صفحات العالم

الأسد يتابع “شيشنة” سوريا


أسعد حيدر

همّان يشغلان باريس في مواجهة الأزمة السورية. الهمّ الأول والأساسي، في كيفية معالجة العجز الدولي وتحديداً الغربي، لدعم الثورة السورية فعلياً وعملياً، وليس بالخطابات والمواقف. الثاني متفرّع عن الأزمة وهو كيفية منع امتداد النار السورية إلى الداخل اللبناني، خصوصاً وأنّ النظام الأسدي لا يترك وسيلة إلا وقام ويقوم بها لتصدير “السورنة” إليه وكسر السلم الأهلي فيه، لإشغال المجتمع الدولي وبالأخص فرنسا والدول العربية عن “شيشنة” سوريا التي ينفذها باقتدار وخبرات مدروسة لا رحمة فيها.

يعترف الجميع وعلى أعلى المستويات في باريس، بالعجز عن مواجهة الحرب الأسدية في سوريا. جرائم هذه الحرب حتى الآن، وما هو قادم ومحتمل أكبر بكثير مما حصل في كوسوفو أو في ليبيا وحتى في الشيشان. حمص أو حلب وعشرات المدن الصغيرة والقرى الكبيرة تحوّلت كل منها إلى غروزني حقيقية. تغطية هذا العجز تتم بالتلطّي خلف الفيتو الروسي الصيني أو الخوف من “القاعدة” وامكانية وضع يدها على السلاح أولاً وسوريا فيما بعد.

في الواقع العجز الغربي والعربي، يعود إلى غياب القرار الأميركي. تعترف باريس “انه لا يمكنها حتى تقديم الدعم العسكري المكشوف فكيف بإقامة منطقة حظر جوي، طالما أنّ واشنطن غائبة عن القرار والتغطية فالمشاركة. يُعدّ الفرنسيون والآخرون الأيام الباقية حتى موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في مطلع تشرين الثاني بأسى. كأنّ سوريا رهينة والغرب مجرّد مشاهدين، كما حصل مرّات مع الرهائن الغربيين الذين كانت تظهر صورهم والأيام التي مضت على اختطافهم. الخوف من أن يُكسر حزام النار السوري وتنفلت النار أولاً على لبنان ولاحقاً إلى الخارج وصولاً إلى أوروبا، حقيقي. يقول لوران فابيوس وزير خارجية فرنسا: “إذا فشلنا سيتعرّض أمن أوروبا كله للخطر، بدءاً بالإرهاب إلى انتشار الاسلحة مروراً بالهجرة غير الشرعية وصولاً إلى أمن الطاقة”. أمام هذا ما هو الحل الذي يجعل الخمسين يوماً المتبقية أقل خطراً وأكثر إعداداً وتمهيداً لمرحلة ما بعد الأسد؟

بالنسبة للبنان، باريس لن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات النظام الأسدي في تصدير نار “السورنة” إليه. لمّح لوران فابيوس إلى تمديد عمل قوات “اليونيفيل” من جنوب لبنان إلى شماله طالما أنّ الهدف واحد وهو المحافظة على السلم الأهلي. مهمّة “اليونيفيل” “المحافظة على سيادة لبنان”. لا تحتاج مثل هذه المهمة إلى قرار جديد من مجلس الأمن. إذن لا خوف ولا خطر من فيتو روسي. القرارات الدولية الخاصة بلبنان ومنها 1701 تسمح بذلك ضمناً.

أما في ما خص سوريا، فإن المهمة الملحة هي في توحيد القوى المسلحة أو معظمها على الأقل، وتوحيد القوى والمنظمات السياسية بأي طريقة من الطرق، حتى يمكن تسمية حكومة مؤقتة يعترف بها العالم تقريباً. توحيد القوى المسلحة يسمح بتوحيد التمويل والتموين. تسليم المعارضة المسلحة أسلحة دفاعية يصبح ممكناً وذلك مثل المدفعية الثقيلة وصواريخ ضد الدبابات وصواريخ محمولة أرض جو، متى وجدت هذه القوى المسلحة المؤطرة والممسوكة يصبح تسليم هذه الأسلحة مأموناً. الخوف من وصولها إلى متطرفين سلفيين أو من القاعدة هم قاتل ومخيف في هذه المنطقة.

يبقى أن النقاش يدور بين باريس وواشنطن حول هل يسبق تشكيل “مجلس حكماء” الحكومة الانتقالية، أم يتم تشكيل الحكومة وإقامة منطقة عازلة قبل أي شيء آخر؟

ما يعزز التحركات الفرنسية في هذا الوقت الضائع “أن الجيش السوري وان كانت لم تظهر عليه دلائل التشرذم والتقسيم بسرعة إلا انه يعيش حالة من التفكك بطريقة بطيئة ومتواصلة”. يضاف إلى ذلك انحلال اقتصادي ازدادت وتيرته في الفترة الأخيرة، في ظل ضمور المساعدات الخارجية. ذلك أن روسيا تراجع نفسها وتحاول العثور على فتح باب لها يحد من خسائرها، وأن إيران التي تعيش على وقع تدهور “التومان” الإيراني بسرعة هائلة، لن يمكنها في أقصى حد متابعة ضخ المساعدات المالية للنظام الأسدي بعد أقل من ثلاثة أشهر كما تفعل اليوم.

أي انه عندما ينضج القرار الأميركي، تكون إيران ومعها سوريا قد وصلتا إلى حافة الهاوية المالية والاقتصادية مع ما يعني ذلك من ارتدادات داخلية وخارجية عليهما معاً.

رغم حمّام الدم الأسدي في سوريا فإنه كما يقول الشاعر محمود درويش: “خلف شباكنا نهار”.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى