أحمد عمرصفحات الناس

إنهم يقدّسون الحمار/ أحمد عمر

 

 

متّعني الباحث السوري حنا عبود في كتابه” البلاغة من الابتهال إلى العولمة”، بإعلانه في فصل بلاغة الحمار: “إنّ الحيوان الذي بنى الحضارة هو الحمار وليس الحصان”.  النظر يخدع، والبطولات تسرق، والديّان لا يموت، والبطل جندي مجهول حتى في عالم الحيوان.

كان هذا في “العصر الحميري” البطل، ويورد البراهين والآيات على بطولات الحمار، فهو الذي حمل عيسى بن مريم إلى بيت المقدس في أحد الشعانين، وهو مثال الصبر والصمت والطاعة والانصياع والسلام والألفة والوداعة والقناعة والصدق والضعف.. الضعف بطولة كما في حالة لبنان الأخضر (شقيق الرجل الأخضر التوأم، من نطفة واحدة، لكن من بيضة مختلفة) وله شعارات حضارة نطمح إليها في أحلامنا. وفي الأساطير الفارسية يقف ” الكَهر” عملاقاً في بحر فوروكاشا بست أعين، لكنه لم يتحول إلى طوطم يوماً، إنه أول الحيوانات المستأنسة. يقول عبود إن الحضارة المصرية قامت على ظهر الحمار. لعمرك إنها ستقعد بسبب حمار.. بشري.

لم نعرف الحصان إلا من آسيا لاحقاً.

الحمار لا يعرف النطح مثل الثور، وقلّما ينهق، فإذا كان الخطاب القومي الممانع والمقاوم، والمحارب للإرهاب من فضة، فالنهيق من ذهب. عمل الحمار في الكارات السبع من ريّ وسقاية وحمل وحراثة ونقل ركاب عمومي وخصوصي.. وحالياً يعمل رئيساً لأكثر من جمهورية، كما يذهب كاتب هذه السطور المعوجة.

يقول عبود: إنه في يوتوبيا العصر الحميري الفاضل لم تكن غزوات ولا سرقات! ومن فضائل الحمار أن الخليفة مروان آخر خلفاء بني أمية لُقّب بالحمار لجلَده وصبره. وبعد ظهور الحصان على شاشة التاريخ تردّى وضعه، وشنق البرغل حاله، والسبب سيرد في هذا المقال ختاماً مسكاً. لم يكن أقدر من الحمار على المساعدة في شق الطرق الجبلية. نال الحصان مئات الأسماء إلى جانب السيف، أمّا الحمار المنكوب، فليس له سوى اسم واحد (وهذا غير صحيح، فللحمار في اللطائف اللغوية خمسون اسماً، وله أسماء أخرى نسيها صاحب اللطائف مولانا أحمد بن مصطفى اللَّبَابِيدي الدمشقي). وأكبر الخدمات الجليلة التي قدّمها الحمار هي بسالته، وتضحيته بنفسه في تمهيد الأرض الملغمة بالقنابل في الحرب العالمية الثانية في سبيل الإنسان الكفور.

يتذكر عبود حمارة بلعام، التي رأت ملاك الرب، وقصة ايسوب وابنه، والحمار الشهيرة، وحده الحمار حمل الأب والابن، ولم يكترث بما يقول الناس، فكلام الناس حسب حكمة حكيم المطربين جورج سوف: “لا بيقدم ولا بيأخر”، ويقول الشاعر هنري ملتون: إن من يبحث عن حمار، يجد مملكة، يشير إلى قصة شاول، الذي ذهب للبحث عن حمير أبيه، فوجد مملكة، فقد صيرّه صموئيل ملكاً، وفي دون كيشوت، الحمار هو رمز اللطف والكياسة، والحصان رمز العنف.

مناسبات هذا الحديث كثيرة، إحداها عثور مواطنين مصريين في الصحراء على مذبحة لعشرات آلاف الحمير على مدّ النظر، “مختفين قسرياً”، فصدّروه في فيديو على منصات التواصل والقصف الاجتماعي، كلها هياكل عظمية، كما لو أننا في أفلام إيطالية لبازوليني، ومع الفيلم دعوة على السيسي “ربنا يديه على أد نيته”. يتحدث الباحثون والسياسيون بما فيهم خبراء غربيون عن ثورة جياع على النار، لكن السيسي خائضٌ في بحر مكافحة الإرهاب، وتجديد الخطاب الفرعوني، وقد علا في الأرض، وأمس وضع يده مع زميلين من نفس الرتبة في عالم الطحالب، على كرة أرضية مضيئة كما في أفلام الخيال العلمي، وأمس غضب من عضو مجلس الشعب الذي طالب بتأجيل رفع الأسعار، أو رفع الحد الأدنى للأجور، فالتفت السيسي إليه، ونظر إليه نظرة رئيس الوزراء الهندي الشزرة في مقابلة أوباما الشهيرة، وقال له: انت مين؟ سأله وكأنه شاويش أو عسكري على حاجز!

وكان المكان كله محاصراً، وخشينا أن يضرب في المليان!

أوافق الباحث عبود مضضاً على أن الحضارة بطلها الحمار، لكن بعربة، فالعربة تعمل بعجلتين، والعجلة الدولاب، أكبر اختراع علمي عرفه البشر حتى الآن، “وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ”، لكن الدكتاتورية ترفض السباحة في الفلك، وهي مقرونة بإيقاف العجلة، الدكتاتورية عصا عجلة التاريخ، وعجلة الحنطور معاً. وكنت كواحد من رعايا هذه البلاد، التي توقفت فيها العجلة عن الدوران، وصار فيها الحمار وجبةً شهيةً على الموائد، في مصر وسوريا، ورئيساً في القصر الجمهوري … أشكو ضعفي وقلة حيلتي إلى ربي، إن شكاتي الكبرى في سوريا كانت العجلة، كنت أحلم بعربة صغيرة  لكل مواطن سوري يحمل عليها جرة الغاز، أو متاع السوق!

قرأت أن الصين تنوي شراء عشرين ألف حمار مصري، وأن سعر الحمار على العظم من غير بردعة. وفي سوريا بلغ سعره 200 دولار بالعملة الصعبة، في حين إن سعر المواطن السوري الحيّ دولار واحد، وهو ثمن الطلقة. أما سعره شهيداً تحت سقف الوطن، فهو ساعة حائط حجرية معطلة.

الحمار كان من أول ضحايا الثورة السورية، وقد يتذكر معي المتذكر، فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ، جند النظام، وقد أسروا كتيبة من الحمير، وراحوا يعدمونهم بالرصاص، أو يقذفونهم من فوق الجروف، وقتها أنكر الناشط السوري محمد العبد الله في الاتجاه المعاكس، على آخر خلفاء بني القرداحة، قائلاً: ليش يحط راسو براس الحمير.. ليش؟

وتابعت عدداً من البرامج التلفزيونية المصرية، ترغّب في أكل لحوم الحمير، وتباهى مذيع بأنه أكله، لكنه لم يوضّح للمشاهدين سبب انحطاط الخطاب الإعلامي، ولم أشهد  برنامجاً واحداً يذكّرّ المشاهدين بأنّ جمهور العلماء اتفقوا على حرمة أكل الحمُر الأهلية. قال الإمام النووي: (مال إلى ‏تحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحب فمن بعدهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة ‏فيه خلافاً ، إلا عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات، ثالثها الكراهة)، ومن الأدلة على ‏التحريم قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمُر الأهلية، ‏فإنها رجس من عمل الشيطان” رواه البخاري ومسلم. وأمره صلى الله عليه وسلم بإكفاء ‏القدور بقوله: “أكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً” رواه البخاري ومسلم. ‏وفي أمره بإكفاء القدور، وإراقة ما فيها، دليل على حرمة لحومها.‏ هذا بخلاف الحمر الوحشية، فإن أكل لحمها مباح.

أما سبب هذا “الجينوسايد”  الحميري، عقب سقوط عربة الربيع العربي، فهو بعد التجويع، وتعويم العملة الدكتاتورية، ونزف الأدمغة، والأقدام الحافية؛ فهو أن الدكتاتورية مقرونة بالحمير دائماً مثل الحضارة، لكن بشرط الحفاظ على التنوع الحيواني في الدولة الوطنية الموقّرة، التي أجزم أنّ الغابة أكثر منها عدلاً. لقد قتلوا الجياد، وعندما تقتل الجياد في المقدمة، يأتي دور الحمير. الحمير الذين يقبعون في حظيرة السلطة الذهبية يخافون من المنافسة الحقيقية على شرف السلطة من بقية الحمير. الحمير مفيدة في بناء الحضارات، لكنها في هرم السلطة تدمّرها. الحضارة  تتطور عندما يكون الحمار المناسب أمام العربة المناسبة.

هناك جملة تصف الانتهازيين بأنهم: “ملكيون أكثر من الملك”، وقد رأينا نخبة يصدق فيها القول: “حمير أكثر من المشير”.

قال حنا عبود بأسف خفي: لم يحدث في التاريخ أنّ صار الحمار مقدساً أو طوطماً.

نبشّركم يا مولانا: صار!

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى