صفحات الثقافة

ماذا بعد الثورات العربية؟ أدباء وفنانون يجيبون

 


نفرح لكن نخشى العواقب ومهما يكن فهذه الثورات غير كافية

زهرة مروة

الثورات التي بدأت مؤخراً في تونس ومن ثم فتكت العدوى بمصر والبحرين وليبيا وسوريا وحملت شعار «حرية، عدالة وخبز»، كشفت لنا الوجه الآخر للعرب وهو رفض الظلم والمطالبة بالحرية أياً يكن الثمن باهظاً. شباب ينزلون الى الشارع ويتظاهرون، يثورون على القديم، يريدون تغيير الفكرة التي زرعها أسلافهم في رأسهم، يرفضون منطق الديكتاتورية، يتشوقون الى الحرية.

لكن كل تغيير مفاجئ يحمل معه تساؤلات كثيرة، من أيقظ هذه الشعوب النائمة؟ لم دبّ فيها الوعي في هذه الفترة بالتحديد؟ من هو وراء كل تلك الثورات؟

في هذا التحقيق، لم نشأ أن نتطرق الى هذه الأسئلة كي لا يغدو الموضوع سياسياً بحتاً، وفي الوقت نفسه، لم نشأ أن لا نتوقف عند هذه الثورات التي تشكل حدثاً كبيراً في تاريخ الأمة العربية. ذهبنا وسألنا عدداً من الفنانين والكتاب والمسرحيين: ما رأيك بما يحدث على الساحة العربية؟ وما هو برأيك التعبير الأدبي والفني لهذه الأحداث؟

أتت الأجوبة متفاوتة فمنهم من عبّر عن فرحه معتبراً هذه الأحداث استيقاظاً للعرب من سبات عميق، ومنهم من رآها ملتبسة أي مفرحة ومحزنة في الوقت نفسه، وقسم منهم، لم يكن رأيه بها إيجابياً.

الكاتب شريف مجدلاني مثلاً عبر عن حبوره واحتفائه بما يحصل «انه شيء جميل جداً، لم يتوقعه أحد من الفنانين او الكتاب»، وبرأي مجدلاني ان الفنانين والكتاب لم يواكبوا تطور الشباب العربي الذي تخطى الثقافة القديمة التي كانت مزروعة في نفسه، وانتقل من حقبة القومية العربية والإسلامية، الى حقبة الديموقراطية. وأنه يلزمنا الكثير من الوقت كي نستوعب ونحلل ما يحصل حولنا. بدا مجدلاني متخوفاً لما يحصل في اليمن ومصر من تقسيمات، لكنه استطرد معتبراً أن «كل عملية تنظيف تحمل معها بعض الرواسب السابقة، ولا بدّ لهذه الرواسب المخبأة منذ القدم أن تظهر كي نأخذ علماً بها ونحلها».

الشاعر فيديل سبيتي كانت نظرته أيضاً إيجابية لما يحصل، أجاب باقتضاب لكن جوابه كان معبراً. فبنظره هذه الأحداث هي «استيقاظ الشعوب من نوم مديد».

المخرج الفني علي زراقط كانت اجابته قريبة من زميله سبيتي، بحيث إن الطرفين ينظران الى هذه الأحداث بإيجابية وتفاؤل. ويقول زراقط إن ما يحصل في العالم العربي هو «أهم حدث في تاريخ العرب منذ 1200 سنة، ثورات تتدافع وسوف يتغير معها المواطن العربي. هذا شيء شبيه بالثورة الفرنسية في أوروبا، وسوف يجلب معه نهضة فكرية وروحية وأدبية وفنية».

الكاتبة هالا كوثراني أيضاً تحتفي بالتغيير وبالثورة على الأنظمة القديمة. وتقول إنها تحاول أن تعبر عما يحصل بالكتابة على صفحات الجريدة، لكنها لا تستطيع أن تكون حرة كما يجب، فتلجأ الى الفيسبوك حيث تكون حرة أكثر.

وتقول كوثراني إنها لم تتفاجأ بالذي حدث وكانت تتوقعه: «كنت متوقعة ان يحصل كل ذلك، لم نعد نستطيع أن نتحمل القمع والظلم، إنني أؤمن بنية الشباب الذين نزلوا الى الشارع، هناك أناس تثور على الواقع وتريد أن تحدث تغييراً». وتضيف كوثراني أنه «يجب أن يحصل مثل تلك الثورات في لبنان كي يتغير النظام ونقضي على الديكتاتورية، ولا تنكر الكاتبة أن هناك دولاً كبرى تحاول أن تستفيد من الوضع، لذلك يجب أن نكون واعين، وأن لا نتراجع وننجرّ وراءها».

وبنظر الكاتبة أن هذه الثورات أتاحت لنا التعرف أكثر على البلدان العربية القريبة منا والتي لم يكن لدينا أية فكرة عنها، كاليمن وليبيا،.. واكتشفنا أن ما من دول فعلية أو مؤسسات سياسية في هذه البلاد.. «مثلا النظام في ليبيا هو نظام قبائل وعشائر. وفقط في مصر وتونس هناك دول فعلية».

الفنان عبيدو باشا يعتبر أننا أمام ثورتين ناجزتين ثورة تونس وثورة القاهرة، وأن ثورة تونس لم تعنّف كما عنفت ثورة القاهرة، فالثورة الأولى انتهت في أيام أقل من الثورة الثانية، وحفلت بمشاهد لن ينساها لا فنان ولا مثقف ولا أي انسان. «لن أنسى تلك الصورة الممثلة بحشود من المدافعين عن ميدان التحرير خلف الألواح المعدنية، وتحت سجاد الحجر المنطلق من أيدي البلطجية وأزلام السلطة، وانتهت بشكل مؤثر حين وقف القرضاوي في ميدان التحرير كي يتلو آية نهاية الثورة بعد انتقاله من مقره الى مقر الثورة».

ويعتبر باشا ان هذا المشهد هو مؤثر جداً الى درجة أنه سوف يبقى المسرح والسينما والفنون التشكيلية والموسيقى دونه الى زمن بعيد.. «أنظر باحترام شديد لما أنجزه الشباب وقدّموه من شهداء وجرحى ومعوقين. هذه الثورات ستؤدّي الى اطاحة رموز زورت حضورنا وتواريخنا المشتركة، كما زورت أرواحنا وحيواتنا حتى استسلمنا أمامها».

بالرغم من تفاؤل الفنان عبيدو باشا واحتفائه بما قدمه الشباب العربي، يسكنه خوف من المجهول ومما سيأتي بعد تلك الثورات «ما حدث ليس قليلاً لكن الأهم ما سيأتي. أما الكلام عن تعابير فنية وثقافية طالعة من آليات الثورتين سابق على أوانه معطوف على خوفي الشخصي من تقسيم ليبيا بعد أن قسمت السودان…».

بعض الفنانين والكتاب بدوا قلقين مما يحصل، فمن جهة هذه التحركات تحمل نية الشباب العربي في التغيير وطموحه الى الديموقراطية، لكنها في الوقت نفسه، تهدر الكثير من الدم العربي البريء، وتخلق تقسيمات في قلب الدولة الواحدة. بعضهم متخوّف من أن تستغل الدول الكبرى هذه الثورات لمصلحتها، وتحوّر أهدافها، طالما أن مبدأ شريعة الغاب لا يزال سائداً بين الدول.

الفنان حسن جوني مثلاً، اعتبر ان ما يحدث هو ملتبس ويستدعي أكثر من وجهة نظر واحدة. «انه شيء ملتبس، غامض، مفرح، محزن. ويحمل وجهين، فمن جهة هو جميل، لأن هناك شعباً يثور ويعبر عن هذه الثورة بكل الوسائل، ومن جهة أخرى يلفّه لون سوداوي وحزن على الدم البريء الذي يراق في العالم العربي، والذي يهدر بحق وبغير حق. فمثلاً حالة الشعب الليبي تستدعي الكآبة ويصفها جوني بأنها «حركة مد الموت وجزره». وبنظر جوني يجب أن لا يحصل أيضاً ما يحدث الآن في سوريا طالما هناك وعد بتنظيم الإصلاحات. بينما هو مطمئن لما حصل في مصر «ما حدث في مصر يستدعي الفرح».

وأخيراً يقول الفنان حسن جوني، إنه يستعصي على الأديب أو الفنان التعبير بسهولة مما يحصل، «أنا خائف مما يحدث حواليّ، حرائق العالم العربي تحيط بي، ولا أعلم ما هو السبيل الى اطفاء هذه النار، وربما الخطر قادم الى لبنان.

الفنان مارون الحكيم كانت إجابته سوداوية، لم يتسلل اليها خيط نور، وصف الذي يحدث بـ«الكارثة، والاستغلال…». ويعتقد الحكيم أن للشعوب رغبة في الحرية والتحرر، لكن هناك دولاً كبيرة تستغل هذه الثورات وتحورها الى أماكن أخرى. «هناك شر كوني سائد وبعد عن العدالة. التفكير الاستعماري ما زال يسيطر على الإنسان، التاريخ يعيد نفسه. قصة قايين وهابيل دائماً تتكرر ولكننا الآن على مستوى دول وليس على مستوى أفراد».

ويضيف الحكيم ان كان هناك طموح حقاً الى الديموقراطية، فيجب أن تبدأ الثورات من فلسطين، لأن شعبها يعاني من التهجير منذ ستين سنة، وبرأيه الاستبداد في فلسطين يثبت أن ما زال هناك شعوب مقهورة ودولاً كبرى تتحكم بنا ولن تخوّلنا الوصول الى مرادنا…

كذلك الناقد التشكيلي جوزيف طراب لم يكن راضياً عما يحصل. وأجاب باقتضاب «إن هذه الثورات هي غير كافية، وأن الانتلجنسيا العربية لا تقوم بدورها كما يجب، كنت أتوقع أكثر من ذلك».

السفير

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى