صفحات العالم

أميركا والمأزق السوري

                

ويليام رو

في كل يوم تقريباً تخرج من سوريا أنباء جديدة عن أحداث عنف وعن المزيد من الناس الذين يقتلون هناك أو يجرحون… كما تظهر على شاشات التلفاز وصفحات الصحف في مختلف أنحاء العالم صوراً تظهر المعاناة المستمرة التي يتعرض لها الشعب السوري. وكل هذه الأمور تحدث منذ ما يزيد على عام مما يعني أن معاناة الكثير من السوريين قد وصلت لدرجة رهيبة دفعت الكثيرين منهم للفرار لتركيا والأردن وغيرهما من الدول حيث يعيشون في معسكرات للاجئين دون أن يدروا متى ستنتهي هذه المحنة ويعودون من جديد لديارهم.

بشار الأسد يدعي أن”إرهابيين” يحصلون على مساعدات خارجية هم المسؤولون عن المعاناة. وفي نفس الوقت يدحض زعماء المعارضة وغيرهم إدعاءات الأسد، ويصرون على أنه المسؤول هو وحكومته.

من الصعوبة بمكان، وللعديد من الأسباب، أن يتوصل المرء ليقين مطلق بشأن أين تكمن الحقيقة على وجه التحديد. من ضمن هذه الأسباب أن السلطات السورية قد حالت بين جميع الصحفيين الأجانب المستقلين تقريباً- باستثناء عدد محدود وافقت عليه لأسبابها الخاصة- وبين الدخول للبلد، مما يعني انعدام التغطية الخبرية المستقلة تقريباً.

أما وسائل الإعلام السورية الخاضعة بشكل كامل للرقابة الحكومية، فلا تنقل سوى الرواية الرسمية للأحداث. وما نشاهده من أحداث ووقائع ومذابح الثورة السورية مستمد في غالبيته العظمى للشرائط والأفلام والصور التي يتم تهريبها من سوريا بوسائل عديدة وهو ما يجعل وسائل الإعلام الخارجية التي تعرض تلك الأفلام والشرائط حريصة على تأكيد أنها غير قادرة على التيقن من دقتها. ومما يزيد من صعوبة معرفة الحقيقة على وجه الدقة أن معظم عمليات القتل تتم بواسطة أفراد لا يرتدون الزي العسكري الرسمي ولايقومون بتعريف أنفسهم. وقيام الأمم المتحدة بإرسال 300 مراقب غير مسلح لسوريا للحصول على معلومات مستقلة عما يدور هناك لم يحل هذه المشكلة نظراً لعدم قدرتهم على الوصول لمناطق الصراع أو الدخول إليها.

على الرغم من التقارير الخبرية المتعارضة، تشير معظم الدلائل على أن الحكومة السورية، هي التي تتحمل المسؤولية الرئيسية عن استمرار معاناة الشعب السوري، لأن معظم عمليات تدمير المدن والبلدات والقرى قد تمت بواسطة أسلحة ثقيلة مثل مدافع الدبابات والمدافع الثقيلة التي لا تمتلك المعارضة مثلها. علاوة على أن المذابح التي وقعت قد تمت كلها تقريباً بأسلوب واحد، حيث كان هناك رجال يرتدون ملابس عادية يدخلون إلى تلك الأماكن تحت حماية القصف لذبح المدنيين الأبرياء. وهؤلاء الرجال الأشرار يطلق عليهم في سوريا”الشبيحة” لأنهم مثل الأشباح يصعب التعرف عليهم والاحتمال الأرجح للغاية هو أن هؤلاء الرجال كان يتم تجنيدهم من قبل النظام لتنفيذ الهجمات البشعة ضد المدنيين، بحيث تستطيع الحكومة أن تنفض يدها منها وتدعي عدم مسؤوليتها عن ارتكابها وفي نفس الوقت تعزز مزاعم الحكومة أن هناك “إرهابيين” مدعومين من جانب قوى خارجية إقليمية يرتكبون هذه الفظائع. لذلك قامت الولايات المتحدة وغيرها من الدول بتوجيه اللوم عن تلك الأعمال لبشار الأسد وطبقت عقوبات اقتصادية وضغطاً سياسياً على سوريا من أجل وضع حد لتلك الأعمال. حتى الآن فشلت جميع تلك الجهود في تحقيق الهدف المتوخى منها مما دفع بعض السياسيين الأميركيين البارزين مثل السيناتور “جون ماكين” والحاكم السابق”ميت رومني” للمطالبة بالتدخل عسكرياً في سوريا مثلما كان الحال في ليبيا وهو ما رفضته الولايات المتحدة وغيرها من الدول حتى الآن.

وفي الحقيقة أن التدخل العسكري في سوريا ليس خياراً معقولاً لعديد الأسباب. من بينها أن الوضع في سوريا يختلف عن مثيله في ليبيا عندما كان ذلك البلد في حالة ثورة على نظام القذافي. ففي ليبيا كانت القوات الغربية والعربية قادرة على السيطرة على المجال الجوي الليبي وحماية قوات المتمردين الزاحفة من الشرق في بنغازي على طول الطريق للعاصمة بنغازي وسط صحراء شاسعة. هذا الوضع يختلف عن الوضع في سوريا حيث تتناثر المعارضة على هيئة مجموعات صغيرة موزعة على مختلف مناطق البلاد بشكل يجعل من حمايتها بواسطة أي قوة أجنبية أمراً صعباً.علاوة على ذلك نجد أن المعارضة السورية منقسمة على نفسها ولا يوجد لها قيادة واضحة تتحكم في كافة مكوناتها.

بعض الداعين للتدخل العسكري يقولون إن الأسلحة يجب أن ترسل للمعارضة السورية في الداخل بحيث تستطيع الدفاع عن نفسها في مواجهة قوات النظام. ولكن من يدعون إلى ذلك لا ينتبهون ربما إلى أن معظم تلك الأسلحة التي يمكن إرسالها بهذه الطريقة سوف تكون أسلحة خفيفة وأن من يستعملون تلك الأسلحة في مواجهة أسلحة النظام الثقيلة ودباباته وطائراته الهليكوبتر وقواته الضخمة الأفضل تدريباً وانتظاماً سوف يخسرون المواجهة حتماً.

الموقف الدبلوماسي مختلف أيضاً عن مثيله في ليبيا. ففي الحالة السورية تدعم روسيا والصين حكومة بشار وترفضان أي تدخل عسكري قد يصب في مصلحة المعارضة. من ضمن جوانب الاختلاف بين الحالتين أن الجامعة العربية قد سمحت بالتدخل عسكرياً علاوة على أن أكثر من دولة عربية قد أرسلت قواتها للمشاركة في القتال بشكل مباشر. وهذه الحقائق كلها ساعدت أوباما على اتخاذ قراره بدعم المساعدات العسكرية للثوار الليبيين.

هناك سبب آخر وأساسي في الحقيقة يجعل أوباما متردداً في الاندفاع لاستخدم القوة العسكرية ضد سوريا هو أن الشعب الأميركي قد تعب من الحلول العسكرية للمشكلات في الدول الأجنبية مثلما حدث على سبيل المثال لا الحصر في العراق وأفغانستان. لهذا السبب يرى الرئيس أنه من الأصلح عدم التفكير في خيار القوة إلا كحل أخير وإن كان قد حرص في نفس الوقت على التأكيد بأنه يقوم بدراسة الموقف في سوريا من جميع الجوانب ويأخذ كافة العوامل والاعتبارات في الحسبان قبل أن يقدم على قرار من أي نوع.

وعلى الرغم من الانتقادات التي يوجهها له السيناتور جون ماكين وعدد من النقاد ويصفونه فيها بأنه”رئيس ضعيف” فإنه يفضل أن يكون حريصاً ويظهر ضبطاً للنفس.

لما تقدم نرى أن الموقف في سوريا يمثل مأزقاً كلاسيكياً يرغب في سياقه الأميركيون وغيرهم على رفع المعاناة عن الشعب السوري ولكنهم لا يجدون طريقة للقيام بذلك. الأمل الوحيد المتبقي الآن هو أن يتآكل الدعم لبشار في الجيش السوري وقوات الأمن تدريجياً إلى أن يجبره ذلك على الخروج من الحكم. ولكن تبلور مثل هذا الأمل قد يستغرق وقتاً تتعاظم خلاله المعاناة بكافة أشكالها وهو أمر يدعو في الحقيقة للإحباط الشديد.

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى