صفحات الثقافةلقمان ديركي

هناك لكن في الحياة/ لقمان ديركي

 

 

 

ليست هذه هي الحرية التي طالب بها أهلك

بعد أربع سنوات من كثافة المعاني من الحياة، بدأت هذه المعاني تتلاشى كما تتلاشى الحياة أمامك رويداً رويداً. لقد وصلت إلى الذروة وها أنت تهبط. بل تتزحلط بهدوء من قمتك التي لجأت إليها هارباً من الموت. وما إن استشعرت بطعم إمكانية الحياة، حتى وجدت نفسك غريباً ووحيداً تكتفي بتأمل من يموت من أصحابك وأهلك تحت نيران الهمجية الجديدة.

خُلِع قلبك من مكانه مراراً وهو ينبض نبضات الخوف والقلق والتوجس. وها هو الآن يموت ببرود وببطء. بلحظة واحدة أحيت الثورة كل معاني الحياة فيك. تكثفت، اجتمعت، صار قلبك ناراً متوهجة.. ثم بدأ الحارس المكلف بترويضك بتدمير هذه المعاني بذات الكثافة التي تشكلت فيها.

كنتَ تعتقد أن العالم أكثر عدالة مما يبدو عليه. فصبرت، ولكنك لم تكن تعرف أنهم يتفرجون عليك وأنت تموت ببطء وسرعة معاً. كنت تظن أنهم قلقون حقاً مما يجري من جرائم بحقك. كنت تعتقد أنهم حقاً سيزيحون هذا الكابوس الذي لا يمت للبشرية بصلة عن قلبك. لكنك اكتشفت بعد ذلك أن هذا الكابوس ما هو إلا مسنن صغير في آلتهم الضخمة. آلة الشر الكبرى التي تحكم العالم بيد من حديد ونار.

كنتَ تعتقد أن حكّامك وحدهم مَن سرقوا الشعارات. لكنك عرفت أخيراً أن حكّام العالم المتحضر سرقوا شعارات أضخم. الحرية في جيوبهم، الديموقراطية سجينة مكاتبهم ومكتباتهم… وعندما أنقذت نفسك من كل لحظات القتل المحيطة بك، وجدت نفسك في بلاد الحرية أسير الغربة والوحدة.

ليست هذه هي الحرية التي طالب بها أهلك. ليست هذه هي الحرية التي مات من أجلها أصحابك وأبناء حارتك وبلدتك ومدينتك. لا.. ليست هذه هي. ليست هذه هي الديموقراطية التي تريدها. أنت تريد شيئاً لك. شيئاً من خيالاتك أنت. لكن هذه الكلمات في وطنك أضحت مدفونة تحت رماد حرب جبارة ضخمة لا تشفق على شيء مما يعنيك. فقدت المعنى فأصبت بداء كآبة غير مفهومة. لم تعد تعرف من ستُدين، إلى من ستوجه أصابع الإتهام. لا أحد سواك، أنت وحدك، انت المُدان إذن. أنت المتهم الآن. أنت المجرم والضحية والقاضي.

وحيد خلية أنت، لا جذور لك. مقتلع من أرضك ومتطاير في الهواء. فهيا إلى اتهام ذاتك. هيا إلى جلد الذات. هيا إلى حفلات التعذيب التي أفلتت منها بقدرة قادر. هيا عذب نفسك بنفسك. اقتل آخر ما تبقى من أمل لديك…

لقد عرفتَ الآن لماذا ينتحر الناس. لقد تعلمت كيف تقتل الذات نفسها، بسبب ومن دون سبب. لم يعد هناك من معنى، طالما أنك شاهدت القاتل وحدك. لم يشاهده الآخرون. أشرت بكل أصابعك إليه، لكن أحداً لم يشاهدك. صرخت باسمه بأعلى صوتك لكن أحداً لم يسمعك. وأنت تعرف أنهم يرون ويسمعون. تعرف ذلك، وتعرف أن لا معنى من ذلك. أنت لم تفقد أرضاً فحسب، أنت فقدت المعنى من الحياة. فقدتَ المعنى. لكن.. هناك لكن في الحياة..

المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى