برهان غليونصفحات سورية

الائتلاف بين سخط السوريين وتطلعاتهم/ برهان غليون

ثار السوريون على نظام حكمهم من اجل استبداله بنظام حكم اخر. وهذا يعني في الاحوال العادية، حتى في النظم الديكتاتورية، ان الامر يتعلق اولا بتغيير قواعد الممارسة السياسية بما يمكن كل مواطن من المشاركة، وعلى قدم المساواة، في الحياة العامة، وثانيا حلول نخبة سياسية جديدة متمثلة لهذه القواعد الديمقراطية، وممثلة لها، محل النخبة السابقة. لا يمس هذا التغيير استمرارية مؤسسات الدولة ولا وجود الدولة نفسها.الائتلاف بين سخط السوريين وتطلعاتهم/ برهان غليون

 بيد ان النظام القائم لم يقبل بان تبقى المعركة في حدود الصراع السياسي، بين خصوم يتنازعون على الخيارات الاجتماعية والايديولوجية التي  يريد كل طرف فرضها او تسويدها داخل الدولة، وانما اراد ان يحولها الى معركة صراع على وجود الدولة ذاتها، وهذا ما لخصه انصار النظام بشعار : الاسد او نحرق البلد. واصبح التهديد بتدمير الدولة هو الاستراتيجية الرئيسية التي اتبعها النظام لتوجيه ضربات قاصمة للثوار، ولردع المجتمع عن الالتحاق بالثورة، وجعل ثمن التغيير اغلى مما يمكن  لشعب احتماله.

بدأ تدمير الدولة والتهديد بفتح البلاد للفوضى والخراب بمصادرة  الجيش وجميع مؤسسات الدولة من قبل الفريق الحاكم، ووضعها في خدمة الدفاع عن النظام ضد الشعب، وتحويلها الى ادوات قمع وارهاب. وهكذا تم  تقويض ما تبقى من وحدة الشعب الشكلية ومن الامن ومظهر حكم القانون وعم الخراب مؤسسات الادارة والخدمات العامة، وحل محل السلطة العمومية الواحدة الصراع بين ميليشيات فريق حاكم، تحول الى طرف واحد، يقف في مواجهة الشعب الذي اصبح طرفا اخر، يدافع عن نفسه وحقوقه ضد فريق تحصن بالدولة، واستخدمها حجابا يخفي مصالحه الخاصة.

هكذا وجدت المعارضة نفسها امام تحد لم تعرفه اي معارضة سابقة، ولم تكن تتوقعه، وليست مستعدة له، هو الرد على التدمير الممنهج والمنظم للدولة، وبالتالي اقامة دولة جديدة بديلا لها. بل تجاوز الامر تدمير مؤسسات الدولة العامة الى تدمير الملكية الاجتماعية، الخاصة والعامة، وقتل الشعب بالالاف، وتشريد الملايين، وهدم المنازل، ووضع شعب كامل في العراء : من دون موارد ولا مؤسسات ولا مرافق عامة ولا امن ولا قانون ولا حماية ولا امل.

كان رهان النظام ان يقود التدمير المنظم لمؤسسات الدولة الى ارتداد المجتمع  على الثوار، والقبول بالعودة الى الخضوع للنظام من اجل الحفاظ على الدولة، وتجنب مخاطر الفوضى المرعبة،  وما تعنيه من انعدام الامن، ومخاطر الجوع والتشرد. لكن ما حصل كان معاكسا لذلك. اذ تمسك المجتمع باهداف التغيير الجذري بشكل اكبر. وهذا هو سبب اندفاع الثوار الى السلاح، وتحول الثورة من ثورة سلمية الى ثورة مسلحة.

لم يكن لدى المعارضة وقوى الثورة اي امكانية، لاسياسية  ولا مادية للرد على تحدي بناء مؤسسات دولة جديدة بموازاة خراب المؤسسات القائمة. ولهذا بمقدار ما كانت الثورة تتقدم وتفرض بقاءها ونفسها على النظام، كان خراب الدولة يتفاقم مع ما يتركه من فراغ وفوضى، وكانت الهوة تزداد بين المعارضة والمجتمع. صار تقدم الثورة وتراجع سيطرة النظام، في ظروف فشل المعارضة في وضع مؤسسات دولة بديلة، يترجم بمزيد من الفوضى وغياب القانون والامن، وبالتالي بمزيد من الضغط على المعارضة لتقوم  بسد الفراغ.

موقف الراي العام السوري الساخط  على المعارضة مفهوم تماما: اذا كنتم قد تصديتم للقيادة فعليكم ان تتحملوا مسؤولياتها وتقوموا بمقتضياتها، وهي اليوم : ضمان انتصار الثورة من جهة، واعادة بناء الدولة السورية ومؤسساتها الجديدة التي تزداد الحاجة اليها بموازاة خراب دولة الاسد  وانهيارها على ايدي اصحابها انفسهم. واذا كنتم غير قادرين على حمل هذه المسؤولية  وتقديم اجابات على التحديات المطروحة فما عليكم الا ان تتنحوا وتفسحوا الفرصة لغيركم.

هذا موقف حق لاىمكن ان يحتمل اي خلاف.

لكن المسألة تصبح اكثر تعقيدا اذا طرحنا سؤال: من هو الفريق او المجموعة التي تملك القدرة السياسية والمادية والخبرة والموارد والامكانيات التي تسمح لها باعادة بناء الدولة السورية، واحتواء كل ما حصل من دمار وخراب، وما يحصل من كوارث يومية جراء استمرار الصراع وفشل المجتمع الدولي عن  تقديم اي مساعدة جدية في موضوع حماية السوريين ووقف المجازر واعمال التدمير الجارية.

في اعتقادي،  التحدي الذي يواجهنا نحن السوريين اليوم، من جراء سياسة الارض المحروقة التي يتبعها النظام، اكبر بكثير من امكانيات كل النخب  السورية، بل ومما يمكن ان تقوم به المساعدة الدولية. ينبغي ان نعترف اننا ننعيش كارثة وطنية لا سابق ولا نظير لها في التاريخ الحديث، وان مواجهتها تحتاج الى يقظة وطنية غير مسبوقة ايضا، وتحفيز روح التضحية والتضامن والتعاون  عند جميع السوريين، ومن باب اولى اؤلئك المتنطحين لمهام القيادة والتغيير، وقبل ذلك، وفي مقدمه، تنمية الشعور بالمسؤولية العامة، التي هي اليوم صنو الوطنية ومضمونها الرئيسي.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى