صفحات العالم

“الكتلة الحرجة”.. الحاضرة دعاء وادّعاء: مفتاح إبقاء سوريا على خارطة الذكاء الجغرافي/ سالم الأخرس

 

 

تتفق غالبية القوى المؤثرة والفاعلة على الساحة السورية حول الاعتراف بوجود «كتلة حرجة» والتي يسميّها البعض «الغالبية الصامتة» أو أسماء قريبة منها. واللافت للنظر، أنّ المعترفين بها ومن دون استثناء يعملون على تحشيدها كلٍ لسياسته ومشاريعه الخاصّة، ويعلنون بوضوح لا لبس فيه أنهم يعملون خدمة لمصالحها، ويبذلون الغالي والنفيس دفاعاً عنها، وتحقيقاً لأحلامها، أو بعض منها على الأقل. حتى يبدو أنّ هذه «الكتلة الحرجة» هي موضوع الصراع في سوريا، وأن كل الشعارات والأهداف التي تطرح، والبرامج التي تصاغ، تأتي تلبية لمطالب الغالبية الصامتة. ويظهر ذلك جليّاً بإصرار جميع الأطراف كلٍ منهم على حدا، على اعتبار نفسه المعبّر عن الشعب، أو الناطق باسمه مستلهماً التقليد القانوني السوري باستهلال القرارات والأحكام، بعبارة: «باسم الشعب العربي السوري نقرر ما يلي».

ووصل الأمر بالبعض، خصوصاً الذين يشعرون بأنهم الأقوى والأكثر حضوراً في العديد من المناطق والخنادق والمواقع «الاستراتيجيّة»، إلى اليقين بأنهم يمثّلون الشعب، وأن قوة حضورهم تنبع من «تمثيل» الأكثريّة.

انتج هذا الطرح سيلاً من الإرباكات والمعضلات والإشكاليات، إن على المستوى الثقافي والفكري والمعرفي، أم على المستوى العملي والوظائفي والإجرائي لهذه الكتلة الصامتة، ما جعل من «صمتها» وجهاً من وجوه عدّة؛ وجهٌ يمكن وصفه بأنه الغلاف الظاهر، بمعنى القشرة الخارجيّة الواقية من شدّة التغيّرات والخضّات التي تتعرّض لها هذه الأكثريّة.

ووجدت غالبية الأطراف، أن توصيف «الكتلة الصامتة» ينسجم مع شعاراتها وخطاباتها، وقرينة موثّقة تؤكّد صحة قولها وصدق فعلها ونبل «توجّهاتها»، والحرب في ما بينهم سعار. وكأنّ غريزة المصالح، وضرورات المواقع، ولغة التواطؤ المضمر منها، والمعرّف، تسوّغ القبول بهذا التوصيف والبقاء عنده، من دون الدخول الى ما تحت القشرة الخارجية، حيث طبقاته الأعمق وتلافيفه الأعقد، حتى بدا المشهد وكأنّ «الكتلة الحرجة» حالة بذاتها، خارج نطاق الأحداث والتطوّرات وتفاعلاتها الحارقة، بحيث أضحت هذه الكتلة أحجية، بلغة العقل، وقوّة خارقة بأدب الأساطير ونمنماته المدهشة، ووجودها من علامات ظهور المسيح المخلّص، وإعلان ولائها لهذا الطرف أو ذاك، هزيمة للمخلّص الدجّال.

بهذه الصورة السريالية للمشهد السياسي السوري، يمكن لنا أن نتفهّم معاني المصطلح الرائج لتوصيف الحالة السورية بأنها معقدة ومركبة.

فالتعقيد يتجلّى عندما ينظر الى الحالة السورية، من منظور الأسس الناظمة للعقد الاجتماعي الذي بلورته فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر، وما لحقه من إضافات ثمينة عبر التجارب والاختبارات في القرنين الماضيين، أو الاستعانة بالمنهج الخلدوني لقراءة المشهد السوري، وقواعد الأحكام السلطانية للماوردي، أو النواظم التي وضعتها المؤسّسات الدولية للأمم المتحدة حول الدول القابلة للنمو، وأسس الحكم الرشيدة.

ومع أن أياً من هذه المدارس الثلاث للفكر والثقافة والمعرفة، يفشل بتفسير الحالة السورية وحده، إلا أنه يمكن الاتكاء على المناهج الثلاثة كمدخل معرفي لإدراك المشهد السوري، ومعرفة بنيانه الاجتماعي والسياسي، واكتشاف أبعاد التعقيد فيه.

وكذا الحال بالنسبة لوصف المشهد السوري بـ»المركّب»، فالموقع الجغرافي لسوريا، وآثار التاريخ العريق لتجربتها وتنوّعها، استدعى حضور جميع القوى الإقليّمية والدولية فور شعورها باهتزازات المشهد السوري، والذي كان له ارتدادات متوسطة وبعيدة المدى، إثر ظهور قوى أخذت عناوين ثلاثة:

فطموحات ولاية الفقيه المدرعة بالمظلومية وعصبية التشيّع، متحالفة مع سوريا وفق سياسة «الأمير» المكيافلية، بحسب مفاهيم القرن الخامس عشر، وتبرعم إغراءات فكرة أمير المؤمنين الجامع للولايتين الشرعية والدنيوية، ودرايته بأصول النكاح وتنوعاته، والاقتصاد السياسي وقواعده الشرعية، وعلوم الحرب ودار السلام ودور الحرب، ودار الهدنة والميثاق وأقوامها. وإيمانه بصوابية الحاكمية لله، والمستعصم به، خلق مناخاً وقوى وردود فعل ومفاهيم وعصبيات، قد تجعل من فكرة سوريا كدولة ومجتمع لها الحقّ بالعيش الطبيعي، فكرة طوباوية، إذا ما استمرّ الحال على حاله، كما جعل من فكرة الصمود والتصدّي والممانعة والدولة الحديثة والرفاه الاجتماعي العصري، وليدة كذبة الأول من نيسان.

ولعل المفارقة العبثية والحقيقة المرّة التي يعيشها السوريون، هي أن القوى الفاعلة داخل المشهد السوري وخارجه والمحيطين به، ينوحون ويصلون على «الكتلة الصامتة» ويتنافسون على النطق باسمها، وبها يدلّلون على مدى الحس الانساني عندهم، وعلى المكانة الحضارية التي وصلوا اليها في رؤيتهم لمعاناة الآخرين، ومراتب الحكمة ونزاهتها التي يتمتّعون بها في رؤاهم ورؤيتهم للمشكلات والتحديات التي تواجه الانسان عامة والسوري بخاصة، والإقرار بأنها هي الأصل في اهتمامهم وحرصهم وهي الغاية التي يسعون الى خدمتها وحمايتها في هذه الظروف. إلا أن الواقع الفعلي اليومي يؤكّد عمق الهاوية التي وصلوا اليها، والمرارات التي يتجرّعونها والإذلال الذي يرافق حصولهم على لقمة العيش، فيما يتنفسون مع لهيب الوجع (المنظم لمواقيت صلواتهم)، اشباح الرعب الذي ينسج خيوط أحلام اليقظة وكوابيس النوم الثقيل، الذي يحدد دورة الليل والنهار، واستجداء الأمل من عناكب الهجرة، أو مخيمات اللجوء «الانساني».

يكتشف السوريون أصحاب الهوية الصامتة، بغريزة الحياة وخبرتها، خيارات الرجاء التي تغدق عليهم حيث توسلوا فيها فرصة نجاة ما، كما تواطأوا مع الآخرين على نِعَم المساعدات الإنسانية التي قدمتها التجمعات الإنسانية ومؤسساتها، وتشاركوا مع الآخرين طقوس وطواطم روائح البخور المقدس الذي يشيع البهاء والحبور على صلوات المساعدات الإنسانية بعيد القديس «حقوق الانسان» الذي طوّبه مجمع الفاتيكان بوثيقة عام 1961. وتبنّتها هيئة الامم المتحدة.

إن هذه الكتلة الحرجة، هي التي تحمل في أحشائها مفتاح إبقاء سوريا على خارطة الذكاء الجغرافي السورية، وهي التي تملك أوراق الذاكرة العميقة لهذا الموقع الذكّي وتضبط رحلات الفصول الأربعة، ومسارات الشمس والقمر، على سهوبها وسهولها وجبالها وصحاريها، وهي في آنّ نفسه تُحجز وتُحشر داخل مناطق جرداء منزوعة السلاح، لا حقوق فيها سوى حقّ الكفن دون الدفن، رغم آيات الذكر على عظمتها ومكانته، عند أصحاب تحالف الحرب ودعاة السلام. إنها الغائب أبداً، والحاضرة دعاء وادّعاء.

وينكشف البعد المأسوي للادّعاء، عندما نبحث عن المدخل المناسب والحقيقي لمعالجة المشهد السوري المتفجر، والأرضية المتينة التي يمكن أن يُشاد عليها البنيان الاجتماعي الطبيعي السوري، فلسوف نجده يقبع داخل هذه الأكثرية «الصامتة» بحجمها ووزنها النوعي وخبراتها وتراثها، الذي صقلته وشحذته تحولات الزمن.

إن اعتماد هذه الأرضية والنظر إلى مصالحها وأحوالها، وبعض أحلامها الطبيعية، يشكل الأساس السليم والعميق لمعالجة المشهد السوري النازف والابتعاد عنه أو إبعاده عن حدقة المعالجة، أو استخدامه كعنوان من أجل التواري وتغطية المصالح الصغيرة، يؤكد على أنهم طُلاّب أزمة وتجار حروب، وكهنة وثنيون للأصنام.

إن بنية هذه الكتلة تحتضن كل خصائص النمو والتطور والحضور، على شكل قوّة كامنة وتأثير مهاب، ومنها ستتشكّل حالة الكتلة التاريخية، حالما تفرز الصراعات عصبة النبلاء، بعروة وثقى وحلّة قرن جديد؛ عصبة تلتقط تقاطع الضرورات، بالصدف الثمينة التي لا تبخل فيها الحياة.

المستقبل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى