صفحات الرأي

الانتفاضات العربيّة وآفاق مقاطعة «إسرائيل»


سماح إدريس

في مقال سابق كتبتُ أنّ الانتفاضات العربيّة، وخلافاً لرغبات الناشطين من أجل تحرير فلسطين، لم تُعِرْ أيَّ مسألةٍ تتعدّى إسقاطَ الاستبداد المحلّيّ كبيرَ اهتمام، وإنما أصرّ معظمُ دعاتها على أنّ تحرير فلسطين لن يتمّ إلّا بعد «تحرير البلدان العربيّة من الطغيان» وعلى أنّ «فلسطين لا يحرّرها إلا العربُ الأحرار»(1).

ولأعترفْ بأنّني سايرتُ هذا التفكيرَ على امتداد الانتفاضتين التونسيّة والمصريّة، فضلاً عن الأشهر الخمسة الأولى من عمر الانتفاضة السوريّة (2). وربّما يعود ذلك إلى عملي النشريّ والصحافيّ الذي يَهجس بالحريّات؛ أو قد يعود إلى تربيةٍ شبابيّةٍ بين بيروت ونيويورك، ربطتْ بين التحرير القوميّ والحريّات الفرديّة.

فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ استبدادَ مبارك وبن عليّ في الداخل ترافَقَ طوال عقود مع انصياعهما للأجندة الأميركيّة ــ الإسرائيليّة، فهمنا لماذا تراءى لكثيرين، ومنهم كاتبُ هذه السطور، أنّ إسقاطهما سيؤدّي لا محالة، وبشكلٍ آليّ، إلى إسقاط هذه الأجندة نفسها، لصالح أجندةٍ مغايرةٍ تماماً تنادي بتحرير فلسطين.

غير أنّ مسار الأحداث المتلاحقة هشّم الآمالَ وقوّض الأوهام. وقد بدأ انقشاعُ الأوهام هذا مع أحداث ليبيا. إذ بغضّ النظر عمّا إذا كانت الانتفاضةُ الليبيّةُ ذاتَ جذورٍ محليّةٍ (وهي لا بدّ أن تكون كذلك بسبب طغيان القذافي المتواصل منذ الفاتح من سبتمبر عامَ 1969)، فإنّها سرعان ما تحوّلتْ إلى أداةٍ في يد القوى الغربيّة الطامعة في احتكار ثروات ليبيا، والطامحةِ إلى مصادرةِ عمليّة إعادة إعمارها بعد «التحرير» إلى حدّ إغضاب الحليف الروسيّ اللدود. وتبيّن أيضاً أنّ السلطة الجديدة هناك باتت في قبضة قوى ذاتِ ارتباطٍ سابقٍ بتنظيم القاعدة، وارتباطٍ حاليّ بالولايات المتحدة، وذاتِ رؤيةٍ تُرْجع المرأةَ الليبيّةَ إلى عهودٍ أسوأَ ممّا هي عليه، الآن بعدما شرّع «الإسلامُ المعتدلُ» هناك تعدّدَ الزوجات. وتسارعتِ الأنباءُ التي تفيد بوجود نيّةٍ لدى القيادة الليبيّة الجديدة في التطبيع مع العدوّ الإسرائيليّ، بعدما أكّد «فيلسوفُ الربيع العربيّ»، المفكّرُ الصهيونيُّ الفرنسيّ برنار هنري ــ ليفي، لنتنياهو أنّ مصطفى عبد الجليل وَعده بإقامة علاقاتٍ متينةٍ مع إسرائيل.

هذا في ليبيا التي انتصرتْ على الاستبداد القذافيّ فعلاً لكنّها توشك أن تغرق اليوم في النهب الاقتصاديّ، والتبعيّةِ السياسيّة، والنكوصيّةِ الدينيّة، والغزلِ مع إسرائيل. بيْد أنّ التراجع عن خطّ الانتفاضة باتجاه هذا الغزل لم يقتصرْ على ليبيا، بل امتدّ إلى تونس ومصر، والديْ الانتفاضات العربيّة الأساسييْن. فراشد الغنوشي، زعيمُ حزب النهضة الإسلاميّ، نفى أن ينصّ الدستورُ التونسيّ على ما يمنع تونسَ من إقامة علاقات مع إسرائيل(3). وأبو المنعم أبو الفتوح، زعيمُ الإخوان وأحدُ المرشّحين الأساسيين لرئاسة مصر، أقرّ قبل حوالى العامين في حديث إلى القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيليّ، بوجود إسرائيل، وطالب الفلسطينيين بالاعتراف بها، وتعهّد باحترام اتفاقيّات كامب ديفيد(4).

غير أنّ الانتكاسة الكبرى في الانتفاضات العربيّة، في ما خصّ المسألة الفلسطينيّة تحديداً، جاءت من سوريا. ففي البداية، في آذار 2011، تفاءل كثيرون في أن يؤدّي التخلّصُ من استبداد النظام السوريّ إلى تخليص فلسطين من احتكاره، مذكّرين بدوره في شقّ صفوف الفلسطينيين ومحاولة احتوائهم. وآخرون اعتبروا أنّ دعم هذا النظام لبعض الفصائل الفلسطينيّة لا يبرّر إبقاءَ جبهة الجولان صامتةً أكثر من أربعين عاماً، ولا يسوّغ آلامَ السوريين الهائلة (نتذكّر هنا عبارةَ تميم البرغوثي: «إنْ كان تحريرُ فلسطين يقتضي تعذيبَ أطفالِ سوريا، فأبقُوها محتلّةً خيرٌ لأطفالِكم وأطفالِها!»). غير أنّ توجّهاتِ فصيلٍ معارض بارزٍ لم تحملْ إشاراتٍ مطمْئنةً إلى استراتيجيّة «سوريا الجديدة» حيال فلسطين. فرئيسُ المجلس الوطني السوريّ أكّد أنّ «سوريا الجديدة» ستوقف دعمَها لحركة حماس (جاء تأكيدُه هذا قبل إدارة «حماس» ظهرَها للنظام السوريّ باتجاه التحالف مع قطر وتركيا، لكني لا أعتقد أنّ سوريا في ظلّ حكم «المجلس الوطنيّ» ستدعم الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين مثلاً!). ونائبتُه، بسمة قضماني، جهرتْ قبل أعوام بضرورة وجود إسرائيل(5). ونائبُ المرشد العامّ للإخوان المسلمين، محمد فاروق طيفور، جلس في الصفوف الأماميّة في مؤتمرٍ نظّمه الصهيونيّ هنري ــ ليفي في باريس(6). والمتظاهرون السوريون أنفسُهم لم يُطْلقوا اسمَ «جمعة فلسطين» على أيٍّ من جُمَعهم طوال عامٍ كامل ــ وكأنّ المجلس الوطنيّ لا يريد أن يبعث «رسالة خاطئة» إلى «المجتمع الدوليّ»، الذي يعني اليوم بالنسبة إليه حلفاءَه في أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا أردوغان!

كلُّ ذلك لا يحُول دون وجود بعض الإيجابيّات القليلة وسط الانتفاضات العربيّة في ما يخصّ قضيّة فلسطين والصراع مع العدوّ. أهمُّها تفجيرُ أنابيب الغاز بين مصر والكيان الصهيونيّ والأردن 14 مرّةً (ألا زادها الله!)؛ واقتحامُ السفارة الإسرائيليّة في القاهرة؛ وتطور عمل مقاطعة العدوّ (ومن ذلك نجاحُ «حملة مقاطعة داعمي إسرائيل ــ لبنان» في دفع مغنّيةٍ صهيونيّةٍ إلى الامتناع عن القدوم إلى بيروت، ونجاحُها في أن تحرِّكَ لدى «مكتب مقاطعة إسرائيل» قضيّة منع استيراد منتجات شركة سينيروم الإسرائيليّة، وإبلاغ المكتب العامّ لمقاطعة إسرائيل بشركةٍ تقدِّم معدّاتٍ عسكريّةً للاحتلال هي شركة جي. 4 أس). فضلاً عن بعض الاعتصامات والتظاهرات التقليديّة المتضامنة مع الأسرى الفلسطينيين أو المندِّدة بهمجيّة العدو، وذلك في تونس والمغرب وأقطارٍ أخرى. من الطبيعيّ أن تركّز الانتفاضاتُ العربيّةُ على تغيير أنظمتها الاستبداديّة، أعميلةً كانت أمْ متواطئةً أمْ ممانعةً. فالحريّةُ والقضاءُ على الفساد وتحسينُ الأوضاع المعيشيّة مطالبُ مشروعةٌ وملحّةٌ، وليس في مقدور أيٍّ كان أن يؤجّلَها إلى ما لا نهاية، وإنْ بذريعةِ غايةٍ نبيلةٍ كتحرير فلسطين. لكنّنا سنكون واهمين إنْ ظننّا أنّ إسقاط الرئيس المستبدّ كفيلٌ في ذاته بإسقاط النظام، أو كفيلٌ بالاستدارة نحو تحرير فلسطين. فواقعُ الأمر أنّ أجندةَ التغيير الداخليّ وأجندةَ تحرير فلسطين لا تتماهيان بالضرورة، بل تتقاطعان. ومثلما أنّ فلسطين كانت إحدى ذرائع الأنظمة لممارسة الطغيان الداخليّ، فإنّ الديموقراطيّة قد تكون ذريعةً للتنصّل من تحرير فلسطين أو من الاهتمام بأيّ قضيّةٍ قوميّةٍ أخرى.

حتى الظواهرُ الإيجابيّةُ التي ذكرتُ عدداً منها لم يكن كلُّها مقصوداً: فتطوّرُ حملة مقاطعة داعمي العدوّ في لبنان اليوم، مثلاً، لم يتمّ في سياق الانتفاضة اللبنانيّة الضعيفة لإسقاط النظام الطائفيّ، بل كردّة فعلٍ على دعوى ماليّةٍ ضخمةٍ رفعها متعهّدُ حفلاتٍ على الحملة، بعد دعوتها إلى مقاطعة فرقةٍ داعمةٍ للعدوّ كان قد استقدمها آنذاك. واقتحامُ السفارة الإسرائيليّة في القاهرة لم يحدث احتجاجاً على كامب ديفيد أو جرائم الاحتلال، رغم شجب المتظاهرين للأمرين طبعاً، بل بعد مقتل ستة جنود مصريين على يد الاحتلال.

أيعني ذلك كلُّه أن يَغْرق أنصارُ تحرير فلسطين ومقاطعة العدوّ في التشاؤم، فيتراجعوا عن نشاطهم أو يجلسوا صامتين بانتظار ما ستؤُول إليه الانتفاضاتُ العربيّة؟ كلا طبعاً. فالتراجعُ والصمتُ مقدّمةٌ لصمتٍ أكبر وتراجعٍ أكبر في قضيّة تحرير فلسطين. لكنْ هل ستؤدّي الانتفاضاتُ إلى أيّ تقدمٍ في أجندة تحرير فلسطين؟ الجواب هنا يتوقّف على سيرورة هذه الانتفاضات وسط التجاذبات الداخليّة والخارجيّة، وصولاً إلى إسقاط النظام، لا رمزِه الأولِ فحسب. كما أنّه يتوقّف على دور الناشطين المؤيّدين لتحرير فلسطين ـــ وأقصد: 1) دورَهم في الربط بين إسقاط الأنظمة وإسقاط تبعيّتها السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والعسكريّة للدول الغربيّة الرأسماليّة حليفةِ إسرائيل، وذلك في حالات الأنظمة التابعة لذلك الغرب؛ 2) دورَهم في الربط بين حريّة أقطارهم في الداخل وبين التحرير على المستوى القوميّ، وذلك في حالة الأنظمة الاستبداديّة غير المتحالفة مع العدوّ. المهمّ في كلّ الحالات ألّا نسمح بتأجيل نصرة فلسطين، أيّاً كانت الذريعة. وقد يكون أفضلَ ما يستطيع أنصارُ فلسطين فعلَه في هذا الوقت الدقيق ثلاثة أمور: 1) تثقيفُ الذات والآخرين بتاريخ فلسطين ومقاومتِها الطويلة وتاريخِ مقاطعة الظلم والعنصريّة في العالم، وذلك عبر الكتابة والندوات والأنشطة الميدانيّة. 2) «النقّ» داخل أيّ مجموعةٍ سياسيّةٍ محلّيّةٍ على عدم تجاهل قضيّة فلسطين أو تأجيل حلّها إلى ما بعد تغيير النظام الاستبداديّ المحلّيّ؛ فمن يؤجّلُ فلسطين سنةً قد يؤجّلُها إلى الأبد. 3) تفعيل مقاطعة العدوّ وداعميه.

ختاماً، فإنّ الانتفاضات العربيّة لم توسّعْ جبهةَ الكفاح المسلّح ضدّ العدوّ حتى اللحظة. فهل تكون الوسيلة الأفعل المتاحةَ أمام المواطنين العرب اليوم، وفي المدى المنظور، هي وسيلةُ مقاطعة الشركات الإسرائيليّة حيثما وُجدتْ، ومقاطعة ممثّلي العدوّ التجاريين والديبلوماسيين حيثما وُجدوا، ومقاطعة الشركات التجاريّة والفِرق الفنيّة الداعمة للعدوّ، وفضح كافة الأنشطة التطبيعيّة معه؟ المسألة لم تكن يوماً الخيارَ بين المقاومة المدنيّة، وعلى رأسها المقاطعة، والمقاومةِ المسلّحة. فالمقاومتان مشروعتان، أخلاقياً وقانونياً وإنسانياً. وليس ثمّة شعبٌ طرد الاحتلالَ مستخدماً نوعاً واحداً من المقاومة، وإنما بتضافر أشكالٍ متعدّدةٍ منها. المسألة هي في التقاط الوسائل الأجدى في كلّ محطةٍ تاريخيّةٍ أو بقعةٍ جغرافيّةٍ بعينها، من دون التخلّي عن الوسائل الأخرى في محطّاتٍ لاحقةٍ أو بقاعٍ جغرافيّةٍ أخرى.

هوامش

(1) الأخبار، 3/4/2012.

(2) راجع مثلاً افتتاحيتي في «الآداب»، 7 ــ 9، 2011.

(3) جريدة السفير، 3/12/2011

(4) لمزيد من المعلومات أرجو العودة إلى مقالي السابق الذكر في جريدة الأخبار.

(5) http://www.youtube.com/watch?v=gDALKgkPBYI&fb_source=message

(6) محمد ديبو، مجلة الآداب، شتاء 2012، ص 11.

* رئيسُ تحرير مجلة الآداب، والمقال هو نصّ المداخلة التي ألقاها في «مؤتمر فلسطينيي الوطن والشتات ــ نحو نضال فعّال ومعولم وغير إقصائيّ من أجل حقوق الشعب الفلسطينيّ» (إسطنبول، 12 ــ 15 نيسان 2012).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى