صفحات العالم

ثورة استعادة الوطنية السورية


ماجد الشّيخ

في ظل ما جرى ويجري، في الآونة الأخيرة، من اختراق لمناعات النظام السوري، إلى حد تدمير بعض حصونه، ينتقل الصراع على سوريا، وليس على العاصمة أو بعض المحافظات فقط، الى حال رحلة الحرب الطويلة؛ حرب السلطة والنظام على المجتمع والشعب السوريان، حرب النظام وحلفائه الإقليميين على كل من ناصر ويناصر انتفاض الشعب وثورة الوطنية السورية، ووضعهم الجميع «كآخرين» في سلة واحدة، كمتآمرين أو متأمركين متغربين، من دون تدقيق في ما يقال أو يطرح من مفاهيم غريبة، من لدن أنصار المتحالفين أو الداعمين والمساندين للنظام، أو من صنف أولئك الذين يصفون أنفسهم بأنهم من «قومويي» أو «إسلامويي» من يطلقون عليها تسمية «الأمة»، فيما هم إلى جبهة الفتنة في الدواخل العربية أقرب، لا سيما وهم يلجّون حربا تتعدد جبهاتها وتتنوع، جاعلين من أنفسهم وذواتهم «أصحاب الحق» ومن كل الآخرين «أصحاب الباطل»؛ مع ما في هذه «القسمة الضيزى» من تجن وكذب ورياء ومصالح متمذهبة، عمادها تطييف الصراع، ونقل قضايا «الممانعة» و»المقاومة» إلى حقول صراعات ومناكفات داخلية، بدل اقتصارهما على الحقل الخارجي، حيث العدو الموصوف وحده في واجهة الصراع لم يعد يجد من ينازله.

لقد فتح الصراع على سوريا العديد من أبواب وجبهات كانت مغلقة، حتى على الصعيد الدولي، حيث الحرب الباردة التي «استكانت» ما يقرب من عقدين، تعود لتندلع مرة جديدة، بشروط أخرى مختلفة وبقوى مختلفة كذلك، حاصدة معها العديد من رؤوس الأفكار والنظريات والمبادئ التي قامت عليها الحرب القديمة. مستبدلة ما كان من تلك الرؤى القديمة، بما يكون من رؤى مختلفة عن عالم مختلف، حيث الاستبداد السياسي والديني، يتسيّد اليوم مشهدا من أغرب المشاهد التي يراد لثورات وانتفاضات شعوبنا العربية أن تؤول إليه في الأخير، كاستبدال نظام طغياني استبدادي، بآخر ذا مسحة دينية، يفتح الأبواب واسعة أمام حروب طويلة متلونة: أهلية و/أو طائفية و/أو مذهبية وسياسية/اجتماعية.. إلخ من أشكال الحروب التي تبتدعها اليوم قوى التطرف والمغالاة من أصحاب الفتن الدينية المكررة والمخترعة على حد سواء.

إن نقلة نوعية تنشأ اليوم في عالم الصراعات السياسية والمجتمعية، حوّلت معها أحد أطراف العملية الصراعية، وكأنه مساقا أو «مسيّرا» بقدرة «ربانية»، فيما الطرف الآخر وكأنه أيضا مساقا و»مخيرا» بقدرة أخرى من ذات الطبيعة، في إحلال لقدرات من التكاذب السياسي تفوق قدرة العقل البسيط على الفرز بين أطروحات متضادة في تزعم الحق وجبهته، في مواجهة الباطل ورهطه وأشياعه ومناصريه. لكن العقلانية الراشدة ترفض هذا المنطق البسيط الذي يريد وعلى طريقة أصحاب الفسطاطين، إقناعنا بالاصطفاف خلف هذا الفسطاط، أو ذاك الآخر الذي يعمد جاهدا لاحتسابنا على فسطاطه، في محاولة لمصادرة مبادئ وأخلاقيات في العمل السياسي لا يسعها إلاّ أن تكون مبدئية. وهي لذلك ترفض إلاّ أن تسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية؛ حيث الانتفاض والثورة الشعبية في سوريا هي الانعكاس الأعمق للوطنية السورية التي صادرها ويصادرها النظام منذ استيلائه على السلطة، وتحويله الدولة إلى «مجال خاص» تتوارثه قوة أو قوى غاشمة انفصلت عن الشعب والمجتمع، وعبثت بالوطنية حتى حوّلتها إلى نقيض وطنية المجتمع والشعب السوريان؛ وعلى هذا ينشأ الصراع ويحتدم اليوم؛ من أجل استعادة الدولة إلى «مجالها العام» الذي حرم الشعب السوري من وجودها منذ أوائل ستينيات القرن الماضي.

لهذا ليس من الغرابة، أن يتواصل الصراع على سوريا الدولة، أو يستغرق مثل هذا الزمن، فالمسألة السورية أعمق من رؤيتها كصراع على السلطة بين طرفين محددين؛ إنها صراع من أجل تثبيت وطنية سورية مصادرة، لم يعد يمثلها النظام منذ أن فقد شرعيته بمصادرة الدولة ذاتها، واحتسابها من الأملاك أو الأسلاب الخاصة. لذلك سوف يأخذ الصراع سمات الحرب الطويلة التي قد ترتدي أردية عديدة؛ ولكنها في النهاية سوف تستقر عند حدود استعادة المجتمع في سوريا لوطنيته المصادرة، ولدولته التي اغتربت طويلا.

وهكذا في ظل «تطابق» استراتيجيتي النظام وقوى المعارضة، لجهة محاولة كل طرف الاحتفاظ بطرائق وأساليب حرب تحقق لكل منهما أهدافه ومآلاتها النهائية، يبدو أن تكتيكات الحرب الطويلة هي الخيار الوحيد الذي في ظله سيكون هناك قضم وهضم للسلطة، تفكيك وإعادة تفكيك للنظام, كر وفر، انتصارات وانكسارات مؤقتة، وتحولات محلية وإقليمية ودولية، ليست هي الموجه الأول لما يجري، أو لما سيأتي من تطورات لاحقة، بقدر ما هي في محصلة تداعياتها، سوف تحدد ولو بعد حين، إطارات نهائية لصراع محلي/إقليمي مركب، يمتزج بوضع دولي، أكثر تعقيدا مما نُظر ويُنظر إليه حتى اللحظة.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى