صفحات الناس

الخصوصية في زمن العيش الافتراضي/ ديانا مقلد

 

 

«ماما لا يمكنك تفقد رسائلي، أحتاج خصوصيتي من فضلك»

لم أستطع الإجابة على هذا التعليق، بل وجدتني أفتح عيني بدهشة حيال ما قاله ابني آدم، البالغ من العمر عشرة أعوام، وأنا أساعده على إنشاء بريد إلكتروني خاص به.

هذا الكائن الصغير الذي لا يزال يسرح في خياله مع قصص ما قبل النوم، يجادلني بشأن خصوصيته في بريده وفي حضوره المستجد في عالم وسائل التواصل الاجتماعي. لا أدري متى حصل ذلك ولا كيف، لكن يبدو أن ابني أيضًا دخل في دائرة الهجاس العالمي حول الخصوصية في العالم الإلكتروني خصوصًا السوشيال ميديا.

ما أن نجري بحثًا عن الخصوصية ووسائل التواصل حتى تطالعنا مئات المقالات والأخبار عن كيف نحمي أسماءنا وصورنا والمعلومات المتعلقة بنا. لكن، هل نحن حقًا نبحث عن الخصوصية في السوشيال ميديا وفي الإنترنت عمومًا أم أننا نسعى علنًا أحيانًا وبتذاكٍ في أحيان كثيرة أخرى، لكي يعرف عنا الآخرون ما نقول ونشرب ونلبس ونفكر ونحلم، بل ونحاول أن نسرب تفاصيل دون أن نقولها صراحة.

اليوم يطغى القلق من وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت عمومًا، وعدا عن قلق الحكومات والمؤسسات من خصوصية معلوماتها على الشبكة الإلكترونية وتقييدها لما يقوله موظفوها عبر السوشيال ميديا، يبقى للأهل وللأصدقاء قلق مختلف من مسألة الخصوصية، فهم يتذمرون من نشر أبنائهم المراهقين صورًا لا يجدر بهم نشرها. أعرف أصدقاء حميمين يمتعضون كثيرًا من نشر صور شخصية على «فيسبوك» ويمنعون أبناءهم من ذلك ويحرصون على عدم نشر صور أطفالهم.

إنه ذاك الحذر المشروع تجاه خصوصياتنا. فمن الطبيعي أن يقلق الكبار على صغارهم ويحاولوا حمايتهم من تدهور ما في الروابط الاجتماعية بسبب التطور التقني. في الستينات غلب أهلا كثرًا شعور بالقلق من نجوم موسيقى الروك وتصوروا أن هذا الفن سيدمر أخلاقيات جيل بكامله.

اليوم، الجميع قلق مما ستفعله السوشيال ميديا بحياتنا وحياة أبنائنا، فجميعنا تقريبًا انخرط في عقد صلات متفاوتة مع رواد هذه المنصات، وهي صلات فيها غضب وفكاهة وفيها مشاعر واحتجاج وفيها حب وكراهية. فيها افتراق وتلاقٍ.

لا تلبث أن تتحول هذه المشاعر والديناميات إلى نشاط علني، ويزيد زخمه حين يستجد حدث عام، يشعر من كان يتبادل النكات قبل لحظات أنه بات حيال أمر أكثر جدية وإلحاحًا فحينها يخرج التواصل من دوائره الضيقة إلى حوار ينتج أفكارًا واقتراحات وقرارات بالتحرك مثلاً في الشارع.

في السوشيال ميديا هناك شيء من الاستنفار العام، والأرجح أن مفهوم الجماهير والرأي العام بات مع حضورنا على السوشيال ميديا ذا معنى مختلف لم يأخذ شكله النهائي بعد.

لا أدري إن كان هناك من خصوصية في زمننا الإلكتروني أو إن كان لهذه الخصوصية معنى آخر..

الأكيد أننا ما زلنا نختبر ما نعيشه دون أن نتيقن فعليًا إلى أين سيأخذنا.

كاتبة واعلاميّة لبنانيّة

الشرق الأوسط

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى