صفحات الثقافة

«النبّاشون» لسوسن جميل حسن رواية القاع الإجتماعي


سلمان زين الدين

«النبّاشون» هي الرواية الثالثة للروائية السورية سوسن جميل حسن، بعد «حرير الظلام»، و»ألف ليلة وليلة» (دار الآداب). وهذه المفردة هي جمع مذكّر سالم لكلمة « النبّاش» التي تستخدمها الكاتبة للدلالة على جامع النفايات في المدينة، وتطلقها مجازاً على مجموعة وظائف تنتمي إلى القاع الاجتماعي الذي ينمو على هامش المدن كالنبّاش، والعتّال، والمبيّض، وبائع الرصيف… وفي المعنيين الحقيقي والمجازي ثمة مفارقة للمعنى اللغوي للكلمة وهو نبّاش القبور. فأية علاقة بين جمع النفايات وممارسة مهن هامشية ونبش القبور؟ إلاّ إذا أرادت الكاتبة، من خلال مقاربة القاع روائيّاً، نبشاً للقبور، وكشفاً للمستور بالمعنى المجازي؟

في روايتها ترصد سوسن جميل حسن نمط حياة شريحة من الناس والحيوانات ممّن يقيمون على هامش المدينة جغرافيّاً، وينتمون إلى القاع اجتماعيّاً، ويعيشون خارج الزمن، ويقع عليهم القمع الاجتماعي والديني والجسدي، ويعانون التهميش والإقصاء، حتى إذا ما راحوا يحلمون أحلاماً متواضعة، تتدخّل عوامل كثيرة لتحول بينهم وبين تحقيق أحلامهم. وهي تفعل ذلك من خلال رسم مجموعة شخصيّات بشرية أو حيوانية تتفاعل فيما بينها، وتدخل في شبكة علاقات روائية، ويكون لكلٍّ مساره في هذه الشبكة، ومصيره المفارق للآخرين. ومن هذه الشخصيات: جمعة النبّاش، حمود العتّال، برهوم المبيّض، مهنا بائع الرصيف، الشيخ يحيى ، دنّورة الزوجة المقموعة، جميلة الفتاة المعاقَبة، دلال الفتاة الثريّة، أبو طافش حمار جمعة، بغل برهوم المبيّض… وتمتد العلاقات بين هذه الشخصيات، من تلك المفروضة عليها بحكم القرابة أو الملكية، إلى المختارة منها بحكم الصداقة أو العمل، مع العلم أن التواصل بينها في الحالتين ضعيف إلى حد يمكن اعتبارها علاقات عابرة. غير أن ما يجمع بينها هو أنها ضحايا الآخرين أو بعضها البعض، ضحايا الأعراف والتقاليد والتربية والعقلية الذكورية، ولكل ضحية درب جلجلتها.

فجمعة النبّاش، الشخصية الأكثر حضوراً في الرواية، هو ضحية الحياة والأب والعقلية الذكورية؛ في ولادته أُصيب في رجله اليسرى ما سبّب له عاهة لازمته طيلة حياته، في طفولته أخرجه والده من المدرسة ليورثه حرفة « النباشة»، في صباه يجهض حمود العتال علاقة حب بينه وبين ابنته جميلة، في شبابه تُوصد البلدية أبوابها دونه لتقديم مقترحات بيئية مفيدة، في رجولته يصطدم باختفاء دلال الحلواني التي عرّفته إلى دروب جسده، ويكون ثالثة الأثافي جنون جميلة الصبية التي أحب وحلم بمستقبل مشترك معها.

في نهاية الفصل الأول من الرواية، «راح يرسم في باله صورة لمستقبل يعزم أن يحقّقها» (ص303). وفي نهاية الفصل الثاني، يقول جمعة: «العيش بين الزواريب يخنقني، يجب أن أجد حلاٍّ.. يجب» (ص29). وفي نهاية الفصل الخامس والعشرين والأخير، يلتقط مطرقة ويهوي بها على جدران البيت الذي حلم به حتى يساويها بالأرض (ص303). هذه المسافة بين رسم الحلم المتواضع وتحطيمه هي المحور الذي تتمحور حوله الأحداث، على أن شخصية جمعة التي جنت عليها الحياة والأب منذ الصغر لم تكن شخصية سلبية، فهو يعي دوره ودور أمثاله في تسيير الحياة، يقول: «نحن نعيش على حدود الحياة، مع أن الحياة لا تسير من دوننا» (ص33). وعلى الرغم من هذا الوعي، فإن تضافر الجهل والفقر والتهميش والعقلية الذكورية والزمن جعل هذه الشخصية الإيجابية تفقد الأمل في نهاية الأمر، فتبادر هي إلى تحطيم البيت /الحلم قبل اكتماله، في إحالة روائية إلى إجهاض الحلم وانسداد الأفق أمام القاع والهامش الاجتماعيين. وهنا، نشير إلى أن هذه النهاية كانت خياراً لجأت إليه الشخصية بنفسها.

في المقابل، يمثّل حمود العتّال نموذجاً للعقل الذكوري المتحجّر، يمارس القمع على دنّورة زوجته، وجميلة ابنته، فيتّخذ من الأولى متاعاً للذة وأداة لممارسة الجنس، ويصادر حقّها في السؤال والاعتراض، فتغرق في صمت طويل، وتقاطع الحياة، وتدخل في شحوب ونحول، ويحجر على الثانية لمنعها من الالتقاء بجمعة، ويفرض عليها إقامة جبرية في البيت لسنوات، فتتردى في صمت واكتئاب، وتهرب إلى عالمها الداخلي وتقفل خلفها الأبواب.

يمارس حمود ازدواجية في العلاقة مع أسرته والآخرين؛ فيحرّم على ابنته الخروج من البيت لمجرّد أن علاقة حب تلوح في أفقها، ويهمل زوجته ويبيح لنفسه إقامة علاقات غرامية تستنزف ماله وكرامته. وعلى الرغم من انتمائه إلى القاع الاجتماعي وظيفةً وعملاً يمارس استعلاءً على جمعة رافضاً أن ترتبط ابنته به، ساخراً من عاهته وعمله. ومع ممارسته الاستقواء على من هو أضعف منه نراه طيّعاً في يد الشيخ يحيى العجوز المزواج، فيعده بتزويجه ابنته رغم فارق العمر الكبير بينهما ووجود زوجتين على ذمّته. بهذا المعنى، يختلف حمود عن جمعة في أنه ضحية الجهل والفقر والعقل الذكوري من جهة، وجلاّد الآخرين من طينته وأسرته من جهة ثانية، بينما جمعة هو ضحية فقط، والقمع يولّد القمع.

_ على أن وطأة القمع الاجتماعي (أعراف وتقاليد) أو الجسدي (عنف وجنس) أو الديني (فتاوى الشيخ يحيى) أو التربوي (تربية دلال) تكون أشد حين تقع على المرأة؛ فتحويل دنّورة إلى أداة للإنجاب والمتعة يجعلها تعيش على هامش الحياة، فاقدة التأثير، مستقيلة من دورها. ومعاقبة جميلة بمنعها من الخروج لسنوات، وقمع رغباتها، ووأد أحلامها، والتحرش بها في موقع العمل ومضايقتها من الزميلات، ومحاولة تزويجها من الشيخ المزواج تجعلها تعيش في عالمها الداخلي المقفل، وتعبر عن معاناتها بنوبات غضب حادة حتى إذا ما تفاقم الوضع وطفح كيل تحمّلها تصاب بالجنون وتهيم على وجهها.

والقمع الواقع على المرأة لا يقتصر على بنات القاع الاجتماعي بل قد يقع على الموسرات من النساء؛ فدلال الحلواني، ابنة الأسرة الغنية، يفوتها قطار الزواج، وتمضي العمر تكفّر عن ذنب الحب قامعةً جسدها، مجهضة أحلامها، باسم الفضيلة والأخلاق، حتى إذا ما فاتها القطار، وتقدّم بها العمر، ودهمها المرض الخبيث، تستيقظ على واقعها القاسي، وتقرر اغتنام ما تبقّى لها من عمر، فتنخرط في علاقة مفاجئة مع جمعة الذي ساقته إليها صدفة عثوره على كيس رسائلها في إحدى الحاويات. غير أن هذه العلاقة غير المتكافئة اجتماعيّاً التي تثبت أن نوازع الجسد ورغباته لا تعرف التفاوت الطبقي والتمايز الاجتماعي لا تعمّر طويلاً، فتختفي دلال عن مسرح الأحداث في ظروف غامضة.

وهكذا، نكون أمام مسارات روائية مقموعة بوسائل كثيرة، ومصائر سلبية تتنوّع بين: جنون جميلة، وانكسار جمعة، وعجز حمود، واكتئاب دنّورة، واختفاء دلال. والمفارق هنا أن بعض الحيوانات التي شكّلت شخصيات روائية تتخاطر مع البشر وفيما بينها (أبو طافش حمار جمعة، وبغل برهوم) بدت أوفر حظّاً من بني البشر، وأكثر قدرة على الإمساك بمصائرها، فقرّرت التحرّر من سيطرة الإنسان، ونجحت في فرار جماعي إلى حيث تعيش كما تريد هي وليس كما يُراد لها أن تعيش. على أن إدخال الحيوانات إلى النص، وإسناد أدوار معيّنة إليها، والولوج إلى دخائلها، أضفى على النص قدراً من الطرافة ناهيك بإسقاطات تحتملها هذه الشخصيات. لعل سوسن جميل حسن أرادت القول، من خلال الشخصيات ومساراتها ومصائرها، أن القاع محكوم بقاعيّته وبالأفق المسدود، وأن الهامش محكوم بالتهميش والأحلام المجهضة.

في «النبّاشون»، تبدي الكاتبة قدرة كبيرة على السرد إلى درجة أن السرد تحوّل في بعض المحطات إلى غاية وليس إلى وسيلة للقول؛ فإذا بنا نغرق في كثير من التفاصيل والجزئيات والحركات والمشاهد، وإذا بها تُهرق كثيراً من الكلام لتقول قليلاً من الأحداث. غير أنها في المقابل تُبدي براعة كبيرة في سرد ووصف بعض المواقف الدرامية أو اللحظات الحميمة، فتُراكم التفاصيل النفسية والجسدية في تصعيد يحبس أنفاس القارئ ويستنفر انتباهه.

تفعل سوسن ذلك بلغة روائية فصيحة مباشرة تتجنّب التقعّر والبلاغة، وتقترب في بعض صياغاتها من المستوى المحكي ما يلائم مقتضيات الحكاية، على أن اللافت في هذه اللغة ميلها إلى استعمال الجمل القصيرة والمتوسطة لا سيما الفعلية منها، فتروح الجمل الفعلية تتوالى بحركة موجيّة متحلّلة من أدوات الربط وحروف العطف أحياناً، ما يمنح النص حيوية متدفّقة، ويشحذ الرغبة في القراءة، فيأتي القارئ على الفصول الخمسة والعشرين أو الصفحات الثلاثمئة دون أن تغادره تلك الرغبة. وعلى الرغم من التسلسل الزمني بين الفصول المندرجة في الخيط السردي الواحد، فإن فجوة زمنية قد تفصل بين فصل وآخر كما هي الحال بين الفصلين الخامس والسادس، ففي هذا الأخير نرى جميلة صبية

تلتقي خلسة بجمعة من دون أي إرهاصات في الفصول السابقة حول ولادتها ونشأتها.

على أي حال، تبقى «النبّاشون» نصّاً روائيّاً جميلاً يطرق منطقة لم تطرقها الرواية العربية منذ تيار الواقعية الاشتراكية، ويولي الاهتمام لهوامش تستحق التمتين، وقيعان تستحق أن تطفو على السطح.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى