صفحات العالم

الأزمة السورية… سقوط قناع «حزب الله»

كان «حزب الله» يحاول دوماً تصوير نفسه، في صورة الحزب المدافع عن المسحوقين، والحامي للبنان، ويرفض بقوة الدعاوى التي تنكر ذلك، وتتهمه بالسعي فقط لحماية مصالح رعاته الأجانب. ولكن هذه الصورة تمزقت لقطع متناثرة، بعد أن أصبح تورط الحزب في الحرب الأهلية عبر الحدود في سوريا أمراً واضحاً يصعب نكرانه، ويشكل في الآن ذاته خطراً جسيماً على شعب لبنان.

هناك أدلة دامغة في الوقت الراهن على أن «حزب الله» يلعب دوراً نشطاً بالنيابة عن حليفه منذ فترة طويلة الرئيس بشار الأسد، الديكتاتور الذي أدت حملته القمعية الوحشية على ما بدأ كانتفاضة سلمية مطالبة بالديمقراطية، إلى تحويل سوريا إلى حقل للقتل. وكان واحد من كبار قادة الجيش السوري الحر، الذي يمثل القيادة العسكرية للمعارضة المناوئة للأسد، قد أدلى بتصريح قال فيه إنه إذا لم يعمل «حزب الله» على سحب كافة قواته من سوريا، فإن جيشه سوف يبدأ في الهجوم على مواقع الحزب داخل لبنان ذاته. ولم يكد يمضي وقت طويل على ذلك التصريح حتى بدأت الأنباء تترى عن إطلاق نار من داخل سوريا، يستهدف مواقع داخل لبنان.

وكان حسن نصر الله الأمين العام للحزب، قد ظل ينكر دائماً تورط حزبه في سوريا ولكن لم يعد أحد يصدقه… ولا حتى أنصاره ذاتهم.

في مقال نشر في العدد الأخير من مجلة «نيويوركر» ذكر كاتبه « ديكستر فيلكين» أنه قد تحدث مع قائد عسكري لحزب الله يكنى بـ«داني» في أعقاب جنازة قام بها الحزب لعدد من شهدائه الذي حاول الحزب التهرب من ذكر الأسباب الحقيقية لموتهم كالعادة، فاعترف له الرجل بأن العدد المتزايد للجنازات يخص مقاتلين تابعين للحزب قتلوا في سوريا. والحجة التي ساقها داني في معرض تبرير إرسال مقاتلين من الحزب لسوريا بسيطة للغاية، وهي ندرك تماماً أنه « إذا سقط بشار فإننا سنكون التاليين».

داخل لبنان، يعمل «حزب الله»، وهو منظمة تسلحها، وتدربها، وتمولها إيران، كميليشيا مسلحة، وحزب سياسي، ومنظمة لتقديم الخدمات الاجتماعية. ورفض الحزب نزع سلاحه على الرغم من المطالب المتعددة من جانب المعارضة اللبنانية، والدول العربية، والمنظمات الدولية.

ويستمد الحزب مكانته من موقفه الصلب المناوئ لإسرائيل، ووضعه الرمزي كممثل للطائفة الشيعية اللبنانية، وترسانته من الأسلحة التي يتلقاها من إيران، والتي استخدمها في غالبية الحالات ضد إسرائيل وإنْ كان قد استخدمها من وقت لآخر ضد رفاقه اللبنانيين اللذين تجرأوا على تحدي وضعيته كدولة داخل الدولة، وفي الوقت الراهن، يستخدم الحزب سلاحه ضد الشعب السوري. لدى «حزب الله» ترسانة أسلحة تضم عشرات الآلاف من الصواريخ، فضلا عن تلقيه مئات الملايين من الدولارات من إيران، وفقاً لوزارة الخارجية الأميركية. ولكن ترسانته المصنوعة غالبيتها من إيران، كان يتم استكمال نواقصها بواسطة سوريا، بمساعدة من الأسد الذي يعتبر حليفاً مهماً لإيران، والذي يعد ذا أهمية جوهرية لقوة الحزب في الوقت ذاته. وإذا سقط الأسد، فإن الحكومة السورية الجديدة قد ترفض القيام بهذا الدور، وهو ما يدفع الحزب لتوحيد صفوفه مع الأسد، الذي يذبح شعبه، ومع إيران، التي يموت عملاؤها في الوقت الراهن على الأراضي السورية.

وهذا يفسر تجاهل «حزب الله» لمناشدات الشعب اللبناني. فاللبنانيون كما هو معروف منقسمون انقساماً حاداً بشأن الطرف أو الأطراف التي يجب أن يقوموا بتأييدها في الحرب الدائرة في الجوار السوري، ولكن الغالبية العظمى منهم تؤمن بأنه سيفعلون كل ما يتطلبه الأمر للحيلولة دون اندلاع حرب أخرى على الأراضي اللبنانية. داخل لبنان، يشعر القادة السياسيون بغضب شديد تجاه «حزب الله» ليس بسبب تورطه في سوريا، ولكن بسبب سلسلة من المؤامرات ضد المدنيين داخل ما يزيد على ست دول، وهو ما يؤدي لخلق قدر متزايد من التوتر مع العالم.

فها هو «حزب الله» يقوم مرة أخرى بخيانة بلده، فخصومه في لبنان ظلوا طويلا يتهمونه أنه يتصرف بناء على توجيهات سادته في إيران، وحلفائه في سوريا بصرف النظر عما قد يؤدي إليه ذلك من تداعيات على الشعب اللبناني الذين يدعون أنهم يدافعون عنها. «حزب الله» لن ينكر أبداً روابطه الوثيقة مع الأسد ونظامه، منذ بداية الحرب الوحشية في الجوار السوري. فزعيم الحزب تحدث عن الأسد بشكل إيجابي علناً على الرغم من أن حصيلة الخسائر في صفوف السوريين تجاوزت عشرات الآلاف. وعندما بدأت تتسرب أنباء من سوريا إلى خارجها، تفيد أن مقاتلي الحزب قد انضموا لصفوف قوات الحكومة ادعى حسن نصر الله أن ذلك ليس صحيحاً، وإن ظل يعترف من وقت لآخر أن هناك مقاتلين من الحزب يذهبون إلى سوريا من دون تنسيق مع الحزب.

اليوم يجر الحزب لبنان إلى حرب رهيبة تدمر سوريا، ويصطف إلى جانب الرجل الذي ينظر إليه في مختلف أنحاء العالم العربي على أنه جزار فاقد للشرعية.

إن تصرفات «حزب الله» الحالية تزيل عنه قناع الوطنية الذي ظل يصر على التباهي به طويلا، ويظهر بجلاء ما هي تحديداً المصالح التي يعتبر الحزب أن الدفاع عنها يعد أمراً في غاية الأهمية، كما يظهر إلى أي مدى يشعر بأن بقاءه هو قد بات مهدداً بالخطر.

ـ ـ ـ ـ ــ

فريدة جيتس

محللة سياسية أميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم.سي.تي. انترناشونال»

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى