صفحات الثقافةممدوح عزام

أن ندع أنفسنا نُغرى/ ممدوح عزام

 

 

تتقاطع حياة الكاتب الألماني غونتر غراس مع حياة الملايين من البشر، ليس في ألمانيا وحدها، بل في أي مجتمع رضخ يوماً، أو ما زال يرضخ لنظام استبدادي، أو شمولي، خاصة فيما يتعلق بالولاءات التي يظهرها الناس لقادة تلك الأنظمة طوعاً أو قسراً؟

ولكي يتمكن من إيصال الذكريات، فإنه يفترض أن سنوات عمره الماضية، “مثل بصلة ترغب في أن تقشر” و”كل قشرة تنضح بكلمات طال كتمانها أكثر مما ينبغي، وعلامات ملتفة، كما لو أن بائع ألغاز من عصر مبكر كان قد قرر أن يشفّر نفسه”، في الوقت الذي كانت البصلة فيه ما زالت تنبت.

يمكن الوصول إلى الذكريات بأكثر من تقنية، فإلى جانب البصلة المتخيلة، لدينا حجر الكهرمان الشفاف الذي يحتضن الحشرات في وسطه، كي نستطيع تأمل تفاصيلها كافة فيما بعد، ونرويها في أكثر من طريقة:

منها تمويه الذات بضمير الغائب، وهو إغراء جاذب من الصعب تجاهله، ومنها محاولة استعادة الذكريات كمواد فيلمية، أي كصور ومشاهد تشخصن الذكريات من خلال مونتاج الكتابة. أي من خلال إعادة رسم القصص، أكثر مما تحكي عنها.

وفي كل محطة من محطات حياته الشخصية التي يرويها هنا، على شكل اعترافات، يذكر الكاتب الشخصيات الأدبية التي كانت بديلاً متخيلاً لأولئك الذين عرفهم في لحظة ما من حياته، يمكن أحياناً أن يسمي الشخصية الأدبية التي تقمصت أدواراً من حياته هو أيضاً.

أول تلك الذكريات التي يمكن قراءتها، تحت قشرة ما، هي انتماؤه المبكر إلى الشبيبة الهتلرية، “إن الزعم بأنهم “أغروني” لا يعذر الشباب الذين كانوا ينشدون لهتلر، وبالتالي لا يعذرني، لا، فنحن ندع أنفسنا نُغرى”.

يعترف أيضاً أنه تطوع في الجيش، فيما بعد، دون ضغوط. “لم تكن حماقة شبابية أيضاً، بل حماسة محضة” وهو يفعل ذلك في مواجهة اتهامات له بموالاة النازية “كنت منجذباً إلى الأبطال الذين يخرجونني من ذاتي ويدخلونني إلى عوالم أخرى”.

لكن البصلة تشير إلى بقع قليلة غير مشوهة: “لقد نلت سجلاً نظيفاً. لم أشِ بأحد، كالجار الذي تجرأ على أن يروي تلك النكتة الكلبية عن غورينغ”. وإذا ما ادعى أنه كان يجهل في شبابه طبيعة النازية، فإن ذلك الادعاء لم يكن من الممكن أن “يعميني عن حقيقة أنني اندمجت في منظومة خططت ونظمت ونفذت إبادة ملايين البشر”؟

يشير فيليب لوجون في كتابه “السيرة الذاتية” إلى الإشكاليات التي تثيرها قضية الذكريات التي تأخذ شكل الاعتراف، إذ ينبغي أن يتضمن ذلك تقبّل الاعتراف من الوسط القارئ، وهذا منوط بمستوى الوعي الفكري والأخلاقي لجمهور المتلقين.

هنا يكمن أحد أسرار الاعتراف الشجاع بالماضي الذي بات مداناً، شجاعة تتضمن المواجهة مع المحيط الذي يدّعي عدم مشاركة الماضي في جرائمه، أو مع الآخر الذي كان جزءاً من صناعته. وفي كل الأحوال فإن من أراد أن يستخرج العفونة، من أراد أن يتنفس، يقول غراس، عليه أن يفتح فمه.

العربي الجديد

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى