صفحات الثقافة

أكواريوس” الفيلم الرمز لمقاومة اليسار الأريستوقراطي في البرازيل فيلو: هذا عملٌ عن مرور الزمن عاطفي سياسي ولكن بلا سياسة/ هوفيك حبشيان

 

“أُقسم بأنني محوتُ همّ الجوائز من بالي، الجوائز ليست رياضيات، انها رأي مجموعة أشخاص في فيلم. أفهم المنافسة، لكنني سعيدٌ بوجود الفيلم هنا. كانت الردود عاطفية جداً. هذا أصلاً فيلم ينطوي على الكثير من العاطفة”. بهذا التصريح بدأ حوارنا مع المخرج البرازيلي كليبير مندونثا فيلو في مهرجان كانّ الأخير، غداة عرض فيلمه “أكواريوس” في المسابقة الرسمية، وهو من الأفلام التي ظلمتها لجنة التحكيم عند توزيع الجوائز، حتى ان بلاده لم ترشّحه لـ”أوسكار” أفضل فيلم أجنبي، بعدما وقع في فخّ التجاذبات السياسية. لفّ “أكواريوس” بلداناً ومهرجانات كثيرة، وتكرّس صيته كإحدى جواهر العام 2016 منذ عرضه في كانّ، والاحتجاج الذي قام به فريق العمل على السجادة الحمراء ضد عزل رئيسة البرازيل السابقة ديلما روسيف والانقلاب عليها.

كلارا (صونيا براغا) آخر قاطني مبنى أكواريوس الذي شُيَّد في الأربعينات والمهجور حالياً. مُضارب عقاري يريد إخراجها مقابل عرض مغرٍ. لكن شقتها في ذلك المبنى تعني لها الكثير من الذكريات والحنين. إلى أين يمكن أن يصل خبث الرأسمالية لتحقيق هدفها ومعاقبة كلّ ما يعترض طريقها؟ عمل رقيق تتدفّق مَشاهده كالنهر، عن الرأسمالية اللطيفة الودودة التي تتبنّى لغة البساطة والشفافية. في الآتي، مقابلة مع مندونثا في ثاني تجربة اخراجية له، يروي فيها تفاصيل انجازه “أكواريوس” ورؤيته الشاملة للواقع البرازيلي اليوم بين تيارين ايديولوجيين (النصّ الكامل للمقابلة على موقع “النهار” – www.annahar.com).

قصة حقيقية

“توجد قصّة حقيقية خلف السيناريو. في التسعينات، حاولت شركة عقارات هدم مبنى “أكواريوس” لكنها لم تنجح. استولت على سبع شقق، وهي الآن تعرضها للبيع. وقد واجهت صعوبة كبيرة لبيعها. المبنى موقعه جيد جداً، على الواجهة البحرية، لكنه لا يمثّل نوع المبنى الذي يتم تشييده عادةً على الواجهة. لذا، هناك نوع من المعضلة التسويقية. هذا من الأشياء المهمة التي أردتُ إظهارها في الفيلم. في رأيي، انه مكان جميل، إلا أن هذا ليس رأي السوق”.

ظاهرة الاستطباق

“انها لظاهرة معقّدة لأن أحد السكّان من طبقة دنيا قد يقول لك ان مبنى “أكواريوس” سبق أن استسلم لظاهرة الاستطباق (gentrification) لأن فيه سيدة بورجوازية منذ زمن بعيد. طبعاً، ليس من اللائق قول ذلك. تصريح كهذا يندرج في إطار الجدل السياسي الدائر حول طريقة استخدام الفضاء في المدينة. قول كهذا سيغفل أيضاً عن حقيقة ان هذه السيدة تعيش في هذا المبنى منذ أكثر من 40 عاماً. لكن ظاهرة الاستطباق لم تكن ما شغل بالي عندما أنجزتُ الفيلم لأنني أحببتُ أن أركّز أكثر على سوق العقارات ومدى قدرتها على أن تقرر ما يناسبنا نيابةً عنا. أنه لأمر مذهل. أبي وأنا بحثنا طويلاً عن مسكن جديد نعيش فيه. الأماكن التي أحببناها كانت أرخص ثمناً من الأماكن التي كرهناها. كلّ هذه العناصر التي من المفترض أن تبهرنا لم تستأثر بنا. كلّما اعجبنا فيه شيء، اكتشفنا ان سوق العقارات تعتبره غير مرشّح لنيل اهتمام الناس. الكلّ ينصح كلارا بمغادرة ذلك المكان لأنه قديم، وهو ليس بذلك القدم. البرازيل بلدٌ حديث نسبياً، ولكن ليس عمر المبنى أكثر من 60 سنة. هذا المبنى – في الواقع لا في الفيلم – أقدم المباني على امتداد الكيلومترات السبعة المحاذية للشاطئ”.

فيلم سياسي بلا سياسة

“هناك تراث طويل من الأفلام السياسية، كتلك التي أنجزها مايكل مور وأوليفر ستون وكوستا غافراس. حتى أفلام برازيلية كـ”ايليت سكواد”. لكني أميل إلى مناقشة شيء من دون مناقشته حقاً. أحبّ أن أستمد النقاش من الظروف نفسها، أريده وليد الصراعات والحالات اليومية. أعطيتُ المثل الآتي أمس عندما كنت أتكلّم مع أحد الأشخاص: الأمر أشبه بأن يلتقي إثنان في بار ويرغبان في الذهاب إلى الفراش معاً. لكنهما لا يتحدثّان عن ذلك البتة. إلاّ أنك تلتقط تلك الرغبة في عيونهما وفي لغة الجسد أو في طريقة نقاشهما، ولكن لا يوجد شيء واضح في سلوكهما. الردود التي جاءتنا تؤكد انه فيلم سياسي ويحضّ على النقاش السياسي”.

علاقة الهندسة والسينما

“صوّرتُ شقّة كلارا بطريقة بالغة الدقة تتيح لمَن شاهد الفيلم أن يصف شكل تلك الشقّة بعد انتهائه من مشاهدة الفيلم أو حتى أن يرسم تفاصيلها على ورقة. أمضيتُ الكثير من الوقت في الشقّة، وصوّرتُ أحياناً من النافذة إلى الداخل، وأحيانا من الداخل إلى المحيط. مع الوقت، تأقلمنا مع المساحة التي تعيش فيها كلارا. هناك الكثير من المشاهد التأسيسية التي تجعل الواحد منّا يعي أين هي كلارا ضمن فضائها الممتد. نراها تتمشّى داخل شقّتها، كما اننا نرى الناس يزورونها، أو شاباً يسند رأسه إلى نافذة المطبخ. هناك هذه العلاقة بين الداخل والخارج. فكّرتُ كثيراً بجون كاربنتر، “هالووين” تحديداً، كاربنتر واضح جداً في مسألة أين الخارج وأين الداخل، بالاضافة إلى حسن استخدامه الشبابيك والأبواب. ذلك ان أفلامه تعجّ بأشخاص يخافون من متنكّرين سيقتحمون بيتهم لطعنهم. كلّ هذه العلاقة بين السينما وفكرة الأمن الذي يُنتهَك ويتعرّض للخطر، هذه فكرة جدّ مثيرة في السينما. فأنت كسينمائي، تقدّم فضاءً محدوداً ثم تقول للمُشاهد ان أمن هذا المكان بات مهدداً. مجرد سماع هذا، تشعر برعب”.

الثمانينات

“لي صديقٌ رافق الفيلم خلال مرحلة المونتاج. لم يكن يفهم لمَ بدأتُ بالحوادث في العام 1980. كلارا اليوم في الستينات من عمرها، وكنت أريد لها ماضياً شخصياً حافلاً. وددتُ اسنادها بوزن انفعالي، بهدف إعادة اختراع الماضي وتجسيده، وخصوصاً لارتباطه بالذكريات الشخصية، ذلك اني في الثمانينات كنت في الحادية عشرة من العمر وأتذكّر تفاصيل تلك الحقبة: اجتماعات العائلة في الأعياد، الرسومات على قناني البيرة، ألوان الـ”تي شرت”. العودة إلى تلك الحقبة كانت تعني عودة إلى تاريخي الخاص أيضاً. كان هاجسي الأكبر ألا تنجح تلك اللقطة الافتتاحية حيث نعود إلى الثمانينات. في كل حال، كنت خائفاً من أن يفشل الفيلم برمته، ولكن مشهد الافتتاح تميّز في كونه يطلب من المُشاهد بعض الالتزام. إذا نجحتَ في كسب إلتزام المُشاهد، سيكون محمّلاً حقيبة عاطفية تستمر معه حتى الختام. “أكواريوس” هو أيضاً فيلم عن الزمن، مرور الزمن. القصّة في شقّها الحالي تحدث في العام 2015، لكنها تبدأ في العام 1980، وهناك شخصية واحدة في الفيلم قد تعود ذاكرتها إلى العام 1948. أعتقد ان هناك لحظة ترى فيها كلارا المستقبل”.

صونيا براغا

“صونيا سهلة التعرّف إليها وهي شخصّية قوية. كنت مهتماً بالحصول على وجه كوجهها. لديها وجه مذهل. كنت هنا قبل أربعة أيام، فجاء مصوّر من “لو موند” لتصويرها. رائع ما حدث. كنت هنا أتسلّى بهاتفي عندما رأيتُ المصوّر يُصاب بدهشة في اللحظة التي وضع فيها عينه على الكاميرا. طبعاً، إنها امرأة جميلة عندما تراها بالعين المجرّدة، ولكن عندما تلتقط صورة لها، هناك شيء دراماتيكي في شأنها. هناك شيء في وجهها ينتمي ربما إلى عالم الرياضيات. وهذا ما حصل معي أيضاً عندما نظرتُ إليها من خلال الكاميرا. هناك أيضاً حقيقة أخرى وهي أنني أنجزتُ فيلماً على مقاس صغير، فكان وجود صونيا فيه يمنحه قيمة مضافة. في الأمس كنت فرحاً جدّاً لأنني صوّرتُ الفيلم، واليوم فرح جداً بأنه من بطولة صونيا. لو اخترتُ فتاة في الخامسة والثلاثين، لما استطعتُ أن أشمل كلّ هذه الفترة الزمنية وصولاً إلى الثمانينات، بسبب عمرها الصغير. في المقابل، لم أفكّر يوماً في غير امرأة للشخصية الرئيسية. أعتقد ان المرأة تواجه تحديّات أكبر في مجتمعنا. وهذا يعني انها ستكون أكثر اثارة درامياً. بالنسبة لي أرى أنه أجمل أن نرى سيدة قصيرة القامة، تفتح الباب لثلاثة رجال ضخمين، مما لو فتح رجل ضخم الباب. درامياً، الصورة أقوى!”.

اليسار الأريستوقراطي

“الولاية التي آتي منها، برنامبوكو، تطوّرت على نحو مختلف عن السائد في مناطق أخرى، سواء في السياسة أو الفنّ. الصحافة البرازيلية تستجوبني دائماً في هذا الصدد. صنّاع السينما في برنامبوكو يُسألون دائماً هذا السؤال: ماذا يحدث بالضبط في برنامبوكو؟ هناك نظريّات عدّة نمت عبر الزمن حول ما يحدث في برنامبوكو، إلا ان تاريخ ما يحدث قديم جداً. خلافاً لبقية البرازيل، لدينا نوع غريب من اليسارية الأريستوقراطية، وهي شيء نادر في بلادنا، قياساً بساو باولو مثلاً، حيث الأريستوقراطية الرفيعة تلتزم مبادئ اليمين الأقصى، أما الطبقات العمّالية والفقيرة، فهي دائماً إلى اليسار أو أقصى اليسار. كلارا هي من اليسار، كذلك كلّ أفراد عائلتها، وكما العديد من العائلات في هذه الولاية التي تتميز في كونها تقليدية ويسارية في آن واحد. هل هذا يعني انهم لطفاء مع خدمهم؟ إطلاقاً. هم لا يزالون يتعاطون معهم كما كان يتعاطى الأسياد مع عبيدهم. إلا أنهم مهتمون بالثقافة، ويسهل ربط قيمهم بقيم اليسار.

صحيح أنه لم يعد هناك يسار حقيقي. ولكن، إذا ذهبتَ إلى البرازيل اليوم، فسترى ان البلد مقسومٌ بطريقة دراماتيكية تجعل وجود اليسار واليمين واقعاً. إلا أن هناك جهة تجعلك تعتقد بأنك بولشيفي وجهة أخرى تقنعك بأنك دونالد ترامب! في هذه الأيام، إذا قلتَ بأنك تكره الـ”أي فون” وتحبّذ الـ”أندرويد”، فأنت شيوعي. أنه لشيء دراماتيكي. قمنا بوقفة احتجاجية على السجادة الحمراء، قبل عرض الفيلم. كان شيئاً متواضعاً جداً، حملنا 4 قطع أوراق قياس “أ 4″، والآن يريد اليمين مقاطعة فيلمنا. إنه من الـ”تراندات” على “تويتر”: قاطِعوا “أكواريوس”. في النهاية، هذا ايجابي للفيلم. عليّ أن أشكرهم”.

التصوير

“خياراتي الجمالية مصدرها السينما في السبعينات: سيدني لوميت، براين دو بالما… أخشى أن أبدو مدعياً وأنا أقول مثل هذا الكلام، لكن هؤلاء مخرجون نشأتُ على أفلامهم، ولا أزال أشعر بمتعة مشاهدتها. إنها من الخيارات التي تقوم بها عندما تنجز فيلماً. مشهد الافتتاح مثلاً، كثرٌ من الأصدقاء قالوا لي انني نسيتُ الجنريك وأسماء الممثلين والعاملين، فقلتُ إنني أدرك ذلك تماماً، ولكن لا أريد للمشاهدين ان يقرأوا الأسماء، هذا خيار متعمد. كذلك استخدام الشاشة العريضة والعدسة الأنافورمية. حصلتُ على صورة خاصة عند استعمالها. كان استئجار تلك العدسات أكثر كلفةً، ولكن راقتني النتيجة. هذه قرارات تقوم بها استناداً إلى ما تريد أن تراه على الشاشة، وهو ليس منفصلاً عن تاريخي كمُشاهد”.

النهار

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى