صفحات العالم

جدل المعارضة السورية والعجز العربي


د. بشير موسى نافع

  في آخر جمعة لعام الثورات العربية، 30 كانون الأول/ ديسمبر، خرج السوريون من جديد إلى شوارع مدنهم وقراهم. خرجوا ليس كما يخرجون كل يوم، وليس حتى كما خرجوا في أيام الجمعات السابقة منذ انطلقت الثورة السورية في منتصف آذار/ مارس. خرج السوريون في هذه الجمعة وكأنهم باتوا يشكون في أن أشقاءهم العرب يأخذونهم مأخذ الجد، أنهم يصدقون بأن سورية تعيش ثورة شعبية كبرى، وأن شعبها لن يهدأ حتى يطيح نظام الحكم ويقيم دولة الحرية والكرامة.

عندما تشهد مدن صغيرة، مثل إدلب في أقصى شمال البلاد، ودوما في ريف دمشق، تظاهرات تجمع عشرات الآلاف من السوريين، والخروج إلى الشارع هو نوع من المغامرة المميتة أصلاً، وعندما تسجل هيئات الثورة السورية ما يزيد عن أربعمائة تظاهرة في كافة أنحاء البلاد، فلابد أن السوريين يريدون توجيه رسالة ما، رسالة يحسبون أنها لم تصل بعد.

خلال الأيام القليلة السابقة على مظاهرات الجمعة الحاشدة، والأيام القليلة التالية لها، عاشت الأزمة السورية تطورين بارزين: يتعلق الأول بجدل قوى وشخصيات المعارضة حول وثيقة وقعها رئيس المجلس الوطني وقيادي بهيئة التنسيق الوطنية؛ ويتعلق الثاني بفعالية فريق المراقبين العرب، وما إن كانت مجموعة المراقبين تتحدث بلغة واحدة.

ثمة صلة وثيقة، بالطبع، بين الجدلين، جدل المعارضة والجدل حول الدور العربي. وكلاهما، بلغة رئيس المجلس الوطني، برهان غليون، يكاد يغفل وقائع الوضع السوري وحقائقه.

بالرغم من المماطلة وتثاقل الخطوات، لم يكن خافياً أن السوريين (وقوى المعارضة السورية على وجه الخصوص، وهيئة التنسيق على الأخص) علقوا آمالاً كبيرة على مبادرة الجامعة العربية، سيما أن اللغة التي استخدمها بعض وزراء الخارجية العرب أثناء أسابيع التفاوض حول إمضاء خطوة المبادرة الأولى، المتعلقة بالمراقبين، لم تخل من الحسم والانحياز للشعب السوري، وأن الخيار العربي بدا وكأنه سيساعد على إيجاد مخرج من الأزمة بدون أن يوقع سورية في مخاطر التدخل الأجنبي. ولكن الواضح الآن أن الجامعة العربية قدمت تنازلات للنظام السوري، أدت إلى تعديلات ملموسة في بروتوكول المراقبين. قد تبدو مسائل مثل إبلاغ السلطات السورية، ومن ثم الحصول على موافقتها على تحرك فريق ما ووجهته، غير ذات أهمية بالقياس إلى وجود المراقبين أنفسهم. ولكن مثل هذه المسائل لا بد أن تثير الكثير من القلق حول إمكانية تأدية المراقبين العرب لمهمتهم، واضعين في الاعتبار السجل الدموي للنظام، وعزمه الذي لم يعد يتطرق إليه الشك على مواصلة الحرب ضد شعبه، وخبرة أجهزة القمع والأمن السورية في ممارسة الخداع والالتفاف على الحقائق، التي لا يبدو أن لهذه الأجهزة من خبرة أخرى سواها. وبالرغم من أن مهمة المراقبين العرب لم تتجاوز أيامها الأولى بعد، فالواضح أن لا الجامعة العربية كمؤسسة، ولا المراقبين كأفراد، يظهرون من الدراية والكفاءة ما تتطلبه مهمة كهذه، يفترض بها ليس التعامل مع أجهزة نظام مخادع ومجرم وحسب، بل والانتشار أيضاً على مساحة البلاد السورية بأكملها.

بيد أن هناك مشكلة أخرى تطرحها مهمة المراقبين. إذ كان المفترض، قبل التعديلات، أن تتشكل فرق المراقبين من عرب ومن أبناء دول صديقة. وقد يبدو قصر المهمة على مواطنين عرب فضيلة من نوع ما، طالما أن الجامعة العربية وافقت النظام السوري على أن يتعهد عرب فقط مهمة مراقبة الشأن العربي السوري. ولكن الجامعة العربية لم تنشر قائمة تفصيلية للمراقبين المرسلين إلى سورية أو سجلهم الوظيفي. والشخصية الوحيدة التي قامت وسائل الإعلام، وليس مؤسسة الجامعة، بالبحث في سجلها العملي هي شخصية رئيس بعثة المراقبين، الجنرال والإداري والدبلوماسي السوداني السابق، الذي اتضح أن شبهات تحيط بفترة عمله في منطقة دارفور. قد تعني هذه الشبهات شيئاً، أو لا. ولكن اسئلة لا بد أن تثار حول ما إن كان أغلب المراقبين ينحدر أيضاً من سلك البيروقراطية العربية، المدنية والعسكرية. إذ بغض النظر عن القيمة الشخصية لكل من المراقبين، ليس ثمة شك أن المعايير القيمية للبيروقراطية العربية، التي نشأت في ظل، ومارست العمل مع، وارتبطت بأنظمة الحكم العربية خلال نصف القرن الماضي، كل الأنظمة العربية تقريباً، هي معايير منخفضة إلى حد كبير.

القضاة الذين اعتادوا التعايش مع جرائم التعذيب والاغتيال، والموظفون الذين عملوا في أوساط رسمية موبوءة بالاختلاس والنهب، والعسكريون الذين شاركوا في أو صمتوا على جرائم كبار الضباط ورجالات الحكم، حتى إن لم تتوفر أدلة كافية لتوجيه تهمة ما لهم، كما هو حال سجل رئيس المراقبين في دارفور، لا تتوفر لديهم الحساسية الكافية لرؤية الجرائم التي يرتكبها النظام السوري ضد شعبه. هذا، فوق أن بعض المراقبين، وربما ليس كلهم، يتصرف من البداية وكأنه يمثل الدولة التي ينتمي إليها، وليس الضمير العربي، الذي يفترض أنه القوة التي أسست لمهمة الرقابة. وليس من الخفي أن عدداً ملموساً من الدول العربية لا يريد للشعب السوري أن ينتصر ولمطالب ثورته أن تتحقق. فريق المراقبين العرب، باختصار، يعاني من قصور فادح، سواء على المستوى القيمي أو على المستوى العملي الإجرائي. وسيتطلب الأمر معجزة لأن ينجح الفريق في تحقيق مهمته، مهمة وقف العنف الذي يمارسه النظام ضد الشعب، ووضع حد لمسلسل الموت والاعتقال، خاصة أن التصريحات الصادرة عن الجنرال رئيس البعثة لا تبشر بخير كثير.

خيبة الأمل المتزايدة من إمكانية أن يثمر الجهد العربي، وأن يستطيع الجسم العربي الرسمي، ممثلاً في الجامعة العربية، إيجاد مخرج من الأزمة، جعل خلافات المعارضة السورية أكثر حدة مما كانت عليه في أي وقت مضى، منذ تشكلت هيئة التنسيق والمجلس الوطني، الجهتان الرئيسيتان لقوى المعارضة. ليس ثمة خلافات أيديولوجية بين الهيئة والمجلس، فكلاهما تشكل من إئتلاف قوى متنوعة في خلفياتها الفكرية. كانت الخلافات منذ البداية سياسية، تتعلق بشكوك قوى المجلس الوطني في حقيقة موقف الهيئة من النظام وتصورها للمدى الذي يجب أن تذهب إليه عملية التغيير في سورية، وشكوك قوى الهيئة في حقيقة موقف المجلس من التدخل الأجنبي. ولأن شيئاً من هذه الشكوك لم يتبدد، فقد ثارت مسائل الخلاف من جديد في الاتفاق الذي وقعه رئيس المجلس برهان غليون مع قيادي الهيئة في الخارج هيثم مناع، والذي حسم الموقف من التدخل الخارجي، تحدث عن حماية المدنيين السوريين بلغة حقوق الإنسان، تجنب الاعتراف بالجيش السوري الحر ودور عناصره في حماية الشعب وثورته، وأوحى بشيء من تقاسم الحصص في سورية ما بعد النظام الحالي.

تجاهل الجيش السوري الحر، مهما كانت المبررات السياسية خلف هذا التجاهل، لم يكن أمراً واقعياً، بالتأكيد. فكيف يمكن التغافل عن واحدة من أبرز تطورات الثورة السورية، والتعامل معها وكأنها مجرد أزمة ضمير. كما أن تضمين الاتفاق كل هذه التفاصيل حول المرحلة الانتقالية، وكأن التغيير في سورية سيحدث غداً، بدون التطرق ولو لتصور عام لكيف يمكن أن يحدث التغيير، هو بعض من الملاحظات الهامة التي لا بد أن يثيرها الاتفاق. ولكن المدهش أن هذه المسائل لم تستدع الكثير من الجدل. ما استدعى الجدل كان مسألة التدخل الخارجي، التي ما كان للطرفين التطرق إليها أصلاً. أولاً، لأن ليس ثمة من مؤشر على أن أياً من الأطراف الدولية أو الإقليمية يعد لتدخل عسكري مباشر في سورية. وثانياً، لأن التدخل، إن وقع يوماً، فلن يحتاج موافقة هيئة التنسيق والمجلس الوطني، ولن توقفه معارضتهما. الطرف الوحيد الذي يمكن أن يحسم بالفعل مسألة التدخل الخارجي، رفضاً أو استدعاء، هو النظام وسياساته. وأن يتوقف تحقيق تفاهم عريض بين قوى المعارضة السورية على الموقف من مسألة فرضية، هو بالتأكيد خطأ سياسي جسيم. ليس ثمة شك، بالرغم من حجم الجريمة الهائلة التي ترتكب في سورية، أن التدخل الخارجي يحمل مخاطر جمة على مستقبل سورية وعلى دورها وموقعها. وإن كانت جموع السوريين تطالب، بين آونة وأخرى، بحماية دولية، فلأن النظام واستباحته دماء شعبه قد دفعهم إلى ذلك.

فما الحل إذن؟ الحل أن تبذل الجهود من أجل إنجاح المبادرة العربية، أن تتمكن بعثة المراقبين العرب من إيقاف القتل اليومي وتحرير المعتقلين، وأن يتوفر للسوريين مناخ آمن للتعبير عن إرادتهم.

والحل في النهاية، أن تتخذ الجامعة العربية، في حال أصر النظام على سياسة الحرب ضد شعبه، قراراً بتدخل عسكري عربي في سورية، يشارك فيه من يرغب من الاطراف العربية، تماماً كما قادت مصر تدخلاً عربياً لحماية الكويت في مطلع الستينات، وقادت سورية نفسها تدخلاً عربياً لوقف الحرب الأهلية في لبنان في منتصف السبعينات.

التدخل العربي العسكري المباشر في دولة عربية أخرى ليس بدعة، وربما تكون سورية اليوم أحوج ما تكون لمثل هذا التدخل. بعد مرور ما يقارب الشهور العشرة على انطلاقتها، على العرب أن يؤمنوا أن سورية تشهد ثورة شعبية عارمة، وأن السوريين ليسوا في وارد العودة عن ثورتهم بدون تغيير حقيقي وعميق في نظام حكمهم، تغيير يعيد لسورية والسوريين الكرامة والحرية. تدخل عربي فعال، أو حرب أهلية، تمتد ذيولها لتطال المجال العربي المشرقي كله، أو تدخل أجنبي، يخرج سورية لفترة مديدة من خارطة القوة في المشرق. بغير ذلك، لن يفهم موقف الجامعة العربية ودولها إلا كفرصة لأن يوقع النظام السوري الهزيمة بشعبه، مهما كان عدد الضحايا.

‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى