لكنها لن تعود إلى وضع طبيعي بل إلى حالة أسوأ مما لو أن النظام عمل على إبقاء إيران كما تسلمها من الشاه المخلوع.

كان أمام إيران، لو بقيت داخل حدودها وعملت على تنمية بلدها وتعزيز قدراتها الصناعية والزراعية والعلمية، وحلت مشكلات البطالة والصحة والتعليم التي تعاني منها فئات اجتماعية واسعة، وطورت البنية التحتية، وعملت على تنمية مواردها الطبيعية والبشرية، فرصة كبيرة لتحقيق إنجازات عظيمة، ولحسنت موقعها على الخريطتين الإقليمية والدولية، وعززت استقلالها الوطني وسيادتها في ضوء التطور الذي حصل في مقومات السيادة الوطنية: تقاس قوة السيادة بمقدار احتياج الآخر لما لديك، وبمقدار احتياجك لما لدى الآخر.

لقد استثمر النظام أموالاً ضخمة وطاقات بشرية كبيرة، واستغرق عقوداً، للتأسيس لمشروع سياسي كان يمكن توقع فرصه المتواضعة في تحقيق انتصار على الأعداء المفترضين قياساً على الفروق في القدرات. فالفجوة التقنية بين إيران وبينهم تقاس بعشرات السنين، ناهيك عن القدرات التنموية والاقتصادية والبشرية والعلمية، وها هو ذا يتأهب للعودة بخفَّي حنين.

* كاتب سوري

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى