صفحات الثقافة

أصنام كثيرة/ عباس بيضون

 

 

منذ ثلثي قرن تقريباً ونحن نتكلم عن الحداثة ونكرر الكلام عنها وننسبها إلى أشخاص وخطابات ونصوص، نفعل ذلك في معرض المديح ومعرض التكريم غالباً، أتكلم هنا عن أوساط المثقفين الذين يتداول هذا المفهوم كثيراً بينهم ويكاد يكون ركناً في تفكيرهم. فأن تكون «حدثياً» فهذا يعني أنك متقدم على سواك وأنك مبتكر وأنك حاضر، ويذهب أشخاص إلى أنك متمرد وثائر ورافض وأنك حر وسيد، وأنك من يصنع مصيره بنفسه. بل أنت من يلد نفسه ومن يجترحها أو يخلقها أنت وحدك من ينتسب لذاته ولا يدين لأحد بشيء وأنت من يبدأ وأنت الأول وأنت قدر نفسك واسمها ورمزها.

ما حوته الأسطر السابقة يمكن أن نجد أمثلة عليه في قصائد الشعراء الحديثين، فثمة جانب من هذا الشعر يكاد يكون دعوة إلى الحداثة أو مديحاً لها، بل إن نصيباً لا بأس به من هذا الشعر يمكن أن نجد فيه فلسفة هذه الحداثة أو تعريفاتها ومقولاتها الأساسية فمن ميزات هذه الحداثة أن الدعوة إليها بدأت من الشعر بل إنها اقترنت بالشعر الذي لم ينسب إلى نفسه الحداثة فحسب، بل جمع إليها الثورة والتمرد والرفض، واعتبر نفسه أقنوم الحداثة وواحدها. بل يتراءى لقارئ هذا الشعر أنه يقدم نفسه على أنه أنموذج الحداثة ومثلها الفعلي، ففيه تتأسس اللغة الجديدة وفيه يتجلى التاريخ والمستقبل وفيه إرادة الجديد وهويته وفيه ومنه تتجسد الثورة ويتكشف الرفض وفيه يتم الهدم والتدمير وفيه ومنه تعاد تسمية الأشياء وتتلقى هوياتها، إن هو إلا المعين الرحماني وهو الأصل والمنبع والمنبت والبداية الجديدة والولادة الثانية والرحم المستقبلي، وعلى هذا تتجمع في الشعر أسباب الحداثة وطقوسها وخرافتها ورموزها، الحداثة تطل من الغيب بلا أنساب وبلا سابقة وبلا آباء وبلا سلالة، والشعر يطل من المحل ذاته، إنه ولادة خالصة وبداية خالصة وجوهر خالص وإرادة خالصة ولغة كاملة وتاريخ بحت وثورة عامرة.

لا نعجب من أن نحمّل الشعر موازين الحداثة وطقوسها ورموزها التي خرجت جميعها من غيب أكيد. لا نعجب من أن يتماهى الشعر والحداثة وأن تغدو الحداثة علماً على الشعر واسماً آخر له. لا نعجب من أن تغدو الحداثة وقد تماهت مع الشعر شعراً سلبياً وأن يغدو الشعر بسبب ذلك خرافة، وأن يتأسطر الاثنان، يغدوان معاً مولودين من نفسهما، ومن دون أي نسب. يغدو الاثنان كلاً تحل فيه العناصر وتغنى. كلاً يجمع الحاضر والمستقبل والتاريخ ويجترح ذاته ويأتي من وراء الزمان والمكان والواقع والتاريخ. بكلمة يغدو الاثنان صنمين بل دينين. نرفع الحداثة إلى مصاف الدين ونرفع الشعر إلى المصاف ذاتها. تبتسط الحداثة وتشتمل على أقانيم ليست سوى أنصاب لفظية كما يغدو الشعر حامل هذه الأقانيم ومغنيها.

إذا شئنا أن نتوسع قليلاً. حملنا الحداثة على الأدب كله، وجعلنا الأدب وحده بيتها ومأواها. ذلك يعني أن نجعل من الأدب ديناً أيضاً. لكن الأدب يصدر عن اللغة واللغة دين جاهز. اللغة قوس فعلي، مبانيها لا تقبل مساساً ومعانيها، ذلك أن لها معاني جاهزة، لا تقبل نقضاً أو مساءلة. اللغة تحول الأدب إلى مديح لها. تحوله إلى هيكل خاص بها، واللغة أيضاً لا تقبل تاريخاً، إنها تمر في التاريخ رغماً عن أنفها، ومن دون قرار منها أو تسليم، تمر في التاريخ وتتأرخ مع نفي منها لذلك وتحليل عليه، وحين يتسنى لها أن تنطق فستقول إنها هي التاريخ وأنها الأصل. الشعر يملك ذات الادعاء فهو دائماً محاولة لتسييل اللغة واحتوائها كلها وامتشاق ما يراه نبضها وإيقاعها الوحيد الذي يشتمل عليها ويحولها إلى متوالية له. هكذا يغدو الشعر بين صنمين: الحداثة واللغة. هكذا يغدو استنبات اللغة وتعميرها وتسييلها والعمارة التي تناظر الحداثة وتعادلها، اللغة في تحولها أكثر فأكثر إلى خرافة وإلى سفر تكوين منتحل وإلى عمارة شعرية هي النظير الوحيد للحداثة، أكثر من ذلك لا نجد إلا أطلالاً. كل الثقافة هي تقريباً هذه الأطلال. ذلك أن إعادة البحث في أي من حقولها وموضوعاتها إثم أكيد، إن ظلاً من القدسية يحيط بها وبجميع أجزائها، التاريخ، من يجرؤ على أن يعاود قراءة التاريخ. ما زال التاريخ ومعه كل شيء حتى نظريات الفن تحت قداسة لا يمكن خرقها والمساس بها. لا يمكن في هذه الحال أن نتكلم عن ثقافة. من ينكرونها معهم حق. ما دام الأدب مثلها الوحيد، فإنه سيبقى في ظلها. سيعيد إنتاج المقدس بطرائقه الخاصة. لن يكون بالضرورة ظلاً لكن عماراته قد لا تكون سوى أنصاب، سوى أصنام. لن تكون الحداثة عندئذ سوى صنم آخر.

السفير

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى